عن أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله : ( إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً فكانت منها طائفة طيبة ، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكان منها أجادب أمسكت الماء ، فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا . وأصاب طائفة منا أخرى ، أنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ . فذلك مثل من فقه في دين الله ، ونفعه بما بعثني الله به ، فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ) متفق عليه (217) .
( فقه ) بضم القاف على المشهور ، وقيل بكسرها ، أي صار فقيهاً .
الشرح
ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ في هذا المثل الذي ضربه النبي فقال (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً ) الغيث : يعني المطر ، فكانت هذه الأرض ثلاثة أقسام : قسم رياض : قبلت الماء ، وأنبتت العشب الكثير والزرع ، فانتفع الناس بها ، وقسم آخر قيعان : أمسكت الماء وانتفع الناس به فاسقوا مه ورووا منه ، والقسم الثالث : أرض سبخة : ابتلعت الماء ولم تنبت الكلأ .


فهكذا الناس بالنسبة لما بعث الله به النبي من العلم والهدى ، منهم من فقه في دين الله ، فعلم وعلم ، وانتفع الناس بعلمه. وانتفع هو بعلمه، وهذا كمثل الأرض لتي أنبتت العشب والكلأ فأمل الناس منها ، وأكلت منها مواشيه .


والقسم الثاني : في قوم حملوا الهدى ، ولكن لم يفقهوا في هذا الهدى شيئاً ، بمعنى أنهم كانوا رواة للعلم والحديث ، لكن ليس عندهم فقه ، فهؤلاء مثلهم مثل الأرض التي حفظت الماء ، واستقى الناس منه ، وشربوا منه ، لكن الأرض نفسها لم تنبت شيئاً ؛ لأن هؤلاء يروون أحاديث وينقلونها ، ولكن ليس عندهم فيها فقه وفهم .


والقسم الثالث : من لم يرفع بما جاء به النبي من العلم والهدى رأساً ، وأعرض عنه ، ولم يبال به ، فهذا لم ينتفع بما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ، ولم ينفع غيره ، فمثله كمثل الأرض التي بلعت الماء ولم تنبت شيئاً .


وفي هذا الحديث دليل على أن من فقه في دين الله ، وعلم من سنة رسول الله ما يعلم فإنه خير الأقسام ، لأنه علم وفقه لينتفع وينفع الناس ، ويليه من علم ولكن لم يفقه ، يعني روى الحديث وحمله لكن لم يفقه منه شيئاً ، وإنما هو رواية فقط ، يأتي في المرتبة الثانية في الفضل بالنسبة لأهل العلم والإيمان .


والقسم الثالث : لا خير له ، رجل أصابه من العلم والهدى الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ، ولكنه لم يرفع به رأساً ولم ينتفع به ، ولم يعلمه الناس ، فكان ـ والعياذ بالله ـ كمثل الأرض السبخة التي ابتلعت الماء ولم تنبت شيئاً للناس ، ولم يبق الماء على سطحها حتى ينتفع الناس به .


وفي هذا الحديث دليل على حسن تعليم الرسول عليه الصلاة والسلام ، ذلك بضرب الأمثال لأن ضرب الأمثال الحسية يقرب المعاني العقلية أي : ما يدرك بالعقل يقربه ما يرك بالحس ، وهذا مشاهد ؛ فإن كثيراً من الناس لا يفهم ، فإذا ضربت له مثلاً محسوساً فهم وانتفع ، ولهذا قال الله تعالى : ( وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ) (العنكبوت:43) وقال تعالى: ( وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ) (الروم: 58) فضرب الأمثال من أحسن طرق التعليم ووسائل العلم . والله الموفق .