منتدى ماجده أضف للمفضلة
|
|
كلمة مرور المنتدى
كلمة مرور مكتوب
|
![]() |
![]() |
![]() |
||
![]() |
|
![]() |
||
![]() |
![]() |
![]() |
|
|
||||||
منتدى التربية الإسلامية الدروس الإسلامية والتحضيرات |
![]() |
|
|
LinkBack | أدوات الموضوع |
|
|
#1 (permalink) | ||||||||||||
|
الحمد لله , القائل : ( وَقَضَى رَبُكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلَّا إِياَّهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ) [ الإسراء : 23 ] . , فقد رفع منزلتهما إلى منزلة عظيمة , حين قرن بين حقه – سبحانه – وحقهما . فجعل الإحسان إليهما , وبرهما عقيدة يثيب ويعاقب عليها , وأنزلها في أعلى مراتب الحقوق الشرعية , بعد حقه في الوحدانية
ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ . وإذا كان الحق العظيم – سبحانه - يوصي بالوالدين , فأي حد من البر يكافئ هذه الوصية ؟! وأي إحسان لهما يوازي هذا الإحسان من الله لهما , حيث أنزلهما بهذه المنزلة ؟! يقول ابن عباس : ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاث , لا يقبل الله منها واحدة بغير قرينتها , إحداهما قوله تعالى : ( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) [ النساء : 59 ] : فمن أطاع الله ولم يطع الرسول لم يقبل منه , الثانية : قوله تعالى : ( وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ) [النور : 56 ] فمن صلى ولم يزك لم يقبل منه , الثالثة : ( أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ) [ لقمان : 14 ] فمن شكر الله ولم يشكر لوالديه لم يقبل منه . وكم ممن وقف في هذه الحياة مواقفاً , وكم من الأعمال عمل لهما , ويظن بنفسه الخير في برهما , وهو قد عقهما من حيث لا يشعر ! وكم ممن انغمس في زهرة الدنيا , وانشغل عنهما , وقد زينت له نفسه أنه على حق ! وكم من الجرائم التي يشيب منها الرأس ارتكبت في حق الآباء , من أبناء عاقين , زين لهما الشيطان سوء عملهم , فرأوا أن الانتقام منهما – مهما كانت الأسباب – حق شخصي ! فما أعظمه من ذنب ! وما أشده من جرم ! , أن نرى أم قد وهن العظم منها لكبر سنها,أفنت زهرة شبابها في الحمل , والولادة , والتربية , وعانت ما عانت . وأب قد فقد زهرة شبابه في تربية أبنائه , وعرض نفسه للمشقة الجسدية في العمل , وتحمل الضغوط والأذى النفسي, ليوفرا لأبنائهما الحياة الكريمة . ثم لم يجدا إلا الأذى والعقوق ! . حقاً , إن برهما أعظم عبادة يتقرب بها المرء لربة , بعد الإيمان به – سبحانه - . وإن عقوقهما , أعظم جريمة – بعد الشرك – يعصى بها الله على وجه الأرض . وأقل ما يجب علينا أن نذكر بهذا الحق , فلعل النفس تصلح ما قصرت فيه , ولعل الغير يستفيد فيثيب الله والدينا بالأجر والمثوبة من طباعة هذا الكتيب . وما بين البر والعقوق ,سنتأمل في قوله تعالى : ( وَقَضَى رَبُكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِياَّهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَهُمَا أُفِّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَيَانِي صَغِيراً ) [ الإسراء : 23-24 ] قال الشيخ السعدي في تفسيره " تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان " : ( وقضى ربك ( قضاء دينياً , وأمر أمراً شرعياً )أن لا تعبدوا ( أحداً من أهل الأرض والسموات الأحياء والأموات . ) إلا إياه ( لأنه الواحد الأحد , الفرد الصمد , الذي له كل صفة كمال , وله من تلك الصفة أعظمها على وجه لا يشبهه أحد من خلقه . وهو المنعم بالنعم الظاهرة والباطنة , الدافع لجميع النقم , الخالق , الرازق , المدبر لجميع الأمور , فهو المتفرد بذلك كله , وغيره ليس له من ذلك شيء . ثم ذكر بعد حقه القيام بحق الوالدين , فقال : ) وبالوالدين إحساناً ( أي : أحسنوا إليهما بجميع وجوه الإحسان , القولي والفعلي , لأنهما سبب وجود العبد , ولهما من المحبة للولد والإحسان إليه , والقرب , ما يقتضي تأكد الحق ووجوب البر )إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ( أي : إذا وصلا إلى هذه السن , الذي تضعف فيه قواهما , ويحتاجان من اللطف والإحسان ما هو معروف . ) فلا تقل لهما أف (وهذا أدنى مراتب الأذى , ونبه به على ما سواه , والمعنى لا تؤذهما أدنى أذية . ) ولا تنهرهما (أي : تزجرهما , وتتكلم لهما كلاماً خشناً , ) وقل لهما قولا كريما (بلفظ يحبانه , وتأدب وتلطف بكلام لين حسن يلذ على قلوبهما , وتطمئن به نفوسهما , وذلك يختلف باختلاف الأحوال والعوائد والأزمان . ) واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ( أي : تواضع لهما , ذلاً لهما ورحمة , واحتساباً للأجر , لا لأجل الخوف منهما , أو الرجاء لما لهما , ونحو ذلك من المقاصد التي لا يؤجر عليها العبد . ) وقل رب ارحمهما ( أي : ادع لهما بالرحمة أحياء وأمواتاً , جزاء على تربيتهما إياك صغيراً . وفهم من هذا , أنه كلما ازدادت التربية ازداد الحق , وكذلك من تولى تربية الإنسان في دينه ودنياه , تربية صالحة غير الأبوين , فإن له على من رباه حق التربية . ) وقال سيد قطب في ظلال القرآن : ( " إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما " والكبر له جلاله , وضعف الكبر له إيحاؤه , وكلمة "عندك " تصور معنى الالتجاء والاحتماء في حالة الكبر والضعف . " فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما " وهي أول مرتبة من مراتب الرعاية والأدب , ألا يند من الولد ما يدل على الضجر والضيق , وما يشي بالإهانة وسوء الأدب . "وقل لهما قولاً كريماً " وهي مرتبة أعلى إيجابية أن يكون كلامه لهما يشي بالإكرام والاحترام . " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة " وهنا يشف التعبير ويلطف , ويبلغ شغاف القلب وحنايا الوجدان . فهي الرحمة ترق وتلطف حتى لكأنها الذل الذي لا يرفع عيناً, ولا يرفض أمراً . وكأنما للذل جناح يخفضه إيذاناً بالسلام والاستسلام . " وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً " فهي الذكرى الحانية , ذكرى الطفولة الضعيفة يرعاها الوالدان , وهما اليوم في مثلها من الضعف والحاجة إلى الرعاية والحنان . وهو التوجه إلى الله أن يرحمهما, فرحمة الله أوسع , ورعاية الله أشمل , وجناب الله أرحب . وهو أقدر على جزائهما بما بذلا من دمهما وقلبهما مما لا يقدر على جزائه الأبناء . ) أهـ • واخفض لهما جناح الذل : ما كان الجناح في الطائر إلا للطيران , والعلو , وما خفضه طائر إلا ليصل إلى الأرض , فينال ما يحتاجه من شئون حياته . والله تعالى أمر المسلم بخفض جناحه لوالديه , لينال رضى الله المقرون برضاهما , وينال ما يريد من خيري الدنيا والآخرة . ولم يرضى الإسلام لأتباعه بالذل لأحد – أياً كان – إلا للوالدين ! . الذل دليل الضعف , والمهانة , وما يصدر إلا عن خائف , وما يكون إلا لمتكبر جبار . لذلك قال تعالى ( من الرحمة ) فذل الرحمة , ما هو إلا حقيقة العز , وإن صدر من محب مشفق ليس بخائف , فهو ذل تواضع لا مهانة , وهو العز بعينه . وما ذل خائف لجبار إلا وهو يطمع في مطمع يناله منه . وما ذل بار لوالديه إلا وهو لا يبتغي إلا رضا الله تعالى , فيؤجر على ذلك . فصار خفض الجناح للطائر خفض حقيقي , وخفضه من البار لوالديه علو حقيقي – علو دنيا وآخرة - . فهذا الذل إذن هو سبيل العز في الدنيا والآخرة . • فلا تقل لهما " أف " : ( وَاْلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍ لَكُمَا أَتَعِدَانِِنِي أَنْ أُخْرَجُ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الْأَوَلِينَ ) [ الأحقاف : 17 ] قال الشيخ السعدي في تفسيره : ( ذكر – الله – حال العاق , وأنها شر الحالات , فقال : )والذي قال لوالديه (إذ دعواه إلى الإيمان بالله واليوم الآخر , وخوفاه الجزاء . وهذا أعظم إحسان يصدر من الوالدين لولدهما , أن يدعواه إلى ما فيه سعادته الأبدية , وفلاحه السرمدي, فقابلهما بأقبح مقابلة , فقال : ) أف لكما (أي : تباً لكما ولما جئتما به . ثم ذكر وجه استبعاده وإنكاره لذلك فقال : )أتعدانني أن أخرج (من قبري إلى يوم القيامة , )وقد خلت القرون من قبلي (على التكذيب , وسلفوا على الكفر , وهم الأئمة المقتدى بهم لكل كفور وجهول ومعاند ؟ )وهما ( أي : والداه ) يستغيثان الله ( عليه , ويقولان له : )ويلك آمن ( أي : يبذلان غاية جهدهما , ويسعيان في هدايته أشد السعي , حتى أنهما – من حرصهما عليه – أنهما يستغيثان الله له , استغاثة الغريق , ويسألانه سؤال الشريق , ويعذلان ولدهما , ويتوجعان له , ويبينان له الحق , فيقولان : ( إن وعد الله حق ( ثم يقيمان عليه الأدلة ما أمكنهما , وولدهما لا يزداد إلا عتواً ونفوراً , واستكباراً عن الحق وقدحاً فيه , ) فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين (أي : إلا منقول من كتب المتقدمين , ليس من عند الله , ولا أوحاه الله إلى رسوله , وكل أحد يعلم أن محمداً صلى الله عليه وسلم أمي لا يكتب ولا يقرأ , ولا تعلم من أحد , فمن أين يتعلمه ؟ وأنَّى للخلق أن يأتوا بمثل هذا القرآن ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ؟ . ) عند تأمل هذه الكلمة – التي لا أدنى منها في الأذى قولا , ولا أعظم منها جرماً – نجد أنها مكونة من حرفين , هما الهمزة ومخرجها الحلق , وحرف الفاء ومخرجه الشفتين . وعند النطق بها يمر النفس معها على جميع المخارج . فيشعر من ينطقها أنها تعبر عن شدة الضجر , ويدرك سامعها كم فيها من الأذى ! . وهي عذاب وعقوق لكل من يسمعها تقال له , فكيف إذا قيلت للوالدين ؟!!! إذن هي أدنى الكلمات نطقاً من حيث عدد حروفها , وهي أدنى الكلمات نطقاً من حيث سوءها . بل هي في حقيقتها صوت , يظهره الإنسان ليعبر عن ضجره , وفي المعجم المفهرس للغة والإعلام : أف : اسم فعل بمعنى أتضجر وأتكره , يقال " أفاً له وعليه " أي : قذراً له . أهـ فليس عبثاً نهي الله عنها ! فالحديث عن الأثر السيئ لهذه الكلمة في نفس من يتدبر فيها , تعجز الكلمات عن التعبير عنه . فكيف بذنب من يقولها؟ ! وكم هو ذنب من يقول , أو يفعل ما هو أشد منها لوالديه ؟ ! وقيل إن ابن عون نادته أمه , فأجابها , فعلا صوته صوتها , فأعتق رقبتين . ابن عون علا صوته على صوت أمه دون قصد , ففعل ما فعل , فكيف بمن يعلو صوته عليهما متعمدا قاصدا , أو ناهراً زاجراً ؟! لكن قد يعلو الصوت لسبب مشروع , كأن يكون – أحد الوالدين – ضعيف السمع , فلا يسمعه إلا إذا رفع صوته , فهذا نسأل الله – تعالى – له المثوبة . وعن ابن عون, أن محمداً بن سيرين كان إذا كان عند أمه , لو رآه رجلٌ لا يعرفه , ظن به مرضاً , من خفض كلامه عندها . ( سير أعلام النبلاء 1 / 460 ) رحمك الله يا بن سيرين , أي حب في قلبه لأمه ؟ ! وأي إجلال في نفسه لها ؟! وتروى قصة أن أحد الآباء طلب من ابنه أن يأخذه في نزهة لمكان ما , وقد أخذا معهما فاكهة, وعند شجرة وقف الأب , ثم صعد على الشجرة , وطلب من ابنه أن يناوله فاكهة , فأخذها الأب , وأسقطها على الأرض , فأخذها الإبن وأعطاها للأب مرة أخرى , وأسقطها الأب مرة ثانية , وثالثة , فغضب الابن , وصرخ في وجه أبيه . فقال له الأب : يا بني , عندما كنت صغيراً , وعلى هذه الشجرة , كنت أعطيك الفاكهة , فتلقيها على الأرض , فأنزل وأحضرها لك , وأنت تضحك , وأنا أضحك فرحاً لفرحك , تفعل ذلك مرات ومرات , وأنا أنزل وأناولك إياها , وقد غمرني السرور لسرورك , والآن تصرخ علي . في هذا الموقف رسالة من هذا الأب لكل ابن يقول فيها : عامل والديك عند كبرهما , بما كانا يعاملانك به في صغرك , تذكر ضعف صغرك , وشفقتهما عليك , ولا تغتر بفتوة شبابك – التي ما وصلت إليها إلا بحدبهما عليك – فهما يحتجان إلى هذه الفتوة لتكون عوناً لهما في حال ضعفهما , يحتاجان إليها لتكون فيئاً يقيهما من حر هاجرة كبر السن . وقد أمر الله ببر الوالدين , والإحسان إليهما في أكثر من آية من آيات القرآن , ويكفي الوالدين شرفاً , والأبناء استشعاراً لعظم حقهما , أن الله تعالى قرن الإحسان إليهما مع الأمر بعبادته . كما في سورة النساء حيث قال تعالى : ( وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إَحْسَاناً ) [ النساء : 36 ] قال الشيخ السعدي في تفسيره : ( .......ثم بعد ما أمر بعبادته والقيام بحقه , أمر بالقيام بحقوق العباد , الأقرب فا لأقرب . فقال : ) وبالوالدين إحساناً ( أي : أحسنوا إليهم بالقول الكريم , والخطاب اللطيف , والفعل الجميل , بطاعة أمرهما , واجتناب نهيهما , والإنفاق عليهما , وإكرام من له تعلق بهما , وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا بهما , وللإحسان ضدان, الإساءة , وعدم الإحسان , وكلاهما منهي عنه . ) وقال سيد قطب في ظلاله : ( ثم ينطلق إلى الأمر بالإحسان إلى الوالدين – على التخصيص- ولذوي القربى – على التعميم – ومعظم الأوامر تتجه إلى توصية الذرية بالوالدين – وإن كانت لم تغفل توجيه الوالدين إلى الذرية – فالله أرحم بالذراري من آبائهم وأمهاتهم في كل حال . والذرية بصفة خاصة أحوج إلى توجيهها للبر بالوالدين – بالجيل المدبر المولي - , إذ الأولاد – في الغالب - يتجهون بكينونيتهم كلها , وبعواطفهم ومشاعرهم واهتماماتهم إلى الجيل الذي يخلفهم , لا الجيل الذي خلفهم ! . وبينما هم مدفوعون في تيار الحياة إلى الأمام , غافلون عن التلفت إلى الوراء , تجيئهم هذه التوجيهات من الرحمن الرحيم , الذي لا يترك والداً ولا مولوداً , والذي لا ينسى ذرية ولا والدين , والذي يعلم عباده الرحمة بعضهم ببعض , ولو كانوا ذرية أو والدين . ) أهـ وفي سورة الأنعام : ( قُلْ تَعَالَوْا أََتْلُ مَا حَرَمَ رَبُكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ) [ الأنعام : 15 ] قال الشيخ السعدي في تفسيره : ( وبالوالدين إحساناً ( من الأقوال الكريمة الحسنة , والأفعال الجميلة المستحسنة , فكل قول وفعل يحصل به منفعة للوالدين أو سرور لهما , فإن ذلك من الإحسان , وإذا وجد الإحسان انتفى العقوق . ) وفي سورة العنكبوت : ( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرَكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا إَلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ ) [ العنكبوت : 8-9 ] قال الشيخ في تفسيره : ( أي : وأمرنا الإنسان , ووصيناه بوالديه حسناً , أي : ببرهما والإحسان إليهما , بالقول والعمل , وأن يحافظ على ذلك , ولا يعقهما ويسيء إليهما في قوله وعمله . )وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم (وليس لأحد علم بصحة الشرك بالله, وهذا تعظيم لأمر الشرك , ) فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ( فأجازيكم بأعمالكم , فبروا والديكم وقدموا طاعتهما , إلا على طاعة الله ورسوله , فإنهما مقدمة على كل شيء . ) وقال سيد قطب في ظلاله : ( إن الوالدين لأقرب الأقرباء , وإن لهما لفضلاً , وإن لهما لرحماً , وإن لهما لواجباً مفروضاً – واجب الحب والكرامة والاحترام والكفالة – ولكن ليس لهما من طاعة في حق الله – وهذا هو الصراط - . " ووصينا الإنسان بوالديه حسناً وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما " إن الصلة في الله هي الصلة الأولى , والرابطة في الله هي العروة الوثقى . فإن كان الوالدان مشركين فلهما الإحسان والرعاية , لا الطاعة ولا الاتباع . وإن هي إلا الحياة الدنيا ثم يعود الجميع إلى الله . " إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون " ويفصل بين المؤمنين والمشركين , فإذا المؤمنون أهل ورفاق , ولو لم يعقد بينهم نسب ولا صهر . " والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين " وهكذا يعود الموصولون بالله جماعة واحدة , كما هم في الحقيقة , وتذهب روابط الدم والقرابة والنسب والصهر . وتنتهي بانتهاء الحياة الدنيا , فهي روابط عارضة لا أصيلة . لا نقطاعها عن العروة الوثقى التي لا انفصام لها . روى الترمذي عند تفسير هذه الآية أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه – وأمه حمنة بنت أبي سفيان , - وكان باراً بأمه – فقالت له : ما هذا الدين الذي أحدثت ؟ والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه , أو أموت . فتتعير بذلك أبد الدهر . يقال : يا قاتل أمه . ثم إنها مكثت يوماً وليلة لم تأكل ولم تشرب , فجاء سعد إليها وقال : يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني , فكلي إن شئت , وإن شئت فلا تأكلي. فلما أيست منه أكلت وشربت . فأنزل الله هذه الآية آمراً بالبر بالوالدين والإحسان إليهما , وعدم طاعتهما في الشرك . وهكذا انتصر الإيمان على فتنة القرابة والرحم , واستبقى الإحسان والبر . وإن المؤمن لعرضة لمثل هذه الفتنة في كل آن , فليكن بيان الله وفعل سعد هما راية النجاة والأمان . ) أهـ وعند تأملي لهذه الآيات : ( يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمَئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الْتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ ) [ المعارج : 11-14 ] وجدت أن الله – تعالى – ذكر ما يتمناه المرء في تلك اللحظة , يريد الفداء بأعز ما يملك , فيضحي بالابن والصاحبة , والفصيلة و كل الخلق . فذكر الله تعالى كل من لهم صلة قرابة أو نسب , ولم يذكر الوالدين صراحة ! وهذا يشعرني بعظم مكانتهما عند الله - تعالى - , وكبر حقهما على الأبناء , ففي ذلك الموقف – رغم شدته – لا يتجرأ الابن عليهما , رغم تمنيه النجاة بكل ما يستطيع , وما منعه عن ذلك إلا رب العباد , الذي هو أعلم بعظم حقهما . فهل نعي عظم ذلك الحق ؟؟؟ كم مقدار الهيبة التي تمتلك النفس عند استشعار ذلك ؟ كم مقدار الرهبة التي ينبغي أن تملأ القلب ؟؟ كم مقدار الحب لهما الذي ستحمله المشاعر حينئذ ؟ وعن عبد الله قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله عز وجل ؟ قال : ( الصلاة على وقتها . قال : ثم أي ؟ قال : ثم بر الوالدين . قال ثم أي ؟ قال : الجهاد في سبيل الله . قال : حدثني ولو استزدته لزادني ) صحيح البخاري ( 4 / 69 ) فإذا كان بر الوالدين من أحب الأعمال إلى الله عز وجل , فهل يقدم على برهما شيء من الأعمال , سواء دينية – إلا ما كان فرضاً - أو دنيوية ؟! وكم هي سعادة من أكرمه الله بوجود والديه عنده لينال هذا الحب من الله ! حقاً إن برهما طريق السعادتين – الدنيوية والأخروية - ! وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف , قيل : من يا رسول الله ؟ قال : من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة . ) صحيح مسلم . دعا الرسول – صلى الله عليه وسلم – بالذل والهوان , وعبر عن ذلك بقوله : " رغم أنف " أي لصق بالتراب , وفي هذه الصورة يكون المرء قد كب على وجهه – الذي هو أعلى وأشرف مكان في جسده - في الأرض فالتصق أنفه في التراب . وكرر الدعاء عليه ثلاثاً , والرسول دعوته محققة الإجابة , كل ذلك على من ترك بر والديه في حال كبرهما , وهذا لا يعني أن البر يسقط عنه في حال شبابهما , وإنما ذكر ذلك لمزيد التأكيد والاهتمام . إذن هي معادلة واضحة وضوح الشمس في ضحى النهار , من بر سعد , ومن عق ذل , وهان , وشقي . ورأى ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما رجلاً قد حمل أمه على رقبته وهو يطوف بها حول الكعبة , فقال : يا ابن عمر , أتراني جازيتها ؟ قال : ولا بطلقة واحدة من طلقاتها , ولكن قد أحسنت , والله يثيبك على القليل كثيراً . نزهة الفضلاء ( 1 / 416 ) ولا بطلقة واحدة من طلقاتها ! يا الله , هذه حال البار , فكيف بالمقصرين ؟! وقال عروة ابن الزبير : ما بر والده من شد الطرف إليه . إذن مفهوم البر هو : الطاعة التامة – في غير معصية للخالق - , وحسن المعاملة عن حب , والإحسان إليهما بجميع وجوه الإحسان بدون حد , نعم نكررها – بدون حد - . البر في الدنيا : واحة السعادة , وروضة الحب والحنان , وطريق التوفيق والنجاح , وعلاج كل كرب وهم , وسبب انشراح الصدر . وفي الآخرة : سفينة النجاة , وطريق الجنة , كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو الدرداء – رضي الله عنه – قال : (( الوالد أوسط أبواب الجنة , فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه . )) رواه الترمذي وصححه . فمن لم يدخل الجنة من هذا الباب , ضيع بقية الأبواب . مما سبق فإن من حقوق الوالدين : الإحسان القولي والفعلي لهما . ومما أمرنا الله – تعالى – به من حقوقهما : ( 1 ) الاستغفار لهما : 1- قال تعالى : ( رَبَنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ) [ إبراهيم : 41 ] والذي قال ذلك هو خليل الله إبراهيم عليه السلام , وقد كان أبوه مشركاً , ومع ذلك يبره بالدعاء له . – ولا يجوز الاستغفار للوالدين المشركين نهياً من الله تعالى , لكن إبراهيم فعل ذلك لوعده أباه أن يدعو له , فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه , لكنه لم يعقه . نعم تبرأ من شركه , لكنه لم يتبرأ من أبوته ! تبرأ من شركه , ولم يعاقبه على ذلك بالعقوق ! تبرأ من شركه , ولم يسيء إليه بقول أو فعل , بسبب ذلك ! ولا ينبغي الاستغفار لهما – إذا كانا مشركين – مع بقاء حسن الصحبة لهما . فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( استأذنت ربي أن استغفر لأمي فلم يأذن لي , واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي )) صحيح مسلم (3/65 ) فالرسول صلى الله عليه وسلم مات أبوه قبل أن يولد , وماتت أمه وهو طفل صغير , ورغم ذلك لا يترك برهما , فيزور قبر أمه , ويقف عنده , ويبكي , فأي صحبة خير من هذه الصحبة ! وأي بر أعظم من هذا البر ! - وقال تعالى : ( رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً ) [ نوح : 28 ] ورد هذا الدعاء على لسان النبي نوح عليه السلام – وهو دعاء بر النبوة بالوالدين - وقد خصَّ الوالدين لتأكد حقهما , وعظيم مكانتهما . ثم عمم الدعاء , وذلك من باب عطف العام على الخاص , ويدل على أهمية ما خصص في دعائه . (2) صلتهما في الدنيا حتى لو كانا مشركين : عن أسماء بنت أبي بكر الصديق – رضي الله عنهما – قالت : قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فاستفتيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قلت : قدمت عليَّ أمي وهي راغبة , أفأصل أمي ؟ قال : " نعم صلي أمك " متفق عليه . فالذي حفظ هذا الحق للوالدين المشركين, أيعقل أن يتهاون مع من يضيعه على مسلمين ؟! فيا رب : أكرمتنا بأبوين مسلمين , فلا تحرمنا برهما , بما يرضيك, ويرضيهما عنا . (3) الدعاء لهما بالتوفيق لعمل الطاعات , وشكر النعم بشكره – تعالى - على ما أنعم به عليهما: وقال تعالى : ( وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاَ تَرْضَاهُ وَأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عَبَادِكَ الصَّالِحِينَ ) [ النمل : 19 ] قال الشيخ في تفسيره : ( أي : ألهمني ووفقني ) أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ( فإن النعمة على الوالدين نعمة على الولد , فسأل ربه التوفيق للقيام بشكر نعمته , الدينية والدنيوية , عليه وعلى والديه , )وأن أعمل صالحا ترضاه (أي : وفقني أن أعمل صالحا ترضاه , لكونه موافقاً لأمرك , مخلصاً فيه , سالماً من المفسدات والمنقصات , )وأدخلني برحمتك ( التي منها الجنة , في جملة عبادك الصالحين , فإن الرحمة مجعولة للصالحين على اختلاف درجاتهم ومنازلهم . فهذا نموذج ذكره الله من حالة سليمان عند سماع خطاب النملة ونداءها . ) قال سيد قطب في الظلال : ( " رب " بهذا النداء القريب المباشر المتصل , " أوزعني " اجمعني كلي , اجمع جوارحي , ومشاعري , ولساني , وجناني , وخواطري , وخلجاتي , وكلماتي , وعباراتي , وأعمالي وتوجهاتي , اجمعني كلي , اجمع طاقاتي كلها – أولها على آخرها وآخرها على أولها - ,- وهو المدلول اللغوي لكلمة أوزعني – لتكون كلها في شكر نعمتك عليَّ وعلى والدي . وهذا التعبير يشي بنعمة الله التي مست قلب سليمان – عليه السلام – في تلك اللحظة , ويصور نوع تأثره , وقوة توجهه , وارتعاشة وجدانه , وهو يستشعر فضل الله الجزيل , ويتمثل يد الله عليه وعلى والديه , ويحس مس النعمة والرحمة في ارتياع وابتهال . ) أهـ فقد ألهم الله تعالى نبيه سليمان عليه السلام لحق من حقوق الوالدين , ما كان لأحد أن يفطن له, إلا من وفقه الله تعالى , وهو شكر الله تعالى على ما أنعم به الله على الوالدين . ومن البديهي أن نقول إن ذلك لأن نعم الوالدين هي للأبناء يتنعمون بها في حياة الوالدين بما ينفقونه عليهم , وبعد موتهما بما يأخذونه ميراثاً . فمن الذي فكر بهذه النعمة وبر والديه عليها بالدعاء لهما ؟ ! وهي كذلك توفيق وإلهام من الله تعالى لمن يوفقهم للبر , حيث إن غفل الأب عن شكر الله على نعمه , أو قصر في حق شكره , سد الإبن مسده , في شكر الله , فصار ذلك من أعمال البر . وقال تعالى : ( وَوَصَّيْنَاَ الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلََغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكَرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلْ صَالِحا ًتَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِيَتِي إِنِّي تُبْتُ إِليْكَ وَإنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) [ الأحقاف : 15 ] قال الشيخ في تفسيره : ( ....... أي : ألهمني ووفقني ) أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ( أي : نعم الدين , ونعم الدنيا , وشكره بصرف النعم في طاعة مسديها وموليها, ومقابلة منته بالاعتراف والعجز عن الشكر , والاجتهاد في الثناء بها على الله , والنعم على الوالدين , نعم على أولادهم وذريتهم , لأنهم لا بد أن ينالهم منها ومن أسبابها وآثارها , خصوصاً نعم الدين , فإن صلاح الوالدين بالعلم والعمل , من أعظم الأسباب لصلاح أولادهم . ) وأن أعمل صالحاً ترضاه ( بأن يكون جامعاً لما يصلحه , سالماً مما يفسده , فهذا العمل الذي يرضاه الله ويقبله , ويثيب عليه . ) وأصلح لي في ذريتي ( لما دعا لنفسه بالصلاح , دعا لذريته أن يصلح الله أحوالهم , وذكر أن صلاحهم يعود نفعه على والديهم لقوله ) وأصلح لي ) ........) وقال سيد قطب في ظلاله : ( " ووصينا الإنسان بوالديه إحساناَ " فهي وصية لجنس الإنسان كله , قائمة على أساس إنسانيته , بدون حاجة إلى أي صفة أخرى وراء كونه إنساناً. وهي وصية بالإحسان مطلقة من كل شرط ومن كل قيد . فصفة الوالدية تقتضي هذا الإحسان بذاتها , بدون حاجة إلى أي صفة أخرى كذلك , وهي وصية صادرة من خالق الإنسان , وربما كانت خاصة بهذا الجنس أيضاً , فما يعرف في عالم الطير أو الحيوان أو الحشرات وما إليها أن صغارها مكلفة برعاية كبارها , والمشاهد الملحوظ هو فقط تكليف فطرة هذه الخلائق أن ترعى كبارها صغارها في بعض الأجناس . فهي وصية ربما كانت خاصة بجنس الإنسان . وتتكرر في القرآن الكريم وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الوصية بالإحسان إلى الوالدين . ولا ترد وصية الوالدين بالأولاد إلا نادراً , ولمناسبة حالات معينة . ذلك أن الفطرة وحدها تتكفل برعاية الوالدين للأولاد , رعاية تلقائية مندفعة بذاتها , لا تحتاج إلى مثير . وبالتضحية النبيلة الكاملة العجيبة التي كثيراً ما تصل إلى حد الموت – فضلاً على الألم – بدون تردد , ودون انتظار عوض , ودون منٍّ ولا رغبة حتى في الشكران ! . أما الجيل الناشئ فقلما يلتفت إلى الخلف , قلما يلتفت إلى الجيل المضحي الواهب الفاني , لأنه بدوره مندفع إلى الأمام , يطلب جيلاً ناشئاً منه يضحي له بدوره ويرعاه ! وهكذا تمضي الحياة !. ........ " حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً وحمله وفصاله ثلاثون شهراً " تركيب الألفاظ وجرسها يكاد يجسم العناء والجهد والضنى والكلال , " حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً " لكأنها آهة مجهد مكروب , ينوء بعبء ويتنفس بجهد , ويلهث بالأنفاس ! إنها صورة الحمل وبخاصة في أواخر أيامه , وصورة الوضع , وطلقه , وآلامه ! ........ " حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني ........" وبلوغ الأشد يتراوح بين الثلاثين والأربعين , والأربعون هي غاية النضج والرشد , وفيها تكتمل جميع القوى والطاقات , ويتهيأ الإنسان للتدبر , والتفكر في اكتمال وهدوء . وفي هذه السن تتجه الفطرة المستقيمة السليمة إلى ما وراء الحياة , وما بعد الحياة . وتتدبر المصير والمآل . ويصور القرآن هنا خوالج النفس المستقيمة , وهي في مفرق الطريق , بين شطر من العمر ولَّى , وشطر يكاد آخره يبتدي , وهي تتوجه إلى الله . " رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي " دعوة القلب الشاعر بنعمة ربه , المستعظم المستكثر لهذه النعمة , التي تغمره , وتغمر والديه قبله , فهي قديمة العهد به , المستقل لجهده في شكرها . يدعو ربه أن يعينه بأن يجمعه كله "أوزعني " لينهض بواجب الشكر , فلا يفرق طاقته , ولا اهتمامه في مشاغل أخرى غير هذا الواجب الضخم الكبير ) أهـ وفي دعاء الوالدين بصلاح ذريتهم , باب من أبواب استجلاب البر , ومفتاح لغلق باب العقوق . ( 4 ) الصحبة في الدنيا بالمعروف : قال تعالى : ( وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ) [ لقملن : 15 ] ومعنى صاحب مصاحبة : لازمه , ووافقه , وعاشره . ... يقال : " أصحبه فهو مُصْحِب " : أي فعلت ما جعله صاحباً لي غير نافر مني ......وتصاحب الرجلان : توافقا ...... المُصْحِب : المنقاد , الذليل ..... أصحب فلاناً : حفظه ....... وتصحب منه : استحيا . يقال فلان ما يتصحب من شيء : أي ما يتوقى وما يستحي . ( المنجد في اللغة والإعلام ) إذن " صاحبهما في الدنيا " أي : لازمهما , ووافقهما , وعاشرهما , واجعلهم مصاحبين لك غير نافرين منك , وتوقى واستحي مما يؤذيهما . وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : ( جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال : أمك . قال : ثم من ؟ قال : ثم أمك . قال : ثم من ؟ قال : ثم أمك . قال : ثم من ؟ قال : ثم أبوك . ) صحيح مسلم . إن زيادة الوصية في الأم لضعفها , وحاجتها إلى الرعاية , لأن الحقوق درجات , ولا ينقص ذلك من حق الأب , بل للتأكيد على أهمية حق الأم . وعن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنه – قال : ( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد , فقال : أحي والداك ؟ قال : نعم . قال : ففيهما فجاهد ) صحيح مسلم . وفي رواية : أقبل رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم – فقال : أبايعك على الهجرة , والجهاد , أبتغي الأجر من الله تعالى . فقال : " هل من والديك أحد حي ؟ " قال : نعم , بل كلاهما . قال : " فتبتغي الأجر من الله تعالى ؟ " قال : نعم . قال : " فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما " متفق عليه . من المعلوم شرعاً أن الهجرة من بلد الكفر – في حالة عدم التمكن من إقامة شعائر الدين – فرض كفاية , وكذلك الجهاد فرض كفاية , ومع ذلك حق الوالدين أوجب منهما , لأن برهما فرض عين . ويروى عن كهمس التميمي : أنه أراد قتل عقرب , فدخلت في جحر , فأدخل أصابعه خلفها, فضربته , فقيل له : قال : خفت أن تخرج , فتجيء إلى أمي تلدغها . ويقول بشر بن الحارث المعروف " ببشر الحافي " : ما من رجل يقرب من أمه حيث يسمع كلامها إلا كان أفضل من الذي يضرب بسيفه في سبيل الله , والنظر إليهما أفضل من كل شيء . ( 5 ) تقديم برهما على فريضة الجهاد : عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال : جاء رجل يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد معه , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( أحي والداك ؟ قال : نعم , قال : ففيهما فجاهد )) رواه البخاري ( 4 / 47 ) ومسلم ( 8 / 3 ) . وتروى قصة الشاب , كلاب بن أمية , الذي خرج إلى الجهاد في زمن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - , فغاب عن أبويه , وتأخر عليهما , وكانا كبيرين في السن , وهو بار بهما , ويقوم على شئونهما . وكانا يبكيانه كلما تذكراه . وفي يوم رأى أبوه حمامة تطعم صغارها , فتذكر ابنه وبكى , وأنشد : لمن شيخان قد نشدا كلاباً كتاب الله لو قبل الكتابا أناديه فيعـرض فـي إبـاء فلا وأبي كلاب ما أصابا إذا هتفت حمامة بطن وج على بيضاتها ذكرا كلاباً فإن مهـاجريـن تكنفـــــاه ففارق شيخه خطأ وخابا تركت أباك مرعشة يداه وأمك ما تسيغ لها شراباً تنفض مهده شفـقاً عليــه وتجنبه أباعرها الصعابا فإنك والتماس الأجر بعدي كباغي الماء يتبع السرابا وازداد بكاء أمية على ابنه , حتى ضعف بصره ثم عمي . وذهب إلى الفاروق – عمر بن الخطاب – يقسم عليه أن يرد ابنه . وأنشده : أعاذل قد عذلت بغير علم وما تدرين عاذل ما ألاقي فإما كنـت عاذلـتي فـردي كـلاباً إذا تـوجـه للعـراق فلا وأبيك ما باليت وجدي ولا شفقي عليك ولا اجتهاد فلو فلـق الفؤاد شـديد وجد لهمَّ سـواد قـلبـي بانـفـلاق سأستعد على الفاروق رباً له دفـع الحجـيج إلى بساق وأدعـو الله مجتهـداً عليـه ببطـن الأخشـبين إلى بقـاق إن الفاروق لم يردد كلاباً إلى شيخـين هامهـما زواق فتأثر عمر , وأرسل إلى أمير جيش العراق , يأمره أن يأمر كلاب أن يرجع إلى المدينة . فلما وصل , وذهب إلى عمر , قال له : يا بني , ما بلغ من برك بأبيك ؟ فقال كلاب : كنت أؤثره على نفسي , وأكفيه أمره , وكنت إذا أردت أن أحلب له لبناً , أجيء إلى أغزر ناقة , فأريحها حتى تستقر , ثم أغسل ضروعها حتى تبرد , ثم أحلب له , فيخرج الحليب بارداً , ثم أسقيه إياه . فأرسل عمر إلى أبيه , وسأله عما يشتهي فقال : أتمنى كلاب أنه عندي , فأضمه ضمة , وأشمه شمة , فرق عمر له . ثم أمر كلاب أن يحلب الناقة كما كان يحلب لأبيه . ثم أخذ عمر الإناء , وأعطاه لأمية , وقال له : اشرب , فلما قربه من فمه , توقف برهة , وقال: يا أمير المؤمنين , والله إني لأشم رائحة كلاب , فجاء عمر بكلاب , وقال : هذا كلاب . فوثب أمية من مكانه وضم ابنه , وهو يبكي , فبكى كلاب لبكاء أبيه , وبكى عمر لبكائهما . وقال لكلاب : إلزم أبويك , وجاهد فيهما ما بقيا . ثم شأنك بنفسك , وأمر بعطائه , فأعطاه إياه , وصرفه مع أبيه . وقال كلاب : إنه ما ترك أبويه لدنياه , بل لآخرته . ( 6 ) تقديم برهما على صلاة التطوع : لأن برهما واجب , وصلاة التطوع نفلاً , ولا يقدم النفل على الواجب . وسيرد معنا قصة جريج العابد لاحقاً , وبها عاقبة من يقدم صلاة النفل على بر والديه . ( 7 ) تقديم برهما على مصالح الذات : وذلك بطاعتهما في كل ما يأمران به , وتنفيذ ما يطلبانه , ما لم يكن في معصية الخالق . فعندما قدم الحجاج إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير , خيره بين ثلاث : إما أن يذهب في الأرض حيث شاء , أو يأخذه إلى الشام مقيداً , أو يقاتله . فشاور أمه , فأشارت عليه بالثالث . فذكر لها أنه لا يخاف القتل , لكن يخشى أن يمثلوا به , فقالت له قولتها المشهورة : إن الشاة لا يضرها سلخها بعد ذبحها . فقاتل قتالاً شديداً حتى قتل . فعبد الله بن الزبير- رحمه الله – قدم رأي أمه على رأيه , ورضي به , وهو يعلم أن الموت , والتمثيل بجثته مصيره , فكيف بنا إن كان ما يريدانه منا , لا يمثل خطراً علينا , ولا يرهقنا ؟ ! وقال عبد الله بن جعفر بن خاقان : سمعت بندار – الإمام الحافظ رواية الإسلام أبو بكر البصري - ويلقب ببندار أي : الحافظ - يقول : أردت الخروج – يعني الرحلة في طلب العلم – فمنعتني أمي , فأطعتها , فبورك لي فيه . وعن الحافظ , أحمد بن علي بن مسلم الآبار , قال جعفر الخلدي : كان الآبار من أزهد الناس , استأذن أمه في الرحلة إلى قتيبة , فلم تأذن له , ثم ماتت , فخرج إلى خراسان , ثم وصل إلى بلخ وقد مات قتيبة , فكانوا يعزونه على هذا , فقال : هذا ثمرة العلم , إني اخترت رضى الوالدة . ( سير أعلام النبلاء ) وقال ابن النجار : قرأت بخط ابن معمر بن الفاخر في معجمه , أخبرني أبو القاسم الحافظ إملاءً بمنى , كان من أحفظ من رأيت , وكان شيخنا إسماعيل بن محمد الإمام يفضله على جميع من لقيناهم , قدم أصبهان , ونزل في داري , وما رأيت شاباً أحفظ , ولا أروع , ولا أتقن منه , وكان فقيهاً , أديباً , سنياً . سألته عن تأخره عن الرحلة إلى أصبهان , قال : استأذنت أمي في الرحلة إليها , فما أذنت . ( سير أعلام النبلاء 3 / 1457 ) منعتهم الأمهات من الخروج لطلب العلم – شفقة وحباً , وطمعاً بقربهم - , فأكسبهم البر علماً , وذكراً حسناً يذكرون به إلى قيام الساعة . ( 8 ) الإنفاق عليهما في حال الحاجة , والإهداء لهما في حال يسرهما : عن جابر بن عبد الله – رضي الله عنه – قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله , إن أبي يريد أن يجتاح مالي . فقال صلى الله عليه وسلم (( أنت ومالك لأبيك )) . ابن مجه ( 2/ 76) هل سمعنا هذا الرد الحاسم من سيد البشر – صلوات الله وسلامه عليه – " أنت ومالك لأبيك"؟ اسمعه يا من يضن على أبويه بحفنة ريالات يعطيهما إياها كل نهاية شهر من راتبه . اسمعه يا من أسكن زوجه وأولاده المنزل الواسع المريح , وترك أبويه في منزل متهالك , لا يحمي من برد الشتاء , ولا هجير الصيف . اسمعه يا من تمر الأعياد عليهما , ولم يفرحا منك بجديد يلبسانه , ولا هدية تزرع الفرح في عينيهما . اسمعه يا من يرى الدنيا كلها في سعادة أبنائه , وتذكر – كما تدين تدان - . وقال هشام بن حسان : حدثتني حفصة بنت سيرين قالت : كانت والدة محمد- ابن سيرين - حجازية , وكان يعجبها الصبغ , وكان محمداً إذا اشترى لها ثوباً , اشترى ألين ما يجد . فإذا عيد , صبغ لها ثياباً . وما رأيته رافعاً صوته عليها , كان إذا كلمها كالمصغي إليها . ( 9 ) صلة أقربائهما و أصدقائهما : عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر , أن رجلاً من الأعراب لقيه بطريق مكة فسلم عليه عبد الله , وحمله على حمار كان يركبه , وأعطاه عمامة كانت على رأسه , فقال ابن دينار : فقلنا له : أصلحك الله إنهم الأعراب , وإنهم يرضون باليسير , فقال عبد الله : إن أبا هذا كان وداً لعمر بن الخطاب , وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه . ) صحيح مسلم . آثار البر الدينية والدنيوية : أولاً : الجزاء العاجل والآجل من الله تعالى : 1) دخول الجنة : عن معاوية بن جاهمة , أن جاهمة – رضي الله عنه – جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أردت أن أغزو , وجئت استشيرك ؟ فقال : (( هل لك من أم؟ قال : نعم , قال: فالزمها فإن الجنة عند رجلها )) رواه النسائي وابن ماجه والحاكم وقال: صحيح الإسناد . 2) كسب رضا الله والبعد عن سخطه : عن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( رضا الله في رضا الوالدين , وسخط الله في سخط الوالدين )) رواه الترمذي , والحاكم وقال : صحيح على شرط مسلم . 3) الصلاح والبعد عن الشقاء : قال تعالى : ( وَبَرَّا بِوَالِدَيهِ وَلَمْ يَكُن جَبَاراً عَصِياً ) [ مريم : 14 ] قال الشيخ السعدي في تفسيره : ( لم يكن عاقاً , ولا مسيئاً إلى أبويه , بل كان محسناً إليهما بالقول والفعل )ولم يكن جباراً عصياً ( أي : لم يكن متجبرأ متكبراً عن عبادة الله , ولا مترفعاً على عباد الله , ولا على والديه , بل كان متواضعاً , متذللاً , مطيعاً , أواباً إلى الله على الدوام , فجمع بين القيام بحق الله , وحق خلقه , ولهذا حصلت له السلامة من الله , في جميع أحواله , مبادئها وعواقبها . ) وقال تعالى : ( وَبَرَّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَاراً شَقِياً ) [ مريم : 32 ] قال الشيخ السعدي في تفسيره : ( ووصاني أيضاً أن أبر والدتي فأحسن إليها غاية الإحسان , وأقوم بما ينبغي لها , لشرفها وفضلها , ولكونها والدة لها حق الولادة وتوابعها. ) ولم يجعلني جباراً ( أي : متكبراً على الله , مترفعاً على عباده , )شقياً ( في دنياي أو أخراي , فلم يجعلني كذلك بل جعلني مطيعاً له خاضعاً خاشعاً متذللاً , متواضعاً لعباد الله , سعيداً في الدنيا والآخرة . ) وقال بعض السلف : لا تجد أحداً عاقاً لوالديه إلا وجدته جباراً شقياً . 4) الزيادة في العمر : وعن ثوبان – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه , ولا يرد القدر إلا الدعاء , ولا يزيد في العمر إلا البر )) رواه ابن ماجه والحاكم وقال : صحيح الإسناد . 5) سعة الرزق : وعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من سره أن يمد له في عمره , ويزاد له في رزقه فليبر والديه , وليصل رحمه . )) رواه أحمد , ورجاله رجال الصحيح . ثانياً : إجابة دعاء من بر والديه : فعن ابن عمر – رضي الله عنهما – عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( بينما ثلاثة نفر يتماشون أخذهم المطر , فمالوا إلى غار في الجبل , فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل , فأطبقت عليهم , فقال بعضهم لبعض , انظروا أعمالاً عملتموها لله صالحة فادعوا الله بها لعله يفرجها , فقال أحدهم : اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران, ولي صبية صغار , كنت أرعى عليهم , فإذا رحت عليهم فحلبت , بدأت بوالدي اسقيهما قبل ولدي , وإنه نأى بي الشجر فما أتيت حتى أمسيت, فو جدتهما قد ناما , فحلبت كما كنت أحلب , فجئت بالحلاب , فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما , وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما , والصبية يتضاغون عند قدمي , فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر و فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا فرجة نرى منها السماء , ففرج الله لهم فرجة حتى يرون منها السماء ........) صحيح البخاري ( 4 / 70 ) الحذر من البر الكاذب : ومن صوره : 1- موافقتهم على الباطل بحجة برهم : مثل من يرى أباه يتعامل بالمعاملات الربوية , ويتساهل في الكسب , ولا يتحرى الطرق المشروعة , فيوافقه على ذلك , ويعينه , ومن ثم يتأثر به ويقتدي به . أو أن يكون الأب ممن يتعامل مع الكهان ونحوهم , وغير ذلك من الأمور المخالفة للشرع . 2- تقديم حقهم على الواجبات الشرعية : حيث المباح تقديم حقهم في النوافل , لا الفروض والواجبات , كمن يترك صلاة الجماعة بحجة الترفيه عنهما , أو القيام بشئونهما . 3- معاملتهم معاملة حسنة : بهدف الحصول على منافع منهم , كمن يطمع في أن يعطونه مالاً أو هدية – دون سائر إخوته - . 4- التبسط معهم في المزاح إلى حد يخرج عن المألوف في حقهما : سواء كان ذلك بالقول, أو الفعل . ومن صفات هؤلاء – أهل البر الكاذب - , وأفعالهم : 1-عدم السلام عليهما عند الدخول , والخروج , وعدم تقبيل يديهما. 2-عدم تقديرهما , وإكرامهما , وإجلال مقامهما , وقد يصل إلى حد السخرية منهما . 3-عدم التأدب عند مخاطبتهما , ومقاطعتهما أثناء الحديث . 4-عدم طاعة أمرهما . 5-الاعتراض على قولهما , ما دام لا يوافق هوى نفسه . 6-عدم إدخال السرور على قلبيهما . والتودد لهما بفعل كل ما يحبانه , ويفرحان به . 7-عدم تقديم الهدايا لهما – خصوصاً في المناسبات مثل الأعياد . 8- تبذير أموالهما , أو تضييعها , أو أخذها دون رضاهما . 9- عدم المحافظة على سمعتهما بين الناس , بفعل ما يسيء إليهما . 10-عدم استشارتهما في شئونه , وإن أشارا عليه لم يأخذ بمشورتهما . 11- البخل عليهما , ونسيان فضلهما . 12- عدم الدعاء , والاستغفار لهما . 13- عدم صلة رحمهما , وود من يصحبونهم . 14- عدم القيام بحقهما بعد الموت , من إنفاذ وصيتهما , أو تسديد دينهما , أو زيارة قبريهما , ( باختصار من كتاب ليس من الأدب , للأستاذ سلمان نصيف الدحدوح ) حدود البر : (1 ) مر معنا سابقاً قوله تعالى : ( وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ) [ لقمان : 15 ] قال الشيخ السعدي في تفسيره : ( وإن جاهداك (أي : اجتهد والداك (على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ( ولا تظن أن هذا داخل في الإحسان إليهما , لأن حق الله مقدم على حق كل أحد , و " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " . ولم يقل : " وإن جاهداك على أن تشرك بي ماليس له به علم فعقهما " . بل قال : ) وصاحبهما في الدنيا معروفاً ( أي : صحبة إحسان إليهما بالمعروف , وأما اتباعهما وهما بحالة الكفر والمعاصي, فلا تتبعهما . ) أما في حال التطوع , فإن حقهما مقدم . وقصة جريج العابد دليل على ذلك , فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى بن مريم , وصاحب جريج , وكان جريج رجلاً عابداً , فاتخذ صومعته , فكان فيها , فأتته أمه وهو يصلي , فقالت : يا جريج , فقال : يا رب أمي و صلاتي , فأقبل على صلاته , فانصرفت . فلما كان من الغد أتته وهو يصلي , فقالت : يا جريج , فقال : يا رب أمي وصلاتي , فأقبل على صلاته , فلما كان من الغد أتته وهو يصلي ,فقالت : يا جريج , فقال : يا رب أمي وصلاتي , فأقبل على صلاته , فقالت : اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات , فتذاكر بنو إسرائيل جريجاً وعبادته , وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها , فقالت : إن شئتم لأفتننه , فتعرضت له , فلم يلتفت إليها , فأتت راعياً كان يأوي إلى صومعته , فأمكنته من نفسها , فوقع عليها , فحملت , فلما ولدت , قالت : هو ابن جريج , فأتوه , فاستنزلوه , وهدموا صومعته , وجعلوا يضربونه , فقال : ما شأنكم ؟ قالوا : زنيت بهذه البغي , فولدت منك . فقال : أين الصبي ؟ فجاؤوا به , فقال : دعوني حتى أصلي , فصلى , فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه , وقال : يا غلام من أبوك ؟ قال : فلان الراعي , فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به , وقالوا : نبني لك صومعتك من ذهب , قال : لا , أعيدوها من طين كما كانت , ففعلوا ................... )) متفق عليه . هذا الحديث بين لنا أثر دعاء الوالدين على ابنهما , وكذلك لدعائهما أثر أيضاً يراه عاجلاً, وآجلاً . ومن ذلك ما رواه سهل بن بشر قال : حدثنا سليم أنه كان في صغره بالري , وله نحو من عشر سنين , فحضر بعض الشيوخ وهو يُلقن , فقال لي : تقدم فاقرأ , فجهدت أن أقرأ الفاتحة , فلم أقدر على ذلك لانغلاق لساني , فقال : لك والدة ؟ قلت : نعم , قال : قل لها تدعو لك أن يرزقك الله قراءة القرآن والعلم . قلت : نعم . فرجعت , فسألتها الدعاء , فدعت لي , ثم إني كبرت , ودخلت بغداد , قرأت بها العربية والفقه , ثم عدت إلى الري , فبينا أنا في الجامع أقابل " مختصر المزني " وإذا الشيخ قد حضر وسلم علينا وهو لا يعرفني , فسمع مقابلتنا , وهو لا يعلم ماذا نقول : ثم قال : متى يتعلم مثل هذا ؟ فأردت أن أقول : إن كانت لك والدة , فقل لها تدعو لك . فاستحييت . ( سير أعلام النبلاء 3 / 1251 ) ( 2 ) كيفية نصحهما : إن الكيفية لنصحهما , في المقياس الشرعي الذي أمرنا الله به , " بالمعروف " , أي : بالقول الجميل , والفعل الكريم . واستشعار مفهوم البر بهما , حيث يتذكر الابن أن ما هم عليه من خطأ قد يوجب لهما سخط الله – تعالى – فيسعى جاهدا بكل ما يستطيع أن ينقذهما من ذلك , ويتعامل معهما كمعاملة الطبيب المشفق لمريضه . - التدرج في النصيحة : وقد سنَّ لنا أبو الأنبياء – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – ذلك فيما ذكره الله تعالى عنه في قوله تعالى : ( وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَِّهُ كَانَ صِدِيقاً نَبِياً * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً * يَا أبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبعِْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِياً * ياَ أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانِ إِنَّ الشَّيْطَانِ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِياً * يَا أَبَتِ إنِِّي أَخَافُ أَن يَمَسََّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمََنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيَِّاً * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلهَتِي ياَ إبْرَاهِيمُ لَئِن لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِياً * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغفِِْرُ لَكَ رَبِي إنَّه كاَنَ بِي حَفِياً * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ وَأَدْعُو رَبِي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِي شَقِياً ) [ مريم : 41-48] قال الشيخ السعدي في تفسيره : ( إذ قال لأبيه ( مهجناً له عبادة الأوثان : ) يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً ( أي : لم تعبد أصناماً , ناقصة في ذاتها , وفي أفعالها , فلا تسمع , ولا تبصر , ولا تملك لعابدها نفعاً ولا ضراً , بل لا تملك لأنفسها شيئاً من النفع , ولا تقدر على شيء من الدفع , فهذا برهان جلي دال على أن عبادة الناقص في ذاته وأفعاله مستقبح عقلاً وشرعاً , ودل بتنبيهه وإشارته , أن الذي يجب ويحسن عبادة من له الكمال , الذي لا ينال العباد نعمة إلا منه , ولا يدفع عنهم نقمة إلا هو , وهو الله تعالى. ) يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك ( أي : يا أبت لا تحقرني وتقول : إني ابنك , وإن عندك ما ليس عندي , بل قد أعطاني الله من العلم ما لم يعطك , والمقصود من هذا قوله : ) فاتبعني أهدك صراطاً سوياً (أي : مستقيماً معتدلاً , وهو : عبادة الله وحده لا شريك له , وطاعته في جميع الأحوال , وفي هذا من لطف الخطاب ولينه ما لا يخفى , فإنه لم يقل : "يا أبت أنا عالم , وأنت جاهل " أو : " ليس عندك من العلم شيء " , وإنما أتى بصيغة تقتضي أن عندي وعندك علماً , وأن الذي وصل إلي لم يصل إليك ولم يأتك , فينبغي لك أن تتبع الحجة وتنقاد لها . )يا أبت لا تعبد الشيطان ( لأن كل من عبد غير الله فقد عبد الشيطان , كما قال تعالى : ( ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين ) [ يس : 60 ] ) إن الشيطان كان للرحمن عصيا ) فمن اتبع خطواته , فقد اتخذه ولياً وكان عاصياً لله بمنزلة الشيطان . وفي ذكر إضافة العصيان إلى اسم الرحمن , إشارة إلى أن المعاصي تمنع العبد من رحمة الله , وتغلق أبوابها , كما أن الطاعة أكبر الأسباب لنيل رحمته , ولهذا قال : ) يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن (أي : بسبب إصرارك على الكفر , وتماديك في الطغيان )فتكون للشيطان ولياً (أي : في الدنيا والآخرة , فتنزل بمنازله الذميمة , وترتع في مراتعه الوخيمة , فتدرج الخليل عليه السلام بدعوة أبيه , بالأسهل فالأسهل , فأخبره بعلمه , وأن ذلك موجب لاتباعك إياي , وأنك إن أطعتني , اهتديت إلى صراط مستقيم , ثم نهاه عن عبادة الشيطان , وأخبره بما فيها من المضار , ثم حذره عقاب الله ونقمته إن قام على حاله , وأنه يكون ولياً للشيطان , فلم ينجع هذا الدعاء بذلك الشقي , وأجاب بجواب جاهل وقال : ( أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ( فتبجح بآلهته التي هي من الحجر والأصنام , ولام إبراهيم عن رغبته عنها , وهذا من الجهل المفرط , والكفر الوخيم , يتمدح بعبادة الأوثان , ويدعو إليها . ) لئن لم تنته (أي : عن شتم آلهتي , ودعوتي إلى عبادة الله ) لأرجمنك ( أي : قتلاً بالحجارة )واهجرني ملياً ( أي : لا تكلمني زماناً طويلاً , فأجابه الخليل جواب عباد الرحمن عند خطاب الجاهلين , ولم يشتمه بل صبر , ولم يقابل أباه بما يكره , وقال : )سلام عليك ( أي : ستسلم من خطابي إياك بالشتم والسب وبما تكره , ) سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً ( أي : لا أزال أدعو الله لك بالهداية والمغفرة , بأن يهديك للإسلام , الذي تحصل به المغفرة , ف ) إنه كان بي حفياً ( أي : رحيماً رؤوفاً بحالي , معتنياً بي , فلم يزل يستغفر الله له رجاء أن يهديه الله , فلما تبين له أنه عدو لله , وأنه لا يفيد فيه شيئاً , ترك الاستغفار له , وتبرأ منه . ..........) (3 ) المراجعة في الخطأ بالحسنى : ونستنتج من الحديث التالي إباحة مراجعة الوالدين بالحسنى حين الخطأ فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : .............. وبينا صبي يرضع من أمه , فمر رجل راكب على دابة فارهة وشارة حسنة , فقالت أمه : اللهم اجعل ابني مثل هذا , فترك الثدي , وأقبل إليه فنظر إليه فقال : اللهم لا تجعلني مثله , ثم أقبل على ثديه فجعل يرتضع , قال : فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحكي ارتضاعه بإصبعه السبابة في فمه , فجعل يمصها . قال : ومروا بجارية وهم يضربونها ويقولون : زنيت , سرقت , وهي تقول : حسبي الله ونعم الوكيل , فقالت أمه: اللهم لا تجعل ابني مثلها , فترك الرضاع ونظر إليها , فقال : اللهم اجعلني مثلها , فهنالك تراجعا الحديث , فقالت : مر رجل حسن الهيئة فقلت : اللهم اجعل ابني مثله , فقلت : اللهم لا تجعلني مثله , ومروا بهذه الأمة وهم يضربونها ويقولون : زنيت , سرقت , فقلت : اللهم لا تجعل ابني مثلها , فقلت : اللهم اجعلني مثلها , قال : إن ذاك الرجل كان جباراً , فقلت : اللهم لا تجعلني مثله , وإن هذه يقولون زنيت ولم تزن , وسرقت , ولم تسرق , فقلت : اللهم اجعلني مثلها ) متفق عليه . رواه البخاري ( 6343 ) ومسلم ( 2550 ) . ( 4 ) الدعاء لهما بالهداية : ويروي أبو هريرة – رضي الله عنه – قال : كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة, فدعوتها يوماً فأسمعتني في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكره , فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي, قلت : يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى عليَّ , فدعوتها اليوم , فأسمعتني فيك ما أكره , فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( اللهم اهد أم أبي هريرة )) فخرجت مستبشراً بدعوة نبي الله صلى الله عليه وسلم فلما جئت فصرت إلى الباب , فإذا هو مجاف , فسمعت أمي خشف قدمي فقالت : مكانك , يا أبا هريرة , وسمعت خضخضة الماء . قال : فاغتسلت ولبست درعها , وعجلت عن خمارها , ففتحت الباب , ثم قالت : يا أبا هريرة , أشهد أن لا إله إلا الله , وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته وأنا أبكي من الفرح , قال : قلت : يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك , وهدى أم أبي هريرة , فحمد الله وأثنى عليه وقال خيراً , قلت: يا رسول الله ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا , قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم حبب عبيدك هذا - يعني أبا هريرة وأمه – إلى عبادك المؤمنين , حبب إليهم المؤمنين . فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني .) صحيح مسلم ( 4 / 166 ) . ومن القصص التي تروى في البر : 1 ) قصة أويس القرني : - وهو من التابعين , وقد ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب – رضي الله عنه - . عن أسير بن جابر , قال : كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه امداد أهل اليمن سألهم أفيكم أويس بن عامر ؟ حتى أتى على أويس فقال : أنت أويس بن عامر ؟ قال : نعم . قال : من مراد ثم من قرن قال : نعم , قال : فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم ؟ قال : نعم . قال : لك والدة ؟ قال : نعم , قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يأتي عليكم أويس بن عامر مع امداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن , كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم , له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره , فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل , فاستغفر لي, فاستغفر له .............. ) صحيح مسلم ( 4 / 189 ) . 2) سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه -: حدث مصعب بن سعد عن أبيه أنه نزلت فيه آيات من القرآن , قال: حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبداً حتى يكفر بدينه , ولا تأكل , ولا تشرب , قالت : زعمت أن الله وصاك بوالديك , وأنا أمك , وآمرك بهذا , قال : مكثت ثلاثاً حتى غشي عليها من الجهد , فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها , فجعلت تدعو على سعد , فأنزل الله عز وجل في القرآن هذه الآية ( ووصينا الإنسان بوالديه حسناً , وإن جاهداك على أن تشرك بي ..., وفيها وصاحبهما في الدنيا معروفاً ........ ) صحيح مسلم ( 4 / 126 ) . 3) عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه - : يروى عنه أن أمه طلبت منه ماء , فأحضر لها الماء , فوجدها قد نامت , فوقف عند رأسها , حتى أصبح . 4 ) زين العابدين – رحمه الله - : يروى عنه أنه كان لا يأكل مع أمه , فقيل له : أنك كثير البر بأمك , ولا نراك تأكل معها , قال : أخاف أن تسبق يدي , يدها إلى طعام نظرت إليه , وأرادته لنفسها . 5 ) ويروى المأمون أنه لم يكن أحد من البر , كما كان الفضل , فحين سجن هو وأبوه , وفي شدة البرد , منع عنهما الحطب , فكان يأخذ وعاء الماء , ويضعه قرب السراج طوال ليله , وهو واقف , ليتوضأ أبيه به لصلاة الفجر , وبعد ذلك منع عنهما السراج , فكان يضعه تحت ثيابه على بطنه . مفهوم العقوق : العاق هو: من شق عصا الطاعة على والديه , وترك الإحسان إليهما , ولم يشفق عليهما , ولم يأبه بما يسرهما , أو يكون سبباً فيما يسوءهما بين الناس , أو يحتقر نسبهما وينتسب إلى غيرهما. وسئل كعب الأحبار عن عقوق الوالدين ما هو ؟ قال : هو إذا أقسم عليه أبوه وأمه لم يبر قسمهما , وإذا أمراه لم يطع أمرهما , وإذا سألاه شيئاً لم يعطهما , وإذا ائتمناه خانهما . وعن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه , قيل : يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه ؟ قال : يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه ) صحيح البخاري ( 4 / 69 ) وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً , الإشراك بالله , وعقوق الوالدين , وشهادة الزور أو قول الزور , وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً فجلس فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت )) صحيح مسلم ( 1/64 ) وعن عراك بن مالك أنه سمع أبا هريرة – رضي الله عنه – يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كفر )) صحيح مسلم ( 1 / 57 ) وقال عروة بن الزبير : " ما بر والده من شدَّ الطرف إليه " . وعن على بن طلق قال : سمعت ابن محيريز يقول : من مشى بين يدي أبيه فقد عقه , إلا أن يمشي فيميط الأذى عن طريقه , ومن دعا أباه باسمه أو بكنيته فقد عقه , إلا أن يقول : يا أبت. وعن ابن عون أنه نادته أمه , فأجابها فعلا صوته صوتها , فأعتق رقبتين .( الزهد / 465 ) عاقبة العقوق : ( 1 ) تعجيل العقوبة في الدنيا قبل الآخرة : إن كل مسلم يتلو هذه الآيات من سورة هود , يدرك عقاب الله العاجل للعاق , الذي لا يسمع نصح والده , فكيف بمن جمع بين أشنع ذنبين , الشرك بالله , وعدم الانصياع لأمر الأب ؟! قال تعالى : ( ونادى نوح ابنه وكان في معزل يابني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين * قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ) [ هود : 42-43 ] . ها نحن نسمع بقلوبنا , صوت الأب المشفق على ابنه , ونسمع صوت الإبن العاق بما يجيب, ثم نعلم العاقبة العاجلة للعقوق المسبوق بالشرك - الغرق - , وبعدها دخول النار وبئس المصير . وكما قال سيد قطب : ( ... وفي هذه اللحظة الرهيبة الحاسمة , يبصر نوح , فإذا أحد أبنائه في معزل عنهم وليس معهم , وتستيقظ في كيانه الأبوة الملهوفة , ويروح يهتف بالولد الشارد : " يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين " . ولكن البنوة العاقة لا تحفل بالأبوة الملهوفة , والفتوة المغرورة لا تقدر مدى الهول الشامل ) أهـ و قال صلى الله عليه وسلم : (( كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين , فإنه يعجل لصاحبه )) رواه الحاكم ( 4 / 156 ) وقال حديث صحيح الاسناد . ( 2 ) الحرمان من الجنة : عن سعد وأبي بكرة – كلاهما يقول سمعته أذناي , ووعاه قلبي - محمداً صلى الله عليه وسلم يقول : ((من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام )) صحيح مسلم ( 1/57) ( 3 ) الوقوع في كبيرة من الكبائر : حدث عبيد الله بن أبي بكر قال : سمعت أنس بن مالك قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال : (( الشرك بالله , وقتل النفس , وعقوق الوالدين ........) صحيح مسلم ( 1/ 64 ) . وعن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه , قيل يا رسول الله , وكيف يلعن الرجل والديه ؟ قال : يسب الرجل أبا الرجل , فيسب الرجل أباه , ويسب أمه )) صحيح البخاري ( 4 / 69 ) . ( 4 ) الابتلاء بالأذى من الناس : وقد ذكرنا ما حدث لجريج , حين اتهمته المرأة بالفحش , و هدم قومه صومعته . همسة في أذن كل عاق : أيها المضيع لآكد الحقوق , والمعتاض من بر الوالدين العقوق , الناسي لما يجب عليه , الغافل عما بين يديه : بر الوالدين عليك دين , وأنت تتعاطاه باتباع الشين , تطلب الجنة بزعمك , وهي تحت قدمي أمك ؟! حملتك في بطنها تسعة أشهر , كأنها تسع حجج , وكابدت عند الوضع ما يذيب المهج , وأرضعتك من ثديها لبناً , وأطارت لأجلك وسناً , وغسلت عنك بيمينها الأذى , وآثرتك على نفسها بالغداء , وصيرت حجرها لك مهداً, وأنالتك إحساناً ورفداً , فإن أصابك مرض أو شكاية , أظهرت من الأسف فوق النهاية , وأطالت الحزن والنحيب , وبذلت مالها للطبيب , ولو خيرت بين حياتك وموتها , لطلبت حياتك بأعلى صوتها . هذا وكم عاملتها بسوء الخلق مراراً , فدعت لك بالتوفيق سراً وجهاراً . فلما احتاجت إليك عند الكبر , جعلتها من أهون الأشياء عليك , فشبعت وهي جائعة , ورويت وهي قانعة , وقدمت عليها أهلك وولدك بالإحسان , وقابلت أياديها بالنسيان , وصعب لديك أمرها وهو يسير , وطال عليك عمرها وهو قصير , وهجرتها وما لها سواك نصير , هذا وربك قد نهاك عن التأفيف , وعاتبك في حقها بعتاب لطيف , ستعاقب في دنياك بعقوق البنين , وفي أخراك بالبعد من رب العالمين , يناديك بلسان التوبيخ والتهديد ( ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد ) [ الحج : 10 ] واسمع أيها العاق هذه الهمسة التي تذكرك بحق أمك : لأمـك حـق لــو عـلـمـت كـثـيـر كـثـيـرك يـا هذا لـديه يسـير فـكم لـيـلـة باتت بثـقـلـك تشـتكي لـهـا من جـواهـا أنة وزفيــر وفي الوضع لو تدري عليها مشقة فمن غصص منها الفؤاد يطير وكم غسـلت عنك الأذى بيمينها وما حجـرها إلا لديـك سـريـر وتـفديـك مما تشـتكيـه بنفســهـا ومن ثديـها شـرب لـديك نميـر وكم مرة جاعت وأعطتك قوتها حناناً وإشــفاقـاً وأنت صغـيـر فآهاً لـذي عـقـل ويتبـع الهـوى وآهاً لأعمى القلب وهو بصير فدونك فارغب في عميم دعائها فـأنـت لـما تدعو إلـيـه فـقـيـر ( من كتاب الكبائر للذهبي ) وهذه همسة أخرى من أب اكتوى بنار العقوق : غـذوتك مولوداً وعـلتك يـافعـاً تعـل بما أجري عليك وتنهل إذا ليلة ضافتك بالسـقم لـم أبت لسـقمـك إلا شـاكيـاً أتـملـمـل كأني أنا الملدوغ دونك بالـذي لدغت به دوني فعـيناي تهمل فلما بلغـت السن والغـاية التي إليها بـدا مـا فـيك كنت أؤمـل جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المـنعـم الـمتـفـضـل فليتك إذ لم ترع حـق أبـوتـي فعلت كما الجار المجاور يفعل بطاقة بر مني ومن كل بار لوالدينا : إليكما , يا من كنتما سبب وجودنا في هذه الحياة – بعد مشيئة الله تعالى – هذا الدعاء . اللهم يا من له الأسماء الحسنى , والصفات العلى , والاسم العظم الذي إذا دعي به أجاب , وإذا سئل به أعطى , والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين , أسألك يا ذا الجلال والإكرام أن ترحمهما كما ربيانا صغاراً . اللهم يا حي يا قيوم ارحم والدينا في ضعفهما عند الكبر , كما كانوا رحماء علينا , في ضعفنا حين الصغر . اللهم يا أرحم الراحمين , ارحم حالهما في انقطاعهما إليك – عند الموت - من كل حول وقوة إلا بك , كما كانوا رحماء بنا في حال انقطاعنا من الحول والقوة – عند الولادة - إلا بك . اللهم يا واحد يا أحد , تعطف عليهما بسترك في الدنيا , وعند الوقوف للحساب بين يديك , كما كانوا متعطفين علينا عند الزلل والخطأ في حقهما . اللهم يا أكرم الأكرمين يا رب العرش العظيم , أكرم الأحياء منهم بحبك , وتوفيقك , ورضاك , وسعة رزقك الطيب المبارك , الحلال , والصحة , والعفو والعافية . والأموات بعفوك , ورحمتك , وسترك , ودخول الفردوس في جنتك دون حساب ولا عذاب . اللهم أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا , أن ترزقهما نفساً مطمئنة , تؤمن بلقائك , وترضى بقضائك , شاكرة لنعمائك , صابرة عند بلائك . اللهم أجبهما إذا دعواك , وأعطهما إذا سألاك , وارحمهما إذا استرحماك , وفرج همهما إذا لجأ إليك . اللهم بدل سيئاتهم حسنات . وجازهما بالإحسان إحساناً , وعلى السيئات عفواً وغفراناً . اللهم يا من يثبت في أم الكتاب ما يشاء ويمحو , أعطهما من الخير فوق ما يرجوان , واصرف عنهما من الشر ما يحذران , فإننا وهما لا حول لنا ولا قوة إلا بك . اللهم إنا نسألك لهما حياة طيبة , ونفساً تقية , وعيشة رضية , وموقفاً بين يديك غير مخزي . اللهم اجعلهما من أهل الصلاح , والفلاح , والنجاح , وأيدهما بنصرك ,وتأييدك , ورضاك . اللهم اجعلهما من المكثرين لذكرك , المؤدين لحقك على أكمل وجه , الحافظين لأوامرك , وحدودك , الراضين عن قضائك في جميع أحوالهما . اللهم يا من يحب العفو والإحسان , اعف عنهما , وأحسن إليهما , وثبت رجاءك في قلبيهما , واقطعهما عمن سواك , حتى لا يرجوان غيرك , ولا يستعينان إلا بك . اللهم هب لهما من اليقين والعافية , وإخلاص التوكل عليك , ما يستغنيان به عن خلقك , وأغنهما بما توفقهما إليه من العلم , وزينهما بالحلم , وأكرمهما بالتقوى , وجملهما بالعافية , وافتح مسامع قلبيهما لذكرك , ووفق جوارحهما لطاعتك , وألسنتهما لشكرك . اللهم يا من لا يستعاذ بسواه , أعذهما من درك الشقاء , وجهد البلاء , وسوء القضاء , وشماتة الأعداء . ومن العجز , والكسل , والهم , والغم , وغلبة الدين , وقهر الرجال . ومن سوء المنقلب والمصير في المال والأهل والولد , ومن تحول عافيتك , وزوال نعمتك , وفجاءة نقمتك , وجميع سخطك . اللهم يا عظيم العفو , يا واسع المغفرة , يا قريب الرحمة , هب لهما العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين, والدنيا , الآخرة . اللهم يا حي يا قيوم , فرغهما لما خلقتهما له , ولا تشغلهما بما تكفلت لهما به , واجعلهما ممن يؤمن بلقائك , ويرضى بقضائك , ويقنع بعطائك , ويخشاك حق الخشية . ورغبهما فيما يبقى , وزهدهما فيما يفنى , وهب لهما من اليقين ما تسكن به نفسيهما , وتطمئن به قلبيهما . اللهم إنا نسألك بعزك الذي لا يرام , وملكك الذي لا يضام , وبنورك الذي ملأ أركان عرشك, أن تكفهما شر ما أهمهما , وتعيذهما من شرور نفسيهما , وسيئات أعمالهما . وتغنهما بحلالك عن حرامك , وبفضلك عمن سواك . ولا تجعل الدنيا أكبر همهما , ولا مبلغ علمهما . اللهم يا عالم الخفيات , ويا رافع الدرجات , ويا مقيل العثرات , اعتقهما من رق الذنوب , وخلصهما من أشر النفوس , وأذهب عن قلبيهما وحشة الذنوب , وطهرهما من دنس السيئات, وباعد بينهما وبين الخطايا كما باعدت بين المشرق والمغرب , وأجرهما من خزي الدنيا والآخرة , وأعذهما من نزغات الشيطان . اللهم يا ولي الصالحين , ومحب المتقين , اجعلهما أهل لولائك , وأدخلهما في زمرة أحبابك, وتوفهما مسلمين , وألحقهما بالصالحين . اللهم أعنهما على ذكرك , وشكرك , وحسن عبادتك , واجعلهما من حزبك المفلحين , ووفقهما لموجبات رحمتك , وعزائم مغفرتك , وارزقهم الغنيمة من كل بر , والسلامة من كل إثم , والفوز بالجنة , والنجاة من النار . اللهم ارزقهما قلباً سليماً , ولساناً صادقاً , وعملاً متقبلاً , وبركة في الحياة , وراحة عند الوفاة , وسعادة حين لقاك . اللهم إنك تسمع كلامنا , وتعلم سرنا وعلانيتنا , , وترى مكاننا , نسألك سؤال الفقراء اليك , المستغيثين بك , المشفقين من غضبك , نسألك مسألة المساكين , ونبتهل ابتهال المذنب الذليل, ونرجوك رجاء الخائف الوجل , أن تهبهما رحمة تهدي بها قلبيهما , وتجمع بها شملهما , وتلم شعثهما , وترفع بها شاهدهما , وتحفظ بها غائبهما , وتزكي بها أعمالهما , وتطهر بها قلبيهما , وتلهمهما بها رشدهما , وتعصمهما بها من الفتن ما ظهر منها وما بطن, وترزقهما بها من فضلك , وتكفهما بها شر خلقك . وتحفظ عليهما بها دينهما . اللهم أوزعنا أن نشكر نعمتك التي أنعمت علينا , وعلى والدينا , وأن نعمل صالحاً ترضاه , وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . اللهم أوزعنا أن نشكر نعمتك التي أنعمت علينا , وعلى والدينا , وأصلح لنا ذرياتنا , إنا تبنا إليك , وإنا من المسلمين . اللهم لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك , ارزقهما شرف الدنيا , وكرامة الآخرة, وأسبغ عليهما من رضاك ما يجعلهما ينالان لذة النظر إلى وجهك الكريم , في غير ضراء مضرة , ولا فتنة مضلة . اللهم افتح لدعائنا باب قبولك , وإجابتك , عاجلاً غير آجلاً , واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين والمسلمات , برحمتك يا أرحم الراحمين .
|
||||||||||||
|
|
|
|
|
#2 (permalink) | |||||||||||||
|
السلام عليكم
بارك الله فيك أخي الكريم إختيار موفق وإفادة قيمة في ميزان حسناتك إن شاء الله
|
|||||||||||||
|
|
|
|
|
#3 (permalink) | |||||||||||||
|
اللهم اجعلنا بارين طائعين لوالدينا
اللهم آمييييييييييين موضوع متكامل ودعوات طيبة للوالدين العزيزين ![]()
|
|||||||||||||
|
|
|
|
|
#4 (permalink) | ||||||||||||||
|
الموضوع كتير حلو بارك الله فيك
|
||||||||||||||
|
|
|
|
|
#5 (permalink) | ||||||||||
|
موضوع جميل جدا ومهما كتبنا ومهما قدمنا للوالدين لايمكن ان نعطيهما حقهما تقبل الله منك وجعله في ميزان حسناتك
|
||||||||||
|
|
|
|
|
#6 (permalink) | |||||||||||||
|
|
|||||||||||||
|
|
|
![]() |
| أدوات الموضوع | |
|
|
|
الساعة الآن 02:51 AM.
منتديات ماجدة جميع الحقوق محفوظة © 2009 . إحدى خدمات شركة
مكتوب.
العاب شمس - العاب وصلات - العاب بنات - الفراشة - عالم حواء - الحياة الزوجية - طيران - سفر - كورة - ابراج – حظك اليوم - اخبار - كليبات - العاب فلاش - التنمية البشرية - زواج – بنت الحلال |