ظل هاجس الأسلمة، يلحّ على الإسلاميين منذ نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، على يد الرواد، من زعماء التجديد والإصلاح، من أمثال محمد عبده، ومحمد رشيد رضا، وحسن البنا، وآخرين. الاستعمار الأوروبي لمعظم البلاد العربية، عبر الاحتلال العــــسكري، والهيمنة السياسية، أفرز آثاراً تغريبية على مجمل نواحي الحياة، وبشكلٍ خاص.. الجوانب الاجتماعية والثقافية.
أدت سيــــطرة مظاهر الحياة الغربية، على المشهد الثقافي والاجتماعي في العالم العربي، والقطيعة شبه الكاملة مع التراث، من حيث هو محدّد للهوّية، ومعبّر عن أسلوب حياة الناس.. إلى دفع كـــــــثير من القيادات الفكرية، والرموز الثقافية، إلى التفكير الجــــــاد، بطرح (بدائل) إسلامية. كانت هناك دعوات لأسلمة النظام السياسي، والمعاملات المالية والاقتصادية.. والثقافة، فظهرت الكتابات، التي تؤصّل دور الإسلام في السياسة، وبرزت أيضاً .. الدعوة إلى إسلاميّة المعرفة، وكذلك أسلمة الأدب.. وهكذا في فترة لاحقة، اتخذت هذه الدعوات، شكل العمل المؤسّسي، فنشأت الأحزاب السياسية، والبنوك، والمؤسسات التعليمية، وقامت رابطة للأدب الإسلامي.. بالإضافة إلى مؤسسات إعــــــلامية، تَركّزَ نشاطها في البداية، على إنتاج وتوزيع دروس ومحاضرات، في الشــــــــريط المسموع (الكاســــــيت)، ومحاولات ضعيفة، لإنتاج أعمال (درامية) على الفيديو.

إشكالية المصطلح:
مثل غيره من الأنشطة الإنسانية، واجهت محاولات أسلمة العمل الإعلامي عقبة فنية، لها عــــــلاقة بتحديد الجانب التطبيقي للمصـــــــــــــطلح .. ونــــــطاق عمله. المشــــــــكلة التي واجــهت مصـــــطلح (الإعلام الإسلامي)، لم تقف عند تعريف ماهية النـــشاط وطبيعة الممارسة، بل تعدتها كذلك إلى وضع آلية لتطبيق المصطلح نفسه، ووضعه موضع التنفيذ .. بسبب تعقد النشاط الإعلامي، وتجاوزه مفهوم الممارسة الإعلامية البسيطة المتمثلة بمحاضر يتحدث من خلال شريط كاسيت.

منذ البداية .. واجــه المهتمون بأسلمة الإعلام معضلتين: العنصر البشري، ومضمون الرسالة الإعلامية. السؤال الأساس .. كان:
من الذي (يمثل) الإعلام الإسلامي؟ هل يجب أن يكون (شيخاً) .. أو شخصاً محسوباً على المؤسسة الدينية بالضرورة؟
تحوُّل النشاط الإعلامي إلى صناعة معقدة .. متجاوزاً المفهوم البدائي الأول للإعلام، جعل تحقيق هذا الشـــرط أمــــــــراً مستحيلاً. أدرك الداعون إلى الأسلمة أنه لا يمكن تــــــوفر (شيخ) في كل نشاط إعلامي، وأنه إن كان هذا ممكناً، في البرنامج الحواري مثلاً، فإنه يصعب تحقيقه في الدراما.
مــــأزق العنصر البشري المؤهل، قاد .. كنتيجة حتمية، إلى التركيز على مضمون الرسالة الإعــلامية. أصبحت هناك قناعة أن الجمهور يهتم ويتأثر بــ (الرسالة)، بدرجة أكــبر، وأن (المؤدّي)، أو الناقل للرسالة، يأتي بالدرجة الثانية. لكنْ .. ثمة سؤال آخر، أنتجته القنــــاعة الجديدة:
ما هي الرسالة الإعلامية، التي يمكن أن يُعَبّرَ عنها، بأنها (إعلام إسلامي)؟
هل هــــــي النصوص الـــــقرآنية الكريمة وتفاسيرها، والأحاديث الشريفة وشروحاتها .. و (تمثيل) السلوكيات المرتبطة بهما، من خلال فن من فنون الإعلام؟ أم أن الإعــــــــلام الإســـــــلامي: هو كــل ما دخــــــــل في دائرة (الأخلاقي)، الذي أقره الإسلام، وحضّ عليه .. كما ورد في الأثر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" .. الجدل حول هذه المسألة، خَلُصَ إلى نتيجة مفادها أن الإعلام الإسلامي:
هو كـــل قول أو ممارسة إعــــــــلامية، منضبطة بضوابط الشريعة، دون أن يكون هناك (نص ديني) يأمر بها مباشرة.
مفهوم الإعـــلام (النقي):
أحدث الانفجار الإعلامي.. الفضائي منه على وجه الخصوص، رد فعل سلبي، لدى شريحة اجتماعية كبيرة. في غضون فترة قصيرة، امتلأ الفضاء العربي بالعشرات من قنوات الأفلام والموسيقى، التي لا تخضع لأي معيار أخلاقي، بل تعتمد فقط على الإثارة ودغدغة الغرائز. البث الفضائي المنفلت من أي ضابط أخلاقي سبب صدمة للتيار المحافظ العريض، في الشارع العربي.

الشـــكوى من ( غـــــــــربة ) الإعــــــــــلام العربي عن المجتمعات العربية، وانتهاجه منحى (تغريبياً)، بعيداً عن ثقافة المجتمعات العربية، وهوية الأمة.. لم تعد مقتصرة على (الإسلاميين). المشاهد العربي، المحافظ بطبيعته، شعر كذلك، بخطورة ما تبثه تلك الفضائيات، على النسق الأخلاقي للمجتمع، وبآثاره المدمرة على الشباب من الجـــــنسين، وتهديده لتماسك الأسرة.
الواقع (الملوث) للفضائيات العربية، والإعلام العربي بشكل عام.. من وجهة نظر الشريحة المحــــــــــــافظة، واشتمال مضامينه، و (الرسائل الإعلامية) التي يبثها على الكثير من التجاوزات غير الأخلاقية، رفـــــع درجة الاستياء .. وزاد من وتـــــــــــيرة الــــدعوة لإعـــلام (نظيف) وَبنّاء constructive، أو ما صــــــار يُطـــــلق عليه، لدى بعـــض (الســـوسيولوجيين)، والإعلاميين.. بـــــ (الإعــــــــلام النقي) .
الإعــــــــــلام النقي ، كــــــــــما يسميه الداعون إليه .. لــــيس معنياً بالأســـــلمة، بمفهومها (المؤدلج)، وهو ما يدافع عنه المهتمون به، والداعون إليه.. ضد دعوى من يتصدى لأسلمة الإعلام، ويشكّكون بنوايا الداعين للأسلمة، بدعوى الحزبية والأدلجة. ينطلق مفهوم الإعلام النقي من مبدأ أن الفضائيات العربية، بوضعها الحالي تمارس تأثيراً سيئاً، واعتداءً منظماً، على منظومة الأخلاق العربية الإسلامية، وتسهم في تسطيح اهتمامات الإنسان العربي، وإعاقة نمّوه الثقافي، والاجتماعي، والسياسي، إضافةً إلى تغييبه عن واقعه. إن الاحتجاج على ما تبثه الفضائيات العربية، والتحذير من خــــطرها على الدين والهوية .. كما يرى الداعون إلى إعلام عربي نقي، أمر مشروع، وله ما يسوّغه من واقع تلك الفضائيات.
الفضائيات الإســــلامية:
حــــرية الاختيار Freedom of choice :
بعـــيداً عن جدل المصطلح، وأسلمة الإعلام، ومفهوم الإعلام النقي، يجب الإقرار ابتداءً، أن انطلاق البث الإعلامي الإسلامي قد حقق قيمة عليا .. هي مبدأ (حق الاختيار) للإنسان العربي.
من المتفق عليه أنه لا يمكن الحديث عن إعلام (حقيقي)، يعكس نبض الشارع، وتوجهات الناس، إلا في بيئة (ديمقراطية) حرّة، تكفل حق التعبير .. وحق اختيار مصدر المعلومات، الذي يعرّض الإنسان نفسه له. لقد صارت حرية الاختيار والتعبير، بعد البث الفضائي الإسلامي حقيقة قائمة، وحقاً أصيلاً للمشاهد العـــــربي، المحافظ منه على وجـــــه التحديد. أصبح بوســــــع ذلك المشــــــاهد أن يختـــــــار نـــــــوع (الشاشة)، التي يجلس أمامها، والرسالة الإعلامية التي يستقبلها.
الإطـــار النظري Theoretical Framework :
تقــــــوم العملية الاتصالية Communication Process، على عـــــــــناصر أربــــــعة: المــــرسل (SENDER)، والرسالة MESSAGE ، والقناة CHANNEL ، والمستقبل RECIEVER.
يمكن تفسير وفهم عمل الإعلام الإسلامي.. الفضائي منه تحديداً، من خلال إطار نظـــــــري يقـــــــــوم على نــــظرّيتين لهما علاقة بعنصرين من عناصر العملية الاتصالية. الأولى لها علاقة بالمرسل ( SENDER )، أو المؤسسة الإعلامية، والثانية مرتبطة بالمستَقْبِل .. أو الجمهور (RECIEVER ).
النـــظرية الأولى:
نظرية المسؤولية الاجتماعية Social Responsibility Theory
إذا كانت نظرية الحرية قد ظهرت كرد فعل على تعسف النظم الشمولية، ومصادرتها لحق التعبير، من خلال ما عُرف في الوسط الإعلامي .. بنظرية السلطة Authority Theory، فإن نظرية المسؤولية الاجتماعية، ولدت بسبب الاستخدام الخاطئ لمفهوم الحرية، في وسائل الإعلام .. ذلك الذي مهدت له نظرية الحرية ســـــوء الاستخدام لمفهوم الحرية، سواء كان من قبل مـــــلاّك تلـــــــك الوســـــائل أو من قبل ( الإعلاميين ) أنفسهم. لقد أفرطت نظــرية الحرية Freedom Theory في إعـــــــــــــلاء حــرية الـــــــفرد على حـــــــــساب مصلحة المجـــــتمع، وبالغت في منح الفرد الحق في التنصل والتحرر من أي مسؤولية اجتماعية، أو قيمة أخلاقية في ظـــل هذه النــــظرية، ومع تــحول الإعــــــــــلام إلى صـناعة صـــار يُنـــظر إلى كل شـــــيء، على أنه (سلعة) .. حتى المبادئ والقيم، وأصبح جني المال هدفاً بحد ذاته، ولم يعد للجشع الفردي حدود.
في مقابل ذلك، تــــرى نظرية المسؤولية الاجــــــــتماعية، أن للــفرد حقاً، وللمجتمع أيضاً حـــــــقوقاً، بوصفه مجموعة أفــــــراد لهم حقوقهم، وينخرطون في الوقت نفــــــــسه، في (مؤسسات) اجتماعية، تسعى لخدمة الصالح العام .. وتحتاج لذلك، إلى حماية من نزوات الأفراد، وتسلط الرغبات الفردية. على المستوى الإعلامي سعت نظرية المسؤولية الاجتماعية للحد من تحكم الرغبات الشخصية، وتأثير الآراء الفردية في نســـــق الحياة العامة للجماعة .. و لتحقيق توازن بين حرية التعبير، ومصلحة المجتمع: "حريتك تنتهي، حيث تبدأ حقوق الآخرين". تبدو معادلة دقيقة .. لكن الشعور بالمسؤولية الاجتماعية، هو الذي يحققها. إعلامياً: المؤسسة الإعلامية، تضطلع بمهام و وظائف اجتماعية جوهرية في حياة الناس.. ولها دور تربوي وتثقيفي، وليست مجرّد منبر لفرد، أو مجموعة أفراد، يمارسون من خلاله رغباتهم، عبر سطوة رأس المال.
وجد القائمون على الإعلام الإسلامي، أن نظرية المسؤولية الاجتماعية، هي الأقرب لتمثيل الفكرة الإسلامية إعلامياً، والأكثر تعبيراً عن مفهوم الإعلام، الذي يحمل رسالة، وملتزم أخلاقياً.. وهو ما يسعون لتطبيقه في عالم الواقع لكبح جماح الانفلات الأخلاقي. وهي كذلك النظرية التي يمكن من خلالها تحقيق الصالح العام، ولجم طغيان الأهواء الفردية.
النظرية الثانية:
نظرية الاستخدامات والإشباع Uses and Gratification Theory
مع ازدهــار صناعة الإعلام، اعتمد بعض العاملين في مجال الإعلام، على هذه النظرية، لتسويغ السياسة الإعلامية التي ينتهجونها .. إنتاجاً وممارسة. تقوم النظرية على تفسير سلوك الجمهور تجاه وسائل الإعلام، على أســــــاس من استخدام الأفراد للوسائل، وما يحققه استخدامهم لها من إشباع نفسي وفكري.
جاءت هذه النظرية لتقلب المعادلة كما يقال. كان الجزء الكبير من بحوث الإعلام، والدراسات، يتناول تأثير وسائل الإعلام في الجمهور، عبر (الرسائل) الإعلامية، ويركز على:
ماذا (يصنع الإعلام) بالناس؟
نــــظرية الاستخدامات والإشـــــــباع، طرحت السؤال بشكل معاكس:
ماذا (يصنع الناس) بوسائل الإعلام؟
بناء على النظرية، فإن اهتمامات أفراد الجمهور، وعادات المشاهدة عندهم، والغرض الذي يعرضون أنفسهم لوسائل الإعلام من أجله، هو الذي يحدد ما يُنْتَجْ .. أو يُعْرَضْ في وســـــــائل الإعــــــــــلام. الزعم كـــــــــــان، أن المؤسسات الإعلامية، ووسائل الإعـــلام، لا (تتعمد) إنتــــاج وبث مواد إعلامية بعينها. إنها فقط .. (تساير) رغبة المشاهد وميوله، الذي يطلب هذا النوع من البرامج، ويستخدم وسائل الإعلام للحصول عليها.. ليتحقق له الإشباع.
مفهوم نظرية الاستخدامات والإشباع، هو الذي روّج فيما يبدو لمقولة شعبية سادت في الأوساط الإعلامية العربية .. وهي : "الجـــمهور عـــاوز كده" ! كانت هذه العبارة تُقال، في سياق (الدفاع) عن موجة من البرامج الهابطة والمسفة، غمرت، وما زالت تغمر وسائل الإعلام العربية.
أثبتت تجربة الإعلام الإسلامي، وتنامي الشريحة المهتمة به، من خلال توظيف نظرية الاستخدامات والإشباع أن المشاهد العربي ليس مجرد كائن غرائزي .. يلهث خلف الترفيه الرخيص، والإثارة العارية. أثبتت كذلك، زيف مقولة إن "الجمهور عاوز كده". إنه لمّا امتلك حق الاختــــــــيار، استخدم الوسيلة الإعلامية، في تحقيق إشباع نفسي وفكري، سامٍ ومتحضر.. بعيداً عن ســـطوة الغريزة، وبرامج التسطيح الفكري، وعروض الترفيه الهابطة التافهة.

المعـــــيار الأخـــــلاقي:
يحكم العمل الإعلامي، من منظور إسلامي، معايير أخلاقية صارمة. القاعدة العامة التي تحكم أي نشاط بشري، على أساس من هذا المنظور هي:
الممارسة ليست غاية بحد ذاتها، بل بما تحققه من (فضيلة) Virtue. كما أن الممارسة نفسها.. إذا كانت صحيحة، تُعدّ نوعاً من العمل الصالح Good Deed، الذي ينال المسلم بسببه، الأجر من الله.
الفـــضيلة هنا، معنى عام .. لكل ما دعت إليه الشريعة، وما تراه حسناً، من قول أو فعل. وهي كذلك .. أي الفضيلة، هَدَف وغَايةَ العمل الإعلامي الإسلامي، لكن هذه الغاية، لا تُحقّق بأي وسيلة. هذه الرؤية للعمل الإعلامي خضعت لنقاشات طــــويلة، وتبلورت عن معيار أخلاقي، يحدد طبيعة عمل الوسيلة الإعلامية، وشكل الممارسة الإعلامية. تمحور مفهوم المعيار الأخلاقي .. بشكل رئيس حول مسألتين لهما علاقة بالوسيلة الإعلامية.. من حيث هي (قناة) medium، ومن حيث هي (رسالة) message. هاتان المسألتان هما: المرأة والفن.

المــــــــــــــــرأة:
تحتل قضية المرأة .. الصدارة في أي مسألة خلافية بين الإسلاميين وغيرهم. لا يمكن فهم أصل الخلاف .. الذي يؤدي إلى سوء الفهم دون معرفة موقع المرأة في الشريعة الإسلامية، ورؤيتها للدور الذي تضطلع به في الأسرة والمجتمع المسلم .. ثم مفهوم الحلال والحرام، في العلاقة بين الرجل والمرأة.
لا ينظر الإسلام إلى المرأة -بعكس ما يظنه كثيرون- على أنها كائن أقل من الرجل، وعضو منتقص الحقوق. في واقع الأمر، تمنح الشريعة الإسلامية المرأة كثيراً من الحقوق في الحياة العامة. بل إنها في بعض الجوانب لها من الحقوق أكثر مما للرجل.
تثير حماية الإسلام للمرأة، والضوابط التي يضعها للحيلولة دون استغلالها علامات استفهام كبيرة. شرح العلاقة بين الرجل والمرأة، والأسئلة التي تثيرها طبيعة دور كــــل منهما.. كما قــــرره الإسلام لا يمكن الإجابة عنها، من خلال عزوها إلى نسبية ثقافية، تصوغ تلك العلاقة، وتحدد ذلك الدور. قاعدة الحلال والحرام في الإسلام لا تخضع لمفهوم النسبية الثقافية، بل تأخذ الأحكام وفق هذه القاعدة أبعاداً قطعية نهائية بحيث لا يمكن الالتفاف عليها تحت أي مسوّغ.
العلاقة بين الرجل والمرأة، واضحة الحدود والمعالم، مثلما أن دور المرأة في المجتمع واضح ومحدد. سوء الفهم ، حول موقف الإسلام من المرأة، والدور الذي حدده لها ناشئ من عملية إسقاط مفردات نظام ثقافي مغاير، على مجتمعات إسلامية تشكلت وفق ثقافة لا تقبل تمييع الحدود بين الجنسين، ولا تسمح بتداخل أدوارهما.
واقــــع المرأة -على الأغلب- في وسائل الإعلام حالياً، ينطلق من فلسفة صناعة الإعلام القائمة في معظمها على استغلال المرأة فيما يشد الرجل إليها.. وهو تحــــديداً جسدها. تــــــــوظيف المحسوس لــــدى المرأة لجذب الــــرجل.. يرفضه الإسلام؛ لأنه يلغي كينونة المــــــــــــــــــرأة، ويحوّلها إلى (شيء) Subject، ويزدري قيمتها الإنسانية. حــــــــدود الحلال
والحرام، كما يقررها الإسلام، تمنع إيجاد أوضاع تشجع عــــلى استغلال المرأة، أو تدفعها لتجاوز الحدود، التي وُضعت لحمايتها .. تحت أي ذريعة. الإسلام كذلك، قرر شكل وإطار العلاقات بين الرجل والمرأة، ومستوى الاتصال والتواصل بينهما .. وحـــدد بشــــــكل قـــــــاطع دور كـــــل واحــــــــد منهما. عــــلى أســــاس من ذلك لا يــــــمكن (افتراض) علاقة من أي نوع بينهما، غير ما هو محدد أساساً، ولا اختلاق أدوار، غير التي رسمت لكل منهما .. ابتداء. لأنــــــــه لا مــــــكان لعــــــلاقة (متخيّلة) ، ولا لأدوار (مفترضة) .. في مسائل الحلال والحرام.
برزت (مشكلة) المرأة في وسائل الإعلام العربية، حين نظر لطبيعة مشاركتها، وفق منظور ثقافي دخيل، وعندما تم (تَشْيِيئهَا) .. وفــــق ذلك المنظور، فصار يمكن عرضها، ضمن سلوك استهلاكي. فهي يجب أن تظهر بشكل وهيئة مقــبولة .. للــــــــرجل. وهي كــــــذلك، يجب أن تكون ضمن (رسالة إعلامية)، تشتمل على إغراء بمتابعتها، من قبل الرجال. المرأة في الإعلام الإسلامي، غير مقبول أن يتم تحويلها إلى شيء، أو (سلعة) .. يحكمها قانون العرض والطلب. ظهور المرأة في الإعلام الإسلامي، محكوم بالضوابط العامة للشريعة، التي تحدد دورها في الحياة الــــــــيومية. مثلما أنه لا يمكن وجــــــود مـــــــمارسة (مفترضة) للمرأة في الحياة العامة، غير ما قررته الشريعة لها، فإنه كذلك، لا يمكن الحديث عن (ممارسة إعلامية) للمرأة، في ظل ظروف وأوضاع.. غير تلك التي تمارسها في حياتها اليومية، المنضبطة بأحكام الشريعة. هذا الواقع، وضع حدوداً وضوابط ، على عمل المرأة، وظهـــــورها في وسائل الإعلام. تتسع هذه الحدود وتضيق ، بقدر ما تقترب المرأة، أو تبتعد.. عن أحكام الإسلام.
الإعلام الإسلامي أيضاً، بوصفه نشاطاً بشرياً لأفراد مسلمين، محكوم بقاعدة الحلال والحرام .. التي يؤمن بها أولئك الأفراد.. ولا يستطيع أن يخرج عليها، ليظل يحمل صفة الإعلام الإسلامي، ويبقى القائمون عليه، يوصفون بأنهم مسلمون ملتزمون في ممارستهم الإعلامية، بما في ذلك رؤيتهم لدور المرأة في الإعلام.

الفــــــــــن:
الفن للفن.. أو الفن للرسالة ..؟
النقاش ما زال قائماً .. وسيبقى ، حول مسألة أن للفن قيمة قائمة بذاتها، خارج أي سياق ثقافي. يجادل الذين يؤمنون بمبدأ "الفن للفن" .. أن الفن يجب ألاّ يخضع لأي قيد أخلاقي، وأن يكون معبراً عمّا يسمىّ (الحقيقة) الإنسانية، في شكلها الأول. بناء على رأي هؤلاء، الأديان، والقوانين الأخلاقية التي يضعها الإنسان، أشياء محدثة وليست قديمة، تنطلق في تقييد الفن بضوابط أخلاقية .. بدافع من طبيعتها المــؤدلجة. الــــــــــفن.. على ضوء هذه الرؤية، هو المـــــعبّر عن روح الإبداع التي لا تعترف بحدود ولا قيود من أي نوع. أدلجة الفن بإخضاعه للمعايير الأخلاقية- كما يقولون- يؤدي إلى خنق الإبداع . النحات مثلاً .. برأيهم، الذي ينحت جسداً عارياً، يعرض إبداعاً و(فناً) Art، وليس معنياً بمفهوم (الإباحية) Pornography، الذي ترفضه المعايير والضوابط الأخـــــــــــلاقية. إنه يــــقدم (رسالة) جمالية.. ليس أكثر. يضيف هؤلاء كذلك، أن المعيار الأخلاقي نسبي، يختلف من ثقافة لثقافة، ومن فرد لآخر، داخل الثقافة الواحدة.
مبدأ الفن لأجل الفن، فتح الباب لممارسات، وسلوكيات كثيرة فيها تجاوز لمسلمات أخلاقية واجتماعية .. كلها صار يدرجها أصحابها تحت مفهوم الفن.
في الإعلام الظاهرة كانت أوضح؛ إذ انتهكت كثيراً من القطعيات الدينية والأعـــــراف الاجتماعية، وتم التعدي على محرمات دينية، أو التقليل من رموز مقدسة.. باسم الفن والإبداع.
مقابل الفن لأجل الفن وُجدت دعوة: الفن للرسالة. يؤمن أصحاب هذه الرؤية بالقيمة الجمالية للفن.. وأن الجمال قيمة أخلاقية بحد ذاته. لكن أنصار هذا الاتــجاه يرون أن الـــــــفن إذا تجرّد من رسالته الأخلاقية، واتكأ على الذائقة الفطرية فقــــــط في تقديم الجمال.. يهبـــــــط إلى مستوى العرض الغــــريزي، الذي لم تهـــــــذبه الأخلاق التي جاءت بها الرسالات السماوية، أو دَعتْ إليها الفلسفات الأخلاقية. الفن بوصفه عملاً إبداعياً، ليس فعلاً مجرداً من أي قيمة. كل عمل يحمل رسالة، وكل رسالة تنــــــطوي على قيمة. الــــترفيه مثلاً .. رسالة إعلامية، وممارسة تشتمل في جوهرها على إبداع، وفي ثناياها يوجد ثمّة (قيمة). إذاً .. لا يوجد ترفيه بريء، ولا توجــــد (رسالة) لا تحمل قــــــــــيمة. كل رسالة إعلامية تحتوي بالضرورة - ضـــــــمن أشياء أخرى- على مجموعة قيم Value-Loaded Messages.
هذه الفلسفة هـــي ما يقوم عليه مبدأ: الفن من أجل الرسالة. القائمون على الإعلام الإســــلامي، يصــــــــفونه بأنه (إعــلام رسالي) . ضمن هذا الوصف، كل أنشطة الإعلام يجب أن تحمل في طياتها رسالة. هذه الرسالة.. هي في جوهرها رسالة الإسلام.. أو رسالة من (رسائل) الإسلام. الفن .. بصفته أحد أهم الممارسات الإعلامية، سواء كان دراما، أو تـــــــرفيه، لا يــــــخرج.. من وجهة النظر الإسلامية، عن هذه القاعدة: "الفن من أجل الرسالة". الرسالة الإعلامية الإسلامية كذلك، لابد أن تُؤَدّى من خلال الوسائل المشروعة. قاعدة الحلال والحرام لا تغيب، بل تحكم مضـــــمون الرسالة .. (القيمة التي تحملها)، مثلما تحكم الوسيلة التي تنقل الرسالة. الوسيلة هنا، ليست فقط الوسيط Medium، الذي يحمل الرسالة، بــــــل كذلك الآلية التي يتم التــــــعبير عــن الرســــــــــالة من خلالها، سواء كــــــــان نصاً Text، أو صورة Picture. معالجة قـــــضية تتناول دور المرأة في المجتمع مثلاً، لا تتم من منظور الإعلام الإســــلامي من خــــــــلال سيناريو، يشتمل على (نص) و (صورة) ، لعــــلاقة متخيّلة (درامياً)، بين رجل وامرأة .. لا يمت أحدهما للآخر بصلة.

سؤال الهوية:
مسألة ( الهوية )، هي أبرز ما تثيره دعوات الأسلمة، وما لفتت النظر إليه تجربة الإعلام الإسلامي، من خلال البث الفضائي. هناك ملمحان في هذه المسألة. الملمح الأول، له صلة بالدين والمــــنظومة الأخلاقية، والثاني له علاقة باللغة. تتعرض الأمة لخطر استلاب حضاري، يتهدد هويتها. يحدث هذا، من خلال ممارسة إعلامية، ساهمت في إضعاف صلة الأجيال العربية بدينهم.. وتمردهم على نظامه الأخلاقي، عبر بث فضائي مكثف، فيه تجاوز كثير وكبير، لكل ما هو ثابت وأخلاقي. صنعت تلك الفضائيات كذلك، قطيعة بين تلك الأجيال، ولغتها الأم.. من خلال طغيان العاميات المحلية الهجينة، واللغة الأجنبية على اللسان العربي. أورث هذا الواقـــــــــــع وضـــــعاً قريباً من حال فقدان الهـــــــــــوية Miss of identity، بسبب آثاره السلبية على الدين واللغة.

الدين والمنظومة الأخلاقية:
انعزل الإسلام في الفضائيات العربية، في برنامج (ديني) أسبوعي أو يومي، لشيخ يجلس أمام الكاميرا، يتحدث ساعة من الزمن، في شؤون لا علاقة للناس بها. إلى جانب البرنامج الديني، تمتلئ ساعات البث الأخرى، التي قد تمتد إلى أكـــــثر من (20) ساعة، بكل ما هو غير ديني، وأحياناً (غير إسلامي). إبتداء من الأفلام الأجنبية المترجمة، أو المدبلجة، وانتهاء بأغاني (الفيديو كليب). تمتلىء هذه الأفلام بكثير مما يناقض الإسلام فكرياً وأخلاقياً.. وأحياناً يسخر من بعض قيمه وتعاليمه. بل إن بعض هذه الأفلام .. خاصةً الأفلام المترجمة والمدبلجة تعبر عن موقف ضدّي، لمباديء الإسلام حين تروج لأسلوب حياة يصادم الأخلاق العربية الإسلامية في أساسها، مثل العرض (المحايد) للمشاهد المخلة، والعلاقات المحرمة، والخيانة الزوجية، ونكاح المحارم. أغاني الفيديو كليب التي أصبح لها قنوات عربية، مستقلة بذاتها، ليست إلا عرضاً رخيصاً ومباشراً لأجساد النساء، ولمشاهد جنسية فاضحة .. وتهييجاً فجاً وساقطاً، لغرائز الشباب.
إضعاف الوازع الديني، وانتهاك المحرمات، الذي أصبح سمة لازمة، لغالب البث الفضائي العربي .. احياناً بذرائع سياسية، باسم تجفيف منابع التطرف- أوجد حالاً من فقدان الهوية، وأفرز وضعاً أخلاقياً هشاً، تفشت في ظله الجريمة الأخلاقية. لقد تشكلت، بفعل هذه الفـــضائيات (ثـــــقافة) موازية .. غيـــــر جوهرية، على خصام مع جوهر الثقافة الأصلية. لم يعد معظم الشباب العربي، على وجه الخصوص، يعبر في سلوكه.. عن ثقافة عربية شرقية .. محافظة، فضلاً عن أن تـــــكون إســـلامية. كما أن (القيم) الغربية التي اكتسبها، من تعرضه للفضائيات العربية، لم تجعله يتحلى بصفات الشخصية الغربية (الجادة)، التي حققت إنجازات، على الصعيد الفكري والتقني. التحلل الأخلاقي للمجتمعات الغربية وآثاره على النظام الأسري، والنسق الاجتماعي.. إضافة إلى تفشي الأمراض، الناتجة عن العلاقات الجنسية المحرمة، أصبح أكثر مظاهر الحضارة الغربية حضوراً، في المجتمعات العربية.
المهتمون بالإعلام الإسلامي، بعد مطالعات عميقة، لتأثير وسائل الإعلام على الجمهور .. مما ورد في الدراسات الكثيرة والمكثفة، التي أجريت في المجتمعات الغربية نفسها .. أدركوا الدور المدمّر لوسائل الإعلام، بما تبثه من رسائل إعلامية، على المتلقي العربي، خصوصاً ثوابته وقيمه الدينية. لم يعد قــولاً جــــــــزافاً، الحــــــديث عن
وجود غربة حقيقية عن تعاليم الدين في أوساط الشعوب العربية.. ساهمت الفضائيات العربية، بشكل كبير فيها. بل إن هذا الواقع أفضى إلى نشوء تيارات شبابية متطرفة نزعت إلى العنف للتصدي لما تعتقد أنه عملية تدمير مقصودة لمنظومة الأمة الأخلاقية، وتهديد لوجودها. هذه الحقيقة هي ما دفع بعض الجهات والأفراد، لتبني عمل إعلامي إسلامي مؤسساتي، يأخذ على عاتقة المحافظة على هوية الأمة، ويصون أبرز مقومات وجودها .. وذلك بحماية دينها ومنظومتها الأخلاقية، من هجمة (ثقافة) الفضائيات العربية.

اللغة:
اللــــــغة وعاء الحضارة، وأَحَد أهمّ مظاهر الهوية، وهي كذلك، عنوان شخصية الأمة .. ومن أهم أسباب وحدتها. حوت اللغة العربية ميراث الأمة الحضاري، وساهمت في حفظ وحدتها الفكرية والجغرافية لقرون طويلة. تتراجع اللغة العربية الآن، بشكل كبير، على ألسنة أبــنائها، أمام سيطرة اللهجات العامية المحلية، ومنـــــافسة لغة هجين.. خليط من بعض كلمات عربية، وكثير من مفردات إنجليزية. تساهم الفضائيات العــــــــــــربية بشكل رئيس في تكريس هذا الوضع الكارثي للغة العربية؛ إذ تــــــــكاد تكون كــــــل البرامج النـــــاطقة بــ (العــــربية)، تتـــــــــحدث بهذه العـــــــــــاميّات، أو باللغة الهجين. يستـوي في ذلــــك .. البرنامج الاجتــــــــماعي، أو السيـــــــاسي. أما الــــــــــدراما (العربية) فكلها بلا استثناء ناطقة بالعامية.
على الرغم من أن العالم العربي ينتظم سياسياً في جامعة الدول العربية، التي تؤكد انتماء شعوبه إلى قومية واحدة ولسان واحد، إلا أن غَلَبَةْ العاميّات، يجعل التواصل بين الشعوب العربية، أمراً صعباً ومتعذراً . كان متوقعاً أن تؤدّي الفضائيات العربية، بوصفها إعلاماً جماهيرياً Communication Mass، دوراً جوهرياً.. في توحيد الشعوب العربية، وتعزيز تواصلها بتقليص العامية، ونشر اللغة العــــربية؛ إذ معلوم .. أن وحدة اللغة، تــــساهم في عملية دمج الشعوب النــــــــاطقة بها، وتعمل على صياغتها في وحدة قـــــــومية واحـــــــــدة National Integration. لكن الذي حدث خلاف ذلك: تكريس العامية، وتقليل فرص التواصل والتفاهم.
يسعى الإعلام الإسلامي، باستخدامه اللغة العربية الفصحى، عبر البث الفضائي، لإعادة الاعتبار للغة العربية، من أجل حفظ هوية الأمة، والسعي لوحدتها .. وتعزيز تواصل شعوبها.

جدل المهني والديني:
اصطدمت المحاولات لتأسيس إعلام إسلامي .. في البداية بآراء فقهية، تحفظت كثيراً، على استخدام بعض تقنيات الممارسة المهنية الإعلامية، وعلى التوسع في استخدام تقنيات أخرى. المدرسة الفقهية الإسلامية بمذاهبها الأربعة فوجئت بالعملية الإعلامية، وتطوراتها المتسارعة، وبالدور الجوهري والحيوي، الذي صارت وسائل الإعلام .. بعد أن تحوّلت إلى صناعة، تقوم به في المجتمعات. وجد الفقهاء، ورجال الفكر الإسلامي أنفسهم أمام ظاهرة لا يمكن تجاهلها، فضْلاً عن رفضها. كما أن الموقف السلبي، الذي لا يتفاعل مع حدث بمثل هذه الضخامة، ويعيد تكييفه، ضمن النسق الحضاري الخاص به، ومقومات الثقافة المحلية، يؤدي إلى نتائج خطيرة، تنسحب آثارها على الدور الحضاري للأمة، وعلى تماسك النظام الاجتماعي والأخلاقي للمجتمع، وتنعكس آثاره السلبية على سلوك الأفراد. أبرزَ تقْنيتَينْ مهنيّتين إعلاميّتين، ثار حولهما جدل فقهي هما: الصورة والموسيقى.

الصـــــورة:
لم ينل شيء من الوعيد والنكير، في أدبيات الفقه الإسلامي، بعد القَطْعيّات المحرمة، تحريماً أبدياً، مثل ذلك الذي ناله التصوير. منذ البداية.. اتخذ الإسلام موقفاً حاداً ورافضاً للتصوير. فَهْمُ التوحيد، الذي يقوم عليه أصل الاعتقاد في الإسلام، يساعد في معرفة الموقف الحــدي، الذي اتخذه التشريع الإسلامي، من الصورة والتصوير. يقف التوحيد نقيضاً للشرك، الذي هو إشراك الله سبحانه في العبادة بصيغ شتى، لكنه في أظهر أشكاله، يتمثل بالوثنية، التي تقوم على عبادة (الصور) والتماثيل.
العلاقة الظاهرة بين التماثيل وبين الأصنام، والوثنية وطقوسها الشركية، خلق ارتباطاً لا شعورياً، وعلاقة غير ظاهرة، بين (الصورة) والأصنام، بوصـــــفها ذريعــة إلى (الشرك). اعتمدت الآراء الفقهية التي قالت بتحريم التصوير على أحاديث صريحة عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيها تحريم للتصوير، ووعيد للمصورين. الموقف الفقهي الصارم، في تحريم التصوير على إطلاقه، منع طويلاً .. أي مشاركة فاعلة للإسلاميين في العملية الإعـــــــــلامية. هجمة الفـــــــضائيات العربية التي ملأت السماء العـــــربية بقنوات .. تبث كل ما يهدد الأمة في دينها، ولغتها، وهويتها، جعل القيادات الفكرية الإسلامية تطلق صيحات التحذير حول خطورة (الغياب) عن مجال حيوي كهذا. استشعار الخطر حيال واقع الفضائيات العربية، دفع بعض الفقهاء، إلى القول بأن مناط التحريم في التصوير، هو العلاقة المباشرة، بين الشرك وعبادة التماثيل، التي هي شكل من أشكال التصوير. هذا الرأي حرّض الفقهاء، لإعادة النظر في حكم التصوير، وَقَصْر تحريم التصوير، على المجسّم منه فقط، مثل النحت وصناعة التماثيل. مَثّل هذا الاجتهاد الفقهي، تطوراً غير مسبوق، في النظر إلى قضية التصوير. بناءً على ذلــك، اعتبر التصوير الفوتوغرافي، وكذلك التصوير التلفزيوني، غير داخلين في التصوير المحرم، والمنهيّ عنه.
حَسْمُ مسألة التصوير فقهياً فتح الباب لتجاوز أهم العقبات الفقهية والمهنية أمام قيام عمل إعلامي إسلامي حديث. مع ثورة الاتصال ودخول العالم العربي تجربة البث الفضائي ظهرت تجارب فضائية (إسلامية) أخذت مكانها في الفضاء العربي، واقتطعت حصة لا بأس بها، من جمهور الفضائيات العربية.

الموسيقا:
هناك أحاديث شريفة، عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- تنص صراحة على تحريم الموسيقى. جاء ذلك تحديداً ضمن أحاديث نبوية تحرم الغناء وآلات الطرب التي وصفتها الأحاديث بــ (المعازف). العلماء الذين خرجوا على الإجماع بتحريم الغناء، والموسيقى التي تصاحبه، اشترطوا للتحريم أن يكون الغناء فاحشاً .. كلمةً وأداءً. هذا الرأي لم يلق قبولاً لدى جمهور علماء المسلمين؛ فظل الرفض للغناء قائماً، وبقي الموقف من الموسيقا، موضع جدل.
الجدل حول الموسيقا زاد واتسع مع نمو وسائل الإعلام، وازدياد استخدام الموسيقى في تلك الوسائل .. في غير الغناء . تطور الوضع بعد ذلك، حتى صارت الموسيقى تستخدم في أمــــــور أخرى غير وسائل الإعــــلام. الجدل تطـــــور، واتــــــخذ شكل الــــــخلاف على المصــطلح، وصار السؤال: هل هي موســـــيقا music، أم مؤثرات صوتية Sound Effects ..؟
أصبحت المؤثرات الصوتية، جزءاً أساسياً من تقنيات العمل الإعلامي، مثل الإضاءة، والصورة، و (الجرافيكس) . مع تطور تقنية الصوتيات الحديثة، التي تستخدم الكمبيوتر في مزج الأصوات، لم تعد الآلات الموسيقية وحدها هي وسيلة إنتاج المؤثرات الصوتية. التقدم التقني في إنتاج المؤثرات الصوتية، جعل الجدل الفقهي القديم حول الموسيقا، محل نقاش، وموضع نظر.
اعتبر المهتمون بالإعلام الإسلامي، تقنية إنتاج المؤثر الصوتي، فتحاً كبيراً في أسلمة العمل الإعلامي، وممارسته بطريقة مهنية حديثة. صار هناك كلام عن (بديل صوتي) للموسيقى، يتم مزجه الكترونياً، من مجموع أصوات تُستقى من الطبيعة، ويقوم بدور المؤثر الصوتي الفقهاء اعتبروا ذلك حلاً (شرعياً) .. ومثل ذلك انطلاقة مهنية للعمل الإعلامي الفضائي الإسلامي، وتجاوزاً لمشكلة أخرى، اقترنت بالتصوير.. وظلت فترة طويلة عقبة تحول دون مشاركة فاعلة للإسلاميين، في النشاط الإعلامي.

خـاتـمة:
تمثل تجربة القنوات الإسلامية، عملاً جديداً ومختلفاً، بكل المقاييس. جدّة التجربة واختـــــلافها ليس في مهنية العمل، أو في استخدام تقنية جديدة .. خاصة بها، غير موجودة عند غيرها من القنوات. التفرد كان في (الثورة) النوعية، التي أحدثتها القنوات الإسلامية، في مجال البث الفضائي. في وقت لم تلتزم القنوات الفضائية الأخرى، بأي ضابط يحكم طبيعة البث ونــــوعه، إلا ما كان له عـــلاقـــــة بالتنظيمات (القانونية) في البلد الذي تعمل فــيه .. وضعت القنوات الإسلامية معايير صارمة .. أخلاقياً ومهنياً، تحكم سياستها في البث. الحـــــــرية غير المــــــلتزمة بقيـــود من أي نوع أعطى الفضائيات غير الإسلامية هامشاً كبيراً جداً للعمل. في المقابل .. المعايير والضوابط الأخلاقية للقنوات الإسلامية ضيقت هامش العمل لديها، وحــــــدّت من استخدامها لكل ما هو (متاح)، في مجال العمل التلفزيوني .. مما يمكن أن (يجذب) المشاهدين، بمختلف شرائحهم، كما هو حال الفضائيات الأخرى.
أمْرٌ آخر يُحسب للقنوات الفضائية الإسلامية أنها نجحت في امتحان وإثبات مـــبدأ "التعرض الاختياري" Selective Exposure، كأحد أهم الفروض التي تفسر عملية اكتساب المعلوماتInformation Acquirement ، ومن ثـــمّ التفاعل معها. وفق هذه الفرضية، فإن الفرد يختار أن يعرّض نفسه لمـــــصدر معلومات (معين)، ويتفاعل معه، ويتأثر بما فيه من معلومات .. ويكتسبها، على أساس من احــــتياجه. هذه النتيجة، تؤكد الحاجة لتوسيع هامش الاختيار أمام المشاهد العربي، بتشجيع قيام قنوات جادة، تسهم في الارتقاء بالوعي والثقافة، كما أنها -كــــذلك- تدحض الزعم بربط تنامي السلوك المحافظ، والصحوة الدينية، في أوساط المجتمعات العربية، بنفوذ أفراد .. أو مجموعات غامضة، تمارس ضغوطاً على الناس، لإقناعهم بأفكارها. التعرض الاختياري، قرار شخصي بحت، يتم بمعزل عن أي نفوذ لطرف خارجي.
إذا كانت أبرز الملامح النوعية لتجربة القنوات الإسلامية قدرتُها على تقديم مضمون جاد، واستقطاب جمهور يهتم به .. في ظل أنماط متعددة لسلوك إعلامي استهلاكي، يعتمد على الإثارة .. بمختلف أشكالها، فإنه يجب الإقرار أن تجربة القنوات الإسلامية، لا تخلو من قصور مهني... حداثة التجربة، ونقص الكوادر المدربة، من أهم الأســـــباب، وغياب الرؤية أحياناً .. سبب آخـــر مهم. لا يمكن الادّعاء كذلك أن كل (الأهداف) التي تقول القنوات الفضائية الإسلامية إنها وضعتها، جزءاً من سياستها، بوصفها إعلاماً إسلامياً .. قد تحققت. استخدام العامية في تلـــــــك القـــــــــنوات، ما زال موجوداً، وإن كــــــــان بنسبة أقــــــل من غيرها من القنوات. بعض القنوات الإسلامية كذلك لم تستطع أن تتخلص من الطابع المحلّي للبلد الذي تبث منه، خصوصاً الاهتمام بالأحداث والفعاليات القُطْريّة، على حساب قضايا الأمة والأحـــداث العالمية. كما تسود هيمنة الطابع الشخصي .. لمالكيها، أو القائمين عليها، فتؤثر على السمة العامة لبرامجها، وعلى مستواها المهني.