الآداب والرقائق : المعاصي تمحق البركة
ومن عقوباتها : أنها تمحق بركة العمر ، وبركة الرزق ، وبركة العلم
وبركة العمل ، وبركة الطاعة .
إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ، فإنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته
وإن الله جعل الروح والفرح في الرضى واليقين ، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط .
[
رواه الشهاب القضاعي (1151) عن ابن مسعود ، وأبو نعيم في الحلية (10/26،27) من حديث أبي أمامة
وله شاهد من حديث جابر عند ابن ماجة (2144) ] .
وقد تقدم الأثر الذي ذكره أحمد في كتاب الزهد : أنا الله ، إذا رضيت باركت ، وليس لبركتي منتهى ، وإذا غضبت لعنت ، ولعنتي تدرك السابع من الولد .
وليست سعة الرزق والعمل بكثرته ، ولا طول العمر بكثرة الشهور والأعوام ، ولكن سعة الرزق وطول العمر بالبركة فيه .
وقد تقدم أن عمر العبد هو مدة حياته ، ولا حياة لمن أعرض عن الله واشتغل بغيره ، بل حياة البهائم خير من حياته ، فإن حياة الإنسان بحياة قلبه وروحه ، ولا حياة لقلبه إلا بمعرفة فاطره ، ومحبته ، وعبادته وحده ، والإنابة إليه ، والطمأنينة بذكره ، والأنس بقربه ، ومن فقد هذه الحياة فقد الخير كله ، ولو تعرض عنها بما تعوض مما في الدنيا ، بل ليست الدنيا بأجمعها عوضا عن هذه الحياة ، فمن كل شيء يفوت العبد عوض ، وإذا فاته الله لم يعوض عنه شيء البتة .
وكيف يعوض الفقير بالذات عن الغني بالذات ، والعاجز بالذات عن القادر بالذات ، والميت عن الحي الذي لا يموت ، والمخلوق عن الخالق ، ومن لا وجود له ولا شيء له من [ ص: 85 ] ذاته البتة عمن غناه وحياته وكماله ووجوده ورحمته من لوازم ذاته ؟ وكيف يعوض من لا يملك مثقال ذرة عمن له ملك السماوات والأرض .
وإنما كانت معصية الله سببا لمحق بركة الرزق والأجل ، لأن الشيطان موكل بها وبأصحابها ، فسلطانه عليهم ، وحوالته على هذا الديوان وأهله وأصحابه ، وكل شيء يتصل به الشيطان ويقارنه ، فبركته ممحوقة ، ولهذا شرع ذكر اسم الله تعالى عند الأكل والشرب واللبس والركوب والجماع لما في مقارنة اسم الله من البركة ، وذكر اسمه يطرد الشيطان فتحصل البركة ولا معارض له ، وكل شيء لا يكون لله فبركته منزوعة ، فإن الرب هو الذي يبارك وحده ، والبركة كلها منه ، وكل ما نسب إليه مبارك ، فكلامه مبارك ، ورسوله مبارك
الدنيا ملعونة ، ملعون ما فيها ، إلا ذكر الله وما والاه ، أو عالم أو متعلم . [ رواه الترمذي (2322)، وابن ماجه (4112). عن أبي هريرة رضي الله عنه ]
وفي أثر آخر :
الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله فهذا هو الذي فيه البركة خاصة والله المستعان .
راجع / كتاب - الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي
[ ص : 84 / 85 ]
أبو عبد الله محمد بن أبي بكر
( ابن قيم الجوزية)