منتدى ماجده منتدى ماجده     أضف للمفضلة أضف للمفضلة
  كلمة مرور المنتدى   كلمة مرور مكتوب تسجيل الدخول



 
  المنتدى  موقع مكتوب  الانترنت
 

عـودة للخلف   منتديات ماجدة > المنتديات الإسلامية > القسم الإسلامي العام
القسم الإسلامي العام

المنتدى الخاص بمواضيع ديننا الحنيف ..
على مذهب أهل السنة و الجماعة


الرد على الموضوع
 
LinkBack خيارات الموضوع
قديم 19 -08 -2006, 01:59 AM   #1 (permalink)
معلومات الكاتب
عضو محترف

الصورة الشخصية لـ زمن المحبة
تاريخ التسجيل:  16-08-2006
رقم العضوية :  30801
مكان الإقامة :  الدنيا الفانية
الدولة:
عدد المشاركات: 895
الجنـس: ذكر
مستوى تقييم العضوية : 7 زمن المحبة is on a distinguished road
حالة العضو:   زمن المحبة غير متصل





الافتراضي حوار مع صديقي الملحد




بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم
حوار مع صديقي الملحد
- مقدمة -
لأن الله غيب ..
ولأن المستقبل غيب ..
ولأن الآخرة غيب ..
ولان من يذهب إلى القبر لا يعود ..
راجت بضاعة الإلحاد ..!!
وسادت الأفكار المادية ..
وعبد الناس أنفسهم واستسلموا لشهواتهم ...
وانكبوا على الدنيا يتقاتلون على منافعها ..
وظن أكثرهم أن ليس وراء الدنيا شيء وليس بعد الحياة شيء.. !!
وتقاتلت الدول الكبرى على ذهب الأرض وخيراتها ..
وأصبح للكفر نظريات ..
وللمادة فلسفات ..
وللإنكار محاريب وسدنة ..
وللمنكرين كعبة يتعلقون بأهدابها ويحجون إليها في حلهم وترحالهم...
كعبة مهيبة يسمونها (( العلم ))...
وحينما ظهر أمر (( الجينوم البشري )) ذلك الكتيب الصغير من خمسة ملايين صفحة في خلايا كل منا ..
والمدون في حيز خلوي ميكروسكوبي في ثلاثة مليارات من الحروف الكيمائية عن قدر كل منا ..
ومواطن قوته .. ومواطن ضعفه... وصحته... وأمراضه...
أفاق العالم كله كأنما - بصدمة كهربائية -.. كيف ؟.. ومتى ؟..
وبأي قلم غير مرئي كتب هذا ( السفر ) الدقيق عن مستقبل لم يأت بعد ..
ومن الذي كتب كل تلك المعلومات .. ؟؟
وبأي وسيلة.. ؟؟
ومن الذي يستطيع أن يدون مثل تلك المدونات.. ؟؟
ورأينا كلينتون -رئيس اكبر دولة في العالم- يطالعنا في التلفزيون ليقول بنبرات خاشعة:
" أخيرا أمكن جمع المعلومات الكاملة عن " الجنيوم البشري " وأوشك العلماء أن يفضوا الشفرة التي كتب الله بها أقدرانا " ..
هكذا ذكر (( الله )) بالاسم في بيانه ..
نعم كانت صحوة مؤقتة ..
أعقبها جدل .. وضجيج .وعجيج. ..
وتكلم الكثير .. باسم الدين .. وباسم العلم.. واختلفوا ..
وعادت الأسئلة القديمة عن حرية الإنسان ..
وهل هو مسير أم مخير ..
وإذا كان الله قدر علينا أفعالنا فلماذا يحاسبنا..؟؟!!
ولماذا خلق الله الشر .. ؟؟
وما ذنب الذي لم يصله القرآن.. ؟؟
وما موقف الدين من التطور.. ؟؟
ولماذا نقول باستحالة أن يكون القرآن مؤلفاً... ؟؟
وعاد ذلك الحوار القديم مع صديقي الملحد ليتردد ..
وعادت موضوعاته .. عن الجبر والاختيار .. والبعث والمصير .والحساب. ..
لتصبح مواضيع الساعة ...
وتعود هذه الطبيعة الجديدة في وقتها وميعادها .. لتشارك في حل هذا اللغز ..
ولتعود لتثير الموضوع من منطلق العلم الثابت والإشارات القرآنية.. واليقين الإلهي الذي لا يتزلزل..
جاء هذا الحوار مرة أخرى .. في ميعاده ..
ومرحباً مرة أخرى بالحوار الهادئ البناء ....
----------------------------------
- لم يلد ... ولم يولد -
صديقي رجل يحب الجدل ويهوى الكلام..
وهو يعتقد أننا نحن - المؤمنين السذج – نقتات بالأوهام ونضحك على أنفسنا بالجنة وبالحور العين وتفوتنا لذات الدنيا ومفاتنها..
وصديقي بهذه المناسبة تخرج في فرنسا وحصل على الدكتوراه , وعاش مع الهيبز واصبح ينكر كل شيء ..
قال لي ساخراً:
" انتم تقولون ان الله موجود. وعمدة براهينكم هو قانون " السببية " الذي ينص على ان لكل صنعة صانعاً .. ولكل خلق خالقاً. ولكل وجود موجداً .. النسيج يدل على النساج .. والرسم يدل على الرسام .. والنقش على النقاش. والكون بهذا المنطق ابلغ دليل على الاله القدير الذي خلقه ..
صدقنا وآمنا بهذا الخالق .. الا يحق لنا بنفس المنطق ان نسأل .. ومن خلق الخالق .؟؟؟
ومن خلق الله الذي تحدثوننا عنه .؟!
الا تقودنا نفس استدلالاتكم الى هذا .. وتبعاً لنفس قانون السببية .. ما رايكم في هذا المطلب دام فضلكم .. ؟ "
ونحن نقول له :
سؤالك فاسد .. ولا مطب ولا حاجة، فانت تسلم بأن الله خالق ثم تقول من خلقه ..؟ !!
فتجعل منه خالقاً ومخلوقاً في نفس الجملة وهذا تناقض ..
والوجه الاخر لفساد السؤال: انك تتصور خضوع الخالق لقوانين مخلوقاته ..
فالسببية قانوننا نحن ابناء الزمان والمكان ..
والله الذي خلق الزمان والمكان هو بالضرورة فوق الزمان والمكان ولا يصح لنا ان نتصوره مقيداً بالزمان والمكان , ولا بقوانين الزمان والمكان ..
والله هو الذي خلق قانون السببية, فلا يجوز ان نتصوره خاضعاً لقانون السببية الذي خلقه
وانت بهذه السفسطة اشبه بالعرائس التي تتحرك " بزنبرك "
وتتصور ان الانسان الذي صنعها لابد هو الآخر يتحرك " بزنبرك "
فاذا قلنا لها بل يتحرك من تلقاء نفسه .. قالت : مستحيل ان يتحرك من تلقاء نفسه .. اني ارى في عالمي كل شيء يتحرك بزنبرك ..
وانت بالمثل.. لا تتصور ان الله موجود بذاته بدون موجد .. لمجرد انك ترى كل شيء حولك في حاجة الى موجد ..
وانت كمن يظن ان الله محتاج الى براشوت لينزل على البشر .. ومحتاج الى اتوبيس سريع ليصل الى انبيائه . سبحانه وتعالى عن هذه الاوصاف علواً كبيراً ..
و ( عمانويل كانت ) الفيلسوف الالماني في كتابه ( نقد العقل الخالص ) .. ادرك ان العقل لا يستطيع ان يحيط بكنه الاشياء وانه مهيأ بطبيعته لادراك الجزئيات والظواهر فقط في حين انه عاجز عن ادراك الماهيات المجردة مثل الوجود الالهي ..
وانما عرفنا الله بالضمير وليس بالعقل .. شوقنا الى العدل كان دليلنا على وجود العادل ..
كما ان ظمأنا الى الماء هو دليلنا على وجود الماء ..
اما ارسطو فقد استطرد في تسلسل الاسباب قائلاً :
"ان الكرسي من الخشب والخشب من الشجرة . والشجرة من البذرة . والبذرة من الزارع". واضطر الى القول بأن هذا الاستطراد المتسلسل في الزمن اللانهائي لابد ان ينتهي بنا في البدء الاول الى سبب في غير حاجة الى سبب ..
سبب اول او محرك اول في غير حاجة الى من يحركه ..
خالق في غير حاجة الى خالق .. وهو نفس ما نقوله عن الله U ..
اما ابن عربي فكان رده على هذا السؤال ( سؤال من خلق الخالق ) ..
بأنه سؤال لا يرد الا على عقل فاسد .. فالله هو الذي يبرهن على الوجود ولا يصح ان يتخذ الوجود برهاناً عليه ..
تماماً كما نقول ان النور يبرهن على النهار .. ونعكس الآية لو قلنا ان النهار يبرهن على النور ..
يقول الله U في حديث قدسي : ( انا يُستدل بي .. انا لا يُستدل علي )
فالله U هو الدليل الذي لا يحتاج الى دليل .. لانه الله الحق الواضح بذاته .. وهو الحجة على كل شيء ..
الله U ظاهر في النظام والدقة والجمال والاحكام ..
في ورقة الشجر .. في ريشة الطاووس .. في جناح الفراشة .. في عطر الورد .. في صدح البلبل .. في ترابط النجوم والكواكب في هذا القصيد السيمفوني الذي اسمه الكون..
لو قلنا ان كل هذا جاء مصادفة.. لكنا كمن يتصور ان القاء حروف مطبعة في الهواء يمكن ان يؤدي الى تجمعها تلقائياً على شكل قصيدة شعر لشكسبير بدون شاعر وبدون مؤلف .
والقرآن يغنينا عن هذه المجادلات بكلمات قليلة وبليغة فيقول بوضوح قاطع ودون تفلسف:
( قل هو الله احد .. الله الصمد .. لم يلد ولم يولد .. ولم يكن له كفواً احد )
ويسألنا صاحبنا ساخراً: " ولماذا تقولون ان الله واحد ؟ لماذا لا يكون الآلهة متعددين يتوزعون بينهم الاختصاصات ..؟؟ "
وسوف نرد عليه بالمنطق الذي يعترف به .. بالعلم وليس بالقرآن الكريم ..
سوف نقول له ان الخالق واحد , لان الكون كله مبني من خامة واحدة وبخطة واحدة .
فمن الإيدروجين تألفت العناصر الاثنان والتسعون التي في جدول ( مندليف ) بنفس الطريقة , ( بالادماج ) واطلاق الطاقة الذرية التي تتأجج بها النجوم وتشتعل الشموس في فضاء الكون ...
كما ان الحياة كلها بنيت من مركبات الكربون ( جميع صنوف الحياة تتفحم بالاحتراق ) وعلى مقتضى خطة تشريحية واحدة
تشريح الضفدعة .. والارنب . والحمامة . والتمساح . والزرافة . والحوت . يكشف خطة تشريحية واحدة .
نفس الشرايين والاوردة وغرفات القلب . ونفس العظام . كل عظمة لها نظيرتها .. الجناح في الحمامة هو الذراع في الضفدعة، نفس العظم مع تحور طفيف . والعنق في الزرافة على طوله نجد فيه نفس الفقرات السبع التي تجدها في عنق القنفد ..!!
والجهاز العصبي هو هو في الجميع . يتألف من مخ وحبل شوكي واعصاب حس واعصاب حركة ..
والجهاز الهضمي من معدة واثني عشر.. وامعاء دقيقة وامعاء غليظة. والجهاز التناسلي نفس المبيض والرحم والخصية وقنواتها
والجهاز البولي الكلية والحالب وحويصلة البول .. ثم الوحدة التشريحية في الجميع هي الخلية .
وهي في النبات كما في الحيوان كما في الانسان بنفس المواصفات ..
تتنفس وتتكاثر وتموت وتولد بنفس الطريقة .
فأية غرابة بعد هذا ان نقول ان الخالق واحد ..؟ ..
الا تدل على ذلك وحدة الاساليب ...
ولماذا يتعدد الكامل ..؟ وهل به نقص ليحتاج الى من يكمله ..؟؟
انما يتعدد الناقصون ..
ولو تعدد الآلهة لاختلفوا . ولذهب كل اله بما خلق . ولفسدت السموات والارض ..
والله له الكبرياء والجبروت وهذه صفات لاتحتمل الشركة ..
ويسخر صاحبنا من معنى الربوبية كما نفهمه ويقول :
" اليس عجيباً ذلك الرب الذي يتدخل في كل صغيرة وكبيرة فيأخذ بناصية الدابة .. ويوحي الى النحل ان تتخذ من الجبال بيوتاً. وما تسقط من ورقة الا يعلمها.. وما تخرج من ثمرات من اكمامها الا احصاها عدداً. وما تحمل من انثى ولا تضع الا بعلمه .. واذا عثرت قدم في حفرة فهو الذي اعثرها .. واذا سقطت ذبابة في طعام فهو الذي اسقطها ..
واذا تعطلت الحرارة في تليفون فهو الذي عطلها .. واذا امتنع المطر فهو الذي منعه . واذا هطل فهو الذي اهطله ..
الا تشغلون إلهكم بالكثير التافه من الامور بهذا الفهم .. ؟؟ "
ولا افهم ايكون الرب في نظر السائل اجدر بالربوبية لو انه اعفى نفسه من المسئوليات واخذ اجازة وادار ظهره للكون الذي خلقه وتركه يأكل بعضه بعضاً ..!!
هل الرب الجدير في نظره هو رب عاطل مغمي عليه لا يسمع ولا يرى ولا يستجيب ولا يعتني بمخلوقاته ..؟؟
ثم اين للسائل بالعلم بأن موضوعاً ما تافه لا يستحق تدخل الاله !
وموضوعاً اخر مهم وخطير الشأن ..؟
ان الذبابة التي تبدو تافهة في نظر السائل لا يهم في نظره ان تسقط في الطعام او لا تسقط. هذه الذبابة يمكن ان تغير التاريخ بسقوطها التافه ذلك .
فانها يمكن ان تنقل الكوليرا الى جيش وتكسب معركة لطرف اخر. تتغير بعدها موازين التاريخ كله ..
الم تقتل الاسكندر الاكبر بعوضة .؟؟
ان اتفه المقدمات ممكن ان تؤدي الى اخطر النتائج..
واخطر المقدمات ممكن ان تنتهي الى لا شيء..
وعالم الغيب وحده هو الذي يعلم قيمة كل شيء ..
وهل تصور السائل نفسه وصياً على الله U يحدد له اختصاصاته .
تقدس وتنزه ربنا عن هذا التصور الساذج ..
انما الاله الجدير بالالوهية هنا هو الاله الذي احاط بكل شيء علماً ..
لا يعزب عنه مثقال ذرة في الارض ولا في السماء ..
الاله السميع المجيب المعتني بمخلوقاته ...
--------------------------------
- اذا كان الله قدّر عليّ افعالي .. فلماذا يحاسبني ..؟ -
قال صديقي في شماتة وقد تصور انه امسكني من عنقي وانه لا مهرب لي هذه المرة:
" انتم تقولون ان الله يُجري كل شيء في مملكته بقضاء وقدر , وان الله قدر علينا افعالنا .
فاذا كان هذا هو حالي . وان افعالي كلها مقدرة عنده فلماذا يحاسبني عليها ..؟
لا تقل لي كعادتك .. انا مخير .. فليس هناك فرية اكبر من هذه الفرية ودعني اسألك :
هل خيرت في ميلادي وجنسي وطولي وعرضي ولوني ووطني ..؟
هل باختياري تشرق الشمس ويغرب القمر ..؟
هل باختياري ينزل عليّ القضاء ويفاجئني الموت واقع في المأساة فلا اجد مخرجاً الا الجريمة .. ؟؟
لماذا يُكرهني الله على فعل ثم يؤاخذني عليه ..؟.
واذا قلت انك حر. وان لك مشيئة الى جوار مشيئة الله الا تشرك بهذا الكلام وتقع في القول بتعدد المشيئات .؟.
ثم ما قولك في حكم البئية والظروف، وفي الحتميات التي يقول بها الماديون التاريخيون؟"
اطلق صاحبي هذه الرصاصات ثم راح يتنفس الصعداء في راحة وقد تصور اني توفيت وانتهيت. ولم يبق امامه الا استحضار الكفن ..
قلت له في هدوء :-
انت واقع في عدة مغالطات .. فأفعالك معلومة عند الله في كتابه . ولكنها ليست مقدورة عليك بالإكراه ..
انها مقدورة في علمه فقط . كما تقدّر انت بعلمك ان ابنك سوف يزني . ثم يحدث ان يزني بالفعل .. فهل اكرهته ؟ او كان هذا تقديراً في العلم وقد اصاب علمك ؟
اما كلامك عن الحرية بانها فرية . وتدليلك على ذلك بأنك لم تخير في ميلادك ولا في جنسك ولا في طولك ولا في لونك ولا في موطنك. وانك لم تملك نقل الشمس من مكانها. هو تخليط اخر ..
وسبب هذا التخليط هذه المرة انك تتصور الحرية بطريقة غير تلك التي نتصورها نحن المؤمنين ..
انت تتكلم عن حرية مطلقة .. فتقول اكنت استطيع ان اخلق نفسي ابيض او اسود او طويلاً او قصيراً ..
هل بامكاني ان انقل الشمس من مكانها او اوقفها في مدارها .. اين حريتي .؟؟..
ونحن نقول له : انت تسأل عن حرية مطلقة .. حرية التصرف في الكون وهذه ملك لله وحده ..
نحن ايضاً لا نقول بهذه الحرية :
)وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(
ليس لاحد الخيرة في مسألة الخلق . لان الله هو الذي يخلق ما يشاء ويختار ..
ولن يحاسبك الله على قصرك . ولن يعاتبك على طولك . ولن يعاقبك لانك لم توقف الشمس في مدارها ..
ولكن مجال المساءلة هو مجال التكليف. وانت في هذا المجال حر. وهذه هي الحدود التي نتكلم فيها .
انت حر ان تقمع شهوتك وتلجم غضبك وتقاوم نفسك وتزجر نياتك الشريرة وتشجع ميولك الخيرة .. انت تستطيع ان تجود بمالك ... انت تستطيع ان تكذب او تصدق ..
وتستطيع ان تكف بصرك عن عورات الاخرين .. وتستطيع ان تمسك لسانك عن الغيبة او النميمة ..
في هذا المجال نحن احرار .. وفي هذا المجال نحاسب ونسأل ..
الحرية التي يدور حولها البحث هي الحرية النسبية وليست الحرية المطلقة ..
حرية الانسان في مجال التكليف ..
وهذه الحرية حقيقة ودليلنا عليها شعورنا الفطري بها في داخلنا ..
فنحن نشعر بالمسئولية والندم على الخطأ .. وبالراحة للعمل الطيب ..
ونحن نشعر كل لحظة اننا نختار ونوازن بين احتمالات متعددة .
بل ان وظيفة عقلنا الاولى هي الترجيح والاخيار بين البديلات ..
ونحن نفرق بشكل واضح بين يدنا وهي ترتعش بالحمى .. ويدنا وهي تكتب خطاباً .
فنقول ان الحركة الاولى جبرية قهرية .. والحركة الثانية حرة اختيارية .
ولو كنا مسيرين في الحالتين لما استطعنا التفرقة ..
ويؤكد هذه الحرية ما نشعر به من استحالة اكراه القلب على شيء لا يرضاه تحت أي ضغط ..
فيمكنك ان تُكره امرأة بالتهديد والضرب على ان تخلع ثيابها ..
ولكنك لا تستطيع بأي ضغط او تهديد ان تجعلها تحبك من قلبها ..
ومعنى هذا ان الله اعتق قلوبنا من كل صنوف الاكراه والاجبار وانه فطرها حرة ..
ولهذا جعل القلب والنية عمدة الاحكام .
فالمؤمن الذي ينطق بعبارة الشرك والكفر تحت التهديد والتعذيب لا يحاسب على ذلك طالما ان قلبه من الداخل مطمئن بالايمان وقد استثناه الله من المؤاخذة في قوله تعالى :
)إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ(
والوجه الاخر من الخلط في هذه المسألة ان بعض الناس يفهم حرية الانسان بانها علو على المشيئة .. وانفراد بالامر ..
فيتهم القائلين بالحرية بانهم اشركوا بالله وجعلوا له انداداً يأمرون كأمره . ويحكمون كحكمه . وهذا ما فهمته انت ايضاً .
فقلت بتعدد المشيئات . وهو فهم خاطيء . فالحرية الانسانية لا تعلو المشيئة الالهية ..
ان الانسان قد يفعل بحريته ما ينافي الرضا الالهي ولكنه لا يستطيع ان يفعل ما ينافي المشيئة ..
الله اعطانا الحرية ان نعلو على رضاه ( فنعصيه ) ..
ولكن لم يعط احداً الحرية في ان يعلو على مشيئته . وهنا وجه اخر من وجوه نسبية الحرية الانسانية ..
وكل ما يحدث منا داخل في المشيئة الالهية وضمنها، وان خالف الرضا الالهي وجانب الشريعة ..
وحريتنا ذاتها كانت منحة الهية وهبة منحها لنا الخالق باختياره ولم نأخذها منه كرهاً ولا غصباً ..
ان حريتنا كانت عين مشيئته ..
ومن هنا معنى الاية : )وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ( (الانسان:30)
لان مشيئتنا ضمن مشيئته . ومنحة منه . وهبة من كرمه وفضله .
فهي ضمن ارادته لا ثنائية ولا تناقض . ولا منافسة منا لامر الله وحكمه ..
والقول بالحرية بهذا المعنى لا ينافي التوحيد . ولا يجعل لله انداداً يحكمون كحكمه ويأمرون كامره .. فإن حرياتنا كانت عين امره ومشيئته وحكمه ...
والوجه الثالث للخلط ان بعض من تناولوا مسألة القضاء والقدر والتيسير والتخيير؛ فهموا القضاء والقدر بأنه اكراه للانسان على غير طبعه وطبيعته ..
وهذا خطأ وقعت فيه انت ايضاً ..
وقد نفى الله عن نفسه الاكراه بآيات صريحة :
)إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ( (الشعراء:4)
والمعنى واضح انه كان من الممكن ان نكره الناس على الايمان بالايات الملزمة ولكننا لم نفعل . لانه ليس في سنتنا الاكراه ..
)لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ( (البقرة: من الآية256)
)وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ(
ليس في سنة الله الاكراه ..
والقضاء والقدر لا يصح ان يفهم على انه اكراه للناس على غير طبعائهم . وانما على العكس ..
الله يقضي على كل انسان من جنس نيته. ويشاء له من جنس مشيئته. ويريد له من جنس ارادته. لا ثنائية .
تسيير الله هو عين تخيير العبد. لانه الله يسير كل امرىء على هوى قلبه وعلى مقتضى نياته .
)مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ( (الشورى:20)
)فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ( (البقرة:10)
)وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ( (محمد:17)
وهو يخاطب الأسرى في القرآن :
)يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ( (لأنفال:70)
الله يقضي ويقدر. ويجري قضاؤه وقدره على مقتضى النية والقلب. ان شراً فشر وان خيراً فخير ..
ومعنى هذا انه لا ثنائية .. التسيير هو عين التخيير . ولا ثنائية ولا تناقض ..
الله يسيرنا الى ما اخترناه بقلوبنا ونياتنا. فلا ظلم ولا اكراه ولا جبر. ولا قهر لنا على غير طبائعنا .
( فاما من اعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * واما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى )
)وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى( (لأنفال: من الآية17)
هنا تلتقي رمية العبد والرمية المقدورة من الرب . فتكون رمية واحدة ..
وهذا مفتاح لغز القضاء والقدر على العبد النية. وعلى الله التمكين. ان خيراً فخير وان شرا فشر .
والحرية الانسانية ليست مقداراً ثابتاً . ولكنها نسبية قابلة للزيادة .
الانسان يستطيع ان يزيد من حريته بالعلم . باختراع الوسائل والمواصلات استطاع الانسان ان يطوي الارض . ويهزم المسافات ويخترق قيود الزمان والمكان . وبدراسة قوانين البيئة استطاع ان يتحكم فيها ويسخرها لخدمته .
وعرف كيف يهزم الحر والبرد والظلام . وبذلك يضاعف من حرياته في مجال الفعل .
العلم كان وسيلة الى كسر القيود والاغلال واطلاق الحرية .
اما الوسيلة الثانية فكانت الدين. الاستمداد من الله بالتقرب منه.
والاخذ عنه بالوحي والتلقي والتأييد . وهذه وسيلة الانبياء ومن في دربهم .
سخر سليمان u الجن وركب الريح وكلم الطير بمعونة الله U ومدده .
وشق موسى u البحر .. واحيا المسيح uالموتى . ومشى على الماء . وابراء الاكمه والابرص والاعمى .
ونقرأ عن الاولياء اصحاب الكرامات الذين تطوى لهم الارض وتكشف لهم المغيبات ,
وهي درجات من الحرية اكتسبوها بالاجتهاد في العبادة والتقرب الى الله والتحبب اليه .
فافاض عليهم من علمه المكنون ..
انه العلم مرة اخرى ..
ولكنه هذه المرة العلم (( اللدني ))
ولهذا يلخص ابو حامد الغزالي مشكلة المخير والمسير قائلاً في كلمتين :
( الانسان مخير فيما يعلم .. مسير فيما لا يعلم )
وهو يعني بهذا انه كلما اتسع علمه اتسع مجال حريته .
سواء كان العلم المقصود هو العلم الموضوعي او العلم اللدني .
ويخطئ المفكرون الماديون اشد الخطأ حينما يتصورن الانسان اسير الحتميات التاريخية والطبقية.. ويجعلون منه حلقة في سلسلة من الحلقات لا فكاك له. ولا مهرب من الخضوع لقوانين الاقتصاد وحركة المجتمع. كانما هو قشة في تيار بلا ذراعين وبلا ارادة
والكلمة التي يرددونها ولا يتعبون من ترديدها وكأنها قانون ( حتمية الصراع الطبقي )
وهي كلمة خاطئة في التحليل العلمي . لانه لا حتميات في المجال الانساني ..
وانما على الاكثر ترجيحات واحتمالات . وهذا هو الفرق بين الانسان والتروس .. والآلات والاجسام المادية ..
فيمكن التنبؤ بكسوف الشمس بالدقيقة والثانية ..
ويمكن التنبؤ بحركاتها المستقبلية على مدى الايام والسنين ..
اما الانسان فلا يمكن ان يعلم احد ماذا يضمر وماذا يخبئ في نياته..
وماذا يفعل غداً او بعد غد .
ولا يمكن معرفة هذا الا على سبيل الاحتمالات والترجيح والتخمين .
وذلك على فرض توفر المعلومات الكافية للحكم .
وقد اخطأت جميع تنبؤات كارل ماركس ..
فلم تبدا الشيوعية في بلد متقدم كما تنبأ . بل في بلد متخلف .
ولم يتفاقم الصراع بين الراسمالية والشيوعية. بل تقارب الاثنان الى حالة من التعايش السلمي .
واكثر من هذا فتحت الشيوعية ابوابها لراس المال الامريكي ..
ولم تتصاعد التناقضات في المجتمع الراسمالي الى الافلاس الذي توقعه كارل ماركس .
بل على العكس. ازدهر الاقتصاد الراسمالي ووقع الشقاق والخلاف بين اطراف المعسكر الاشتراكي ذاته ..
اخطأت حسابات ماركس جميعها دالة بذلك على خطأ منهجه الحتمي .
وراينا صراع العصر الذي يحرك التاريخ هو الصراع اللاطبقي بين الصين وروسيا .
وليس الصراع الطبقي الذي جعله ماركس عنوان منهجه .
وكلها شواهد على فشل الفكر المادي في فهم الانسان والتاريخ .
وتخبطه في حساب المستقبل . وجاء كل ذلك نتيجة خطأ جوهري .
هو ان الفكر المادي تصور ان الانسان .. ذبابة في شبكة الحتميات .
ونسي تماماً ان الانسان حر . وان حريته حقيقية ...
اما كلام الماديين عن حكم البيئة والمجتمع والظروف. وان الانسان لا يعيش وحده ولا تتحرك حريته في فراغ .
نقول رداً على هذا الكلام :
ان حكم البيئة والمجتمع والظروف كمقاومات للحرية الفردية انما يؤكد المعنى الجدلي لهذه الحرية ولا ينفيه ..
فالحرية الفردية . لا تؤكد ذاتها الا في وجه مقاومة تزحزحها .
اما اذا كان الانسان يتحرك في فراغ بلا مقاومة ومن أي نوع . فأنه لا يكون حراً بالمعنى المفهوم للحرية .. لانه لن تكون هناك عقبات يتغلب عليها ويؤكد حريته من خلالها ...
- لماذا خلق الله الشر ؟ -
قال صاحبي ساخراً :
" كيف تزعمون أن إلهكم كامل ورحمن ورحيم وكريم ورءوف وهو قد خلق كل هذه الشرور في العالم ..
المرض والشيخوخة والموت والزلزال والبركان والميكروب والسم والحر والزمهرير وآلام السرطان التي لا تعفي الطفل الوليد ولا الشيخ الطاعن .
إذا كان الله محبة وجمالا وخيرا فكيف يخلق الكراهية والقبح والشر؟؟!! "
والمشكلة التي أثارها صاحبي.. من المشاكل الأساسية في الفلسفة وقد انقسمت حولها مدارس الفكر واختلفت حولها الآراء.
ونحن نقول :
إن الله كله رحمة وكله خير وأنه لم يأمر بالشر ولكنه سمح به لحكمة .
)إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ،قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ((الأعراف:28-29
الله لا يأمر إلا بالعدل والمحبة والإحسان والعفو والخير وهو لا يرضى إلا بالطيب.
فلماذا ترك الله الظالم يظلم والقاتل يقتل والسارق يسرق ؟!
لأن الله أرادنا أحرارا .. والحرية اقتضت الخطأ، ولا معنى للحرية دون أن يكون لنا حق التجربة والخطأ والصواب .. والاختيار الحر بين المعصية والطاعة .
وكان في قدرة الله أن يجعلنا أخيار، وذلك بأن يقهرنا جميعا على الطاعة قهرا ..
وكان ذلك يقتضي أن يسلبنا حرية الاختيار.
وفي دستور الله U وسنته أن الحرية مع الألم أكرم للإنسان من العبودية مع السعادة ..
ولهذا تركنا نخطئ ونتألم ونتعلم، وهذه هي الحكمة في سماحة الشر .
ومع ذلك فإن النظر المنصف المحايد سوف يكشف لنا أن الخير في الوجود هو القاعدة وأن الشر هو الاستثناء .
فالصحة هي القاعدة والمرض استثناء .. ونحن نقضي معظم سنوات عمرنا في صحة ولا يزورنا المرض إلا أياما قليلة ..
وبالمثل الزلازل، هي في مجملها بضع دقائق في عمر الكرة الأرضية الذي يحصى بملايين السنين ..
وكذلك البراكين، وكذلك الحروب التي هي تشنجات قصيرة في حياة الأمم بين فترات سلام طويلة ممتدة .
ثم إننا نرى لكل شيء وجه خير، فالمرض يخلف وقاية، والألم يربي الصلابة والجَلَد والتحمل ، والزلازل تنفس عن الضغط المكبوت في داخل الكرة الأرضية، وتحمي القشرة الأرضية من الانفجار، وتعيد الجبال إلى أماكنها كأحزمة وثقالات تثبت القشرة الأرضية في مكانها، والبراكين تنفث المعادن والثروات الخبيئة الباطنة، وتكسو الأرض بتربة بركانية خصبة ..
والحروب تدمج الأمم وتلقح بينها وتجمعها في كتل وأحلاف..
ثم في عصبة أمم ثم في مجلس أمن هو بمثابة محكمة عالمية للتشاكي والتصالح ..
وأعظم الاختراعات خرجت أثناء الحروب.. البنسلين ، الذرّة ، الصواريخ ، الطائرات النفاثة .. كلها خرجت من أتون الحروب .
ومن سم الثعبان يخرج الترياق . ومن الميكروب يصنع اللقاح .
ولولا أن أجدادنا ماتوا لما كنا الآن في مناصبنا ..
والشر في الكون كالظل في الصورة إذا اقتربت منه خيل إليك أنه عيب ونقص في الصورة .. ولكن إذا ابتعدت ونظرت إلى الصورة ككل نظرة شاملة اكتشفت أنه ضروري ولا غنى عنه.. وأنه يؤدي وظيفة جمالية في البناء العام للصورة .
وهل كان يمكننا أن نعرف الصحة لولا المرض ..
إن الصحة تظل تاج على رؤوسنا لا نراه ولا نعرفه إلا حينما نمرض .
وبالمثل: ما كان ممكنا أن نعرف الجمال لولا القبح، ولا الوضع الطبيعي لولا الوضع الشاذ.
ولهذا يقول الفيلسوف أبو حامد الغزالي: إن نقص الكون هو عين كماله، مثل اعوجاج القوس هو عين صلاحيته، ولو أنه استقام لما رمى .
وظيفة أخرى للمشقات والآلام:
أنها هي التي تفرز الناس وتكشف معادنهم .
لولا المشقة ساد الناس كلهم *** الجود يفقر والإقدام قتال ..
إنها الامتحان الذي نعرف به أنفسنا .. والابتلاء الذي تتحدد به مراتبنا عند الله .
ثم إن الدنيا كلها ليست سوى فصل واحد من رواية سوف تتعدد فصولها، فالموت ليس نهاية القصة ولكن بدايتها .
ولا يجوز أن نحكم على مسرحية من فصل واحد ولا أن نرفض كتابا لأن الصفحة الأولى لم تعجبنا .
الحكم هنا ناقص ... ولا يمكن استطلاع الحكمة كلها إلا في آخر المطاف ..
ثم ما هو البديل الذي يتصوره السائل الذي يسخر منا ؟
هل يريد أن يعيش حياة بلا موت بلا مرض بلا شيخوخة بلا نقص بلا عجز بلا قيود بلا أحزان بل آلام ؟ هل يطلب كمالا مطلقا ؟ ولكن الكمال المطلق لله U.
والكامل واحد لا يتعدد .. ولماذا يتعدد .. وماذا ينقصه ليجده في واحد آخر غيره .
معنى هذا أن صاحبنا لن يرضيه إلا أن يكون هو الله ذاته ؛ وهو التطاول بعينه .
ودعونا نسخر منه بدورنا .. هو وأمثاله ممن لا يعجبهم شيء ..
هؤلاء الذين يريدونها جنة . ماذا فعلوا ليستحقونها جنة ؟
وماذا قدم صاحبنا للإنسانية ليجعل من نفسه الله الواحد القهار الذي يقول للشيء كن فيكون؟
إن جدتي أكثر ذكاء من الأستاذ الدكتور المتخرج من فرنسا، بينما تقول في بساطة:
" خير من الله شر من نفوسنا " .
إنها كلمات قليلة ولكنها تلخيص أمين للمشكلة كلها ..
فالله أرسل الرياح وأجرى النهر ، ولكن ربان السفينة الجشع ملأ سفينته بالناس والبضائع بأكثر مما تحتمل ، فغرقت ، فمضى يسب الله والقدر ..
وما ذنب الله .. الله أرسل الرياح رخاء وأجرى النهر خيرا .. ولكن جشع النفوس وطمعها هو الذي قلب هذا الخير شرا .
ما أصدقها من كلمات جميلة طيبة: " خير من الله شر من نفوسنا "
- وما ذنب الذي لم يصله القرآن ..؟ -
هرش صاحبنا الدكتور رأسه .
كان من الواضح انه يبحث لي في الدكتوراه عن حفرة او مطب يدق عنقي فيه ..
ثم قال في هدوء وهو يرتب كلماته :
" حسناً ما رأيك في هذا الانسان الذي لم يصله القرآن ولم ينزل عليه كتاب .. ولم يأته نبي. ما ذنبه ..؟ وما مصيره عندكم يوم الحساب ..؟؟ مثل اسكيمو في اقاصي القطبين . او زنجي في الغابات .. ماذا يكون حظه بين يدي الهكم يوم القيامة ..؟ "
قلت له: دعني اصحح معلوماتك اولاً .. فقد بنيت اسئلتك على مقدمة خاطئة .
فالله اخبرنا بانه لم يحرم احداً من رحمته ووحيه وكلماته وآياته ..
)وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ( (فاطر: من الآية24)
)وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ((النحل:36)
والرسل الذين جاء ذكرهم في القران ليسوا كل الرسل. وانما هناك الاف غيرهم لا نعلم عنهم شيئاً .
والله U يقول لنبيه r عن الرسل: )وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ( (غافر:78)
والله يوحي الى كل شيء حتى النحل ..
)وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ((النحل:68)
وقد يكون الوحي كتاباً يلقيه جبريل u .. وقد يكون نوراً يلقيه الله U في قلب العبد ..
وقد يكون انشراحاً في الصدر .. وقد يكون حكمة، وقد يكون حقيقة . وقد يكون فهماً . وقد يكون خشوعاً ورهبة وتقوى ..
وما من احد يرهف قلبه ويرهف سمعه الا ويتلقى من الله U فضلاً ..
اما الذين يصمون اذانهم وقلوبهم فلا تنفعهم كتب ولا رسل ولا معجزات ولو كثرت ..
والله قال انه)يخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ (وانه ) لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ(
وقد يريد الله لحكمة يعلمها ان ينذر احداً وان يعذر آخر فيقبل منه اهون الايمان ..
ومن يدرينا، ربما كانت مجرد لفتة - من ذلك الزنجي البدائي - الى السماء في رهبة هي عند الله منجية ومقبولة اكثر من صلاتنا !
على ان القراءة المتأملة لاديان هؤلاء الزنوج البدائيين تدل على انه كان لهم رسل ورسالات سماوية مثل رسالاتنا ..
في قبيلة ماو مثلاً، نقرأ انهم يؤمنون بإله يسمونه ( موجابي ) .. ويصفونه بانه واحد احد لم يلد ولم يولد . وليس له كفو ولا شبيه .. وانه لا يُرى ولا يُعرف الا من اثاره وافعاله .
وانه خالق . رازق . وهاب . رحيم . يشفي المريض . وينجد المأزوم . وينزل المطر . ويسمع الدعاء .
ومن اين جاءهم هذا العلم الا ان يكون في تاريخهم رسول ومبلغ جاء به .
ثم تقادم عليه كالمعتاد فدخلت الخرافات والشعوذات فشوهت هذا النقاء الديني ..
وفي قبيلة ( نيام نيام ) نقرأ انهم يؤمنون بإله اوحد يسمونه ( مبولي ) .
ويقولون انه كل شيء في الغابة يتحرك بارادة مبولي .. وانه يسلط الصواعق على الاشرار من البشر . ويكافي الاخيار بالرزق والبركة والامان .
وفي قبيلة الشيلوك يؤمنون بإله واحد يسمونه ( جوك ) ..
ويصفونه بأنه خفي وظاهر . وانه في السماء وفي كل مكان .. وانه خالق كل شيء .
وفي قبيلة ( الدنكا ) يؤمنون بإله واحد يسمونه ( نيالاك ) وهي الترجمة الحرفية لـ( الذي في السماء .. او الاعلى )
ماذا نسمي هذه في العقائد سوى اسلام ..؟
ان هي الا رسالات كان لها في تاريخ هؤلاء الاقوام رسل ..
ان الدين واحد ..
)إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ( (البقرة:62)
حتى الصابئون الذين قدسوا النجوم على انها ايات من ايات الله وامنوا بالله الواحد والاخرة والبعث والحساب وعملوا الصالحات لهم اجرهم عند ربهم ..
ومعلوم ان رحمة الله تتفاوت ..
وهناك من يُولد اعمى . وهناك من يولد مبصراً . وهناك من عاش ايام موسى u ورآه راي العين وهو يشق البحر بعصاه .
وهناك من عاش ايام المسيح u وراه يُحي الموتى .
اما نحن فلا نعلم عن هذه الايات الا سمعاً ..
وليس الخبر كالعيان . وليس من رأى كمن سمع ..
ومع ذلك فالايمان وعدمه ليس رهناً بالمعجزات .
والمكابرون المعاندون يرون العجب من انبيائهم فلا يزيد قولهم على ان هذا ) سِحْرٌ مُفْتَرىً ( (القصص: من الآية36)
ولاشك ان صاحبنا الدكتور القادم من فرنسا قد بلغه من الكتب ثلاثة .
توراة .. وانجيل .. وقرآن .. وبلغته، فلم تزده هذه الكتب الا اغراقاً في الجدل .
وحتى يهرب من الموقف كله احاله على شخص مجهول في الغابات لم ينول عليه كتاب .
وراح يسألنا . وبالكم بهذا الرجل الذي لم يصله قرآن ولم ينزل عليه كتاب ..
ملتمساً بذلك ثغرة في العدل الالهي . او موهماً نفسه بأن المسألة كلها عبث .
وهو لذلك يسألنا ( ولماذا تتفاوت رحمة الله ) ..
لماذا يشهد الله واحداً على اياته . ولا يدري اخر بتلك الايات الا سمعاً ..؟
ونحن نقول: انها قد لا تكون رحمة بل نقمة . الم يقل الله لأتباع المسيح u الذين طلبوا نزول مائدة من السماء محذراً :
)قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ( (المائدة:115)
ذلك لانه مع نزول المعجزات يأتي دائما تشديد العذاب لمن يكفر ..
وطوبى لمن امن بالسماع بدون ان يرى معجزة .. والويل للذين شاهدوا ولم يؤمنوا .
فالقران في يدك حجة ونذير . ويوم الحساب يصبح نقمة لا رحمة ..
وعدم اقامة هذه الحجة البينة على الاسكيمو ساكن القطبين قد يكون اعفاءً وتخفيفاً ومغفرة يوم الحساب.
وقد تكون لفتة الى السماء من هذا الاسكيمو الجاهل - ذات ساعة من عمره - عند الله كافية لقبوله مؤمناً مخلصا ..
اما لماذا لم يرحم الله واحداً اكثر مما يرحم اخر فهو امر يؤسسه الله على علمه بالقلوب .
) فعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ( (الفتح: من الآية18)
وعلم الله بنا وبقلوبنا يمتد الى ما قبل نزولنا في الارحام، حينما كنا عنده نفوساً نورانية حول عرشه ..
فمنا من التف حول نوره. ومنا من انصرف عنه مستمتعاً بالملكوت وغافلاً عن جمال خلقه. فاستحق الرتبة الدنيا من ذلك اليوم . وسبق عليه القول . هذا كلام اهل المشاهدة ..
وما نراه من تاريخنا القصير في الدنيا ليس كل شيء .
ومعرفة الحكمة من كل الم وحرمان امر لا يعلمه الا العليم .
والذي يسألني . لماذا خلق الله الخنزير خنزيراً ..؟
لا املك الا ان اجيبه: بأن الله اختار له ثوباً خنزيرياً لان نفسه خنزيرية . وان خلقه هكذا حق وعدل .
وكل ما نرى حولنا من استحقاقات هي عدل لكن معرفة الحكمة الكلية واماطة اللثام عن هذا العدل امر ليس في مقدور كل واحد
ولعل لهذا السبب هناك اخرة. ويوم تنصب فيه الموازين وينبئنا العليم بكل ما اختلفنا فيه.
ومع هذا فسوف اريحك بكلمة الفصل ..
فقد قال الله في كتابه انه لن يعذب الا من انذرهم بالرسل ..
)مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا، وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ( (الاسراء:15)
هل ارحت واسترحت ..؟؟؟
ثم دعني اقول لك يا صاحبي ..
ان اعجب ما في سؤالك ان ظاهره يوهم بالايمان والاشفاق على الزنجي المسكين الذي فاته ما في القرآن من نور ورحمة وهدى
مع ان حقيقتك هي الكفر بالقرآن وبنوره ورحمته وهداه ..
فسؤالك اقرب ما يكون الى الاستدراج والمخادعة. وفيه مناقضة للنفس هي ( اللكاعة ) بعينها .. فأنت تحاول ان تقيم علينا حجة هي عندك ليس لها أي حجة .
الا ترى معي يا صاحبي ان جهاز المنطق عندك في حاجة الى اصلاح !
----------------------------------
- الجنة والنار -
كان صديقنا الدكتور واثقا من نفسه كل الثقة هذه المرة وهو يلوك الكلمات ببطء ليلقي بالقنبلة:
" كيف يعذبنا الله وهو الرحمن الرحيم على ذنب محدود في الزمن بعذاب لا محدود في الأبد ) فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا ( ؟!
ومن نحن وماذا نساوي بالنسبة لعظمة الله حتى ينتقم منا هذا الانتقام ؟!
وما الإنسان إلا ذرة أو هبأة في الكون، وهو بالنسبة لجلال الله أهون من ذلك بكثير .. بل هو اللاشيء بعينه " ؟!!
ونحن نصحح معلومات الدكتور فنقول:
أولا - إننا لسنا ذرة ولا هبأة في الكون .. وإن شأننا عند الله ليس هينا بل عظيما ..
ألم ينفخ فينا من روحه ؟ ألم يُسجد لنا الملائكة ؟ ألم يعدنا بميراث السماوات والأرض ويقول عنا: )وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً( (الاسراء:70)
إن فينا إذا من روح الله .
ونحن بالنسبة للكون لسنا ذرة ولا هبأة ..
إننا نبدو بالنظر إلى أجسادنا كذرة أو هبأة بالنسبة للكون الفسيح الواسع .
ولكن ألا نحتوي على هذا الكون ونستوعبه بعقلنا وندرك قوانينه وأفلاكه ونرسم لكل كوكب مداره .!
ثم ينزل رائد الفضاء على القمر فيكتشف أن كل ما استوعبناه بعقلنا على الأرض كان صحيحا .. وكل ما رسمناه كان دقيقا .
ألا يدل هذا على أننا بالنظر إلى روحنا أكبر من الكون، وأننا نحتوي عليه ، وأن الشاعر كان على حق حينما خاطب الإنسان قائلا :
وتحسب أنك جرم صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبر
وإن الإنسان كما يقول الصوفية هو الكتاب الجامع والكون صفحاته .
إذا الإنسان عظيم الشأن كبير الخطر.
وهو من روح الله .
وأعماله تستوجب المحاسبة .
أما عن الذنب المحدود في الزمان الذي يحاسبنا الله عليه بعذاب اللامحدود في الأبد ..
فمغالطة أخرى وقع فيها الدكتور العزيز الواثق من نفسه .
فالله يقول عن هؤلاء المخلدين في النار حينما يطلبون العودة إلى الدنيا ليعملوا غير ما عملوا ..
يقول سبحانه: )وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ( (الأنعام: من الآية28)
أي أن ذنبهم ليس ذنبا محدودا في الزمان بل هو خصلة ثابتة سوف تتكرر في كل زمان..
ولو ردوا لعادوا إلى ذنبهم وإنهم لكاذبون .
هي إذن صفحة مؤبدة في النفس وليست سقطة عارضة في ظرف عارض في الدنيا .
وهو يقول عنهم في مكان آخر :
)يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ( (المجادلة:18)
هنا لون آخر من الإصرار والتحدي يصل إلى أنهم يواجهون الله بالكذب والحلف الكذب وهم بين يديه يوم الموقف العظيم يوم ترفع الحجب وينكشف الغطاء ..
وهذا غاية الجبروت والصلف .
ولسنا هنا أمام ذنب محدود في الزمان. بل أمام ذنب مستمر في الزمان وبعد أن يطوى الزمان وكل زمان .. نحن هنا أمام نفس تحمل معها شرها الأبدي .
ومن هنا كان تأبيد العذاب لهذه النفس عدلا .
ولهذا تقول عنهم الآية في صراحة: )وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ( (البقرة: 167)
ويقول ابن عربي: إن الرحمة بالنسبة لهؤلاء أنهم سوف يتعودون على النار .. وتصبح تلك النار في الآباد المؤبدة بيئتهم الملائمة .
ولا شك أن هناك مجانسة بين بعض النفوس المجرمة وبين النار ..
فبعض تلك النفوس هي في حقيقتها شعلة حسد وحقد وشهوة وغيرة وغل وضرام من الغضب والنقمة والثورة والمشاعر الإجرامية المحتدمة وكأنها نار بالفعل .
مثل تلك النفوس لا تستطيع أن تعيش في سلام .. ولا تستطيع أن تحيى ساعة دون أن تشعل حولها حربا .. ودون أن تضرم حولها النيران .. لأن النيران هي بيئتها وطبيعتها .
ومثل تلك النفوس يكون قرارها في النار هو الحكم العدل ويكون هذا المصير من قبيل وضع الشيء في مكانه .. فلو أنها أدخلت الجنة لما تذوقتها .
ألم تكن ترفض السلام في الأرض ؟
وينبغي أن نفهم النار والجنة في الآخرة فهما واسع الأفق ..
فالنار في الآخرة ليست شواية . وليس ما يجري فيها هو الحريق بالمعنى الدنيوي فالله يقول إن المذنبين يتكلمون ويتلاعنون وأن النار فيها شجرة لها ثمر.. هي شجرة الزقوم التي تخرج من أصل الجحيم .. كما أن فيها ماء حميما يشرب منه المعذبون .
مثل تلك النار التي فيها شجرة الزقوم وفيها ماء ويتكلم فيها الناس فلا بد أنها نار غير النار: )كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ((الأعراف: 38)
إنهم يتكلمون وهم في النار وهي نار: ) وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ((البقرة: 24)
هذه النار إذا من قبيل الغيب .. وما ورد عنها إشارات .
ولا يجب أن يفهم من هذا الكلام أننا ننكر العذاب الحسي ونقول بالعذاب المعنوي ..
فإن العذاب الحسي صريح لا يجوز الشك فيه ونحن نؤمن بوجوده .
وإنما نقول إن تفاصيل هذا العذاب وكيفيته، كما أن كيفية تلك النار وأوصافها التفصيلية، هي غيب مجهول .. فهي على ما يبدو في الإشارات القرآنية .. نار غير النار ..
كما أن أجسامنا في تحملها لتلك النار هي غير الأجسام الترابية الهشة التي لنا الآن ...
ونفس الشيء في الجنة .. فهي ليست سوق خضار وبلح ورمان وعنب .. وإنما تلك الأوصاف القرآنية هي مجرد إشارات وضرب أمثلة وتقريب إلى الأذهان .
)مثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ( (محمد: من الآية15)
" مثل الجنة " .. أي أننا نضرب مثلا يقرب فهم الجنة إليك ولكن الحقيقة أن التفاصيل غيب .
)فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ( (السجدة:17)
)وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ((آل عمران: من الآية133) .
فهي لا يمكن أن تكون مجرد حديقة .
)وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ.. لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ( (الواقعة: 32 - 33) فهي غير فاكهتنا المقطوعة والممنوعة ..
وخمر: )لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ( (الواقعة:19) فهي غير خمرنا التي تصدع الرأس وتنزف العقل
ويقول القرآن عن أهل الجنة: )وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ((الأعراف: من الآية43)
ها هنا نفوس طهرت بطريقة لا نعلمها .
الجنة إذا هي الأخرى غيب، وليس في هذا الكلام أي إنكار للنعيم الحسي، فنحن نؤمن بأن الجنة نعيم حسي ومعنوي معا كما أن النار عذاب حسي ومعنوي، ولكن ما نريد تأكيده أن تفاصيل هذا النعيم أو العذاب وكيفياته غيب .
وأن الجنة ليست سوقا للفاكهة والخضار ولا النار فرنا لشوي اللحم .
وإن التعذيب في الآخرة ليس تجبرا من الله على عباده وإنما هو تطهير وتعريف وتقويم ورحمة .
)مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً( (النساء:147)
فالأصل هو عدم العذاب .
والله لا يعذب العارف المؤمن وإنما ينصب عذابه على الجاحد المنكر الذي فشلت معه كل وسائل الهداية والتعريف والتفهيم .
)وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ( (السجدة:21)
سنة الله أن يذيق هؤلاء من العذاب الأصغر في الدنيا لإيقاظهم من غفلتهم ولإزعاجهم من هذا السبات .. " لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ " .
فإذا لم تفلح كل الوسائل وظل المنكر على إنكاره، لم يبق إلا مواجهته بالعذاب الحق لتعريفه ..
والتعريف بالحق هو عين الرحمة ..
ولو أن الله تركهم على عماهم وجهلهم وأهملهم لكان في حقه ظلما .. سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا .. فالعرض على النار بالنسبة لهؤلاء الجهال عناية. وكل أفعال الله رحمة
يرحم الجاهل بالجحيم تأديبا وتعليما . ويرحم العارف بالجنة فضلا وكرامة .
)عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ( (لأعراف: من الآية156)
فجعل رحمته تسع كل شيء حتى العذاب .
ثم دعونا نسأل الدكتور ..
أيكون الله أكثر عدلا في نظره لو أنه ساوى بين الظالمين والمظلومين وبين السفاحين وضحاياهم فقدم للكل حفلة شاي في الآخرة ؟
وهل العدل في نظر الدكتور أن يستوي الأبيض والأسود ؟
وللذين يستبعدون عن الله أن يعذب نقول : ألا يعذبنا الله بالفعل في دنيانا ؟..
وماذا تكون الشيخوخة والمرض والسرطان إلا العذاب بعينه !
ومن خالق الميكروب ..؟!!
أليست جميعها إنذارات بأننا أمام إله يمكن أن يعذب .
-------------------------------------------------
كتب هذا المقال الدكتور مصطفى محمود، وانا صححت بعض الخطاء، ولكني لازلت اعتقد وجود بعضها، وأتمنى ان يعلق عليه احد المشايخ الفضلاء لأنه لا يخلو من أخطاء
مع دعائنا للدكتور مصطفى محمود فقد أبلى بلاء ً حسنا جزاه الله خيرا ..

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
لا إلــه إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته


من مواضيع زمن المحبة في المنتدى:

أختاه يا ابنة الاسلام تحشمي
سأغيب عن منتداكم فترة طويلة ولكن مضطر
شبابنا والانترنيت ..
37 خطوة تتخدها اذا تم فصلك من الوظيفة
أختي المسلمة
ظلمت المرأة
إعرابات العالم والوطن العربي
هل الله موجود

 

الرد باقتباس
قديم 19 -08 -2006, 02:01 AM   #2 (permalink)
معلومات الكاتب
عضو محترف

الصورة الشخصية لـ زمن المحبة
تاريخ التسجيل:  16-08-2006
رقم العضوية :  30801
مكان الإقامة :  الدنيا الفانية
الدولة:
عدد المشاركات: 895
الجنـس: ذكر
مستوى تقييم العضوية : 7 زمن المحبة is on a distinguished road
حالة العضو:   زمن المحبة غير متصل





الافتراضي رد : حوار مع صديقي الملحد




بصراحة أعرف أن الموضوع طويل ولكنه قد يكون مفيد
اسف على الإطالة
زمن المحبة


من مواضيع زمن المحبة في المنتدى:

ظلمت المرأة
ضميري في غرفة الإنـ ـعاش !
ذكرى إحراق المسجد الأقصى
حوار مع صديقي الملحد
الخلوة المحظورة
دعــــــــــــاء الفرج لأبي ذر
أســــــئلة غبيـــــة.. لكن...... منطــقية
شاغر وظيفي

 

الرد باقتباس
قديم 19 -08 -2006, 09:13 AM   #3 (permalink)
معلومات الكاتب
نائب المشرف العام
الصورة الشخصية لـ mohamed_nageeb