منتدى ماجده أضف للمفضلة
|
|
كلمة مرور المنتدى
كلمة مرور مكتوب
|
![]() |
![]() |
![]() |
||
![]() |
|
![]() |
||
![]() |
![]() |
![]() |
|
|
||||||
القسم الإسلامي العام المنتدى الخاص بمواضيع ديننا الحنيف .. |
![]() |
|
|
LinkBack | أدوات الموضوع |
|
|
#1 (permalink) | ||||||||||
|
فقال الشيخ الإمام محيي السنة قامع البدعة: أبو عبد الله الشهير بابن قيم الجوزية، رحمه الله ورضي عنه:
قاعــــدة جليــلة: الانتفاع بالقرآن وشروطه إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وأَلْقِ سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه وإليه، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله ، قال تعالى: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} (الآية: 37 من سورة ق). وذلك أن تمام التأثير لما كان موقوفاً على مؤثر مقتض، ومحل قابل، وشرط لحصول الأثر، وانتفاء المانع الذي يمنع منه، تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه وأدله على المراد. فقوله تعالى: {إن في ذلك لذكرى} إشارة إلى ما تقدم من أول السورة إلى هاهنا، وهذا هو المؤثر، وقوله تعالى: { لمن كان له قلب} فهذا هو المحل القابل، والمراد به القلب الحي الذي يعقل عن الله، كما قال تعالى: {إن هو إلا ذكر وقرآن مبين. لينذر من كان حيًّا} (الآيتان: 69. 70 من سورة يس). أي حي القلب. وقوله: {أو ألقى السمع} أي وجَّه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له، وهذا شرط التأثر بالكلام. وقوله تعالى {وهو شهيد} أي شاهد القلب حاضر غير غائب. قال ابن قتيبة (1) : استمع كتاب الله، وهو شاهد القلب والفهم، ليس بغافل ولا ساه، وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثير، وهو سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له، والنظر فيه وتأمله، فإذا حصل المؤثر وهو القرآن، والمحل القابل وهو القلب الحي، ووجد الشرط وهو الإصغاء، وانتفى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب، وانصرافه عنه إلى شيء آخر، حصل الأثر وهو الانتفاع والتذكر. فإن قيل: إذا كان التأثير إنما يتم بمجموع هذه، فما وجه دخول أداة "أو" في قوله تعالى: {أو ألقى السمع} والموضع موضع واو الجمع (2)(3)( يقصد واو العطف التي تجمع بين شيئين فحينما تقول: جاء محمد وعلي، فقد اجتمع مجيء كل منهما.) "( يقصد واو العطف التي تجمع بين شيئين فحينما تقول: جاء محمد وعلي، فقد اجتمع مجيء كل منهما.) "( يقصد واو العطف التي تجمع بين شيئين فحينما تقول: جاء محمد وعلي، فقد اجتمع مجيء كل منهما.) "( يقصد واو العطف التي تجمع بين شيئين فحينما تقول: جاء محمد وعلي، فقد اجتمع مجيء كل منهما.) "( يقصد واو العطف التي تجمع بين شيئين فحينما تقول: جاء محمد وعلي، فقد اجتمع مجيء كل منهما.) " لا موضع "أو" التي هي لأحد الشيئين. قيل: هذا سؤال جيد، والجواب عنه أن يقال: خرج الكلام بـ "أو" باعتبار حال المخاطب المدعو، فإن من الناس من يكون حي القلب واعيه، تامّ الفطرة، فإذا فكَّر بقلبه وجال بفكره، دله قلبه وعقله على صحة القرآن وأنه الحق، وشهد قلبه بما أخبر به القرآن، فكان ورود القرآن على قلبه نوراً على نور الفطرة. وهذا وصف الذين قيل فيهم: {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق} (الآية: 6 من سورة سبأ.) وقال في حقهم: { الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء} فهذا نور الفطرة على نور الوحي. وهذا حال صاحب القلب الحي الواعي. قال ابن القيم: وقد ذكرنا ما تضمنت هذه الآية من الأسرار والعبر في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية" فصاحب القلب يجمع بين قلبه وبين معاني القرآن فيجدها كأنها قد كتبت فيه، فهو يقرأها عن ظَهْر قَلْب. ومن الناس من لا يكون تامَّ الاستعداد، واعي القلب، كامل الحياة، فيحتاج إلى شاهد يميز له بين الحق والباطل، ولم تبلغ حياة قلبه ونوره وزكاء فطرته مبلغ صاحب القلب الحي الواعي، فطريق حصول هدايته أن يفرغ سمعه للكلام وقلبه لتأمله والتفكر فيه وتعقل معاينه، فيعلم حينئذ أنه الحق. فالأول حال من رأى بعينه ما دعي عليه وأخبر به. والثاني حال من علم صدق المخبر وتيقنه وقال:" يكفيني خبره" فهو في مقام الإيمان، والأول في مقام الإحسان. هذا وقد وصل إلى علم اليقين، وترقى قلبه منه إلى منزلة عين اليقين، وذاك معه التصديق الجازم الذي خرج به من الكفر ودخل به في الإسلام. فعين اليقين نوعان: نوع في الدنيا ونوع في الآخرة، فالحاصل في الدنيا نسبته إلى القلب كنسبة الشاهد إلى العين. وما أخبرت به الرسل من الغيب يعاين في الآخرة بالأبصار، وفى الدنيا بالبصائر،(4)(5)(البصائر: من البصيرة وهي التعقل والفطنة والانتباه.) "(البصائر: من البصيرة وهي التعقل والفطنة والانتباه.) "(البصائر: من البصيرة وهي التعقل والفطنة والانتباه.) "(البصائر: من البصيرة وهي التعقل والفطنة والانتباه.) "(البصائر: من البصيرة وهي التعقل والفطنة والانتباه.) " فهو عين يقين في المرتبتين.
|
||||||||||
|
|
|
|
|
#2 (permalink) | ||||||||||
|
ســـورة "ق" جامعـــة لأصـول الإيــــمان
وقد جمعت هذه السورة من أصول الإيمان ما يكفي ويشفي، ويغني عن كلام أهل المعقول، فإنها تضمنت تقرير المبدأ والمعاد والتوحيد والنبوة والإيمان بالملائكة، وانقسام الناس إلى هالك شقي وفائز سعيد، وأوصاف هؤلاء وهؤلاء. وتضمنت إثبات صفات الكمال لله وتنزيهه عما يضاد كماله من النقائص والعيوب وذكر فيها القيامتين: الصغرى والكبرى، والعالمين: الأكبر وهو عالم الآخرة، والأصغر وهو عالم الدنيا، وذكر فيها خلق الإنسان ووفاته وإعادته، وحاله عند وفاته ويوم معاده، وإحاطته سبحانه به من كل وجه حتى علمه بوساوس نفسه وإقامة الحفظة عليه يحصون عليه كل لفظة يتكلم بها، وأنه يوافيه يوم القيامة ومعه سائق يسوقه إليه، وشاهد يشهد عليه، فإذا أحضره السائق قال: {هذا ما لدي عتيد} (الآية: 23 من سورة ق.) أي هذا الذي أمرت بإحضاره قد أحضرته. فيقال عند إحضاره: { ألقيا في جهنم كل كفار عنيد} (الآية: 24 من سورة ق. ) كما يحضر الجاني إلى حضرة السلطان، فيقول: هذا فلان قد أحضرته فيقول: اذهبوا به إلى السجن وعاقبوه بما يستحقه. وتأمل كيف دلت السورة صريحاً على أن الله سبحانه يعيد هذا الجسد بعينه الذي أطاع وعصى، فينعمه ويعذبه كما ينعم الروح التي آمنت بعينها ويعذب التي كفرت بعينها، لا أنه سبحانه يخلق روحاً أخرى غير هذه فينعمها ويعذبها، كما قاله من لم يعرف المعاد الذي أخبرت به الرسل، حيث زعم أن الله سبحانه يخلق بدنا غير هذا البدن من كل وجه عليه يقع النعيم والعذاب، والروح عنده عرض من أعراض البدن فيخلق روحاً غير هذه الروح وبدنا غير هذا البدن. وهذا غير ما اتفقت عليه الرسل، وذلك الذي عليه القرآن والسنة وسائر كتب الله تعالى، وهذا في الحقيقة إنكار للمعاد، وموافقة لقول من أنكره من المكذبين، فإنهم لم ينكروا قدرة الله على خلق أجسام غير هذه الأجسام يعذبها وينعمها. كيف وهم يشهدون النوع الإنساني يخلق شيئاً بعد شيء، فكل وقت يخلق سبحانه أجساماً وأرواحاً غير الأجسام التي فنيت، فكيف يتعجبون من شيء يشاهدونه عياناً، وإنما تعجبوا من عودهم بأعيانهم بعد أن مزقهم البلى وصاروا عظاماً ورفاتاً، فتعجبوا أن يكونوا هم بأعيانهم مبعوثين للجزاء، ولهذا قالوا: {أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون} (الآية: 16 من سورة الصافات. ) وقالوا: {ذلك رجع بعيد}. (الآية: 3 من سورة ق.) ولو كان الجزاء إنما هو لأجسام غير هذه لم يكن ذلك بعثا ولا رجعا بل يكون ابتداء ، ولم يكن لقوله {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} كبير معنى، فإنه سبحانه جعل هذا جوابا لسؤال مقدر، وهو أنه يميز تلك الأجزاء التي اختلطت بالأرض واستحالت إلى العناصر بحيث لا تتميز، فأخبر سبحانه أنه قد علم ما تنقصه الأرض من لحومهم وعظامهم وأشعارهم، وأنه كما هو عالم بتلك الأجزاء فهو قادر على تحصيلها وجمعها بعد تفرقها، وتأليفها خلقاً جديداً. وهو سبحانه يقرر المعاد بذكر كمال علمه وكمال قدرته وكمال حكمته، فإن شُبه المنكرين له كلها تعود إلى ثلاثة أنواع: أحدها: اختلاط أجزائهم بأجزاء الأرض على وجه لا يتميز ولا يحصل معها تميز شخص عن شخص. الثاني: أن القدرة لا تتعلق بذلك. الثالث: أن ذلك أمر لا فائدة فيه، وإنما الحكمة اقتضت دوام هذا النوع الإنساني شيئا بعد شيء، هكذا أبدا كلما مات جيل آخر، فأما أن يميت النوع الإنساني كله ثم يحييه بعد ذلك فلا حكمة في ذلك.
|
||||||||||
|
|
|
|
|
#3 (permalink) | ||||||||||
|
براهين المعاد في القرآن مبنية على أصول ثلاثة :
فجاءت براهين المعاد في القرآن مبنية على ثلاثة أصول: أحدها: تقرير كمال علم الرب سبحانه، كما قال في جواب من قال:{من يحيي العظام وهي رميم. قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} (الآيتان: 78، 79 من سورة يس.) وقال: { وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل. إن ربك هو الخلاق العليم} (الآيتان:85،86 من سورة الحجر.) وقال: { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} .( الآية: 4 من سورة ق.) الثاني: تقرير كمال قدرته، كقوله تعالى: { أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم} (الآية: 18 من سورة يس.) وقوله تعالى: { بلى قادرين على أن نسوي بنانه} (الآية: 4 من سورة القيامة). وقوله : { ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير} . (الآية: 6 من سورة الحج). ويجمع سبحانه بين الأمرين كما في قوله تعالى: { أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم. بلى وهو الخلاق العليم} (الآية: 81 من سورة يس). الثالث: كمال حكمته، كقوله تعالى {ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين} (الآية: 38 من سورة الدخان). وقوله: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً} وقوله: { أيحسب الإنسان أن يترك سدى} (الآية: 36 من سورة القيامة) وقوله: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون . فتعالى الله الملك الحق} (الآية: 115،116 من سورة المؤمنون.) وقوله: { أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم} . ولهذا كان الصواب أن المعاد معلوم بالعقل مع الشرع، وأن كمال الرب تعالى وكمال أسمائه وصفاته تقتضيه وتوجبه، وأنه منزه عما يقوله منكروه كما ينزه كماله عن سائر العيوب والنقائص. ثم أخبر أن المنكرين لذلك لما كذبوا بالحق اختلط عليهم أمرهم: {فهم في أمر مريج} (الآية: 5 من سورة ق.) : مختلط لا يحصلون منه على شيء. ثم دعاهم إلى النظر في العالم العلوي وبنائه، وارتفاعه واستوائه، وحسنه والتئامه. ثم إلى العالم السفلي ؛وهو الأرض، وكيف بسطها وهيأها بالبسط لما يراد منها، وثبتها بالجبال، وأودع فيها المنافع، وأنبت فيها من كل صنف حسن من أصناف النبات على اختلاف أشكاله وألوانه ومقاديره ومنافعه، وأن ذلك تبصرة إذا تأملها العبد المنيب وتبصر بها، تذكر ما دلت عليه مما أخبرت به الرسل من التوحيد والمعاد، فالناظر فيها يتبصر أولا، ثم يتذكر ثانيا، وإن هذا لا يحصل إلا لعبد منيب الله بقلبه وجوارحه. ثم دعاهم إلى التفكر في مادة أرزاقهم وأقوالهم، وملابسهم ومراكبهم وجناتهم، وهو الماء الذي أنزله من السماء وبارك فيه، حتى أثبت به جنات مختلفة الثمار والفواكه، ما بين أبيض وأسود، وأحمر وأصفر، وحلو وحامض، وبين الثمار اختلاف منابعها وتنوع أجناسها، وأنبت به الحبوب كلها على تنوعها واختلاف منافعها وصفاتها، وأشكالها ومقاديرها. ثم أفرد النخل لما فيه من موضع العبرة والدلالة التي لا تخفى على المتأمل: {فأحيا به الأرض بعد موتها} (الآية: 164 من سورة البقرة.) ثم قال:{كذلك الخروج} (الآية: 11من سورة ق.) . أي مثل هذا الإخراج من الأرض الفواكه والثمار والأقوات والحبوب: خروجكم من الأرض بعدما غيبتم فيها، وقد ذكرنا هذا القياس وأمثاله من المقاييس الواقعة في القرآن في كتابنا "المعالم" وبينا بعض ما فيها من الأسرار والعبر. ثم انتقل سبحانه وتعالى إلى تقرير النبوة بأحسن تقرير وأوجز لفظ وأبعده عن كل شبهة وشك، فأخبر أنه أرسل إلى قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم فرعون _ رسلا؛ فكذبوهم، فأهلكهم بأنواع الهلاك، وصدق فيهم وعيده الذي أوعدتهم به رسله إن لم يؤمنوا، وهذا تقرير لنبوة من أخبر بذلك عنهم من غير أن يتعلم ذلك من معلم ولا قرأه في كتاب، بل أخبر به إخبارا مفصلا مطابقا لما عند أهل الكتاب. ولا يرد على هذا سؤال البهت (6)، قال تعالى: {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما}. والمكابرة على جحد الضروريات بأنه لم يكن شيء من ذلك، أو أن حوادث الدهر ونكباته أصابتهم كما أصابت غيرهم. وصاحب هذا السؤال يعلم من نفسه أنه باهت مباهت (7)(8)(أي كاذب.) "(أي كاذب.) "(أي كاذب.) "(أي كاذب.) "(أي كاذب.) " ، جاحد لما شهد به العيان وتناقله القرون قرنا بعد قرن، فإنكاره بمنزلة إنكار وجود المشهورين من الملوك والعلماء والبلاد النائية. ثم عاد سبحانه إلى تقرير المعاد بقوله: {أفعيينا بالخلق الأول} . (الآية: 15 من سورة ق.) يقال لكل من عجز عن شيء: عيي به، وعيي فلان بهذا الأمر. قال الشاعر: عيوا بأمرهم كما ** عييت ببيضتها الحمامة ومنه قوله تعالى: {ولم يعي بخلقهن} . (الآية: 33من سورة الأحقاف.) قال ابن عباس(9) (10)(11))هو عبد الله بن العباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، حبر الأمة، الصحابي الجليل، ولد بمكة سنة (03ق- 619) ونشأ في بدء عصر النبوة، روى عن النبي( ، شهد مع علي الجمل وصفين، له في الصحيحين وغيرهما ما يزيد عن الألف حديث.) ")هو عبد الله بن العباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، حبر الأمة، الصحابي الجليل، ولد بمكة سنة (03ق- 619) ونشأ في بدء عصر النبوة، روى عن النبي( ، شهد مع علي الجمل وصفين، له في الصحيحين وغيرهما ما يزيد عن الألف حديث.) ")هو عبد الله بن العباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، حبر الأمة، الصحابي الجليل، ولد بمكة سنة (03ق- 619) ونشأ في بدء عصر النبوة، روى عن النبي( ، شهد مع علي الجمل وصفين، له في الصحيحين وغيرهما ما يزيد عن الألف حديث.) ")هو عبد الله بن العباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، حبر الأمة، الصحابي الجليل، ولد بمكة سنة (03ق- 619) ونشأ في بدء عصر النبوة، روى عن النبي( ، شهد مع علي الجمل وصفين، له في الصحيحين وغيرهما ما يزيد عن الألف حديث.) ")هو عبد الله بن العباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، حبر الأمة، الصحابي الجليل، ولد بمكة سنة (03ق- 619) ونشأ في بدء عصر النبوة، روى عن النبي( ، شهد مع علي الجمل وصفين، له في الصحيحين وغيرهما ما يزيد عن الألف حديث.) "(12)(13)يزيد عن الألف حديث.) "يزيد عن الألف حديث.) "يزيد عن الألف حديث.) "يزيد عن الألف حديث.) "يزيد عن الألف حديث.) "يزيد عن الألف حديث.) يريد: أفعجزنا، وكذلك قال مقاتل.(14) قلت: هذا تفسير يلازم اللفظة، وحقيقتها أعم من ذلك، فإن العرب تقول: أعياني أن أعرف كذا، وعييت به: إذا لم تهتد لوجهه ، ولم تقدر على معرفته وتحصيله فتقول: (أعياني دواؤك) إذا لم تهتد له ولم تقف عليه. ولازم هذا المعنى العجز عنه. والبيت الذي استشهدوا به شاهد لهذا المعنى، فإن الحمامة لم تعجز عن بيضتها، ولكن أعياها إذا أرادت أن تبيض: أين ترمي بالبيضة؟ فهي تدور وتجول حتى ترمي بها، فإذا باضت أعياها أن تحفظها وتودعها حتى لا تُنال، فهي تنقلها من مكان إلى مكان، وتحار أين تجعل مقرها؟ كما هو حال من عيي بأمره فلم يدر من أين يقصد له ومن أين يأتيه؟ وليس المراد بالإعياء في هذه الآية التعب كما يظنه من لم يعرف تفسير القرآن، بل هذا المعنى هو الذي نفاه سبحانه عن نفسه في آخر السورة بقوله: { وما مسنا من لغوب} (الآية: 38 من سورة ق(15).). ثم أخبر سبحانه أنهم { في لبس من خلق جديد} (الآية: 15 من سورة ق.)أي أنهم التبس عليهم إعادة الخلق جديداً، ثم نبههم على ما هو من أعظم آيات قدرته وشواهد ربوبيته وأدلة المعاد، وهو خلق الإنسان؛ فإنه من أعظم الأدلة على التوحيد والمعاد. وأي دليل أوضح من تركيب هذه الصورة الآدمية بأعضائها وقواها وصفاتها، وما فيها من اللحم والعظم، والعروق والأعصاب، والرباطات والمنافذ، والآلات والعلوم، والإرادات والصناعات، كل ذلك من نطفة ماء، فلو أنصف العبد لاكتفى بفكرة نفسه، واستدل بوجوده على جميع ما أخبرت به الرسل عن الله وأسمائه وصفاته. ثم أخبر سبحانه عن إحاطة عمله به حتى علم وساوس نفسه، ثم أخبر عن قربه إليه بالعلم والإحاطة، وأن ذلك أدنى إليه من العرق الذي هو داخل بدنه، فهو أقرب إليه بالقدرة عليه والعلم به من ذلك العرق. وقال شيخنا: المراد بقوله: "نحن" أي ملائكتنا، كما قال: { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} (الآية 18 من سورة القيامة.) أي إذا قرأه عليك رسولنا جبريل، قال: ويدل عليه قوله: { إذ يتلقى المتلقيان} (الآية: 17 من سورة ق.) فقيد القرب المذكور بتلقي الملكين فلا حجة في الآية لحلولي ولا معطل. ثم أخبر سبحانه أنه على يمينه وشماله ملكان يكتبان أعماله وأقواله، ونبه بإحصاء الأقوال وكتابتها على كتابة الأعمال التي هي أقل وقوعاً وأعظم أثراً من الأقوال، وهي غايات الأقوال ونهايتها.
|
||||||||||
|
|
|
|
|
#4 (permalink) | ||||||||||
|
القيـــامة قيامتــان: صغــرى وكــــبرى
ثم أخبر عن القيامة الصغرى، وهي سكرة الموت، وأنها تجيء بالحق، وهو لقاؤه سبحانه، والقدوم عليه، وعرض الروح عليه، والثواب والعقاب الذي تعجل لها قبل القيامة الكبرى. ثم ذكر القيامة الكبرى بقوله: { ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد} (الآية 20 من سورة ق.) ثم أخبر عن أحوال الخلق في هذا اليوم، وأن كل أحد يأتي الله سبحانه ذلك اليوم ومعه سائق يسوقه وشهيد يشهد عليه. وهذا غير شهادة جوارحه وغير شهادة الأرض التي كان عليها له وعليه وغير شهادة رسله والمؤمنين، فإن الله سبحانه يستشهد على العباد الحفظة والأنبياء والأمكنة التي عملوا عليها الخير والشر، والجلود التي عصوه بها، ولا يحكم بينهم بمجرد عمله وهو أعدل العادلين وأحكم الحاكمين، ولهذا أخبر نبيه أنه يحكم بين الناس بما سمعه من إقرارهم وشهادة البينة لا بمجرد عمل، فكيف يسوغ لحاكم أن يحكم بمجرد عمله من غير بينة ولا إقرار. ثم أخبر سبحانه أن الإنسان في غفلة من هذا الشأن الذي هو حقيق بألا يغفل عنه وألا يزال على ذكره وباله، وقال: { في غفلة من هذا} (الآية 22 من سورة ق.) ولم يقل عنه كما قال: { وإنهم لفي شك منه مريب} (الآية: 110 من سورة هود.) ولم يقل في شك فيه، وجاء هذا في المصدر وإن لم يجئ في الفعل، فلا يقال: غفلت منه ولا شككت منه، كأن غفلته وشكه ابتداء منه فهو مبدأ غفلته وشكه. وهذا أبلغ من أن يقال في غفلة عنه، وشك فيه، فإنه جعل ما ينبغي أن يكون مبدأ التذكرة واليقين ومنشؤهما مبدأ للغفلة والشك. ثم أخبر أن غطاء الغفلة والذهول يكشف عنه ذلك اليوم كما يكشف غطاء النوم عن القلب فيستيقظ، وعن العين فتنفتح، فنسبة كشف هذا الغطاء عن العبد عند المعاينة كنسبة كشف غطاء النوم عنه عند الانتباه. ثم أخبر سبحانه أن قرينه وهو الذي قرن به في الدنيا من الملائكة يكتب عمله وقوله، يقول لما يحضره: هذا الذي كنت وكلتني به في الدنيا قد أحضرته وأتيتك به. هذا قول مجاهد (16). وقال ابن قتيبة: المعنى: هذا ما كتبته عليه وأحصيته من قوله وعمله حاضر عندي. والتحقيق أن الآية تتضمن الأمرين. أي هذا الشخص الذي وكلت به هذا عمله الذي أحصيته عليه؛ فحينئذ يقال: { ألقيا في جهنم...} (الآية: 24 من سورة ق.) وهذا إما أن يكون خطاباً للسائق والشهيد، أو خطاباً للملك الموكل بعذابه وإن كان واحداً. وهو مذهب معروف من مذاهب العرب في خطابها، أو تكون الألف منقلبة عن نون التأكيد الخفية ثم أجرى الوصل مجرى الوقف. ثم ذكر صفات هذا الملقى فذكر له ست صفات: أحدهما: أنه كفار لنعم الله وحقوقه، كفار بدينه وتوحيده وأسمائه وصفاته. الثانية: أنه معاند للحق يدفعه جحداً وعناداً. الثالثة: أنه مناع للخير، وهذا يعلم منعه للخير الذي هو إحسان إلى نفسه من الطاعات والقرب إلى الله، والخير الذي هو إحسان إلى الناس، فليس فيه خير لنفسه ولا لبني جنسه، كما هو حال أكثر الخلق (17). الرابعة: أنه مع منعه للخير معتد على الناس، ظلوم غشوم، معتد عليهم بيده ولسانه. الخامسة: أنه مريب، أي صاحب ريبة. السادسة: أنه مع ذلك مشرك بالله قد اتخذ مع الله إلهاً آخر يعبده ويحبه ويغضب له، ويرضى له ويحلف باسمه وينذر له، ويوالي فيه ويعادي فيه. فيختصم هو وقرينه من الشياطين ويحيل الأمر عليه، وأنه هو الذي أطغاه وأضله، فيقول قرينه: لم يكن لي قوة أن أضله وأطغيه، ولكن كان في ضلال بعيد اختاره لنفسه، وآثره على الحق، كما قال إبليس لأهل النار: {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} (الآية: 22 من سورة إبراهيم.)، وعلى هذا فالقرين هنا هو شيطانه يختصمان عند الله. وقالت طائفة: بل قرينه هاهنا هو الملك فيدعي عليه أنه زاد عليه فيما كتبه عليه وطغى، وأنه لم يفعل ذلك كله، وأنه أعجله بالكتابة عن التوبة ولم يمهله حتى يتوب، فيقول الملك: ما زدت في الكتابة عن التوبة {ولكن كان في ضلال بعيد} (الآية: 27 من سورة ق.)، فيقول الرب تعالى: {لا تختصموا لدي} (الآية: 28 من سورة ق.)، وقد أخبر سبحانه عن اختصام الكفار والشياطين بين يديه في سورة الصافات والأعراف، وأخبر عن اختصام الناس بين يديه في سورة الزمر، وأخبر عن اختصام أهل النار فيها في سورة الشعراء وسورة ص (18). ثم أخبر سبحانه أنه لا يبدَّل القول لديه، فقيل: المراد بذلك قوله: {لأملأن جهنم من الجِنَّة والناس أجمعين} (الآية: 119 من سورة هود.)، ووعده لأهل الإيمان بالجنة، وأن هذا لا يبدل ولا يخلف. قال ابن عباس: يريد: ما لوعدي خلف لأهل طاعتي ولا لأهل معصيتي. قال مجاهد: قد قضيت ما أنا قاض، وهذا أصح القولين في الآية. وفيها قول آخر: أن المعنى: ما يغير القول عندي بالكذب والتلبيس كما يغير عند الملوك والحكماء، فيكون المراد بالقول: قول المختصمين، وهو اختيار الفراء (19)، وابن قتيبة (20) قال الفراء: المعنى: ما يكذب عندي لعلمي بالغيب، وقال ابن قتيبة: أي ما يحرف القول عندي ولا يزاد فيه ولا ينقص منه، قال: لأنه قال: القول عندي، ولم يقل: قولي. وهذا كما يقال: لا يكذب عندي، فعلى القول الأول يكون قوله: {وما أنا بظلام للعبيد} (الآية: 29 من سورة ق.)، من تمام قوله: {ما يبدل القول لدي} ( الآية: 29 من سورة ق.)، في المعنى؛ أي: ما قلته ووعدت به لا بد من فعله، ومع هذا فهو عدل لا ظلم فيه ولا جور، وعلى الثاني يكون قد وصف نفسه بأمرين: أحدهما: أن كمال علمه واطلاعه يمنع من تبديل القول بين يديه وترويج الباطل عليه، وكمال عدله وغناه يمنع من ظلمه لعبيده. ثم أخبر عن سعة جهنم وأنها كلما ألقى فيها تقول: {هل من مزيد} (الآية: 30 من سورة ق.)، وأخطأ من قال: إن ذلك للنفي؛ أي ليس من مزيد. والحديث الصحيح يرد هذا التأويل.
|
||||||||||
|
|
|
|
|
#5 (permalink) | ||||||||||
|
الصفــــات الأربعـــة لأهــــل الجـــــنة
ثم أخبر عن تقريب الجنة من المتقين، وأن أهلها هم الذين اتصفوا بهذه الصفات الأربع: الأولى: أن يكون أواباً أي رجَّاعاً إلى الله من معصيته إلى طاعته ،ومن الغفلة عنه إلى ذكره. قال عبيد بن عمير: الأواب: الذي يتذكر ذنوبه ثم يستغفر منها، وقال مجاهد: هو الذي إذا ذكر ذنبه استغفر منه. وقال سعيد بن المسيب (23): هو الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب. الثانية: أن يكون حفيظاً. قال ابن عباس: لما ائتمنه الله عليه وافترضه. وقال قتادة (24): حافظ لما استودعه الله من حقه ونعمته. ولما كانت النفس لها قوتان: قوة الطلب وقوة الإمساك، كان الأواب مستعملاً لقوة الطلب في رجوعه إلى الله ومرضاته وطاعته، والحفيظ مستعملاً لقوة الحفظ في الإمساك عن معاصيه ونواهيه، فالحفيظ: الممسك نفسه عما حرم عليه، والأواب: المقبل على الله بطاعته. الثالثة: قوله: {من خشي الرحمن بالغيب} (الآية: 33 من سورة ق.)، يتضمن الإقرار بوجوده وربوبيته وقدرته،وعلمه واطلاعه على تفاصيل أحوال العبد، ويتضمن الإقرار بكتبه ورسله وأمره ونهيه، ويتضمن الإقرار بوعده ووعيده ولقائه، فلا تصح خشية الرحمن بالغيب إلا بعد هذا كله. الرابعة: قوله: {وجاء بقلب منيب} (الآية: 33 من سورة ق.)، قال ابن عباس: راجع عن معاصي الله مقبل على طاعة الله. وحقيقة الإنابة: عكوف القلب على طاعة الله ومحبته والإقبال عليه. ثم ذكر سبحانه جزاء من قامت به هذه الأوصاف بقوله: {ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود . لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد} (الآيتان: 34، 35 من سورة ق.). ثم خوَّفهم بأن يصيبهم من الهلاك ما أصاب من قبلهم، وأنهم كانوا أشد منهم بطشاً، ولم يدفع عنهم الهلاكَ بطشُهم، وأنهم عند الهلاك تقلبوا وطافوا في البلاد، وهل يجدون محيصاً ومنجى من عذاب الله؟! قال قتادة: حاص أعداء الله فوجدوا أمر الله لهم مدركا، وقال الزجاج (25)(26)(الزجاج هو: إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج، عالم بالنحو اللغة، ولد ومات ببغداد، توفي سنة (311هـ - 923م). "(الزجاج هو: إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج، عالم بالنحو اللغة، ولد ومات ببغداد، توفي سنة (311هـ - 923م). "(الزجاج هو: إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج، عالم بالنحو اللغة، ولد ومات ببغداد، توفي سنة (311هـ - 923م). "(الزجاج هو: إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج، عالم بالنحو اللغة، ولد ومات ببغداد، توفي سنة (311هـ - 923م). "(الزجاج هو: إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج، عالم بالنحو اللغة، ولد ومات ببغداد، توفي سنة (311هـ - 923م). "): طوفوا وفتشوا فلم يروا محيصاً من الموت. وحقيقة ذلك: أنهم طلبوا المهرب من الموت فلم يجدوه. ثم أخبر سبحانه أن في هذا الذي ذكر {لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} (الآية: 37 من سورة ق.). ثم أخبر أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ولم يمسه من تعب ولا إعياء، تكذيباً لأعدائه من اليهود حيث قالوا: إنه استراح في اليوم السابع. ثم أمر نبيه بالتأسي به سبحانه في الصبر على ما يقول أعداؤه فيه كما أنه سبحانه صبر على قول اليهود: أنه استراح، ولا أحد أصبر على أذى يسمعه منه، ثم أمره بما يستعين به على الصبر، وهو التسبيح بحمد ربه قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، وبالليل وأدبار السجود، فقيل: هو الوتر، وقيل: الركعتان بعد المغرب، والأول: قول ابن عباس، وعن ابن عباس رواية ثالثة: أنه التسبيح باللسان أدبار الصلوات المكتوبات. ثم ختم السورة بذكر المعاد ونداء المنادي برجوع الأرواح إلى أجسادها للحشر، وأخبر أن هذا النداء من مكان قريب يسمعه كل أحد: {يوم يسمعون الصيحة بالحق} (الآية: 42 من سورة ق.)، بالبعث ولقاء الله، يوم تشقق الأرض عنهم كما تشقق عن النبات فيخرجون سراعاً من غير مهلة ولا بطء، ذلك حشر يسير عليه سبحانه. ثم أخبر سبحانه أنه عالم بما يقول أعداؤه، وذلك يتضمن مجازاته لهم بقولهم إذ لم يخف عليه. وهو سبحانه يذكر علمه وقدرته لتحقيق الجزاء، ثم أخبره أنه ليس بمسلط عليهم ولا قهار، ولم يبعث ليجبرهم على الإسلام ويكرههم عليه، وأمره أن يذكر بكلامه من يخاف وعيده، فهو الذي ينتفع بالتذكير، وأما من لا يؤمن بلقائه ولا يخاف وعيده ولا يرجو ثوابه فلا ينتفع بالتذكير.
|
||||||||||
|
|
|
|
|
#6 (permalink) | ||||||||||
|
(فائدة): فضيــــلة لأهـــــل بــــــــدر
قول النبي ( لعمر: "وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" (27). أشكل على كثير من الناس معناه فإن ظاهره إباحة كل الأعمال لهم وتخييرهم فيما شاؤوا منها، وذلك ممتنع. فقالت طائفة _ منهم ابن الجوزي_ (28): ليس المراد من قوله: "اعملوا" الاستقبال، وإنما هو للماضي، وتقديره: أي عمل كان لكم فقد غفرته. قال: ويدل على ذلك شيئان: أحدهما: أنه لو كان للمستقبل كان جوابه قوله: فأستغفر لكم. ثانيهما: أنه كان يكون إطلاقاً في الذنوب ولا وجه لذلك. وحقيقة هذا الجواب: أني قد غفرت لكم بهذه الغزوة ما سلف من ذنوبكم، لكنه ضعيف من وجهين: أحدهما: أن لفظ "اعملوا" يأباه؛ فإنه للاستقبال دون الماضي. وقوله: "قد غفرت لكم" لا يوجب أن يكون "اعملوا" مثله، فإن قوله "قد غفرت" تحقيق لوقوع المغفرة في المستقبل، كقوله: {أتى أمر الله} (الآية: 1 من سورة النحل.) - {وجاء ربك} (الآية: 22 من سورة الفجر.)، ونظائره. ثانيهما: أن نفس الحديث يرده، فإن سببه قصة حاطب وتجسسه على النبي ( وذلك ذنب واقع بعد غزوة بدر (29) ، لا قبلها، وهو سبب الحديث فهو مراد منه قطعاً. فالذي نظن في ذلك -والله أعلم- أن هذا خطاب لقوم قد علم الله سبحانه أنهم لا يفارقون دينهم بل يموتون على الإسلام، وأنهم قد يفارقون بعض ما يقارفه غيرهم من الذنوب (30) ، ولكن لا يتركهم سبحانه مصرِّين عليها، بل يوفقهم لتوبة نصوح، واستغفار وحسنات تمحو أثر ذلك، ويكون تخصيصهم بهذا دون غيرهم؛ لأنه قد تحقق ذلك فيهم وأنهم مغفور لهم. ولا يمنع ذلك كون المغفرة حصلت بأسباب تقوم بهم لا يقتضي ذلك أن يعطلوا الفرائض وثوقاً بالمغفرة، فلو كانت قد حصلت بدون الاستمرار على القيام بالأوامر لما احتاجوا بعد ذلك إلى صلاة ولا صيام ولا حج ولا زكاة ولا جهاد. وهذا محال. ومن أوجب الواجبات: التوبة بعد ذلك. فضمان المغفرة لا يوجب تعطيل أسباب المغفرة، ونظير هذا: قوله في الحديث الآخر: "أذنب عبد ذنباً فقال: أي رب أذنبت ذنباً فاغفر لي؛ فغفر له، ثم مكث ما شاء الله أن يمكث ثم أذنب ذنباً آخر، فقال: أي رب أصبت ذنباً فاغفر لي؛ فغفر له. ثم مكث ما شاء الله أن يمكث ثم أذنب ذنباً فقال: أي رب أصبت ذنباً فاغفره لي؛ فقال الله: علم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به، فقد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء" (رواه الشيخان.)، فليس في هذا إطلاق وإذن منه سبحانه له في المحرمات والجرائم، وإنما يدل على أنه يغفر له ما دام كذلك إذا أذنب تاب. واختصاص هذا العبد بهذا لأنه قد علم أنه لا يصر على ذنب، وأنه كلما أذنب تاب حكم يعم كل من كانت حاله حاله، لكن ذلك العبد مقطوع له بذلك كما قطع به لأهل بدر، وكذلك كل من بشره رسول الله ( بالجنة أو أخبره بأنه مغفور له، لم يفهم منه هو ولا غيره من الصحابة إطلاق الذنوب والمعاصي له، ومسامحته بترك الواجبات، بل كان هؤلاء أشد اجتهاداً وحذراً وخوفاً بعد البشارة منهم قبلها العشرة المشهود لهم بالجنة، وقد كان الصديق شديد الحذر والمخافة. وكذلك عمر فإنهم علموا أن البشارة المطلقة مقيدة بشروطها، والاستمرار عليها إلى الموت ومقيدة بانتفاء موانعها، ولم يفهم أحد منهم من ذلك إطلاق الإذن فيما شاءوا من الأعمال.
|
||||||||||
|
|
|
|
|
#7 (permalink) | ||||||||||
|
" (فائدة جليلة): نظرة صائبة في تفسير قوله تعالى:{هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا ....}
قوله تعالى: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور} (الآية: 15 من سورة الملك.). أخبر سبحانه أنه جعل الأرض ذلولا منقادة للوطء عليها وحفرها وشقها والبناء عليها، ولم يجعلها مستصعبة ممتنعة على من أراد ذلك منها، وأخبر سبحانه أنه جعلها مهاداً وفرشاً وبساطاً وقراراً وكفاتاً (31) وأخبر أنه دحاها وطحاها، وأخرج منها ماءها ومرعاها، وثبَّتها بالجبال ونهج فيها الفجاج والطرق، وأجرى فيها الأنهار والعيون، وبارك فيها وقدر فيها أقواتها، ومن بركتها أن الحيوانات كلها وأرزاقها وأقواتها تخرج منها، ومن بركتها أنك تودع فيها الحب فتخرجه لك من بطنها أحسن الأشياء وأنفعها فتوارى منه كل قبيح وتخرج له كل مليح، ومن بركتها أنها تستر قبائح العبد وفضلات بدنه وتواريها وتضمه وتؤويه، وتخرج له طعامه وشرابه فهي أحمل شيء للأذى وأعوده بالنفع. فلا كان من التراب خير منه وأبعد من الأذى وأقرب إلى الخير. والمقصود أنه سبحانه جعل لنا الأرض كالجمل الذلول الذي كيفما يقاد ينقاد. وحسن التعبير بمناكبها عن طرقها وفجاجها؛ لما تقدم من وصفها بكونها ذلولاً. فالماشي عليها يطأ على مناكبها وهو أعلى شيء فيها، ولهذا فسرت المناكب بالجبال، كمناكب الإنسان؛ وهي أعاليه. قالوا: وذلك تنبيه على أن المشي في سهولها أيسر. وقالت طائفة: بل المناكب: الجوانب والنواحي، ومنه مناكب الإنسان، لجوانبه. والذي يظهر: أن المراد بالمناكب الأعالي، وهذا الوجه الذي يمشي عليه الحيوان هو العالي من الأرض دون الوجه المقابل له، فإن سطح الكرة أعلاها، والمشي إنما يقع في سطحها، وحسن التعبير عنه بالمناكب لما تقدم من وصفها بأنها ذلول. ثم أمرهم أن يأكلوا من رزقه الذي أودعه فيها فذللها لهم ووطأها وفتق فيها السبل والطرق التي يمشون فيها وأودعها رزقهم، فذكر تهيئة المسكن للانتفاع والتقليب فيه بالذهاب والمجيء والأكل مما أودع فيه للساكن. ثم نبه بقوله: {وإليه النشور} على أنا في هذا المسكن غير مستوطنين ولا مقيمين، بل دخلناه عابري سبيل، فلا يحسن أن نتخذه وطناً ومستقرًّا، وإنما دخلناه لنتزود منه إلى دار القرار، فهو منزل عبور لا مستقر حبور، ومعبر وممر لا وطن ومستقر. فتضمنت الآية الدلالة على ربوبيته وقدرته وحكمته ولطفه والتذكر بنعمه وإحسانه، والتحذير من الركون إلى الدنيا واتخاذها وطناً ومستقرًّا بل نسرع فيها السير إلى داره وجنته، فلله ما في ضمن هذه الآية من معرفته وتوحيده والتذكير بنعمه، والحث على السير إليه، والاستعداد للقائه والقدوم عليه، والإعلام بأنه سبحانه يطوى هذه الدار كأن لم تكن، وأنه يحيي أهلها بعدما أماتهم وإليه النشور.
|
||||||||||
|
|
|
|
|
#8 (permalink) | ||||||||||
|
فائدة: نظــــــــــــرة إلى ســــــــــــورة الفاتحـــــــــــــة للإنسان قوتان: قوة علمية نظرية، وقوة عملية إرادية، وسعادته التامة موقوفة على استكمال قوتيه: العلمية والإرادية، واستكمال القوة العلمية إنما يكون بمعرفة فاطره، وبارئه، ومعرفة أسمائه وصفاته، ومعرفة الطريق الذي توصل إليه، ومعرفة آفاتها ومعرفة نفسه ومعرفة عيوبها، فبهذه المعارف الخمسة يحصل كمال قوته العلمية، وأعلم الناس أعرفهم بها وأفقههم فيها.
واستكمال القوة العلمية الإرادية لا تحصل إلا بمراعاة حقوقه سبحانه على العبد والقيام بها إخلاصاً وصدقاً ونصحاً وإحساناً ومتابعة وشهوداً لمنته عليه، وتقصيره هو في أداء حقه، فهو مستحي من مواجهته بتلك الخدمة لعلمه أنها دون ما يستحقه عليه ودون ذلك، وأنه لا سبيل له إلى استكمال هاتين القوتين إلا بمعونته فهو يهديه الصراط إما المستقيم الذي هدي إليه أولياؤه وخاصته، وأن يجنبه الخروج عن ذلك الصراط إما بفساد في قوته العلمية فيقع في الضلال، وإما قوته العملية فيوجب له الغضب. فكمال الإنسان وسعادته لا تتم إلا بمجموع هذه الأمور، وقد تضمنتها سورة الفاتحة وانتظمتها أكمل انتظام فإن قوله: {الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين} يتضمن الأصل الأول وهو معرفة الرب تعالى، ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله، والأسماء المذكورة في هذه السورة هي أصول الأسماء الحسنى، وهي: اسم الله والرب والرحمن. فاسم الله متضمن الصفات الألوهية، واسم الرب متضمن لصفات الربوبية، واسم الرحمن متضمن لصفات الإحسان والجود والبر. ومعاني أسمائه تدور على هذا. وقوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} يتضمن معرفة الطريق الموصلة إليه وأنها ليست إلا عبادته وحده بما يحبه ويرضاه، واستعانته على عبادته. وقوله: {اهدنا الصراط المستقيم} يتضمن بيان أن العبد لا سبيل له إلى سعادته إلا باستقامته على الصراط المستقيم، وأنه لا سبيل له إلى الاستقامة على الصراط إلا بهدايته. وقوله: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} يتضمن بيان طرفي الانحراف عن الصراط المستقيم، وأن الانحراف إلى أحد الطرفين انحراف إلى الضلال الذي هو فساد العلم والاعتقاد، والانحراف إلى الطريق الآخر انحراف إلى الغضب الذي سببه فساد القصد والعمل. فأول السورة رحمة وأوسطها هداية وآخرها نعمة. وحظ العبد من النعمة على قدر حظه من الهداية، وحظه منها على قدر حظه من الرحمة. فعاد الأمر كله إلى نعمته ورحمته. والنعمة والرحمة من لوازم ربوبيته، فلا يكون إلا رحيماً منعماً وذلك من موجبات إلهيته فهو الإله الحق وإن جحده الجاحدون وعدل به المشركون. فمن تحقق بمعاني الفاتحة علماً ومعرفة وعملاً وحالاً فقد فاز من كماله بأوفر نصيب، وصارت عبوديته عبودية الخاصة الذين ارتفعت درجتهم عن عوام المتعبدين، والله المستعان.
|
||||||||||
|
|
|
|
|
#9 (permalink) | ||||||||||
|
فائدة: لمعرفتــــــــــه تعــــــــــــــالى طـــــــــــــريقــــــــــــان
الرب تعالى يدعو عباده في القرآن إلى معرفته من طريقين: أحدهما: النظر في مفعولاته. ثانيهما: التفكر في آياته وتدبرها، فتلك آياته المشهودة، وهذه آياته المسموعة المعقولة. فالنوع الأول: كقوله: }إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجرى في البحر بما ينفع الناس ...{ (الآية: 164 من سورة البقرة.)، إلى آخرها، وقوله: }إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب{ (الآية: 190 من سورة آل عمران.)، وهو كثير في القرآن. والثاني: كقوله: {أفلا يتدبرون القرآن}(الآية: 82 من سورة النساء.)، وقوله: {أفلم يدبروا القول}(الآية: 68 من سورة المؤمنون.)، وقوله: {كتاب أنزلناه مباركا ليدبروا آياته}(الآية: 29 من سورة ص.)، وهو كثير أيضاً. فأما المفعولات فإنها دالة على الأفعال، والأفعال دالة على الصفات، فإن المفعول يدل على فاعل فعله، وذلك يستلزم وجوده وقدرته ومشيئته وعلمه لاستحالة صدور الفعل الاختياري من معدوم أو موجود لا قدرة له ولا حياة ولا علم ولا إرادة. ثم ما في المعلومات من التخصيصات المتنوعة دالّ على إرادة الفاعل وأن فعله ليس بالطبع بحيث يكون واحداً غير متكرر. وما فيها من المصالح والحكم والغايات المحمودة دال على حكمته تعالى. وما فيها من النفع والإحسان والخير دال على رحمته. وما فيها من البطش والانتقام والعقوبة دال على غضبه. وما فيها من الإكرام والتقريب والعناية دال على محبته. وما فيها من الإهانة والإبعاد والخذلان دال على بغضه ومقته. وما فيها من ابتداء الشيء في غاية النقص والضعف ثم سوقه إلى تمامه ونهايته دال على وقوع المعاد. وما فيها من أحوال النبات والحيوان وتصرف المياه دليل على إمكان المعاد. وما فيها من ظهر آثار الرحمة والنعمة على خلقه دليل على صحة النبوات. وما فيها من الكمالات التي لو عدمتها كانت ناقصة دليل على أن معطي تلك الكمالات أحق بها. فمفعولاته من أدل شيء على صفاته، وصدق ما أخبرت به رسله عنه. فالمصنوعات شاهدة تصدق الآيات المسموعات منبهة على الاستدلال بالآيات المصنوعات. قال تعالى: {ســــــنريهم آياتنا في الآفــــاق وفي أنفســــهم حتى يتـــــبين لهم أنه الحــــــــق} (الآية: 53 من سورة فصلت.)، أي أن القرآن حق. فأخبر أنه لا بد من أن يريهم من آياته المشهودة ما يبين لهم أن آياته المتلوة حق. ثم أخبر بكفاية شهادته على صحة خبره بما أقام من الدلائل والبراهين على صدق رسوله، فآياته شاهدة بصدقه، وهو شاهد بصدق رسوله بآياته، فهو الشاهد والمشهود له، وهو الدليل والمدلول عليه. فهو الدليل بنفسه على نفسه كما قال بعض العارفين: كيف أطلب الدليل على ما هو دليل لي على كل شيء، فأي دليل طلبته عليه فوجوده أظهر منه. لهذا قال الرسل لقومهم: {أفي الله شــــــــك}(الآية: 10 من سورة إبراهيم.)، فهو أعرف من كل معروف وأبين من كل دليل. فالأشياء عرفت به في الحقيقة، وإن كان عرف بها في النظر والاستدلال بأفعاله وأحكامه عليه.
|
||||||||||
|
|
|
|
|
#10 (permalink) | ||||||||||
|
فائدة: كيف يفعل من أصابه هم أو غم
في المسند وصحيح أبي حاتم من حديث عبد الله بن مسعود قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أصاب عبداً هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحاً. قالوا: يا رسول الله أفلا نتعلمهن؟ قال: بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن". فتضمن الحديث العظيم أموراً من المعرفة والتوحيد والعبودية: منها أن الداعي به صدَّر سؤاله بقوله: إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك. وهذا يتناول مَن فوقه من آبائه وأمهاته إلى أبويه : آدم وحواء، وفي ذلك تملق له واستخزاء بين يديه، واعتراف بأنه مملوكه وآباؤه مماليكه. وأن العبد ليس له غير باب سيده وفضله وإحسانه، وأن سيده إن أهمله وتخلى عنه هلك ولم يُؤوه أحد ولم يعطف عليه بل يضيع أعظم ضيعة، فتحت هذا الاعتراف أني لا غنى بي عنك طرفة عين، وليس لي من أعوذ به وألوذ به غير سيدي الذي أنا عبده. وفي ضمن ذلك الاعتراف بأنه مربوب مدبر مأمور منهي، إنما يتصرف بحكم العبودية لا بحكم الاختيار لنفسه، فليس هذا شأن العبد، بل شأن الملوك والأحرار، وأما العبيد فتصرفهم على محض العبودية، فهؤلاء عبيد الطاعة المضافون إليه سبحانه في قوله: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان}(الآية: 42 من سورة الحجر.)، وقوله: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً} (الآية: 63 من سورة الفرقان.)، ومن عداهم عبيد القهر والربوبية، فإضافتهم إليه كإضافة سائر البيوت إلى ملكه، وإضافة أولئك كإضافة البيت الحرام إليه. وإضافة ناقته إليه وداره التي هي الجنة إليه، وإضافة عبودية رسوله إليه بقوله: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه}الآية: 19 من سورة الجن.)
|
||||||||||
|
|
|
|
|
#11 (permalink) | ||||||||||
|
من معــــــــــــــاني العبــــــــــــــودية
وفي التحقيق بمعنى قوله: "إني عبدك" التزام عبوديته من الذل، وامتثال أمر سيده واجتناب نهيه، ودوام الافتقار إليه واللجوء إليه، والاستعانة به والتوكل عليه، وعياذ العبد به وعياذه به، وألا يتعلق قلبه بغيره محبة وخوفاً ورجاء. وفيه أيضاً أني عبد من جميع الوجوه صغيراً وكبيراً، حيًّا وميتاً، مطيعاً وعاصياً، معافى ومبتلى القلب واللسان والجوارح. وفيه أيضاً أن مالي ونفسي ملك لك، فإن العبد وما يملك لسيده. وفيه أيضاً أنك أنت الذي مننت عليَّ بكل ما أنا فيه من نعمة، فذلك كله من إنعامك على عبدك. وفيه أيضاً أني لا أتصرف فيما خولتني من مالي ونفسي إلا بأمرك كما لا يتصرف العبد إلا بإذن سيده، وأني لا أملك لنفسي ضرًّا ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، فإن صح له شهود ذلك فقد قال إني عبدك حقيقة. ثم قال: "ناصيتي بيدك" ، أي أنت المتصرف فيَّ، تصرفني كيف تشاء، لست أنا المتصرف في نفسي، وكيف يكون له في نفسه تصرف من نفسه بيد ربه وسيده وناصيته بيده وقلبه بين أصبعين من أصابعه، وموته وحياته وسعادته وشقاوته وعافيته وبلاؤه كله إليه سبحانه ليس إلى العبد منه شيء، بل هو في قبضة سيده أضعف من مملوك ضعيف حقير ناصيته بيد سلطان قاهر مالك له تحت تصرفه وقهره بل الأمر فوق ذلك. ومتى شهد العبد أن ناصيته ونواصي العباد كلها بيد الله وحده يصرفهم كيف يشاء لم يخفهم بعد ذلك ولم يرجهم ولم ينزلهم منزلة المالكين، بل منزلة عبيد مقهورين مربوبين، المتصرف فيهم سواهم، والمدبر لهم غيرهم، فمن شهد نفسه بهذا المشهد صار فقره وضرورته إلى ربه وصفاً لازماً له، متى شهد الناس كذلك لم يفتقر إليهم ولم يعلق أمله ورجاءه بهم، فاستقام توحيده وتوكله وعبوديته، ولهذا قال هود لقومه: {إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم}(الآية: 56 من سورة هود.). وقوله: "ماض فيَّ حكمك عدل في قضاؤك" تضمن هذا الكلام أمرين: أحدهما: مضاء حكمه في عبده. ثانيهما: يتضمن حمده وعدله، وهو سبحانه له الملك وله الحمد. وهذا معنى قول نبيه هود: {ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها}(الآية: 56 من سورة هود.)، ثم قال: {إن ربي على صراط مستقيم}(الآية: 56 من سورة هود.)، أي مع كونه مالكاً قاهراً متصرفاً في عباده نواصيهم بيده، فهو على صراط مستقيم: في قوله وفعله، وقضاءه وقدره، وأمره ونهيه، وثوابه وعقابه، فخبره كله صدق، وقضاؤه كله عدل، وأمره كله مصلحة، والذي نهى عنه كله مفسده، وثوابه لمن يستحق الثواب بفضله ورحمته، وعقابه لمن يستحق العقاب بعدله ورحمته.
|
||||||||||
|
|
|
|
|
#12 (permalink) | ||||||||||
|
القضــــــــاء والحــــــــكم والفـــــــــرق بـــيــــــــنهما
وفرق بين الحكم والقضاء وجعل المضاء للحكم والعدل للقضاء، فإن حكمه سبحانه يتناول حكمه الديني الشرعي وحكمه الكوني القدري، والنوعان نافذان في العبد، ماضيان فيه، وهو مقهور تحت الحكمين قد مضيا فيه ونفذا فيه. شاء أم أبى، لكن الحكم الكوني لا يمكنه مخالفته، وأما الديني الشرعي فقد يخالفه. ولما كان القضاء هو الإتمام والإكمال، وذلك إنما يكون بعد مضيه ونفوذه، قال: "عدل فيَّ قضاؤك" أي الحكم الذي أكملته وأتممته ونفذته في عبدك عدل منك فيه، وأما الحكم فهو ما يحكم به سبحانه وقد يشاء تنفيذه وقد لا ينفذه، فإن كان حكماً دينيًّا فهو ماض في العبد، وإن كان كونيًّا: فإن نفذه سبحانه مضى فيه، وإن لم ينفذه اندفع عنه، فهو سبحانه يقضي ما يقضي به، وغيره قد يقضي بقضاء ويقدر أمراً ولا يستطيع تنفيذه، وهو سبحانه يقضي ويمضي، فله القضاء والإمضاء. وقوله: "عدل فيَّ قضاؤك" يتضمن جميع أقضيته في عبده من كل الوجوه: من صحة وسقم، وغنى وفقر، ولذة وألم، وحياة وموت، وعقوبة وتجاوز وغير ذلك. قال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم}(الآية: 30 من سورة الشورى.)، وقال: {وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور}(الآية: 48 من سورة الشورى.)، فكل ما يقضي على العبد فهو عدل فيه. (فإن قيل): فالمعصية عندكم بقضائه وقدره، فما وجه العدل في قضائها؟ فإن العدل في العقوبة عليها غير ظاهر. قيل: هذا سؤال له شأن ومن أجله زعمت طائفة أن العدل هو المقدور والظلم ممتنع لذاته، قالوا: لأن الظلم هو المتصرف في ملك الغير والله له كل شيء، فلا يكون تصرفه في خلقه إلا عدلاً. وقالت طائفة: بل العدل أنه لا يعاقب على ما قضاه وقدره، فلما حسن منه العقوبة على الذنب علم أنه ليس بقضائه وقدره فيكون العدل هو جزاؤه على الذنب بالعقوبة والذم إما في الدنيا وإما في الآخرة. وصعب على هؤلاء الجمع بين العدل وبين القدر، فزعموا أن من أثبت القدر لم يمكنه أن يقول بالعدل. ومن قال بالعدل لم يمكنه أن يقول بالقدر، كما صعب عليهم الجمع بين التوحيد وإثبات الصفات، فزعموا أنه لا يمكنهم إثبات التوحيد إلا بإنكار الصفات، فصار توحيدهم تعطيلاً وعدلهم تكذيباً بالقدر. وأما أهل السنة فهم مثبتون للأمرين، والظلم عندهم هو وضع الشيء في غير موضعه كتعذيب المطيع ومن لا ذنب له، وهذا قد نزه الله نفسه عنه في غير موضع من كتابه، وهو سبحانه وإن أضل من شاء وقضى بالمعصية وألغى على من شاء فذلك محض العدل فيه لأنه وضع الإضلال والخذلان في موضعه اللائق به، كيف ومن أسمائه الحسنى "العدل" الذي كل أفعاله وأحكامه سداد وصواب وحق، وهو سبحانه قد أوضح السبل، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأزاح العلل، ومكن من أسباب الهداية والطاعة بالأسماع والأبصار والعقول، وهذا عدله. ووفق من شاء بمزيد عناية وأراد من نفسه أن يعينه ويوفقه فهذا فضله، وخذل من ليس بأهل لتوفيقه وفضله وخلى بينه وبين نفسه، ولم يرد سبحانه من نفسه أن يوفقه، فقطع عنه فضله ولم يحرمه عدله، وهذا نوعان: أحدهما: ما يكون جزاء منه للعبد على إعراضه عنه، وإيثار عدوه في الطاعة والموافقة عليه وتناسي ذكره وشكره فهو أهل أن يخذله ويتخلى عنه. ثانيهما: ألا يشاء له ذلك ابتداء لما يعلم منه أنه لا يعرف قدر نعمة الهداية، ولا يشكره عليه، ولا يثني عليه بها ولا يحبها فلا يشاؤها له لعدم صلاحيته محله. قال تعالى: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين}(الآية: 53 من سورة الأنعام.)، وقال: {ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم}(الآية: 23 من سورة الأنفال.)، فإذا قضى على هذه النفوس بالضلال والمعصية كان في محض العدل، كما إذا قضى على الحية بأن تقتل وعلى العقرب وعلى الكلب العقور كان ذلك عدلاً فيه، وإن كان مخلوقاً على هذه الصفة. وقد استوفينا الكلام في هذا في كتابنا الكبير في القضاء والقدر. والمقصود: أن قوله صلى الله عليه وسلم: "ماض في حكمك عدل في قضاؤك" رد على الطائفتين: القدرية الذين ينكرون عموم أقضية الله في عباده ويخرجون أفعال العباد عن كونها بقضائه وقدره، ويردون القضاء إلى الأمر والنهي، وعلى الجبرية الذين يقولون كل مقدور عدل فلا يبقى لقوله: "عدل في قضاؤك" فائدة، فإن العدل عندهم كل ما يمكن فعله والظلم هو المحال لذاته، فكأنه قال: ماض ونافذ فيَّ قضاؤك، وهذا هو. وقوله: "أسألك بكل اسم ..." إلى آخره، توسل إليه بأسمائه كلها ما علم العبد منها وما لم يعلم، وهذه أحب الوسائل إليه، فإنها وسيلة بصفاته وأفعاله التي هي مدلول أسمائه. وقوله: "أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري" الربيع: المطر الذي يحيي الأرض. شبه القرآن به لحياة القلوب به، وكذلك شبهه الله بالمطر وجمع بين الماء الذي تحصل به الحياة والنور الذي تحصل به الإضاءة والإشراق، كما جمع بينهما سبحانه في قوله: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية...}( الآية: 17 من سورة الرعد.) ، في قوله: {مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم}(الآية: 17 من سورة البقرة.)، ثم قال: {أو كصيب من السماء}الآية: 19 من سورة البقرة.)، وفي قوله: {الله نور السموات الأرض مثل نوره...} الآيات ( الآية: 35 من سورة النور.) ، ثم قال: {ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه} الآيات (الآية: 43 من سورة النور.). فتضمن الدعاء أن يحيي قلبه بربيع القرآن وأن ينور به صدره فتجتمع له الحياة والنور. وقال تعالى: {أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها}(الآية: 122 من سورة الأنعام.). ولما كان الصدر أوسع من القلب كان النور الحاصل له يسري منه إلى القلب؛ لأنه قد حصل لما هو أوسع منه، ولما كانت حياة البدن والجوارح كلها بحياة القلب تسري الحياة منه إلى الصدر ثم إلى الجوارح سأل الحياة له بالربيع الذي هو مادتها، ولما كان الحزن والهم والغم يضاد حياة القلب واستنارته سأل أن يكون ذهابها بالقرآن فإنها أحرى ألا تعود. وأما إذا ذهبت بغير القرآن من صحة أو دنيا أو جاه أو زوجة أو ولد فإنها تعود بذهاب ذلك. والمكروه الوارد على القلب إن كان من أمر ماض أحدث الحزن، وإن كان من مستقبل أحدث الهم، وإن كان من أمر حاضر أحدث الغم، والله أعلم.
|
||||||||||
|
|
|
|
|
#13 (permalink) | ||||||||||
|
فائدة: أنزه الموجودات وأشرفها عرش الرحمن جل جلاله
أنزه الموجودات وأظهرها وأنورها وأشرفها وأعلاها ذاتاً وقدراً وأوسعها: عرش الرحمن جل جلاله، لذلك صلح لاستوائه عليه، وكل ما كان أقرب إلى العرش كان أنور وأنزه وأشرف مما بعد عنه، ولهذا كانت جنة الفردوس أعلى الجنات وأشرفها وأنورها وأجلها لقربها من العرش إذ هو سقفها، وكل ما بعد عنه كان أظلم وأضيق، ولهذا كان أسفل سافلين شر الأمكنة وأضيقها وأبعدها من كل خير. وخلق الله القلوب وجعلها محلاًّ لمعرفته ومحبته وإرادته فهي عرش المثل الأعلى الذي هو معرفته ومحبته وإرادته. قال تعالى: {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم}(الآية: 60 من سورة النحل.). وقال تعالى: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم}(الآية: 27 من سورة الروم.)، وقال تعالى: {ليس كمثله شيء}(الآية: 11 من سورة الشورى.)، فهذا من المثل الأعلى وهو مستو على قلب المؤمن فهو عرشه. وإن لم يكن أطهر الأشياء وأنزهها وأطيبها وأبعدها من كل دنس وخبث لم يصلح لاستواء المثل الأعلى عليه معرفة ومحبة وإرادة فاستوى عليه مثل الدنيا الأسفل ومحبتها وإرادتها والتعلق بها، فضاق وأظلم وبعد من كماله وفلاحه حتى تعود القلوب على قلبين: قلب هو عرش الرحمن، ففيه النور والحياة والفرح والسرور والبهجة وذخائر الخير، وقلب هو عرش الشيطان فهناك الضيق والظلمة والموت والحزن والغم والهم فهو حزين على ما مضى، مهموم بما يستقبل مغموم في الحال. وقد روى الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح، قالوا: فما علامة ذلك يا رسول الله؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله"، والنور الذي يدخل القلب إنما هو آثار المثل الأعلى، فلذلك ينفسح وينشرح، وإذا لم يكن فيه معرفة الله ومحبته فحظه الظلمة والضيق.
|
||||||||||
|
|
|
|
|
#14 (permalink) | ||||||||||
|
فائدة: عظمــــــــته ســــــــبحانه وتعـــــــــــالى
تأمل خطاب القرآن تجد ملكاً له الملك كله وله الحمد كله، أزِمَّة الأمور كلها بيده ومصدرها منه ومردّها إليه، مستوياً على سرير ملكه، لا تخفى عليه خافية في أقطار مملكته، عالماً بما في نفس عبيده، مطلعاً على أسرارهم وعلانيتهم، منفرداً بتدبير المملكة، يسمع ويرى، ويعطي ويمنع، ويثيب ويعاقب، ويكرم ويهين، يخلق ويرزق، ويميت ويحيي، ويقدر ويدبر، الأمور نازلة من عنده دقيقها وجليلها، وصاعدة إليه لا تتحرك في ذرة إلا بإذنه ولا تسقط ورقة إلا بعلمه. فتأمل كيف تجده يثني على نفسه ويمجد نفسه ويحمد نفسه، وينصح عباده ويدلهم على ما فيه سعادتهم وفلاحهم، ويرغبهم فيه ويحذرهم مما فيه هلاكهم، ويتعرف إليهم بأسمائه وصفاته، ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه. فيذكرهم بنعمه عليهم ويأمرهم بما يستوجبون به تمامها ويحذرهم من نقمه ويذكرهم بما أعد لهم من الكرامة إن أطاعوه، وما أعد لهم من العقوبة إن عصوه ويخبرهم بصنعه في أولياءه وأعدائه وكيف كانت عاقبة هؤلاء، ويثني على أوليائه بصالح أعمالهم وأحسن أوصافهم، ويذم أعداءه بسيئ أعمالهم وقبيح صفاتهم، ويضرب الأمثال، وينوع الأدلة والبراهين، ويجيب عن شبه أعدائه أحسن الأجوبة، ويصدق الصادق ويكذب الكاذب، ويقول الحق ويهدي السبيل، ويدعو إلى دار السلام، ويذكر أوصافها وحسنها ونعيمها، ويحذر من دار البوار ويذكر عذابها وقبحها وآلامها، ويذكر عباده فقرهم إليه، وشدة حاجتهم إليه من كل وجه، أنهم لا غنى لهم عنه طرفة عين. ويذكر غناه عنهم وعن جميع الموجودات وأنه الغني بنفسه عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه بنفسه، وأنه لا ينال أحد ذرة من الخير فما فوقها إلا بفضله ورحمته، ولا ذرة من الشر فما فوقها إلا بعدله وحكمته، ويشهد من خطابه عتابه لأحبابه ألطف عتاب، وأنه مع ذلك مقيل عثراتهم، وغافر زلاتهم، ومقيم أعذارهم، ومصلح فسادهم. والدافع عنهم، والمحامي عنهم، والناصر لهم، والكفيل بمصالحهم، والمنجي لهم من كل كرب، والموفي لهم بوعده، وأنه وليهم الذي لا ولي لهم سواه، فهو مولاهم الحق، ونصيرهم على عدوهم، فنعم المولى ونعم النصير. فإذا شهدت القلوب من القرآن ملكاً عظيماً رحيماً جميلاً، هذا شأنه، فكيف لا تحبه وتنافس في القرب منه وتنفق أنفاسها في التودد إليه، ويكون أحب إليها من كل ما سواه، ورضاه آثر عندها من رضا كل سواه، وكيف لا تلهج بذكره ويصير حبه والشوق إليه والأنس به هو غذاؤها وقوتها وداؤها بحيث إن فقدت ذلك فسدت وهلكت، ولم تنتفع بحياتها.
|
||||||||||
|
|
|
|
|
#15 (permalink) | ||||||||||
|
فائدة: "لا بد في قبول المحل لما يوضع فيه أن يفرغ من ضده"
قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده، وهذا كما أنه في الذوات والأعيان فكذلك هو في الاعتقادات والإرادات، فإذا كان القلب ممتلئاً بالباطل اعتقادا ومحبة لم يبق فيه لاعتقاد الحق ومحبته موضع، كما أن اللسان إذا اشتغل بالتكلم بما لا ينفع لم يتمكن صاحبه من النطق بما ينفعه إلا إذا فرغ لسانه من النطق بالباطل، وكذلك الجوارح إذا اشتغلت بغير الطاعة لم يمكن شغلها بالطاعة إلا إذا فرغها من ضدها. فكذلك القلب المشغول بمحبة غير الله وإرادته والشوق إليه والأنس به، لا يمكن شغله بمحبة الله وإرادته وحبه والشوق إلى لقائه إلا بتفريغه من تعلقه بغيره. ولا حركة اللسان بذكره والجوارح بخدمته إلا إذا فرغها من ذكر غيره وخدمته، فإذا امتلأ القلب بالشغل بالمخلوق والعلوم التي لا تنفع لم يبق فيها موضع للشغل بالله ومعرفة أسمائه وصفاته وأحكامه. وسر ذلك: أن صفاء القلب كإصغاء الأذن، فإذا أصغى إلى غير حديث الله لم يبق فيه إصغاء ولا فهم لحديثه. كما إذا مال إلى غير محبة الله لم يبق فيه ميل إلى محبته. فإذا نطق القلب بغير ذكره لم يبق فيه محل للنطق بذكره كاللسان. ولهذا في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يَرِيَهُ خير له من أن يملأ شعراً" فبين أن الجوف يمتلئ بالشعر فكذلك يمتلئ بالشبه والشكوك والخيالات والتقديرات التي لا وجود لها، والعلوم التي لا تنفع، والمفاكهات والمضحكات والحكايات، ونحوها، وإذا امتلأ القلب بذلك جاءته حقائق القرآن والعلم الذي به كماله وسعادته فلم تجد فيه فراغاً لها ولا قبولاً فتعدته وجاوزته إلى محل سواه. كما إذا بذلت النصيحة لقلب ملآن من ضدها لا منفذ لها فيه فإنه لا يقبلها ولا تلج فيه، لكن تمر مجتازة لا مستوطنة، ولذلك قيل: نزه فؤادك من سوانا تلقنا ** فجنابنا حل لكل منزه والصبر طلسم لكنز وصالنا ** من حل ذا الطلسم فاز بكنزه وبالله التوفيق
|
||||||||||
|
|
|
|
|
#16 (permalink) | ||||||||||
|
فائدة: الكـــــــــــلام في "ألهــــاكم التكـــــــــــاثر":
قوله تعالى: { ألهاكم التكاثر} (الآية الأولى من سورة التكاثر.) إلى آخرها. أخلصت هذه السورة للوعد والوعيد والتهديد، وكفى بها موعظة لمن عقلها. فقوله تعالى: {ألهاكم} أي شغلكم على وجه لا تعذرون فيه. فإن الإلهاء عن الشيء هو الاشتغال عنه. فإن كان بقصده فيه فهو محل التكليف، وإن كان بغير قصد كقوله صلى الله عليه وسلم في الخميصة: "إنها ألهتني آنفاً عن صلاتي"(رواه الشيخان.) كان صاحبه معذوراً وهو نوع من النسيان، وفي الحديث " فلها صلى الله عليه وسلم عن الصبي" أي ذهل عنه، ويقال: لَهَا بالشيء: أي اشتغل به، ولها عنه: إذا انصرف عنه. واللهو للقلب، واللعب للجوارح؛ ولهذا يجمع بينهما، ولهذا كان قوله: { ألهاكم التكاثر} أبلغ في الذم من شغلكم، فإن العامل قد يستعمل جوارحه بما يعمل وقلبه غير لاه به، فاللهو هو ذهول وإعراض، والتكاثر تفاعل من الكثرة، أي مكاثرة بعضكم لبعض، وأعرض عن ذكر المتكاثر به إرادة لإطلاقه وعمومه، وأن كل ما يكاثر به العبد غيره سوى طاعة الله ورسوله وما يعود عليه بنفع معاده فهو داخل في هذه التكاثر. فالتكاثر كل شيء من مال أو جاه أو رياسة أو نسوة أو حديث أو علم، ولا سيما إذا لم يحتج إليه. والتكاثر في الكتب: التصانيف وكثرة المسائل وتفريعها وتوليدها. والتكاثر: أن يطلب الرجل أن يكون أكثر من غيره، وهذا مذموم إلا فيما يقرب إلى الله. فالتكاثر فيه منافسة في الخيرات ومسابقة إليها. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن الشخير أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: {ألهاكم التكاثر} قال: " يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما تصدقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت".
|
||||||||||
|
|
|
|
|
#17 (permalink) | ||||||||||
|
تنبيه: من لم ينـــــــتفع بعينه لم ينـــــــــــتـــفع بأذنه:
من لم ينتفع بعينه لم ينتفع بأذنه، للعبد ستر بينه وبين الله وبينه وبين الناس، فمن هتك الستر الذي بينه وبين الله هتك الله الستر الذي بينه وبين الناس. للعبد رب هو ملاقيه وبيت هو ساكنه، فينبغي له أن يسترضي ربه قبل لقائه، ويعمر بيته قبل انتقاله إليه. إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها. الدنيا من أولها إلى آخرها لا تساوي غم ساعة فكيف بغم العمر. محبوب اليوم يعقب المكروه غدا، ومكروه اليوم يعقب المحبوب غدا. أعظم الربح في الدنيا أن تشغل نفسك كل الوقت بما هو أولى بها وأنفع لها في معادها. كيف يكون عاقلا من باع الجنة بما فيها بشهوة ساعة. يخرج العارف من الدنيا ولم يقض وطره من شيئين: بكاؤه على نفسه، وثناؤه على ربه. المخلوق إذا خفته استوحشت منه وهربت منه، والرب تعالى إذا خفته أنست به وقربت إليه. لو نفع العلم بلا عمل لما ذم الله سبحانه أحبار أهل الكتاب، ولو نفع العمل بلا إخلاص لما ذم المنافقين. دافع الخطرة، فإن لم تفعل صارت فكرة، فدافع الفكرة، فإن لم تفعل صارت شهوة، فحاربها، فإن لم تفعل صارت عزيمة وهِمَّة. فإن لم تدافعها صارت فعلا.
|
||||||||||
|
|
|
|
|
#18 (permalink) | ||||||||||
|
التقـــــــــــــــــــوى ثـــــــــــــــــــــــلاث مراتب:
إحداها: حمية القلب والجوارح عن الآثار المحرمات. الثانية: حميتها عن المكروهات. الثالثة: الحمية عن الفضول وما لا يعني. فالأولى تعطى العبد حياته، والثانية تفيد صحته وقوته، والثالثة تكسيه سروره وفرحه وبهجته. غموض الحق حين تذب عنه ** تضل عن الدقيق فهوم قوم يقلل ناصر الخصم المحق **فتقضى للمجل على المدق بالله أبلغ ما أسعى وأدركه ** لا بي ولا بشفيع لي من الناس إذا أيست وكاد اليأس يقطعني ** جاء الرجاء مسرعاً من جانب اليأس من خلقه الله للجنة لم تزل هداياها تأتيه من المكاره، ومن خلقه للنار لم تزل هداياه من الشهوات. لما طلب آدم الخلود في الجنة من جانب الشجرة عوقب بالخروج منها. ولما طلب يوسف الخروج من السجن من جهة صاحب الرؤيا لبث فيه بضع سنين.
|
||||||||||
|
|
|
|
|
#19 (permalink) | ||||||||||
|
إذا جرى على العبد مقدور يكرهه فله فيه ستة مشاهد:
الأول: مشهد التوحيد وأن الله هو الذي قدره وشاءه وخلقه، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. الثاني: مشهد العدل، وأنه ماض فيه حكمه عدل فيه قضاؤه. الثالث: مشهد الرحمة وأن رحمته في هذا المقدور غالبة لغضبه وانتقامه ورحمته حشوه. الرابع: مشهد الحكمة وأن حكمته سبحانه اقتضت ذلك، لم يقدره سدى ولا قضاه عبثاً. الخامس: مشهد الحمد وأن له سبحانه الحمد التام على ذلك من جميع وجوهه. السادس: مشهد العبودية وأنه عبد محض من كل وجه تجري عليه أحكام سيده وأقضيته بحكم كونه ملكه وعبده، فيصرفه تحت أحكامه القدرية كما يصرفه تحت أحكامه الدينية فهو محل لجريان هذه الأحكام عليه. قلة التوفيق وفساد الرأي، وخفاء الحق وفساد القلب، وخمول الذكر، وإضاعة الوقت، ونفرة الخلق والوحشة بين العبد وبين ربه، ومنع إجابة الدعاء، وقسوة القلب، ومحق البركة في الرزق والعمر، وحرمان العلم ولباس الذل، وإهانة العدو وضيق الصدر، والابتلاء بقرناء السوء الذين يفسدون القلب ويضيعون الوقت، وطول الهم والغم، وضنك المعيشة وكسف البال: تتولد من المعصية والغفلة عن ذكر الله كما يتولد الزرع عن الماء، والاحتراق عن النار، وأضداد هذه تتولد عن الطاعة.
|
||||||||||
|
|
|
|
|
#20 (permalink) | ||||||||||
|
من معاني الإنصـــــاف له تعــــــــــالى
طوبى لمن أنصف ربه فأقر بالجهل في عمله والآفات في عمله والعيوب في نفسه والتفريط في حقه، والظلم في معاملته، فإن آخذه بذنوبه رأى عدله وإن لم يؤخذ بها رأى فضله، وإن عمل حسنة رآها من منته وصدقته عليه، فإن قبلها فمنة وصدقة ثانية، وإن ردها فلكون مثلها لا يصلح أن يواجه به، وإن عمل سيئة رآها من تخليه عنه، وخذلانه له، وإمساك عصمته عنه، وذلك من عدله فيه، فيرى في ذلك فقره إلى ربه وظلمه في نفسه، فإن غفر له فبمحض إحسانه وجوده وكرمه. ونكتة المسألة وسرها: أنه لا يرى ربه إلا محسناً، ولا يرى نفسه إلا مسيئاً أو مفرطاً أو مقصراً فيرى كل ما يسره من فضل ربه عليه وإحسانه إليه، وكل ما يسوءه من ذنوبه وعدل الله فيه. المحبون إذا خربت منازل أحبائهم قالوا سقياً لسكانها. وكذلك المحب إذا أتت عليه الأعوام تحت التراب ذكر حينئذ حسن طاعته له في الدنيا وتودده إليه وتجدد ورحمته وسقياه لمن كان ساكناً في تلك الأجسام البالية.
|
||||||||||
|
|
|
![]() |
| أدوات الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| فاتورة التليفون والمواقع الجنسية | ســـامي | القسم الإسلامي العام | 6 | 25 -05 -2009 03:11 PM |
| (عطونا رايكم ) منح الجنسية السعودية للمقيم عشر سنوات | شخص اخر | منتدى الأخبار | 3 | 02 -05 -2008 06:26 PM |
| هل تريد الدخول الى المواقع الجنسية | ســـامي | المنتدى العام | 6 | 25 -07 -2006 06:36 PM |
| وصفات لعلاج جميع الأمراض الجنسية | أبو الأبطال | الطب والصحة | 0 | 21 -08 -2005 09:45 AM |
|
الساعة الآن 08:20 AM.
منتديات ماجدة جميع الحقوق محفوظة © 2009 . إحدى خدمات شركة
مكتوب.
العاب شمس - العاب وصلات - العاب بنات - الفراشة - عالم حواء - الحياة الزوجية - طيران - سفر - كورة - ابراج – حظك اليوم - اخبار - كليبات - العاب فلاش - التنمية البشرية - زواج – بنت الحلال |