منتدى ماجده أضف للمفضلة
|
|
كلمة مرور المنتدى
كلمة مرور مكتوب
|
![]() |
![]() |
![]() |
||
![]() |
|
![]() |
||
![]() |
![]() |
![]() |
|
|
||||||
القسم الإسلامي العام المنتدى الخاص بمواضيع ديننا الحنيف .. |
![]() |
|
|
LinkBack | أدوات الموضوع |
|
|
#1 (permalink) | ||||||||||
|
[الله.. أو الطاغوت
(1) أ0. د. عماد الدين خليل في القرآن الكريم دعوة صريحة لرفض طاعة أولي الأمر، وذلك عندما يكون أولو الأمر سادة وأمراء ورؤساء ، في خلاف مع الله ورسوله !! وفيه تنديد وتحقير وسخرية بأولئك الذين يمارسونها ، وتوعدهم بأشد العقاب . وليس كما يقول الخبثاء من أصحاب السلطة والمصلحة، ويردّد السذّج من المغفّلين والمستعبدين من أن على المؤمن إطاعة أولي الأمر وإن خالف أمر الله ، لأن ذلك من أمره !! وكيف يناقض القرآن الكريم نفسه (وحاشاه) .. ويدعو إلى تنفيذ أمر الطاغوت والتزام تشريعه وقوانينه ونظمه إذا كان الطاغوت يستهدف أساساً تدمير كلمة الله في الأرض، وانتزاع حاكميّته، وتعبيد الناس له من دون خالق الناس؟! من يرضى أن ينساق وراء هذا الفهم السخيف إلا أن يكون ساذجاً أو خبيثاً؟ إن كتاب الله سبحانه يقولها صريحة واضحة لا لبس فيها ولا غموض (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ(1) ويقولها واضحة صريحة لا لبس فيها ولا غموض (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لله ُ)(2)(وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)(3) .. فكيف يعقل أن يدعو في الوقت نفسه، وباتجاه نقيض تماماً، إلى طاعة أولي الأمر حتى لو كانوا ممن لم يحكم بما أنزل الله، وممن يفتنون الناس عن دينهم، وممن يمارسون الظلم بقسر الناس على الخضوع لمناهجهم وتشريعاتهم على حساب دين الله وتشريعه؟! إن طاعة أولي الأمر بهذا المعنى تتمخّض بالضرورة عن سعي مضاد، أو ثورة مضادّة بالتعبير الحديث، تستهدف تدمير دين الله في الأرض والتمكين لنظم الطاغوت.. وذلك أمر مردود من أساسه، لا يقبل مناقشة أو لجاجاً، وذلك أمر مرفوض .. (2) هاهو القرآن الكريم يندد في عشرات المواضع بهذه العلاقة المرذولة بين السادة الذين يحكمون بما لم ينزل الله، وبين العبيد الأتباع ممن ينساقون لتنفيذ كلماتهم وأهوائهم وظنونهم.. لا يندد بهم فحسب، ولكنه يسخر منهم ويحقرهم.. ويعرض ـ على طريقته المؤثرة ـ مشاهد حية شاخصة مما سيشهد يوم الحساب من (حواريات) (كاريكاتيرية) بين أولئك وهؤلاء.. بين الطواغيت والأرباب الذين يعبدون الناس لحسابهم وبين العبيد الذين يختارون أن يعملوا لصالح الطواغيت والأرباب، متنازلين عن حريتهم التي منحهم الله إياها، مستهينين بكرامتهم التي فضّلهم الله بها على العالمين .. وبقدر ما يرفض القرآن الطغيان والاستعباد، فإنه يرفض بنفس القوة والعنف التذلل والهوان.. فلولا هذا ما كان ذاك.. والطاغوت الذي لا يجد من يعبده، ويسبح بحمده، ويلتزم أوامره، وينفذ منهجه وتشريعه .. يموت قهراً !!.. أو على الأقل يحمل عصاه ويرحل؛ لأنه لا يجد الأرضية الملائمة لأن (يكون)!! ومرة أخرى .. (واتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً...)!! (3) لنرحل في كتاب الله، ولنقف قليلاً نعاين هذا المشهد أو ذاك مما سيشهده يوم الحساب وكأنه واقع اللحظة، حيث يلغي العرض القرآني ـ على طريقته الفذة ـ حاجز الزمن، ويقفنا وجهاً لوجه إزاء يوم الحساب .. المشاهد كثيرة .. لأنه ما من تجربة كررت نفسها عبر تاريخ البشرية كتجربة استعباد الناس للطاغوت وتعبيدهم لأهوائهم وظنونهم، والذهاب بهم بعيداً عن شرع الله العادل ومنهجه المحرر ودينه المستقيم .. ما من (لعبة) أعادت نفسها بألف ثوب وثوب كلعبة فراعنة العالم، وهم يقسرون الناس على أن يسجدوا لهم من دون الله، وأن يفعلوا وينفذوا ما يرونه هم .. لا ما يريده الله ولا ما يراه الناس أنفسهم .. إنها مأساة التاريخ البشري وملهاته في الوقت نفسه.. المشاهد كثيرة .. ولن يتسع المجال لتمليها جميعاً .. فلنكتف ببعض منها .. نماذج فحسب لما يريد القرآن أن يقوله في نهاية كل مشهد بلسان الحال أم بلسان المقال .. رفضاً لطاعة أولي الأمر، حين يحكمون بغير شرع الله ، ويعادون منهجه ، ودعوة لفك الارتباط المخزي معهم، ونداء للسعي صوب مصير أكثر حرية وإضاءة وانسجاماً مع كرامة الإنسان ومكانته في العالم .. (4) (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنْ النَّارِ*قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ)(4). فهل ثمة ما يدعو إلى رفض الطاعة، وينفّر منها، أكثر من هذا الموقف المخزي الذي تنكشف فيه الأوراق ويتبدى فيه عجز المستكبرين على حقيقته ومداه؟ إنهم لن يستطيعوا أن يحجبوا عن أتباعهم ولو شرارة واحدة من نار .. ولن تغني عن الضعفاء تبعيّتهم الطويلة للمستكبرين ـ يومها ـ لن يغني عنهم استعبادهم أنفسهم لشهوة الطاغوت وتجبره .. إن الله قد حكم بين العباد .. ولن يكون أشد الطغاة طغياناً، إزاء هذا الحكم، سوى أداة هينة لينة يفعل الله فيها ما يريد .. ولن تجدي آلاف السنين من التذلل والتبعيّة والتمسح .. لمن؟ لأناس لا يملكون إزاء حكم الله أي شيء.. ولا حماية أتباعهم من لفحة من نار.. وإذا كان الأمر كذلك ، فلِمَ كانت أيام الاستعباد والتذلل الطويلة في الحياة الدنيا؟ لِمَ كانت سني القهر والخوف والتبعيّة؟ أفما كان التحرّر ورفع الرأس بما يليق بكرامة الإنسان أليق وأجدى؟ ونمضي إلى صورة أخرى (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ)(5). فها هنا يسرع الطواغيت فيأخذون المبادرة قبل أن يسألهم الأتباع شيئاً فلا يقدرون عليه.. يسرعون فيعلنون براءتهم من الأتباع، فإن العذاب الذي يرونه واقعاً بهم ليقطع الأسباب!! فما يكون جواب الأتباع ـ حماية لماء الوجه ـ إلا أن يعلنوا رغبتهم في العودة ثانية إلى الحياة الدنيا لكي يردوها في وجه الطاغوت، ويعلنوا تبرؤهم منهم!! ويقيناً أنهم ليسوا بفاعلين حتما لو استُجيبت أمنيتهم وعادوا إلى هناك .. فالنفوس التي تنحني للظلم يلويها الظلم، ولن يكون بمقدور ألف عودة إلى الحياة الدنيا أن تعيدها إلى سويّتها.. وتلك هي مأساة الاستعباد .. إنها تقتل الإنسان .. تقطع آخر خيط في قدرته على التشبث بالرفض والمقاومة حماية لحريته وكرامته .. ومهما يكن من أمر فإنه لا الطواغيت ولا الأتباع بقادرين على فعل شيء، وإنما هي أعمالهم تظهر أمامهم حسرات، في ساحة النار التي لن يخرجوا منها بحال .. في سورة (سبأ) نلتقي بمشهد آخر حيث يدور هذا الحوار (... يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ) فيردّ الذين استكبروا: (أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ) ويجيب الذين استضعفوا: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنْ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(6) . فهاهم جميعاً، التابعون والمتبوعون، وبعد أن وقعوا في قبضة العدل الإلهي، ورأوا العذاب الذي لن ينجو منه تابع ولا متبوع.. هاهم يمارسون ما يمكن تسميته (بالتعليق) .. يتخذ كل طرف من الطرف الآخر مشجباً يسعى إلى وضع خطيئته عليه لكي ينجو بجلده .. ولن ينجو أحد .. فالمعادلة القرآنية واضحة لا تقبل نقضاً ولا تبديلاً: إن الخضوع للطاغوت الذي يحكم بما لم ينزل الله (جريمة) يُعاقب عليها صاحبها تماماً كما يُعاقب الطاغوت الذي يقسر الناس على التعبد له من دون الله سواء بسواء .. ولن يجدي النقاش. ويتكشف عبث لعبة تعليق المسؤولية هذه أمام الحقيقة النهائية التي يمنحها القرآن، وفق طرائقه الفنية، لقارئيه .. فبينما يغرق المخدوعون في مناقشات طويلة معتقدين أن بمقدور أحد الطرفين أن يوقع بالآخر.. ينظر الإنسان ـ من الخارج ـ فيعرف مقدماً عدم جدوى هذه المحاولات .. لقد قُضِي الأمر وليس ثمة بعد اليوم من معذر.. وكما أن الطغيان أمر مرفوض ومعاقب عليه، فإن التبعيّة والمذلة أمران مرفوضان ـ أيضاً ـ ومعاقب عليهما.. ومن ثم يعقب القرآن الكريم متحدثاً عن الطرفين (..وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(7). ولم يقل كتاب الله: إن الأغلال كانت من نصيب الطواغيت فحسب، بل جعل الطرف الآخر ـ كذلك ـ يرسف في قيودها .. الطرف المستعبد، المستضعف .. لماذا؟ لأن تعبّدهم وتذلّلهم كان عملاً ممقوتاً ومرفوضاًَ، وكان لابد من أن ينالوا جزاءهم على العمل الممقوت والمرفوض.. إنهم كانوا ـ كما قال أسيادهم ـ يحملون الاستعداد الدائم لممارسة الجريمة .. جريمة الطاعة لمن لم يحكم بما أنزل الله .. وفي سورة الأعراف ، حيث يدّارك الطواغيت والمستضعفون من أتباعهم في النار، نسمع هذا الدعاء الحار من المستضعفين وهم يشيرون بأيديهم إلى الطواغيت (رَبَّنَا هَـؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ) ويكون الجواب الصارم جزاء مضاعفا بحجم الجرم الذي مارسه الطرفان معا : التابع والمتبوع )قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـكِن لاَّ تَعْلَمُونَ(8) ويستمر الحوار في جو من اليأس الخانق فتقول أولاهم لأخراهم (فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ)(9). إن تبعيّتهم نفسها ترمى بوجوههم من الأسياد فما كان لهم عليهم فيها من فضل!! لقد استسلم الضعفاء وأيقنوا وقوع العذاب بهم، لكنهم يريدونه مضاعفاً لأسيادهم معتقدين أن جرمهم أكبر.. ولكن كتاب الله يضع الموازين القسط فيضاعف العذاب للطرفين.. لماذا؟ لأن التذلل للطغيان، وأتباعه، هو بحجم الطغيان نفسه.. سواء بسواء.. وفي سورة الأحزاب يتكرر دعاء المستضعفين، ويتردّد نداؤهم مرة أخرى: أن ينال أسيادهم ضعفين من العذاب وأن تحل بهم لعنة أكبر، معتقدين أن هؤلاء الأسياد يقفون وراء ضلالهم في الحياة الدنيا، وما درَوْا أنهم هم، التابعون، صنعوا مأساتهم بأيديهم.. يتردد النداء، ولكن القرآن هنا لا يجيبهم بشيء؛ لأن تركهم هكذا دون جواب أبلغ من أي جواب (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا)(10) .. لكأنه بعدم رده عليهم يريد أن يقول لهم موبخا مبكّتاً: ولِمَ أطعتموهم..؟ وثمة في سورة إبراهيم هذا الحوار المؤثر بين الطرفين (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ).(11) إن الأتباع هاهنا يسلكون طريقا آخر، إنهم يتجرّعون غضبهم على أربابهم، ويكبتونه في نفوسهم، ويتقمصون موقف المتوسل علّ طواغيتهم الذين قادوهم في الدنيا يواصلون قيادتهم في الأخرى، ويقدرون تبعيّة أذنابهم حق قدرها، فيسعون للتخفيف من العذاب الواقع بهم.. ولكن هؤلاء الأرباب يعرفون النتيجة سلفاً، وإذا كانوا في الحياة الدنيا قد قادوهم إلى البوار، فإنهم هاهنا غير قادرين على شيء، فبأي وجه يسعون للتخفيف عنهم؟ إن الطرفين يقعان في دائرة الجزاء، وسواء عليهم أجزعوا أم صبروا فما ثم من محيص!! (5) ويتخذ القرآن الكريم من فرعون مصر رمزاً للطاغوت في كل زمان ومكان.. أي فرعون؟ إن القرآن لا يسميه.. إنه يطرحه رمزاً مجرداً عن اللحم والدم والشخصية.. إنه طاغوت وكفى.. والحق أن طواغيت العالم كله يتشابهون، ليس ثمة تميز واضح بين أحدهم والآخر، إنهم (نوعياً) سواء، ولكنهم قد يختلفون بالكمية .. بحجم الطغيان ودرجته وقسوته وعنفه.. ولكنهم يبقون متشابهين كالأرقام الصّماء .. نفس الشهوة الجارفة للحكم والسلطان.. نفس الرغبة العاتية في الاستعلاء والامتلاء.. نفس الدافع الرهيب لإذلال الآخرين واستعبادهم.. نفس الهوى الجارف لتدمير شخصيات المتفوقين وتفكيكها وسحقها.. نفس التشنج والجنون إزاء أي اعتراض أو رد أو مناقشة أو مجابهة.. ومن أجل ذلك من أجل أن الطواغيت كلهم فرعون، ومن أجل أن فرعون هو كل واحد من هؤلاء الطواغيت.. فإن القرآن الكريم لا يسميه!! وبدلاً من ذلك يريد أن يتخذه وسيلة إيضاح، مجرد أداة، لدعوته الصارمة الجازمة إلى رفض الطاعة.. رفض العبودية والتذلل والذوبان في كيان المستكبرين.. وكما كان فرعون ـ تاريخياً ـ أداة بيد قدر الله، ضُربت بمصيره الأمثال، فإنه ـ موضوعياً ـ كذلك أداة يعتمدها القرآن لتصوير موقف الطاغوت والتحذير منه في الوقت نفسه، وهو يسلّط الأضواء عليه من كل زاوية لكي يكشفه على مداه، فيقف فرعون أمام الله والناس والتاريخ عارياً مكشوف الفكر والهوى والأهداف.. وفي مواضع كثيرة من كتاب الله تتوالى ضربات الفرشاة لكي تستكمل ـ بالكلمة ـ صورة هذا الكائن المقيت الذي جاء الإسلام لكي يستأصله من العالم ولكي يلحقه بفصيلة الديناصور المنقرضة.. ترى هل سيقدر على ذلك يوماً؟! لنلقي أسماعنا إلى بعض هذه الضربات .. ثم نمضي إلى زوايا أخرى في الموضوع الذي بين أيدينا، فإن الحديث عن فرعون يطول.. (فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ)(12) . (وَإِنِّي لاظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا)(13) . (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى)(14) . (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)(15)(إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ ويستحيي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ)(16) . (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ)(17) فماذا كانت النتيجة؟ (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ* وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ* وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ)(18) . (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ* فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ)(19).. ومرة أخرى ماذا كانت النتيجة؟ (فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا للآخرين )(20).. فالعبرة في النهاية، كما يقول المثل المعروف. (6) والطاغوت الذي هو في النهاية (فبركة) بشرية متشابهة.. وعجينة واحدة .. قد يتغير جلده.. رداؤه الخارجي.. ملامح وجهه وديكوراته .. قد يميل إلى هذا الجانب أو ذاك.. وقد يهد هنا أو هناك.. وقد يهوى تنفيذ نزعته الطاغية بهذه الصيغة أو تلك.. قد يكون الطاغوت ملكاً أو أميراً أو رئيساً أو سلطاناً.. وقد يكون أباً أو جداً أو جيلاً من الناس.. وقد يكون غنياً أو مترفاً كثير العشيرة والأولاد.. وقد يكون مسرفاً أو مشعوذاً أو كاذباً أو ماكراً أو دجّالاً.. وقد يكون فاسقاً أو فاجراً أو كفاراً.. وقد يكون مجرماً أو شيطاناً مريداً.. وقد يكون ـ حتى ـ كاهناً أو راهباً أو رجل دين في نهاية المطاف!! والقرآن الكريم يلاحق هذه الأنماط المختلفة من الطواغيت.. يلاحقها جميعاً ويدعو بصرامته الحاسمة إلى رفض طاعتها جميعاً!! ورغم أن الله يعرف حق اليقين كيف يصدر هؤلاء جميعاً عن نبع واحد هو شهوة السلطان والتألّه على الناس، واستعبادهم، وصرفهم عن التوجه إلى خالقهم جل وعلا.. ويعرف، حق اليقين، المستنفع الواحد الذي تصب فيه هذه الشهوات على اختلاف أنماطها، فإنه يسعى إلى عرضها بأشكالها وصيغها المختلفة كي لا يندّ أحد منها على المؤمنين الجادين، وكي تكون كلها في دائرة الضوء، فلا يخفى منها نمط فيطعن من مكمنه ظهور المؤمنين، أو يلوح بإغراء غير مكشوف الأهداف للسذّج من الناس.. يدعوهم إلى طاعته.. إن القرآن الكريم يعرض علينا، في حشود من آياته البينات طوابير الطاغوت، وكأننا نشهد مهرجاناً أو عرضاً جماعياً.. تسير فيه أصناف المستكبرين، مصعّرة الخدود، ممطوطة القامات، منتفخة الأوداج .. يعرضها علينا جميعا ويدعونا إلى رفض طاعتها مهما تنوعت السمات واختلفت الملامح وتلوّنت الأردية .. فلنقف قليلاً على طرف من الطريق لنشهد، في ختام رحلتنا هذه، جانباً من مهرجان الأرباب والطواغيت، ونسمع، عند مرور كل وجبة منهم، نداء القرآن الأبدي برفض الطاعة، بلسان الحال أو بلسان المقال.. والتشبّث بالحرية التي تليق بمكانة الإنسان: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ)(21) . (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ)(22). (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ)(23). (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ)(24). (اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ)(25). (وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)(26). (قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلا خَسَارًا)(27). (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * وَأُتْبِعُواْ فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ)(28). (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ)(29). (فَاتَّقُوا اللَّهَ وأطيعون * وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ)(30). (تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَا أَضَلَّنَا إِلا الْمُجْرِمُونَ)(31). (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ)(32). (قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ* اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)(33). (7) ولن نختم رحلتنا هذه قبل أن نسمع معاً إلى هذا النداء التحريري العام الذي يعلنه القرآن الكريم بمواجهة الطاغوت على مدار التاريخ .. (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)(34). وقبل أن نطّلع معاً على مصير أولئك الذين رفضوا الذهاب مع نداء القرآن وتخلّوْا عن حريتهم، وساقهم الضعف والخنوع إلى الخضوع للطغيان والاستسلام لمقدراته: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا)(35).[/CENTER][/SIZE]
|
||||||||||
|
|
|
![]() |
| أدوات الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| مائة خصلة إنفرد بها النبى صلى الله عليه وسلم | mohamed_nageeb | القرآن الكريم والسنة النبوية | 14 | 26 -12 -2006 11:08 PM |
| مداخلة المداخلة | ســـامي | منتدى الأخبار | 2 | 03 -09 -2006 05:40 PM |
| صور من معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بربه | نضرة النعيم | القرآن الكريم والسنة النبوية | 2 | 08 -04 -2005 12:53 PM |
| أجادل نفسى وأشتكى إلى الله .... يااااااااااارب | عبد الرحيم | القسم الإسلامي العام | 5 | 14 -08 -2004 06:57 AM |
|
الساعة الآن 08:03 PM.
منتديات ماجدة جميع الحقوق محفوظة © 2009 . إحدى خدمات شركة
مكتوب.
العاب شمس - العاب وصلات - العاب بنات - الفراشة - عالم حواء - الحياة الزوجية - طيران - سفر - كورة - ابراج – حظك اليوم - اخبار - كليبات - العاب فلاش - التنمية البشرية - زواج – بنت الحلال |