وقفات مع سورة الزمر للشيخ الدكتور ربيع المدخلي حفظهالله " جديد "
وقفات مع سورةالزمرللشيخ الدكتور/
ربيع بن هاديالمدخليحفظه الله تعالىبسم الله الرحمن الرحيم :
في أحد مجالس رمضان لعام 1424 هـ
قال الشيخ ربيع حفظه اللهلأحد الإخوة الحاضرين في المجلس:
اقرأ من قول الله تبارك تعالى ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ) إلي آخر السورة(1).
فقرأ الأخ هذه الآيات:
(
وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْأَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ(65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًاقَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِسُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) وَنُفِخَفِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْشَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَالْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّوَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (69)وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَاعَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ(70) وَسِيقَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْأَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْيَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْهَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَىالْكَافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَخَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّىإِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌعَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَاالْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُالْعَامِلِينَ (74) وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْحَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّوَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، سورة الزمر.
وبعدقراءة الأخ لهذه الآيات شرع الشيخ/ ربيع - حفظه الله في الشرح والتعليق.
فقال:
الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتّبعهداه.
من فهم هذه الآيات،لم تدع مقالاً لقائل، وماذا سيكون كلامي حول هذهالآيات، إنه كلام الله.
في هذه الآيات تحذير الله تبارك وتعالى من الشرك فإنهأعظم الذنوب وأعظم الظلم، الله يتهدد عباده بأنهم إذا وقعوا في الشرك ليحبطنأعمالهم ، يقولها للأنبياء، إذا كان هذا الوعيد للأنبياء فكيف بالناس الاخرين.
(
وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ)، يا محمد (وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ)، من الأنبياء، قيل لكل واحد منهم ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَالْخَاسِرِين )، هنا تظهر عظمة الله تبارك وتعالى وجلاله، ويتضاءل أمامه كلشيء سبحانه وتعالى، الأنبياء يهددهم الله ويهدد الملائكة ويهدد كل من يعصيه سبحانهوتعالى الجبار القاهر كل شيء يخضع لجلاله وعظمته ويذل أمامه سبحانه وتعالى، فلايتعاظمه شيء سبحانه وتعالى (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّعَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين )، الشرك يبطل العمل ولو جئتبأعمال مثل الجبال وأشركت بالله عز وجل لذهبت هباءً، كل هذه الأعمال تذهب، ( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءًمَنْثُورًا) الفرقان – آية 23، فلنحذر الشرك كبيره وصغيره، دقيقه وجليله،لنخلص الدين لله رب العالمين، نعرف التوحيد بتفاصيله، والشرك بتفاصيله، الشرك نعرفتفاصيله حتى لا نقع في شيء منه، والتوحيد نعرف تفاصيله حتى لا نقصر في شيء منه، قالتعالى: ( لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَالْخَاسِرِين )، ويا لها من خسارة، لأن عاقبة الشرك الخلود في النار ( إِنَّاللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) النساء – الاية 47، (إِنَّالشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) لقمان – الآية 13، والعياذ بالله كما في سورةلقمان إذ قال لقمان لابنه ( يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِإِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) لقمان – الآية 13 ، لا يتصوره العقل ولايدركه الخواطر عظيم، عظيم في غاية العظمة، ولذى يستحق صاحبه الخلود في النار أبدالآبدين، فنعوذ بالله من الشرك صغيره وكبيره، ودقيقه وجليله (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ)، أخلص الدين لله وحدهسبحانه وتعالى ( بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ)، يعني هذا حصرالعبادة لله، تقديم المعمول يقتضي الحصر مثل قوله ( إِيَّاكَنَعْبُدُ)، بل الله فاعبد، وحده سبحانه وتعالى، ولا تجعل له نداً لا منالملائكة ولا من الجن ولا من الإنس ولا من الأشجار بل أخلص له العبادة وحده، واعرفهذه العبادة، اعرف هذه العبادة حتى تعبد الله على علم، لا تعبده على جهل وضلال،ادرس هذه العبادة من كتاب الله ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، افهمها حق الفهموتقرب بها الي الله لأنه ما خلقك إلا من أجلها، عبادة تقوم بها ما خلقك من أجلالدنيا فقط، خلق الدنيا للامتحان والابتلاء، يراك أتعبده وتشكره أو لا؟ (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْأَحْسَنُ عَمَلًا) الملك – الآية 2، أحسن الناس عملاً : هو المخلص الموحد،هذا هو أحسن الناس عملاً الممتثل لأوامر الله والمنتهي عن نواهيه، ( وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ)، قرأت أمس في الشكر، الشكر إلتزامطاعة الله والثناء عليه، حمده والاعتراف بفضله ومنّه، وإدراك أنه لو أفنيت حياتك فيعبادته ما جازيت أدنى نعمة من نعمه سبحانه وتعالى، فيجب أن تلهج بقلبك ولسانكوجوارحك بشكر الله تبارك وتعالى.
ثم قال عن الكفار الذين يعبدون غير اللهويتخذون معه أنداداً وللعصاة أيضاً ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَحَقَّ قَدْرِهِ) الله العظيم الجليل، لو قدروه حق قدره ما عبدوا غير اللهأبداً ولم يتخذوا معه أنداداً بل لما عصوه إطلاقاً، فما يعبد غير الله، أو يعصيأوامره إلا إنسان ما عظم الله، ولا قدره حق تقديره، وما عظمه حق تعظيمه، وما أجلهحق إجلاله، سبحانه وتعالى، ثم برهن على عظمته، تصور (وَالْأَرْضُجَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ)، هذا الذي يقبض الأرض والسموات بيمينه كيف يُعصى، الذي حاله بلغ من العظمةوالقدرة والربوبية والإلوهية والجلال، إن السموات والأرض كحبة رمل في يد أحدناوتعالى الله عن الأمثال، الكون كله في قبضته كل شيء يتضاءل أمام عظمته وجلاله، فكيفيُعصى من هذا شأنه، خلقك لعبادته وخلق هذا الكون وهذه قدرته وهذه عظمته وهذا جلالهكيف تعصيه، كيف تعصيه، يعني الإنسان يخاف من إنسان مثله يخاف من جندي ما يستطيع أنيخالف أوامره، جندي مثلك مخلوق ويبول ويتغوط ويمرض الي آخره وتخاف منه ولا تخافالله عز وجل هذا العظيم الذي خلق هذا الكون ودبره والسموات مطويات بيمينه والأرض فيقبضته كيف تعصيه سبحانه وتعالى، سبحانه وتعالى عما يشركون نزه نفسه كيف تتخذ معهأنداداً من الأصنام المنحوتة التي تصنعونها بأيديكم ومن الأحجار ومن الحيوانات، فيهناسيعبدون القرود والخنازير إلي غير ذلك ( قُتِلَ الْإِنْسَانُمَا أَكْفَرَهُ) عبس – الآية 17، ( إِنَّ الْإِنْسَانَلَظَلُومٌ كَفَّارٌ) إبراهيم – الآية 34، إلي الله المشتكى، سبحانه تنـزهعما يشركون، شرك الربوبية وشرك الإلوهية، هناك أناس يقولون نحن مسلمون ويدّعون فيمخلوقين ضعفاء مثلهم، أنهم يعلمون الغيب ويتصرفون في الكون، ويكشفون الكروب، هؤلاءمن المنتمين للإسلام فكيف بالنصارى واليهود والوثنيين وما قدر الله حق قدره وما قدرالله حق قدره.
قال تبارك وتعالى عن مآل هذا الكون ونهايته (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ)، مخلوق من مخلوقات الله يبلغ من القوة أن ينفخ نفخة واحدة فيهلك كل من فيالكون إلا من شاء الله كلهم، ما أضعف الإنسان ما أضعف المخلوقات أمام عظمته سبحانهوتعالى، وهذا المخلوق إسرافيل ينفخ في آلة الصور، ينفخ فإذا بهم قد هلكوا، هذه نفخةالصعق وقبلها نفخة الفزع وتأتي بعدها نفخة البعث، نفخات ثلاث نفخة الفزع ونفخةالصور (فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ)، وهذه الصاعقة (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْفِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ)،يموتون كلهم الملائكة والإنس والجن إلا من شاء الله قالوا المستثنى هم الشهداءلأنهم أحياء عند ربهم، لأنهم ضحوا بأرواحهم في سبيل الله فيكافئهم الله بهذه الحياة (فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّامَنْ شَاءَ اللَّهُ)، وبعدها نفخة البعث ( ثُمَّ نُفِخَفِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ)، يهلك الناس من الصعقةإلا من شاء الله ثم ينـزل الله مطراً كالطل أربعين سنة أو كذا ثم لما تتكاملالأجساد يأمر الله بالنفخ في الصور فتعود الأرواح إلي أجسادها بنفخة واحدة من مخلوقمن مخلوقات الله عز وجل ( فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) عظمة الله وقدرته سبحانه وتعالى.
(
وَأَشْرَقَتِالْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا)، يأتي بعدها القضاء ، تتجلى الأرض بنورهوجلاله سبحانه وتعالى ويقضي بين العباد يأتي بالنبيين والشهداء، يأتي بالأنبياءفيشهدون على أممهم ويأتي بالشهداء من الملائكة يشهدون على الناس بما قدموا في هذهالحياة من أعمال صالحة أو طالحة، أعمال خير وأعمال شر لا يظلمون مثقال ذرة وتنصبالموازين وتدنوا الشمس من الناس وهم في الموقف حتى ما يكون بينها وبينهم إلا مقدارميل، قال الراوي: لا أدري ميل المكحلة يعني الصغير أو ميل المسافة وينزل بالناس منالأهوال والكروب ما لا يعلمه إلا الله تبارك، وتعالى ويأتي الله لفصل القضاء فيحاسبعباده سبحانه وتعالى وتنصب الموازين ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) الزلزلة – الآية 7،8، وبعد ذلك يساق الكفار إلي النار ( وَسِيقَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا)، كل شكل مع شكله اليهودي معاليهودي والنصراني مع النصراني والي آخر الملل والنحل، وتتبع كل أمة ما كانت تعبدإلي النار، ينظر الكفار إلي اليهود ماذا كنتم تعبدون قالوا، كنا نعبد عزير ابن اللهقال كذبتم،كذبتم ما كنتم تعبدون، ثم يؤمر بهم إلي النار فيقولون ربنا عطشنا فاسقنافيشار لهم إلي النار فإذا بها تحترق بعضها بعضاً فيتقاذفون فيها ويتواردون فيها،ويقال للنصارى ماذا كنتم تعبدون، فيقولون كنا نعبد عيسى ابن الله ،يقال لهم كذبتمماذا تريدون قالوا عطشنا نريد أن تسقنا، فينظرون إلي النار فإذا هي كالسراب يحرقبعضها بعضاً فيتواردون فيها، هذا معنى الحديث، ويدخل الوثنيون وغيرهم من المللالكافرة في النار ( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَزُمَرًا )، ( يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا)،يسوقونهمكما تساق الحمير في غاية الذل في غاية الهوان إلي النار والعياذ بالله.
(
حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا)، مغلقة إذاجاءوها فتحت أبوابها فجأة، يعني يلقون من الحر والهول ما لا يتصورنه، وكيفوتستقبلهم الملائكة؟ بالإهانات والتوبيخ والتبكّيت (حَتَّى إِذَاجَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا)، هم غلاظشداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ( أَلَمْيَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْوَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى )، اعترفوا ، فيالأول في الحياة الدنيا كذبوا الرسل وسخروا بهم واستهزءوا بهم الأنبياء يتلون عليهمآيات الله والآيات والمعجزات الظاهرة تدل على عظمة الله وعلى إلوهيته وعلى صدقأنبيائه ورسله، استهزءوا وسخروا منهم وكذبوهم وقتلوا بعضهم و.... و.... إلي أخره (أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِرَبِّكُمْ)، تبين إلوهيته وتوحيده وأنكم عباده يجب أن تعبدوه ويجب أنتؤمنوا بتشريعاته وتنقادوا لأوامره، ما جاءوكم حتى استحققتم هذا المصير؟ قالواجاءوا ( وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوابَلَى)، هذا المصير: هذا المصير المهلك، قالوا الذين يعصي الله، ويكذب رسلهمصيره النار ويصفون لهم هذه النار ويبينون لهم أهوالها، ويصفون لهم الجنة ويبينونلهم ما فيها من النعيم، من وحد الله فهذا جزاؤه ومن أشرك به وعصاه فهذا جزاؤه بينوالهم كل شيء ( أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَعَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوابَلَى)، يندم الآن لا ينفع الندم، ما ينفعهم إيمانهم والاعتراف والتصديقالآن ما ينفعهم، لان المؤمن: هو الذي يؤمن بالغيب ويتّبع الرسل ويصدقهم في كل مايقولون، أما أن يكذب الرسل حتى إذا شاهدوا ما كانوا يكفرون به وتظهر لهم الحقائقكما هي قال آمنت هذا لا يقبل منه، (لاَ يَنفَعُ نَفْساًإِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ)، حتى في الدنيا، الذين كذبواالرسل وجاءهم العذاب في الدنيا، فإذا شاهد العذاب قال آمنت لا ينفعهم إيمانهم فاتالأوان يعني عندما شاهد الحقائق أمامه يصدق، أنت كنت تكذب الرسل عندهم الآياتوالمعجزات والبراهين وأنت تكذبهم الآن تؤمن لا ينفعك إيمانك ( قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَىالْكَافِرِينَ )، هذه أظن يقولونها هم، ويمكن إن قالتها الملائكة لهم ( وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ)، كلمة العذاب كلمة الله عز وجل ( لَأَمْلَأَنَّجَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) هود – الآية 119، اللهسبحانه وتعالى خلق الناس فريقين فريق في النار في السعير وفريق في الجنة فمن أرادالله به أن يكون شقياً ومن أهل النار عمل بأعمال أهل النار وصدقت فيه كلمة اللهووعده سبحانه وتعالى، ومن أراد له السعادة يسره لعمل أهل السعادة ودخول الجنة ( لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) الأنبياء – الآية 23، سبحانه وتعالى، الله خلق العباد وقسمهم قسمين أشقياء وسعداء،نطلب من الله بجد وإخلاص أن يجعلنا جميعاً من السعداء وأن يجنبنا طرق الضلالةوالشقاء، ( قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَفِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ).
تقدم لكم بالأمس ان منشأكل الضلالات والكبر والكذب- نسأل الله العافية- فبئس مثوى المتكبرين ما أقبح هذاالمصير! هذا المتكبر هذا مصيره إنه أذل خلق الله وأحقرهم وأرذلهم مهما بلغ منالمنـزلة في الدنيا وبلغ من الملك هذا مصيره بئس مثوى المتكبرين، لا أسوء ولا أبأسمن هذا المصير المظلم المهلك السيئ جهنم أبد الآبدين ( ادْخُلُواأَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا)، أبد الآبدين فبئس مثوى المتكبرينلا أسوء من هذا المثوى.
(
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْارَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا )، أفواجاً زمراً ، الأنبياء معالأنبياء والصديقين مع الصديقين، الشهداء مع الشهداء، وهكذا كل شكل مع شكله مكرّمينمعزّزين على نجائب حتى اذا جاءوها : جاءوا الجنة فتحت أبوابها، قال وفتحت أبوابهاوجدوها مفتوحة، ما قال فتحت أبوابها لأنها فتحت فجأة، هنا وفتحت أبوابها والحالأنهم وجدوها مفتوحة لهم تكريماً لهم تنتظرهم ( وَقَالَ لَهُمْخَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ)، ما فيه توبيخ، سلام وإكرام وتبجيل وتبشيربالسلامة، ( طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ )، لأنهمعملوا الطيبات في الحياة الدنيا من الأعمال الصالحة كانت حياتهم طيبة بالتوحيدوالإيمان والأعمال الصالحة وحب الله والتوكل عليه والشفقة على عباده وصلة الأرحاموالبر وسائر الأعمال التي شرعها الله، فكانت حياتهم طيبة في الدنيا فجزاؤهم أنيحيوا الحياة الطيبة في الآخرة، وأولئك كانت أعمالهم سيئة فبئس مثوىالمتكبرين.
(
طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ)، اللهأكبر (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَاوَعْدَهُ )، ( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِيصَدَقَنَا وَعْدَهُ)، الله أعلم بأنهم آمنوا وعملوا الصالحات واتبعوا الرسلوقاموا بأوامره واجتنبوا نواهيه أن يدخلهم الجنة بعد أن رأوها وشاهدوها ودخلوهاوتمتعوا بنعيمها ( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَاوَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ)، يعني أدناهم يمكن أن ينظر في ملكه مسيرة ألف سنة، أدناهم وآخر من يخرج منالنار ويدخل الجنة له مثل الدنيا وعشر أمثالها، ملك الله واسع سبحانه وتعالى وكرمهواسع وفضله واسع سبحانه وتعالى، إيش العمل الذي عمله الإنسان! لكن الله كرمه واسعوفضله واسع سبحانه وتعالى، احترم وأكرم الأنبياء وأكرم الحق يكرمك الله عز وجل،احترم الأنبياء واحترم ما جاءوا به وعظم الله حق تعظيمه وقدره حق قدره ترى جزاءً لايخطر بالبال ولا يدور بالخيال ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَاأُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) السجدة – الآية 17، كم فيها من الحور كم فيها من القصور كم فيها من الجنان كم فيهامن الأنهار من خمر من لبن من عسل ومن. . . ومن . . . ومن والخدم ( إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا) الإنسانالآية 19، واللباس من الحرير ( وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَنَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌوَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) الإنسان – الآية 21، خمر لكن طهور ، في الدنيا نجس قذر أما ذاك فطهور،جزاء عظيم لا يخطر ببال ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَلَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ )، فاستعدوا أيها الإخوة وأعدوا لهذا اليومليكرمكم الله عز وجل بهذا الجزاء العظيم الذي وعدنا على ألسنة رسله، ونسأل الله انيوفقنا لدخول الجنة والعمل لها ونقول ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِيصَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُنَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْحَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّوَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، يسبحون بحمد ربهم الذينيحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الارض الا أن الله هوالغفور الرحيم هذا في الدنيا، وفي الآخرة يبقى الملائكة حافين بالعرش يسبحون بحمدربهم، الله العظيم الجليل سبحانه له الدنيا وله الآخرة سيد هذا الكون وخالقه ومالكهومدبره وكل من فيه خاضع لجلاله وعظمته ( إِنْ كُلُّ مَنْ فِيالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْوَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) مريمالآية 95.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا لتعظيم ربنا وإجلاله، والقيام بمانستطيع من حقوقه، لأننا لا نستطيع أن نقوم بشكر أدنى نعمه فضلاً عن أن نقوم بشكرنعمه، ولكن عفوه أوسع ورحمته وسعت كل شيء.
نسأل الله أن يتغمدنا بواسع رحمته،وأن يتحفنا بنعمه وفضائله، إن ربنا لسميع الدعاء.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قمت بتفريغ هذه الكلمة ثم أرسلتها لشيخنا ربيع بن هادي المدخلي - حفظه الله
فتفضل الشيخ بمراجعتها ثم الأذن بنشرها بتاريخالأحد 10/2/1429هـ الموافق: 17/2/2008مفجزاه الله خيراً وبارك بعلمهوعملهمحبكم في الله أبو عبدالله l