الخيارات
(I)
المحافظون الجدد الأمريكيون يبذلون جهودا إعلامية ودبلوماسية مضنية للإيحاء للحكومات العربية بأنها أمام خيارين لا ثالث لهما، في حال رفضت الانصياع إلى برامج الإصلاح الغربية:
إما الخيار الصدامي، الذي يتم بموجبه اجتياح الدولة المعنية بطرق شتى: من الحصار والخنق والانقلابات الداخلية، إلى الغزو العسكري المباشر.
أو الخيار القذافي، الذي تقوم بموجبه الدولة المعنية بتسليم كل قدراتها الأمنية والعسكرية إلى “كونسورتيوم” غربي يتم تشكيله للإشراف عليه.
لكن، هل صحيح أنه لم يعد في الشرق الأوسط سوى هذين الخيارين المذلين؟
كلا..
فما يعلنه المحافظون الجدد هو ما يتمنونه. وما يتمنونه هو أن ترفض الدول العربية طواعية الانصياع لبرامجهم الإجبارية، لأن هذا سيمكنهم من تفكيكها وإعادة تركيبها كما يرتأون ويشتهون.
وبالطبع، لم يعد من الضروري الإشارة إلى أن أهداف المحافظين الجدد، هي نفسها أهداف “الدولة” العبرية: تفتيت الدول العربية إلى كيانات طائفية وعشائرية صغيرة، يسهل السيطرة عليها وإدارتها وتوجيهها.
(II)
لكن، إذا لم يكن صحيحا أن الخيارين الصدامي، القذافي هما البديلان الوحيدان الآن في الشرق الأوسط، فما البدائل الأخرى؟
أول ما يتبادر إلى الذهن هنا التجربة الرائعة للملك الإسباني خوان كارلوس، الذي نجح بفعل الإيمان وقوة الإرادة في إنقاذ بلاده من الضغوط الخارجية العنيفة، عبر إدخال الديمقراطية “طوعا” إليها.
وقصة خوان، كما هو معروف، بدأت عام 1975 حين نودي به ملكا على البلاد، إثر وفاة الديكتاتور الإسباني الدموي فرانسيسكو فرانكو. وبعد سنة واحدة على تسنمه العرش، بادر كارلوس إلى إصدار قانون الإصلاح السياسي سنة 1976. وفي مايو/ أيار ،1977 أجرى الملك أول انتخابات ديمقراطية في البلاد منذ عام ،1936 قام بعدها البرلمان الجديد بوضع الدستور الحالي الذي أقر باستفتاء شعبي في 6 ديسمبر/ كانون الأول 1978.
هذا الدستور أسس النظام البرلماني الملكي، الذي يعمل فيه الملك كحكم وحام لعمل المؤسسات الديمقراطية. وبموافقة كارلوس عليه، بات ملزما بتطبيق بنوده. لكنه لم يفعل ذلك فقط، بل هو أحبط محاولة انقلاب عسكري جرت في فبراير/ شباط أوحى بها من الخارج لوقف تقدم المسيرة الديمقراطية الإسبانية.
واليوم، وبعد 28 سنة على هذه التحولات الكارلوسية، أصبحت إسبانيا واحدة من أغنى الدول الأوروبية وأكثرها استقرارا. كما بات لها نفوذ سياسي وثقافي واسع يمتد من شواطئ المحيط الأطلسي في أوروبا إلى شواطئ المحيط الهادئ في أمريكا اللاتينية.
أما خوان كارلوس نفسه فقد أصبح شخصية عالمية بارزة في الخارج، وزعيما محبوبا في الداخل. هذا إضافة إلى أنه حقق كل ما كان يرغب فيه شخصيا: من مواكبة المنتديات الفكرية والفلسفية العالمية، إلى ممارسة الرياضة بشتى أنواعها، مرورا بتزعمه الحملة لتحويل اللغة الإسبانية إلى لغة عالمية منافسة للغات الدولية الأخرى.
(III)
كما يتضح: الكل خرج رابحا من مشروع الإصلاح الكارلوسي. والكل هنا تعني الكل: الشعب الإسباني، الدولة الإسبانية، الاقتصاد الإسباني، وبالطبع الملك نفسه.
وطالما أن الربح وزع بالعدل والقسطاس على هذا النحو في التجربة الملكية الإسبانية، ألا يجب أن يشكل ذلك حافزا في المنطقة العربية لبروز كارلوسات جدد؟ ألا تشكل هذه التجربة مخرجا ممتازا من ورطات المحافظين الجدد، خاصة انها لا تقتل الناطور (الحكومات) ولا تفني الغنم (الشعوب)؟
سؤال برسم الحكومات العربية والمسؤولين العرب.
سعد محيو