منتديات ماجدة

منتدى ماجدة هو منتدى عربي متكامل يحتوي على الكثير من الفائدة وهو أحد مواقع شبكة منتديات !Yahoo مكتوب. ، انضم الآن و احصل على فرصة التمتع بحوارات عربية متعددة المجالات



+ الرد على الموضوع
صفحة 26 من 28 الأولىالأولى ... 16 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 الأخيرةالأخيرة
النتائج 501 إلى 520 من 545
Like Tree0Likes

الموضوع: رواية انت لي... اكثر من رائعه

  1. #501
    نائب المشرف العام سابق المخنن is a splendid one to behold المخنن is a splendid one to behold المخنن is a splendid one to behold المخنن is a splendid one to behold المخنن is a splendid one to behold المخنن is a splendid one to behold المخنن is a splendid one to behold الصورة الرمزية المخنن
    تاريخ التسجيل
    04-03-2007
    المشاركات
    64,424
    ‎تقييم المستوى 237



    افتراضي رد: رواية انت لي... اكثر من رائعه

    قصة جميلة جدا
    بانتظار التكملة
    تحياتي






  2. #502
    عضو imen-assira is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    07-11-2009
    المشاركات
    27
    ‎تقييم المستوى 0

    Ico رد: رواية انت لي... اكثر من رائعه

    السلام عليكم
    يمكنني ان اتابع نقل القصة لكم و ارجو ان تكونوا في المتابعة


  3. #503
    عضو imen-assira is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    07-11-2009
    المشاركات
    27
    ‎تقييم المستوى 0

    افتراضي رد: رواية انت لي... اكثر من رائعه



    الحلقه الثالثة والاربعون

    مـــــن حبيبتك؟؟
    الساعه الثالثه إلا عشر دقائق عصراً أفقت من النوم مفزوعا على صوت رنين هاتفي.

    تناولت الهاتف بسرعه وأنا استرجع وعيي فجأه واتذكر رغد وما ألم بها
    أجبت بقلق:
    نعم هذا أنا".
    وسمعت صوت رغد يحدثني من الطرف الآخر:
    مرحبا وليد. هل كنت نائما؟"
    قلت:
    نعم رغد هل انت بخير؟
    قالت:
    "أجل. اتصلت مرتين ولم ترد! كنت أريد أن أطلب منك جلب بعض حاجياتي معك.
    متى ستأتي؟""
    ألقيت نظرة على ساعة الحائط ثم قلت:
    "بعد ساعة من الآن. لقد استغرقت في النوم ولم أحس بشي. أنا أسف. ماذا أجلب معي؟"
    وذكرت لي عدة أشياء تلزمها... وإن كان (الحذاء) من بينها!
    لم ألتق بأروى خلال تلك الساعة ولم أسمع ردا حين طرقت باب غرفتها
    لأعلمها بانصرافي..
    وذهبت إلى المستشفى وأنا أحمل باقة من الزهور الجميلة وعلبة شوكولا كبيرة بالإضافة إلى حاجيات رغد..
    عندما وقعت أنظاري عليها للوهلة الأولى شعرت براحة..
    إذ أنها بدت بحالة أفضل
    وعاد لون الحياة إلى وجهها بعد الشحوب. كما أنها سرت بباقة الزهزر وشكرتني عليها.
    أقللت خالتي إلى المنزل وعدت سريعا إلى رغد حيث قضيت معها ساعات الزياره..

    تخلل تلك الساعات فترة العشاء وقد قمت بنفسي بتشجيع ومساعدة رغد على تناول
    الطعام.
    تجابها معي طمأنني إلى أنها تجاوزت مرحلة الانهيار النفسي وتقبلت لحد ما وضعها الحالي. هاذا إضافة إلى
    أن كلام الطبيب منحني المزيد من الطمأنينة على وضعها هذا اليوم.
    بعد أن أنهت عشائها بدا عليها بعض الشرود والتوتر ...
    وأنا أعرف صغيرتي حين يشغل بالها شيء..
    سألتها:
    " أهناك شيء يا رغد؟"
    نظرت إلي وفي عينيها التردد ولمحت أصابع يدها السليمه تتحرك باضطراب.
    وكأنها تود قول شيء تخشاه.
    قلت مشجعا:
    "خير صغيرتي؟؟ ماذا يزعجك؟
    قالت بعد تردد:
    "ماذا قالت لك؟"
    نظرت إليها مستنتجا ما تعنيه. كانت الإشارة إلى أروى طبعا. الاهتمام كان جليا على وجهها.
    رددت عليها:
    "لاشيء"
    فسألت:
    لاشي؟
    فوضحت:
    "أعني أنني لم أتحدث معها بعد. حقيقة لم أجد الوقت لذلك. كنت نائما طوال الساعات.
    تلاشى جزء من توتر رغد وسكنت أصابعها ولكنها لم تزل مشغولة البال.
    قلت:
    "أهناك شيء تودين قوله لي يا رغد؟
    اضطربت وأجابت:
    " لا. لكن..."
    "لكن ماذا؟"
    "لاتتصغ لما تدعيه هي علي... إنها تكرهني".
    وقد قالتها بانفعال فقلت:
    "لا أحد يكرهك يا رغد.
    فردت بانفعال أكثر:
    "بل تكرهني.., وتعتبرني عالة عليك وعلى ثروتها.. وحتى على منزلنا".
    قلت نافيا:
    "غير صحيح يارغد... أروى ليست من هذا النوع".
    قالت بعصبيه:
    "قلت لك لا أريد سماع أسمها... لماذا تدافع عنها؟ ألم ترَ مافعلت بي؟؟ أنت لم تسمع ماقالته لي".
    أحسست بأن أي شراره قد تشعل حريقا فظيعا... فأردت تدارك الأمر وقلت:
    "لاتلقي بالا لشيء الآن. سنناقش المشكلة بعد خروجك سالمة إن شاءالله".
    هدأت رغد وقرأت الرضا والامتنان على قسمات وجهها,ألحقتهما بابتسامة بسيطة بكلمة:
    "شكرا على تفهمك".
    ابتسامتها السطحية هذه أدت مفعولها وأشعرتني بتيار من الراحة... أما جملتها التالية فأطلقت قلبي محلقا في السماء...
    "أنت طيب جدا... أثق بك كثيرا يا وليد".
    غمرتني نشوى دخيلةٌ على الظروف والحال اللذين نمر بهما ... وأطلقت زفرة ارتياح وسرور من أعماق صدري...
    وانقضت ساعات الزيارة وذهبت إلى المنزل مرتاح البال زمتهلل الوجه لحد ملحوظ...
    ثماصطحبت الخالة ليندا إلى المستشفى لتبقى مع رغد طوال الليل...


    عندما وصلنا إلى المستشفى, وبعد أن ركنت السيارة في أحد المواقف الخاصة,
    خاطبتني الخالة قائلة:
    " وليد يابني... عد إلى أروى وتحدث معها".
    كانت نبرتها مزيجا من الجدية والحزن... أيقضتني من نشوة السرور التي كنت أغط فيها...
    شعرت بالحرج وقلة الحيلة ولم أجرؤ على النظر إلى عينيها... الخلة تابعت:
    "إنها ليست على مايرام يابني...أنت منشغل هنا مع رغد وإصابتها... لكنأروى أيضا في حالة سيئة وبحاجة إليك باركك الله".
    بخجل رفعت بصري إليها وأطرقت برأسي مؤيداً...
    حين وصلت إلى البيت وقفت أمام غرفة أروى في حيرة... لم تكن لدي الأفكار الحاضره لطرحها في الحديث...وأحاديثنا في الأيام الأخيرة كانت مشحونة جدا...
    ومؤخرا تصرفت معها بخشونة بالغة...
    مددت يدي أخيرا وطرقت الباب...
    " هذا أنا... أيمكنني الدخول؟؟"
    فلم ترد. فقلت:
    "أروى... هل أنت نائمة؟؟"
    فلم ترد.
    كررت مناداتها إلى أن سمعتها تجيب أخيرا وبنبرة غاضبةٍ:
    "نعم؟ ماذا تريد".
    قلت:
    "ام لاتردين علي؟؟ أقلقتني عليك".
    فسمعتها ترد بأسلوب لم يعجبني:
    "أحقا؟؟ لاداع لأن تقلق بشأني. يكفيك ما أنت فيه ومن تقلق بشأنهم. لاتتعب نفسك".
    وقفت برهة حائرا ومنزعجا في مكاني.. فأنا لم أعتد الصدود من أروى بل رحابة الصدر وطول البال وحرارة الترحيب...
    ثم ناديتها مرتين وطلبت منها الإذن لي بالدخول لنتحدث... ولما تجلهلت نداءاتي تجرأت وفتحت الباب!
    دخلت الغرفة فرأيت أروى تهب واقفة مفاجأة من دخولي... ورأيت الاحمرار يطلي وجهها بسرعه... وأروى من النوع الذي يتغير لون وجهه بسرعه مع تغيرات انفعالاته...
    قلت وأنا أراها تضطرب وترتد خطوة للوراء:
    "أنا... أنا آسف ولكنني..."
    وتنحنحت لأزيل الحروف التي تعثرت في حنجرتي... ثم تابعت بصوت خافت
    وحنون:
    "قلق بشأنك".
    حل صمت عميق فيما بيننا فلا أنا قدرت على مواصلة الكلام ولا هي تكلمت لتشجعني... بل تراجعت خطوة أخرى للوراء وأدارت وجهها وأبعدت عينيها عني...
    هل سنقف هكذا طويلا!؟؟ يجب أن أفعل شيئا!
    تجرأت وخطوت بضع خطوات مترددة مقتربا من أروى... وهي لاتزال مديرة وجهها عني متحاشية النظر إلي...
    "أروى".
    ناديتها بصوت حنون...
    وإن لم تنظر إليّ أو لم ترد علي... فهي على الأقل تسمعني...
    قلت:
    "أروى... أنا آسف لما بدر مني... أعرف أنني... أنني كنت فظا.. لكن... اعذريني فأنا أمر بظروف تفقد المرء اتزانه".
    وأضفت:
    "والأجدر بك كزوجة مساندتي وليس مؤاخذتي..."
    هنا التفتت أروى إلي ورفعت بصرها نحوي... فقرأت في عينيها كلمات غاضبة...
    ثم علقت:
    "والأجدر بك كزوج... ملاطفتي وليس الصراخ في وجهي وسحق عظامي في الجدران".
    لم أعرف بم أعقب! صعقني تعقيب أروى وأشعرني بذنب مؤلم...
    أنا وأروى ومنذ ليلة شجارها مع رغد... على خلاف يتفاقم يوما بعد يوم... وأحدثت شجاراتها مع رغد بيننا فجوة كبيرة آخذة في الاتساع...

    أولتني أروى ظهرها مجددا لتبعد عينيها وتعبيرات وجهها عن مرآي. ومرت اللحظة خلف اللحظة ونحن واقفان على هذا الوضع...
    أردت أن أشعرها بندمي وبأنني راغب في أن نتفاهم ونتصالح...
    مددت يدي ووضعتها على كتفها برفق... ثم أدرتها لتواجهني... وعندما التقت نظراتنا شاهدت بريق الدموع في عينيها...
    "أروى..."
    قلت هامسا:
    "دعينا نتفاهم... أرجوك".
    رفعت أروى يدها ومسحت الدمعة العالقة في رموشها قبل أن تطل... وأظهرت تعبيرات التماسك وقالت أخيرا:
    "حسنا. عم تريدنا أن نتفاهم؟"
    قلت وأنا لا أزال واضعا يدي على كتفها:
    "عن كل شيء... والأهم عنك أنت".
    نظرت إلي وهي وتضيق فتحتي عينيها وتقول:
    "عني أنا؟"
    أجبت:
    "نعم. فأنا أود الاطمئنان عليك قبل كل شي الآن..."
    قالت:
    "وكيف تراني الآن؟؟"
    قلت مشجعا:
    "أراك بخير والحمدلله... ألست كذلك؟"
    أمالت أروى إحدى زاويتي فمها للأعلى وعقبت:
    "تلزمك نظارة".
    وهي إجابة لم أتوقعها من أروى... ولم أستسغها... ثم أبعدت يدي عن كتفها إشارة إلى أنها غاضبة مني...
    قلت محاولا استرضاءها:
    "أروى... أنا آسف... آسف لأنني قصرت معك وأسأت التصرف... أرجوك أن تعذريني... إنني لا أعرف ماحصل ولكنني مأخوذا بإصابة رغد البالغة ولم أستطع التفكير في شيء أخر معها... أردت أن أسألك لتتضح الأمور... ولكن... تعرفين... كنت مضطرا لملازمة رغد في المستشفى ولم تسنح الفرصة".
    قالت أروى وهي تعبر عن استيائها:
    "مضطر؟؟"
    قلت:
    "أعني... أنه لابد من ذلك... لم يمكنني تركها وحيدة آنذاك لأنها تفزع من الوحده والغربة... إنه فزع مرضي كما أعلمتك مسبقا..."
    قالت أروى بشيء من السخرية:
    "وما الذي جعلك تتركهاالآن؟ هل تخلصت من مرضها أم ماذا؟"
    لم أعقب على سؤالها, ثم قلت:
    "اندع رغد لما بعد ولنتحدث عنك أنت الآن".
    ولم أفهم سر التعبيرات التي طلعت على وجه أروى لحظتها...
    بعدها قالت:
    "بالنسبة لي أنا... فأنا أريد العودة إلى المزرعة".
    فوجئت من كلامها وارتسمت على وجهي تعبيرات عدم التصديق... فنحن في ظروف ليست بحاجة للشرح ولايمكن لفكرة السفر أن تبقى في رأس أي منا...
    قلت مستغربا:
    "المزرعة؟؟"
    فردت مؤكدة:
    "نعم المزرعة. أريد العودة إلى المزرعة... إلى خالي... وفي أقرب فرصة".
    أتعني ماتقول؟؟ ألا ترى وضعنا الحالي؟؟ أهي جادة في كلامها هذا؟؟
    قلت:
    "كيف يا أروى؟ عجبا! كيف تفكرين في هذا الآن؟؟ لانستطيع السفر وتدركين لماذا".
    قالت موضحة:
    "أما لم أقل نريد العودة... قلت أنني أنا أريد العودة... وإذا احتجتم لوالدتي فلا أظنها تمانع البقاء معكم... لكني أريد السفر وبسرعة... ولاتحاول ثنيي لأنني لن أغير موقفي".
    وكان على وجهها الحزم والجد... فأدركت مدى الإصرار الذي تحمله...
    رفعت يدي الاثنتين إلى كتفيها من جديد وقلت بصوت راجٍ:
    "لماذا ياأروى؟ ألا تقدرين مانحن فيه؟"
    أجابت بصوت غاضب, أفلت من مكابحه فجأة وفجر نافورة من الدماء في وجنتيها:
    "لماذا؟ أوتسألني لماذا؟؟ لأنني تعبت يا وليد... أكاد أنفجر... ألاتشعر بما أعانيه؟؟
    ألا تحس بي يا وليد؟؟ ألا تحس؟؟
    وقبل أن تتم جملتها كانت الدموع قد فارقت من عينيها... فرفعت كفيها وخبأت وجهها وبكت بصوت عال...
    كانت يداي لاتزالان قابعتين على كتفيها بحنان... ربما لتطبطبان على موضع القسوة التي عاملتها بها صباحا...
    بكت أروى بألم.. فرققت لحالها وقلت:
    "أرجوكِ... لاتبكي..."
    لكنها استمرت في إطلاق الزفرات الباكية الحارة...
    قلت بلطف:
    "اهدئي رجاءً..."
    أروى أزاحت كفيها عن وجهها ونظرت إلي من بين الدموع...
    "ألا تحس بي يا وليد؟؟"
    أجبت بعطف:
    "من قال ذلك؟!"
    أروى عصرت عينيها من الدموع وهي تحرك رأسهها نفيا وتقول:
    "لا... لا تحس بي! إنك لا تشعر بما أشعر به... ولا بما أعانيه".
    مدهشا من كلامها وقفت أحدق في عينيها وأصغي باهتمام...
    وإذا بها تمد إحدى يديها إلى إحدى ذراعيّ الممدودتين إلى كتفيها فتشد عليها وتقول:
    "وليد... وليد... أنا أحبك".
    شعرت بشيء يقف في حلقي فجأة ويسد مجرى هوائي! فتوقفت عن الحركة وعن التنفس...
    أما هي فتابعت:
    "أتدرك ذلك؟؟"
    ولما رأت سكوني هزت ذراعي وكررت:
    "أتدرك ذلك يا وليد؟ أتحس بي؟؟"
    أطلقت زفرة أخيرة مصحوبة بإجابة متوترو:
    "آه... أجل... طبعا".
    قالت:
    "وأنت؟ هل تحبني؟"
    ازداد توتري واستغرابي... ازدردت ريقي ثم قلت:
    "ماذا دهاك يا أروى".
    قاطعتني سائلة وهي تضغط على ذراعي:
    "هل تحبني؟"
    قلت:
    "أروى!!؟"
    فضغطت أكثر على ذراعي وقالت:
    "أجب يا وليد..."
    احتقنت الدماء في وجهي واشتعل احمرارا... وخرجت أنفاسي حارة لفحة وجه أروى وأوشكت أن تحرقه...
    "بالطبع..."
    وكأن الإجابة قد فجرت بركانا مملوء بالحمم في عينيها... نظرت إلي نظرة تشكك... وحركت رأسها نفيا... ثم دفنت كل تلك الحرائق في صدري...
    "لماذا تفعل هذا بي يا وليد؟؟ أنا لا أتحمل... لا أتحمل... لا أتحمل".
    انهارت أروى باكية على صدري بعمق.. فما كان مني إلا أن أحطتها بذراعي بعطف... وطبطبت عليها...
    كنت أرغب في أن نتحدث معا ونستوضح الأمور... ونصلح الخصام القائم بيننا غير أن بكاءها وانهيارها بهذا الشكل جعلني أرجىء بعيدا الأفكار المبعثرة التتي كنت أحاول تجميعها قبل دخولي الغرفة...
    تركتها تبكي على صدري وأخذت أمسح على شعرها الناعم... حتى هدأت قليلا...
    فقلت مشجعا:
    "يكفي يا أروى... أرجوكِ".
    وأمسكت برأسها وأبعدته عني قليلا... حتى التقت نظراتنا... وكم كانت عميقة ومكتظة بالمعاني...
    همست بعطف وقلق:
    "ماذا حل بكِ... أروى؟"
    فردت للعجب ردا لايمت لسؤالي بصلة:
    "إنك حتى... لم تفكر في الاحتفاظ بصورة لي! أنا خطيبتك... وزوجتك شرعا".
    نظرت إليها والدهشة تملأ وجهي... وبدأ سباق نبضات قلبي وانتهى بتوقف مفاجىء.
    حين سمعت أروى تتابع قائلة:
    "لكنك تحتفظ بصورتها هي!"
    جفلت تيبست ذراعاي وتصلبت رجلاي... حملقت في أروى في عجز عن تحرير أنظاري من أسرها...
    وإذا بها تقول:
    "لايحتفظ الرجل بصورة فتاة تحت وسادته... إلا إذا كان يحبها... لا يحتاج المرء لذكاء خارق حتى يستنتج هذا".
    هنا انكتمت أنفاسي كليا ووقف شعر جسدي مذهولا... حدقت عيناي في عيني أروى واستقبل وجهي كلماتها القوية... كصفعة مباغتة اصطدمت به حتى تمحي ملامحم...
    وبالتأكيد... فإن ملامح وجهي بالفععل قد اختفت... لأنني رأيت عيني أروى تدوران فيه... تفتشان عن شيء لم تعثر عليه...
    متسمرا في مكاني... وساكنا عن أي حركةٍ أو نفسٍ أو نبض, وقفت أما أروى أتلقى النظرات الثاقبة... ذات المعاني المستهدفة...
    لما رأت أروى سكوني المهول... حركت يديها نحو كتفي وضغطت عليهما... وسألت:
    "هل تحبها؟"
    السؤال المفاجىء المهول... أجبر فمي على الانفغار... لكن نفسا لم يخرج منه... ونفسا لم يدخل إليه...
    شعرت بيدي أروى تشدان أكثر على كتفي... وكانت تركز في عيني كمسمار دق على بصري فثبته ومنعه من الهروب...
    كررت:
    "أنت تحبها... أليس كذلك؟؟"
    لم أتحرك!
    قالت ووجهها يشع احمرارا:
    "أجب يا وليد؟؟"
    حاولت أن أبلع ريقي لكن الشلل أصاب حلقي... كما أن الجفاف الشديد صير لساني إلى قطعة خشب مهترئة عاجزة عن الحراك...
    "أجبني".
    ألحت أروى... وبصعوبة عصرت هذه الكلمات من لساني عصرا:
    "بـــ... بالطبع... أليست ابنة عمي؟"
    أروى هزت رأسها استنكارا وقالت:
    "لا يا وليد! أنت تدرك ما أعني... أنت تحبها أكثر من ذلك... لا تحاول... إنك... أنت... آه".
    ولم تكمل أروى جملتها... بل سحبت يديها وأخفت وجهها بهما وابتعدت عني...
    وربماكان هذا أفضل مافعلته... لتطلق سراح عيني...
    ترنحت عيناي في اللاشيء... واللاهدف... وتأرجحت ذراعاي على جانبي كبندول الساعة... وتراقصت كلمات أروى الأخيرة بين طبلتي أذني حتى مزقتهما...
    العرق كان يتصبب من جسمي... والدماء تغلي في عروقي... وأشعر ببخار يخترق جلدي ويطير إلى السقف...
    لم أتوقع أن تأتي هذه اللحظة ذات يوم... ولم أفكر بها... وبقيت متجاهلا لاحتمالها وهاربا منه... حتى جاءت بغتة... فلم تجد لدي أي استعداد لاستقبالها...
    كانت لحظة من أصعب لحظات المواجهة... بيني وبين أروى... كان... موقفا لا أحسد عليه... ورغم أنه فاجأني لحد الذهول... لحد الذوبان والتيه واللاشي... لم تصدر عني أية ردة فعل تجاهه... كنت مشلولا تماما... وما كان أسرع ما استسلمت لحصوله... وانسقت لما فرضه علي... فلا يوجد ما يمكنني أن أنفيه أو أدعيه أو أشكك فيه...
    عرفت يا أروى؟؟ لابد أنك كنت ستعرفين ذات يوم...
    أنا... لاأستطيع بأي حال أن أفلح في إنكار حقيقة بهذا الحجم... بحجم السماء في سعتها... وبوضوح الشمس في سطوعها...وبعمق البحر في جوفه...
    إنهها الحقيقة التي تحتل تسعاً وتسعين جزءا من المائة... من حياتي كلها... ولساني يبقى عاجزا تماما عن نفيها أو تحويرها... وأفكاري منقادة لأوامر القلب الذي يستحيل عصيانه... وجنوني يدفعني لأن...أحتفظ بصورتها القديمة الممزقة كل تلك السنين... كل تلك السنين... مخبأة عندي... نعم... فهي فقط... كل ما أستطيع الاحتفاظ به... قريبا من قلبي... هي فقط... ما أستطيع أن أتحسسه بيدي... وأتأمله بعيني... وأضمه إلى صدري...
    وخلال التسع سنوات الماضية... لم تفارقني هذه الصورة الغالية... كنزي الثمين... ولا ليلة واحدة...
    بعد مرور بضع دقائق أو شهور أو حتى سنين... أصابني الإعياء فسرت حتى جلست على طرف السرير... التقطت أنفاسي كعجوز طاعن... أتعبه الوقوف على رجليه لبعض الوقت...
    وبقيت على صمتي لدهر...
    كنت أسمع صوت بكاء أروى ولا أرفع نظري إليها... حتى إذا ما توقفت, تسللت عيناي إليها بحذر...
    كانت مولية ظهرها إلي ولكنها استدارت بعد قليل ولما التقت نظراتنا أسرعت بالانسحاب عن عينيها...
    سمعتها بعد ذلك تقول:
    "أريد أن ترتب أمر سفري بأسرع ما يمكن..."
    وخرجت الجملة متحشرجة هزيلة... وجهة إليها بصري من جديد فوجدت الدموع وقد جفت عن عينيها والجفون قد تورمتوالخدين قد توهجا من أثر الملوحة...
    قالتها وانتظرت ردت فعلي...
    ولأنني ساعتها لم أكن بقادر على الرد فقد اكتفيت بالتنهد وإمالة رأسي نحو الأرض... وحينما رفعته مجددا رأيتها تخرج من الغرفة وتتجه إلى الحمام... حاولت أن أناديها لكن الضعف الذي ألم بي حال دون حراكي...
    انتظرتها حتى تعود... وأنا ألملم بعض أشلاء شجاعتي... وأعيد ترتيب كلماتي...
    لكن الانتظار طال ولم تعد...
    قمت وتوجهت نحو الحمام وطرقت الباب:
    "أروى ألن تخرجي الآن؟"
    أجابت:
    "كلا... لاتنتظرني".
    وأدركت أنها لا تريد مواصلة الحديث... فما كان مني إلا أن انسحبت.
    وفي غرفتي أعدت حوارنا القصير... وتقليب الجمل التي قالتها أروى في رأسي مرارا... فيما كانت الصورة الممزقة تعبث بأصابعي...
    ( لا يحتفظ الرجل بصورة فتاة تحت وسادته... إلا إذا كان يحبها).
    آه ياصغيرتي الممزقة...
    ألم تكوني نائمة بأمان في محفظتي؟؟ لماذا أخرجتك تلك الليلة!؟ لماذا تخليت عن حذري هكذا؟؟
    لقد... كنت دائما لي وحدي ولا يراك إلا عيناي... لماذا ظهرت لها وكشفت السر الدفين... وفي هذا الوقت بالذات؟؟
    وتذكرت... أنه في منزلنا المحروق... في غرفة سامر... في إحدى المرات...
    تركت صورة رغد الممزقة قرب وسادتي ونمت... ثم جاءت والدتي رحمها الله توقظني لتأدية الصلاة... ورأتها...
    ظننت حينها... أن الموقف إنتهى في ساعته... ولو تعلمون... إلى أي مدى امتد... وماذا فعل...
    طافت على مسمعي... ذكريات الكلمات الغامضة التي قالتها لي والدتي في لقائي الأخير لها قبل سفرها مع أبي إلى بيت الله... إلى حيث لارجعة عندما كانت توصيني برغد...
    (" انتبه لرغد جيدا يابني".
    " بالطبع أمي!")
    أمي بدا المزيد من القلق جليا على وجهها وقالت:
    ("كنا سنؤجل حجنا للعام التالي لكن... كتبه الله لنا هذا العام... هكذا قضت الظروف يابني")
    وهذا زادني حيرة!
    قالت("لو أن الظروف سارت على غير ذلك... لكانت الأوضاع مختلفة الآن... لكنه قضاء الله يا ولدي... سأدعوه في بيته العظيم بأن يعوضك خيرا مما فاتك... فلنحمده على ما قسم وأعطى")
    وقلت("الـــ... حمدلله على كل شيء... أمي أنت تلمحين لشيء معين؟؟")
    فقالت:
    ("لم تتغير هي عما تركتها عليه قبل سنين... كما لم تتغير أنت...")
    ثم أضافت:
    ("إلا أن الظروف هي التي تغيرت... وأصبح لكل منكما طريقه...").
    وقد توهج وجهي منفعلا مع كلمات أمي والحقيقة الصارخة أمامي أنذاك...
    ولم أستطع النبس ببنت شفة أمام نظراتها التي كشفت بواطن نفسي...
    قالت:
    ("اعنت بها كما يعتن أي شقيق بشقيقته... كما تعتني بدانة, وادع معي الله أن يسعدهم هم الثلاثة, وأنت معهم").
    آه يا أماه... إنك لاتعلمين ماحصل بعد رحيلك... لو تعلمين...!

    في صباح اليوم التالي وفبل ذهابي إلى المستشفى التقيت بأروى صدفة في المطبخ...
    كانت هادئة جدا... وتحضر بعض الطعام... وكانت بعض الأطباق موضوعة على المائدة... ورائحة الخبز المحمص والقهوة تملآن المكان...
    وقفت أراقب أروى خلسة عند الباب... وأنا حائر... أأدخل... أم أنصرف...؟؟
    هل سيزعجها مروري أم سترحب بي؟؟
    بأي وجه أقابلها وأي كلام سأقول...؟ وأي موقف ستتخذ مني؟؟
    وفيما أنا في حيرتي لمحتني أروى فجأة فارتاعت وأوقعت ما كان في يدها...
    باشرت بالدخول وسرت نحوها والتقطت معها حبات الزيتون المبعثرة على الأرض وأنا أقول:
    "أنا آسف... هل أفزعتك؟"
    وهي ترد:
    "فاجأتني".
    وبعد فراغنا من جمع الحبات التهمت إحداها...
    "طيبة المذاق".
    قلت معلقا... متحاشيا إطالة النظر في عينيها قدر الإمكان... ومحاولا خلق جو جديد يمحو آثار جو البارحة الممطر... أو يلطفه...
    قالت وهي تشير إلى طاولةالطعام, والتي وضعت عليها صحن الزيتون وبعض أطباق الفطور الأخرى:
    "تفضل".
    بدا الطعام شهيا... وذا رائحة طيبة... تسيل اللعاب... وارتحت لتجاوبها مع الجو الجديد... وقد أتناول شيئا من الفطور معها لإخماد الحريق... ولو مؤقتا...
    نظرت بشكل عفوي إلى ساعة يدي... لمعرفة الوقت تحديدا فما كان من أروى إلا أن علقت بطريقة فاجأتني:
    "أم أن المدللة الحبيبة تنتظرك؟"
    اصطدمت نظراتنا وتعاركت معا... ثم عادت نظراتي تجر أذيال الهزيمة إلى...
    إذن... النار مضرمة ومستمرة ولاسبيل لإطفائها بوجبة فطور...
    ومع رد أروى الحاد لم أجرؤ على قول أكثر من:
    "إلى اللقاء".
    وسرت خارجا يلحقني صوتها وهي تقول:
    "لاتنس موضوع السفر".


    ***
    أخبرتني مرح أنها ستأتي مع والدها لزيارتي عصر هذا اليوم.
    مرح هي صديقتي وزميلتي في الجامعة, وهي ابنة السيد أسامة المنذر... مساعد وليد الأول في العمل... وشقيق المحامي يونس المنذر الرجل الذي أتى إلى مزرعة الشقراء يخبرها عن إرث عمها قبل شهور... والذي يعمل كذلك مع وليد...
    ومرح رسامة بارعة... وهي شقيقة وتلميذة لأحد الفنانين الأساتذة المعروفين والذائعي الصيت على مستوى البلد...
    كنت بطبيعة الحال لا أزال محبوسة على السرير الأبيض منذ يومين, معتمدة على الممرضات والسيدة ليندا في كل شيء.
    كانت أعصابي منهارة تماما في اليومين السابقين... ولكنني اليوم أفضل بكثير والحمدلله.
    إنها فترة الزيارة... وليد يقضيها كلها إلى جانبي... بينما تعود السيدة ليندا فيها إلى البيت...
    وليد ذهب إلى عمله هذا الصباح وأتى إلي مباشرة بعد العمل... وها هو يجلس بقربي ويطالع إحدى الجرائد وعلى وجهه اهتمام ملحوظ...
    يبدو أنه يقرأ أخبارا مزعجة,وأظنها عن الحرب... فهو مهووس بمتابعة تطوراتها وما يحدث في البلد أولا بأول...
    على المنضدة المجاورة كان وليد قد وضع باقة رائعة من الورود الخلابة التي تبهج النفوس...
    وعلبة كبيرة من الشوكولا الفاخرة التي وزع شيئا من محتواها على الأطباء والممرضات الذين يرعونني...
    وألاحظ أن الرعاية في هذه المستشفى دقيقة جدا! الأطباء والممرضات يأتون لتفقدي بتكرار... حتى في أوقات الزيارة!
    ها هو وليد يتثاءب من جديد! بين الفنية وأختها أراه يتثاءب أو يفرك عينيه... لاشك أنه لم ينم جيدا... وربما هو متعب ويريد أن يقيل... لكنه لم يعد للبيت بل أتى ليبقى معي... هذا يشعرني بالذنب!
    إنه حنون جدا... أغدق علي عطفه وعاملني بمنتهى اللطف والاهتمام ورحابة الصدر في أزمتي هذه... حتى أنه... يساعدني في تناول الطعام!
    بين لحظة وأخرى... أجر نظراتي وأحبسها بعيدا عنه, فتغافلني وتسلل خلسة إليه... مخترقة أسوار اللياقة والخجل!
    إنهيتدي زي العمل... بذلة زرقاء اللون... أنيقة جدا... أراها للمرة الأولى... وقد صفف شعره بمستحضر يظهر الشعر وكأنه مبلل وتدلت خصلة طويلة لحد ما على جبينه العريض... فوق أنفه المعقوف مباشرة!
    أرجو أن يكون منهمكا في القراءة وألا يلاحظ نظراتي الحمقاء!
    طرق الباب...
    "لا بد أنها مرح".
    قلت وأنا أنظر إلى الباب ثم إلى وليد, فوضع وليد الصحيفة جانبا وقام إلى الباب وفتحه وخرج...
    وسمعت صوت رجل يحييه... ثم رأيت صديقتي مرح تطل من الباب, وتحمل باقة مذهلة من الزهور البديعة...
    أخذتني بالأحضان وأمطرتني بالقبل وكلمات المواساة والتشجيع... ولا أخفي عليكم أنها رفعت من معنوياتي بقر كبير...
    وبدأت بعد ذلك تتحدث وبشكل مستمر...
    نسيت أن أخبركم أن مرح ثرثارة ومرحة جدا كاسمها...
    حلوة المعشر وطيبة القلب... تحب الحياة وتنفق على متعتها بسخاء! إنها موهوبة في الرسم مثلي وأخوتها الرسامون يقيمون معارض فنية دورية... وقد أخبرتني بأن معرضهم التالي عما قريب وأنها ستشارك فيه ودعتني أيضا للمشاركة...
    الفكرة أبهرتني...! مرح فتاة رائعة... وأفكارها رائعة أيضا...
    وجود مرح معي في الجامعة في الواقع أبهج حياتي كثيرا... وساعدني على تطوير علاقاتي بالزميلات... وزيارتها هذه لي فجرت ينبوعا من الأمل والتفاؤل في صدري وأزاحت جزءا كثيرا من حزني وكآبتي... الحمدلله
    فيما نحن نتجاذب أطراف الحديث حول المعرض الفني المرتقب طرق الباب ثم فتح ببطء وسمعت صوت وليد يتنحنح مستأذنا الدخول...
    قلت:
    "تفضل وليد".
    ولما أذنت له بالدخول دخل وقال:
    " المعذره... سآخذ هذه".
    وتوجه نحو الصحيفة التي كان يطالعها قبل قليل فأخذها ثم قال موجها الكلام إلي وعيناه مركزتان على الصحيفة:
    "أبو عارف يبلغك السلام ويحمد الله على سلامتك يا رغد".
    قلت:
    "سلمه الله. اشكره نيابة عني".
    وهم وليد بالمغادره فقلت:
    "وعلى الورد كذلك وليد"
    قال:
    "بالطبع".
    ثم غادر...
    كنت لا أزال أنظر إلى الباب حين سمعت مرح تقول:
    "أوه! أهذا السيد وليد شاكر؟؟!!"
    تعجبت والتفت إليها فوجدت الدهشه تعلو وجهها فسألت مستغربة:
    "نعم,ولكن كيف تعرفينه؟"
    ابتسمت مرح وقالت وهي لاتزال ترفع حاجبيها من الدهشة:
    "الجميع يتحدث عنه! والدي وعمي وأخوتي! كلهم يتحدثون عنه! هذا هو إذن!!"
    سألتها متعجبة:
    "يتحدثون عنه؟"
    ردت:
    "نعم! كمدير لمصنع البناء! السيد وليد شاكر قال, والسيد وليد شاكر فعل, والسيد وليد شاكر ذهب, والسيد وليد شاكر عاد!! هذا هو السيد وليد شاكر!!"
    وكان التعجب طاغ على تعبيرات وجهها!
    قلت:
    " ولم أنت مستغربه هكذا؟؟"
    مرح أطلقت ضحكة خفيفة وقالت:
    "لم أتوقعه أبدا شابا صغيرا! أوه إنه في مقتبل العمر ! أهلي دائما يصفونه بالسيد النبيل! يقولون أنه ذكي وجدي ومهذب, ومهاب... ولايضحك أبدا! تخيلته رجلا صارما منغلقا في منتصف العمر أو حتى بعمر والدي!"
    ثم أشارت إلي وأضافت:
    "وأنت أخبرتني أنه أبوك بالوصاية! حسبته أكبر بكثير !"
    قلت وأنا ابتسم عفويا:
    "إنه يكبرني بنحو 10 سنين فقط!"
    قالت والضحك يمتزج بكلامها:
    "وكيف تنادينه في البيت؟ أبي؟؟ أو ابن عمي؟ أو السيد وليد شاكر؟؟"
    ضحكت بخفة لتعليق مرح... وعلقت:
    "وليد فقط! كما اعتدت أن أناديهمنذ الطفولة... لقد ربيت معه في بيت واحد... بعد فقد والدي... وكثيرا ما كنا نلعب سويا... وقد كنت أعتبره مثل أمي وأنا صغيره! والآن صار مثل أبي!"
    ويا للأيام...!
    سرحت برهة لألقي نظرة استرجاعية على الماضي البعيد... حيث ككنت طفلة صغيرة غضة... عَنى لها وليد الدنيا بأسرها!
    وحقيقة لا يزال!
    انتبهت على صوت مرح تتابع حديثها وقد لمعت نظرة ماكرة في عينيها:
    "أب شاب... ثري وقوي وذكي... ومهذب... و..."
    وهنا طرق البااب ثانية... وسمعت وليد ينادي باسمي فأذنت له بالدخول...
    "أرجو المعذرة... الحلوى للزوار".
    قال وهو يسير نحو المنضدة المجاور لسريري حيث علبة الشوكولا...
    قلت:
    "ولصديقتي أيضا من فضلك".
    إذ إنه يشق علي تحريكها من موضعي, خصوصا مع إصابة يمناي.
    فحمل وليد العلبة واقترب منا ومدها إلى مرح:
    "تفضلي أنستي".
    مرح أخذت تقلب عينيهابين أنواع الشوكولا في حيرة أيها تختار! وأخيرا اختارت
    إحدى القطع وهي تقول:
    "شكرا... سننتظر حلوى خروجك من المستشفى بالسلامة يا رغد".
    ابتسمت, أما وليد فعقب:
    "قريبا عاجلا بحول الله... الحلوى والعشاء أيضا".
    واستأذن وانصرف حاملا العلبة إلى والد مرح...
    هذه المرة كانت أعيننا نحن الاثنتان تنظر إلى الباب, ثم إلى بعضها البعض في الوقت ذاته.
    ثم إذا بي اسمع مرح تقول:
    "إنه عطر (عمق المحيط) الرجالي!"
    نظرت إليها باستغراب وقلت:
    "عفوا!؟"
    ابتسمت وقالت:
    "أهديت زجاجة مماثلة لشقيقي عارف قبل أيام! شذى قوي وراق... وباهظ الثمن!"
    يا لـهذه الــــ مرح!
    عقدت حاجبي وضيقت عيني ونظرت إليها باستنكار... ثم قلت:
    "ماذا كنا نقول؟"
    قبل أن يقطع حديثنا وليد.
    أجابت مرح:
    "شاب... ثري... وقوي... وذكي... وراق..."
    وتوقفت برهة ثم برقت عيناها وأضافت:
    "وجذاب!"
    أوه يا إلهي!
    وقبل أن أنطق بأي تعليق طرق الباب مجددا والتفت رأسانا بسرعة نحوه... لكن الطارق هذه المرة كان السية أم فادي... زوجة السيد سيف صديق وليد المقرب...


    *******


  4. #504
    عضو imen-assira is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    07-11-2009
    المشاركات
    27
    ‎تقييم المستوى 0

    افتراضي رد: رواية انت لي... اكثر من رائعه


    تتمه

    عد أن رحل الزوار عدت إلى غرفة رغد فوجدتها بوجه مبتسم...
    تهللت أسارير وجهي... لا بد أن زيارة صديقتها والسيدة أم فادي لها قد رفعت معنوياتها... ورغم أنهما لم تبقيا غير دقائق, إلا أنها كانت كافية لتشجيع رغد وتحسين مزاجها...
    ولاحظت بعد ذلك أنها أيضا تناولت وجبة العشاء بشهية جيدة...
    الحمدلله
    كان الطبيب قد أخبرني بأنه باستطاعت رغد مغادرت المستشفى بعد بضعة أيام, كي تشعر بارتياح أكثر في بيتها وبين أهلها ويزول عنها الإحباط... ولعلمي بأنه لا أهل لها ولا عائلة تنتظرها... غير أروى التي لاتطيقها رغد...
    طلبت منه إبقاءها في المستشفى لفترة أطول ريثما تسترد عافيتها وأتدبر أمرها مع أروى بشكل أو بأخر...
    وبعد العشاء شكرتني رغد على المساعدة وابتسمت ابتسامت خجلة...
    إنها ليست ابتسامة عادية... وتوقيتها غريب جدا...
    فما معناها يا ترى؟؟!
    تأملتها منتظرا التفسير... ثم سمعتها تسألني:
    "وليد... هل تعرف ماذا يقول عنك آل منذر؟"
    السؤال كان غريبا! لكن الأغرب هي هذه الابتسامة الحمراء المتفتحة على وجهها...
    كأنها وردة بين الثلوج...
    ولكن ما بال آل منذر هم الآخرين؟؟
    قلت:
    "ماذا؟"
    رغد بعثرت نظرها عني وأجابت:
    ""أنك... المدير الجدي... الذي لا يضحك أبدا!"
    ارتفع حاجباي تعجبا وقلت:
    "أنا؟"
    "نعم".
    قلت مستغربا:
    "من يقول ذلك؟"
    رغد وهي لاتزال مبتسمة أجابت:
    "جميعهم... ربما يهابونك! إنهم يعتقدون بإنك صارم جدا ولا تعرف المزاح ولا الضحك..."
    وحدقت بي في ابتسام...
    عفويا ضحكت ضحكة خفيفة وقلت:
    "وهل تصدقين؟؟"
    رغد ألقت علي نظرة متأملة وخجلة ثم قالت:
    "لايبدو!"
    الذي يبدو هو أن صديقة رغد قد نقلت إليها انطباع والدها وشقيقها وعمها عني.
    لدي ثلاثة موظفين من آل منذر يعملون معي...يونس وأسامة وابنه زياد...
    صحيح أنني جاد ودقيق في العمل, ولكنني لست ثقيل الظل... هل أنا كذلك؟؟
    رغد نقلت نظرها إلى الورود التي إلى جوارها وتابعت:
    "عندما يعرفونك عن قرب...سيكتشفون كم أنت طيب... وحنون".
    لحظتها... شعرت بروحي تحلق في السماء...
    تأملت رغد فوجدتها تحدق في الورود وهي شبه مبتسمة...
    آه يا رغد...
    هل احتجت لكل ذلك الزمن... لتصفينني ولو بكلمة واحدة تشعرنني بأنني...
    شيء في حياتك يستحق الوصف؟؟
    وليلتها تجاذبنا أطراف حديث ممتع... أخبرتني رغد فيه عن معرض فني للرسامين
    سيقام قريب وأن صديقتها وشقيقها الفنان عارف سيشاركان فيه...
    وأنها تتمنى لو تعرض إحدى لوحاتها فيه أيضا...
    قالت ذلك ثم نظرت إلى يدها المجبرة وعلاها بعض الحزن الذي سرعان ما تبدد حين قلت مشجعا:
    "سنرى ما يمكن فعله".
    ابتسمت رغد ابتسامة رضا وامتنان...
    وفارقتها تلك الليلة والبسمة ملتصقة بوجهها...
    ذهبت إلى البيت ليلا... وكان أمامي فتاة أخرى أنتظر أن تلتصق ابتسامة ما بوجهها هي الأخرى!
    بعد أن أوصلت الخالة إلى المستشفى دخلت إلى مكتبي, فإذا بأروى توافيني بعد دقيقة...
    كان جليا على وجهها أنها ترغب في الحديث معي... طلبت منها أن تجلس...
    وجلست على المقعد المجاور لها... انتظرت حديثها... ومرت بضع ثوان وبعض التردد مسيطر عليها ثم نطقت أخيرا:
    "هل اشتريت التذاكر؟"
    تنهدت باستياء... فقد كانت فكرة السفر هي آخر ما أنتظر الحديث عنه...
    ونحن في مثل هذه الظروف... ثم قلت:
    "ليس بعد".
    فقالت أروى متشككة:
    "لكنك لم تنس أمرها أليس كذلك؟"
    نظرت إلي نظرة مركزة فأجبتها:
    "لا لم أنس... ولكن... دعي رغد تخرج من المستشفى أولا على الأقل".
    ومررت أصابعي في شعري وزفرت بضيق...
    إشارة مني إلى أنه ليس بالوقت المناسب لحديث كهذا...
    راقبتني أروى قليلا وربما لم تفهم إشارتي وسألتني:
    "تبدو قلقا جدا... هل ابنة عمك بخير؟"
    انقبضت عضلات فكي لدى سماع سؤالها ثم أرخيتها وأجبت:
    "نعم".
    فإذا بأروى تقول مدافعة:
    "وليد... اسمعني... أنا لم أدفع بها من أعلى السلم".
    حدقت بها مستغربا... ثم أطلقت بصري للفراغ وقلت:
    "أعرف".
    فصمتت أروى ثم قالت:
    "كنت أظن أنك فهمت شيئا خطأ... ماحصل هو أننا تشاجرنا وانثنينا لالتقاط شيء من على العتبات فانزلقت قدم رغد وأمسكت بي فوقعنا سوية".
    أثارت جملتها اهتمامي... فأنا حتى الآن لا أعرف تفاصيل ما حصل وتحاشيت سؤال رغد ومن سؤال أروى...
    التفت إليها وقلت باهتمام:
    "ولأجل ماذا تشاجرتما؟؟"
    التزمت أروى جانب الصمت ثم سألتني:
    "ألم تخبرك؟"
    أجبت:
    "لم أسألها... ولن أفعل على الأقل في الوقت الراهن...
    لا أريد أن تنفعل بشكل أو بآخر... أريد أن تتحسن نفسيتها قبل أي شيء... لكن أخبريني أنتِ؟"
    ترددت أروى ثم عقدت العزم وقالت:
    "إنه هاتفك".
    استغربت:
    "عفواً؟؟!"
    فتابعت أروى:
    "أنت نسيته في مكتبك... وكان يرن... وأرادت هي حمله إليك فطلبت منها إعطائي إياه فرفضت وأصرت على حمله إليك بنفسها...
    كنا على الدرج... وحينما حاولت أخذه منها وقع على العتبات..."
    وتوقفت. صمت لحظة أستوعب فيها ما قيل... ثم سألت:
    "ثم ماذا؟؟"
    فتابعت:
    "أردنا إلتقاطه فوقعنا..."
    قلت:
    "أهذا كل شيء!؟"
    غير مصدق... أن يكون سبب حادث فظيع ومؤلم هو شيء بهذه التفاهة...
    ولما رأيت أروى تومىء برأسها (نعم) تملكني الغضب...
    قلت تلقائيا:
    "هكذا إذن... أردت نزع الهاتف من يدها فكسرتها".
    اندهشت أروى من تعقيبي وقالت:
    "قلت لك إنه وقع للأسفل وأردنا التقاطه".
    وقفت مستاءً وقلت:
    " أنا لم أنسه في المكتب أصلاً... بل أنا من أعطاها إياه تلك الليلة ولم يكن هناك داعٍ لأن تتدخلي لاستعادته".
    عبس وجه أروى وقالت مستنكرة:
    "وليد! لقد كنتَ نائما في غرفتك... أردت إعادته إليك ليوقظك وقت الصلاة كالمعتاد... وهي أرادت أن تفعل هذا بنفسها".
    قلت بشيء من العصبية:
    "ولماذا اعترضتها؟؟ أمن أجل شيء بهذه التفاهة تتسببان بحادث بهذا الحجم؟؟
    لقد تكسرت عظامها وها هي طريحة الفراش كالمعاقة... كنت أعتقد أن شجاركما قام على أمر شأنا...
    تقولين من أجل هاتف؟؟! ألا تخفين عني شيئا أكبر يا أروى؟؟"
    هنا وقفت أروى بانفعال وهتفت بغضب:
    ليس من أجل الهاتف... وأنا ليس لدي ما أخفيه عنك, مثلما تفعل أنت...
    ولا أسمح بأن تتجاوز هي حدودها... كيف كنت تتوقع مني أن أتصرف؟؟ أأتركها تذهب إليك وأنا واقفة أتفرج؟؟
    هل نسيت إنني أنا زوجتك وأقرب الناس إليك وليست هي".
    اندهشت... فتحت فمي لأنطق مستنكرا:
    "أروى"
    غير أنها لم تدعني أتم جملتي بل قاطعتني مباشرة وبانفعال:
    "ماذا يا وليد؟ ماذا؟؟ ما الذي ستجرؤ على قوله الآن؟؟ إنني أنا زوجتك لا هي...
    وأنا من يحق لها الاقتراب منك ومن خصوصياتك... لا هي...
    أنا من يجب أن تضعها في اعتبارك الأول... ومن يجب أن تصرف عليها عواطفك وحبك... لا هي
    وليد... إنني لا أحظى بعلاقة أكثر دفئا وعاطفة منها... وطوال تلك الشهور وأنا أفسر مواقفك بأنها من باب المسؤولية والأمانة...
    وأتقبلها وبسعة صدر بل وبإعجاب... والآن... أكتشف أن الحقيقة قد تخطت ذلك...
    إنك تحبها هي... ألست كذلك يا وليد؟؟"
    حملقت في أروى في دهشة من كلامها... وعجز عن الرد...
    وإذا بها تهتف في وجهي مستمرة بانفعال:
    "لماذا لا ترد؟ أي حقائق تخفي عني بعد يا وليد؟؟ ماذا سأكتشف عنك أيضا؟؟
    لماذا أتيت إلى مزرعتي أصلا؟؟ لماذا ظرت في حياتي؟؟ لماذا تزوجتني؟؟"
    صعقني كلام أروى فانفضت يداي ثم إذا بهما تطبقان على ذراعيها وإذا بي أهتف بعصبية:
    "أروى... هل فقدت صوابك؟؟"
    أروى دفعت بيدي بعيدا عنها وهي تقول:
    "اتركني... لماذا تزوجتني إن كنت تحبها هي؟؟ ماذا تخفي عني بعد؟؟
    ما الذي تخططان له من خلفي؟؟...
    ماذا... ماذا كنتما تفعلان عند النافذة؟؟قل".
    قلت مستاءً:
    "أي نافذة وأي هذيان؟؟"
    قالت مندفعة وهي تشير بيدها إلى نافذة الغرفة:
    "هنا... ضحكاتك كانت تحترق الأبواب... وأراكما واقفين جنبا إلى جنب عند النافذة والأضواء مطفأة...
    هل كنتما تتبادلان كلمات الحب وتضحكان علي؟؟"
    وفهمت أنها تعني يوم الجمعة الماضي... عندما وقفت رغد تستمع للأذان عند النافذة في غرفة مكتبي وقدمت إلى جوارها...
    لم أتحمل جنونها الفظيع هذا... فقبضت على يدها بشدة وهتفت في وجهها:
    "حسبك... تماديت يا أروى؟؟ هل جننت؟؟"
    فصرخت:
    "وكيف تريد مني ألا أجن وأنا أكتشف أن زوجي خائن...؟؟
    يظهر النبالة والشهامة مع ابنة عمه بينما في الخفاء يتبادلان الحب والصور ويستغفلاني؟؟"
    هنا فقدت السيطرة على أعصابي وضغطت على يدها بقوة أوشكت معها على عصرها في قبضتي...
    وصرخت وأنا أعض على أسناني:
    " إياك... إياك أن تكرري الكلمة ثانية... أتسمعين؟؟
    وإياك... ثم إياك... أن تقحمي رغد في هذا... لا علاقة لها بشي... فهمت؟؟
    ولا أسمح بأن تتحدثي عنها هكذا... ولا تجعلي أفكاركِ تقودكِ إلى الجحيم..."
    وتابعت:
    "أكون خائنا لو كنت عرفتها بعد زواجي منك... لكن... لكن حبهها نشأ في صدري منذ طفولتي... ولا أسمح... بأن تصفيه بالخيانة...
    إنه أكبر من أن... تفهميه... أو يفهمه أي أحد... وسواءً عرفت أو لم تعرفي...
    وأعجبك أو لم يعجبك... فإن شيئا لن يتغير... وما في قلبي سأحمله إلى قبري...
    وأنا أتحمل أي شيء في هذه الدنيا... أي شيء... إلا أن يصيب صغيرتي الأذى أو الإساءة...
    بأي شكل... ومن أي شخص... مهما كان... أعرفت هذا الآن؟؟"
    وأطلقت سراح يدها وابتعدت عنها وسددت ركلة عشوائية إلى المقعد...
    أروى بقيت تنظر إلي برهة... ثم تصم أذنيها وكأنها تريد أن تحول دون تكرر
    صدى كلامي بينهما...
    ثم إذا بها تهتف:
    "كيف... أمكنك... فعل هذا بي!؟"
    ثم تهرول بسرعة خارجة من الغرفة...
    بقيت واقفا على النار وجبت في الغرقة بضع خطوات عشوائية حتى استقررت أخيرا
    على مقعدي خلف المكتب...
    ركزت مرفقي على طاولة المكتب وأسندت رأسي على كفي بمرارة...
    ما الذي فعلته؟؟
    ما الذي قلته؟؟
    ما الذي أصابك يا وليد؟؟ وما الذي ينتظرك؟؟
    درت في دوامة الأفكار حتى داهمني الدوار والغثيان وشعرت بألم حاد في معدتي...
    رفعت رأسي عن كفي وهممت بالتفتيش عن أقراص المعدة التي أتناولها عند الحاجة والتي أضع بعضها في أدراج مكتبي...
    لفت انتباهي وجود مجموعة من الأوراق على المكتب, يعلوها قلم رصاص...
    تركت يدي الدرج واتجهت إلى الأوراق عفويا... أزحت القلم ورأيت الورقة الأولى بيضاء خالية إلا من تجعيد خفيف...
    تصفحت ما يليها... ودهشت لما رأيت...!!
    أتعرفون ماذا رأيت؟؟
    شيئا سيدهشكم مثلي ويلقي بكم في بئر الحيرة...
    على تلك الأوراق كانت هناك صور مرسومة بقلم الرصاص...
    لوجه شخص مألوف جدا... كان ينظر إلى إحدى النواحي وقد على وجهه تعبير القلق...
    ملامحه كانت مرسومة بدقة عجيبة وكأنها خرجت من أصل الواقع مباشرة... وأكثر ما يثير الدهشة...
    هو وجود انكسار بسيط على أنفه الطويل... مشابه تماما للانكسار الذي يعلو أنفي أنا!
    قلبت الورقة بعد الأخرى... والدماء تتصاعد إلى وجهي... والدهشة تملأ عيني...
    كان وجهي أنا... مرسوما على أكثر من ورقة... رسما هيكليا بسيطا وغير مكتمل... بقلم الرصاص...
    هذه رسمات رغد...
    تذكرت... إنني في ليلة الحادث, كنت قد تركتها في مكتبي مع هاتفي... لتنقل الصور التي التقطناها في النزهة إلى الحاسوب...
    الصور... الهاتف... الحاسوب...!
    أخذت أفتش في هاتفي وحاسوبي عن تلك الصور... لم أعثر عليها في الهاتف...
    لكنني وجدتها في الحاسوب...
    أتدرون ماذا وجدت بين الصور؟؟
    صورة لي!
    صورة وأنا أنظر إلى البحر... وعلى وجهي أمارات القلق...
    مطابقا تماما لتلك التي وجدتها مرسومة على الورق...
    رغد...
    رغد...
    آه... يا حبيبتي...





    ********************

    اليوم سأجرب السير على عكازي...
    الطبيب والنعالجة الطبيعية والممرضة والسيدة ليندا جميعهم يقفون إلى جانبي وأنا أحاول النهوض مستندة على العكاز...
    أخصائية العلاج الطبيعي أجرت لرجلي تمارين تحريك بسيطة قبل قليل, وشرحت لي وللسيدة لينداكيفيتها... كانت سهلة ولكنها هيجت بعض الألم في قدمي ولذلك أنا متخوفة من استخدام العكاز...
    الطبيب كان يكرر عبارات التشجيع... ويطمئنني بأن رجلي بخير...
    لكنني قلقة وخاشية أن أصيب رجلي بالعرج... وأنتهي عرجاء... تثير شفقة الآخرين...
    ولأن إصابتي شملت يدي اليمنى أيضا فإن استخدام العكاز لم يكن بالأمر السهل...
    ولاقيت صعوبة في تثبيته والارتكاز عليه...
    المحاولات الأولى لم تككن ناجحة ولم تثر في نفسي إلا القلق والكآبة...
    وفيما أنا أخطو خطواتي البطيئة الثقيلة تعثرت بعباءتي وكدت أنزلق لولا أن تداركتني أيدي من حولي.
    "لا أريد أن أستخدم هذا".
    قلت بذلك بغيظ مشيرة إلى العكاز... شاعرة بنفور منه ورفض كلي لاستخدامه...
    اخصائية العلاج الطبيعي حاولت تشجيعي وحثي على إعادة المحاولة...
    كانوا جميعا مسترسلين في تحريضهم لي على السير وتصوير الأمر بالمهمة السهلة فيما هي شاقة بدنيا ونفسيا...
    "لا أستطيع".
    صرحت... فعقبوا جميعا:
    "بلى تستطيعين... هيا حاولي مجددا... ستنجحين هذه المرة".
    أخيرا وافقت كارهة على المحاولة وسرت خطوتين أجر فيهما رجلي من خلفي وأكاد أتعثر بملابسي...
    "هيا... أحسنت... واصلي..."
    يشجعوني وأنا أكاد أنهار من التوتر...
    هنا سمعت طرقا على الباب والذي كان نصف مغلق وجاء صوت وليد يحييّ.
    ثم رأيته يدخل الغرفة وينظر إلينا... كان يحمل حاسوبه المحمول وكيساً ما.
    عندما نظر إلي هتفت مستنجدة:
    "وليد..."
    وألقيت بالعكاز جانبا ومددت يدي إليه... طالبة الدعم...
    وليد وضع ما كان في يده جانبا وأسرع نحوي وما إن بلغني حتى ألقيت بثقل جسدي عليه
    هو بدلا من العكاز وأنا أقول:
    "لا أستطيع... لا أريد أن أمشي بالعكاز.. لا أريد".
    ربت وليد على يدي المجبرة وقال:
    "اهدئي رغد... ماذا حصل؟؟"
    قلت مستغيثة:
    "قل لهم ألا يضغطوا علي... لا أريد هذا العكاز...
    قدمي تؤلمني... لن أستخدمه ثانية... أرجوك أخرجني من هنا".
    تنقل وليد ببصره على الطاقم الطبي وقال مخاطبا الطبيب:
    "ما الأمر يا دكتور؟"
    الطبيب أجاب:
    "لا شيء. إتها خائفة من استخدام العكاز ونحن نحاول تشجيعها".
    أبدى وليد تعبيرات الضيق على وجهه وقال:
    "لكننا لم نتفق على هذا".
    استغرب الطبيب وسأل:
    "على ماذا؟"
    رد وليد:
    "على بدء التمارين... لا أحب أن تقرروا شيئا دون إبلاغي...
    ولا أقبل أن تضغطوا على الفتاة في شيء".
    نظر الطبيب وأخصائية العلاج الطبيعي إلى بعضهما البعض, نظرات ذات مغزى,
    ثم التقطت الأخيرة العكاز الملقي على الأرض وقالت:
    "حسنا... سنحاول مع العكاز لاحقا... لكن يجب الاستمرار على تمارين الرجل".
    التفت وليد إلي وقال:
    "سنعود إلى السرير".
    وسرت متعمدة عليه إلى أن جلست باسترخاء على سريري...
    "كيف تشعرين؟"
    سألني وليد فأجبت منفعلة:
    "أنا لن أمشي بهذا العكاز... إما أن أسير على قدمي كالسابق أو سأبقى في سريري للأبد".
    وليد رد:
    "هوني عليكِ..."
    كتمت خوفي وصمت...
    غادر الطاقم الطبي وتبعهما وليد ثم عاد بعد بضع دقائق... ابتسم وقال:
    "أحضرت لك بعض المجلات لتطلعي عليها".
    وقرب إلي الكيس الذي أحضره معه...
    نظرة إله بامتنان وقلت:
    "ولكن يا وليد أنا أريد الخروج من هنا... دعنا نعود للبيت".
    وليد ارتسم بعض القلق على وجهه ثم قال:
    " من الأفضل أن تبقي لأيام أخرى بعد... ريثما تتحسن إصابتك وتتدربين على السير على العكاز أكثر".
    قلت:
    "لن أحاول ثانية".
    بدأ القلق يتفاقم على وجه وليد فقلت:
    "أرجوك... أنا لا أريد البقاء هنا".
    السيدة ليندا تدخلت قائلة:
    "شرحت لنا أخصائية العلاج الطبيعي كيفية التمارين وسأتولى العناية بها في المنزل...
    فإذا كان الطبيب يوافق فمن الخير لنا المغادرة يا بني".
    وليد لم يظهر تأييدا ولا أعرف لم يريد لي البقاء في المستشفى أكثر...
    رغم الإرباك الذي سببه الأمر في عمله وفي وضعنا بشكل عام...
    إضافة إلى تكاليف المستشفى الباهضة...
    قال:
    "لثلاثة أيام أخرى على الأقل".
    وكان الإصرار مغلفا بالرجاء ينبع من عينيه... فقلت باستلام:
    "ثلاثة فقط".
    ابتسم وليد ثم التفت إلى السيدة ليندا وخاطبها:
    "هيا بنا الآن إلى المنزل ياخالتي... وكان الله في عونك هذه الليلة أيضا".
    وكالعادة بعد اصطحابها للمنزل عاد وليد وبقى برفقتي طوال ساعات الزيارة...
    وكان يشغل نفسه بانجاز أعماله في حاسوبه الخاص, بينما كنت أنا أتصفح المجلات التي جلبها لي وبين لحظة وأخرى ألقي نظرة على الساعة...
    النهار غدا طويلا... وشعرت بالملل... وراودتني فكرة الاتصال بنهلة والتي لم أهاتفها منذ أيام ولم أعلمها عما حصل معي...
    "وليد".
    ناديته وقد كان مركزا في الشاشة فالتفت إلي:
    "نعم؟"
    قلت:
    "من فضلك هلا ناولتني الهاتف؟"
    وأشرت إلى المنضدة المجاورة حيث كان الهاتف موضوعا على الوصول إليه.
    أقبل وليد وناولني الهاتف وسألني عفويا:
    "بمن ستتصلين؟"
    أجبت:
    "ببيت خالتي".
    وليد أمسك بالهاتف وأبعده عني... نظرت إليه باستغراب فرد على استغرابي بسؤال:
    "هل سبق وأن أخبرتيهم؟"
    أجبت:
    "لا".
    وليد أعاد الهاتف إلى المنضدة وقال:
    "جيد. لا داعي لأن تقلقيهم الآن".
    تعجبت وسألت:
    "ألا تريد مني الاتصال بهم؟"
    قال:
    "أرجوك لاتفعلي رغد".
    ازداد عجبي وسألت:
    "لماذا؟؟"
    وليد شد على قبضتيه وعلاه التوتر ثم قال:
    "تعرفين... إن ذلك سيسبب لهم القلق وأنت لا تزالين في المستشفى... الحمدلله أنك بخير ولا داعي لإشغال بالهم عليك".
    إنني أوافي نهلة بتفاصيل سخيفة عن حياتي اليومية فهل يعقل ألا أخبرها عن حادثة كهذه؟
    قلت:
    "سأطمئنهم إلى أنني بخير وسأغادر قريبا".
    وليد حرك رأسه اعتراضا.
    قلت:
    "لكن..."
    وتكلم وليد بنبرة شديدة الرجاء:
    "أرجوك يا رغد... لا تخبريهم بشيء... أرجوك".
    ورغم أنني لم أفهم موقف وليد غير أنني أذعنت لطلبه ولم أتصل بعائلة خالتي ولم أطلعهم على شيء مما حصل إلى أن التقينا فيما بعد...
    ومضت الأيام الأخيرة... وأخيرا غادرت المستشفى...
    كاد وليد قد أعد إحدى غرف الطابق السفلي لأقيم فيها مؤقتا...
    ولأن منزلنا كبير وموحش ومليء بالعتبات والدرجات, فقد اختار لي أقرب غرفة إلى المطبخ وإلى غرفة المعيشة السفلية والتي استقلها هو بدوره للمبيت قريبا مني.
    كنتقد تدربت على السير بالعكاز مضطرة... المهمة شاقة وتحركي بطيء وثقيل... لكنني عدمت حلا آخر...
    أخذت أتنقل بالعكاز في غرفة نومي وفي الجوار بحذر ومشقة وغالبا ما أعتمد على الآخرين لجلب الأشياء إلي.
    وليد والسيدة ليندا والخادمة تناوبوا على رعايتي وملازمتي معظم الأوقات.
    أما الدخيلة الشقراء فلم أر وجهها الملون مُذ زارتني في المستشفى بعد الحادث...
    وليد أصر على إقامة حفلة عشاء صغيرة دعونا إليها المقربين احتفالا بخروجي من المستشفى.
    الفكرة لم تعجبني لأنني بالتأكيد سأضطر لمجالسة الشقراء مع الضيوف. لكنني رضخت للأمر من أجل وليد.
    ما كان أطيبه وأكرمه... طوال فترة بقائي في المستشفى...
    أول ضيفة وصلت كانت صديقتي مرح مع والدتها وشقيقتيها وقد استقبلتهن السيدة ليندا وقادتهن إلى غرفة الضيوف حيث أجلس.
    أمطرتني الثلاث بالتحيات والتهنئات على خروجي من المستشفى وأهدينني سلة حلويات رائعة.
    "ولكن أين هي السيدة أروى؟ نتوق للتعرف إليها".
    قالت ذلك مرح بكل عفوية وهي تجهل أن مجرد ذكر اسم هذه الدخيلة يثير غيضي...
    السيدة ليندا ردت مبتسمة:
    "إنها في الجوار... سوف أستدعيها".
    وذهبت لاستدعائها.
    مرح قالت مازحة:
    "أتحرق شوقا لرؤية مالكة المصنع وصاحبة الملايين! يقول أبي أنها كانت تعيش في مزرعة حياة عادية!"
    أم عارف- والدة مرح- زجرت مرح على تعليقها ولكن مرح ابتسمت وقالت:
    "هيا أمي! هذه رغد صديقتي المقربة وهي تعرف أنني أحب المزاح! ألا تبدو حكاية السيدة أروى أشبه بالأساطير؟؟"
    لحظات وإذا بالشقراء تهل علينا...
    قامت الثلاث وحيينها بحرارة وعبرن عن سرورهن الشديد بالتعرف إليها ولهفتهن المسبقة للقائها...
    وكان جليا عليهن الانبهار بها... نعم فهي جميلة بدرجة آسرة للنظر وقد تزينت هذه الأمسية بشكل متقن جدا...
    إنني أمهر منها في فن المساحيق والألوان... لكني الآن قابعة في مكاني بجبيرتي وعكازي...
    وبدون أي زينة... ولا أثير سوى شفقة الأخرين...
    بمجرد حلولها, سرقت الشقراء كل الأضواء بعيدا عني... أنا من كان يفترض أن تكون هذه الحفلة قد أقيمت من أجلها!
    وعندما أتت أم سيف وأم فادي كذلك انضمتا إليهن.
    وحتى على المائدة, كن يأكلن بسرور وعفوية ويمتدحن الأطباق اللذيذة واليد الماهرة التي أعدتها...
    فيما كنت أنا المعاقة بالكاد ألمس الطعام بيدي اليسرى...
    وعوضا عن أن تبهجني هذه الحفلة كما يفترض زادتني غيضا ونفورا من الدخيلة.
    التزمت جانب الهدوء معظم الوقت لشعوري بأنني لا أملك شيئا أمام ما تملكه الشقراء مما يثير اهتمام وإعجاب الآخرين...
    وعندما قامت الدخيلة برفع الأطباق الرئيسية إذا بمرح والتي كانت جالسة إلى جواري
    تقترب مني وتهمس في أذني:
    "زوجة أبيكِ مذهلة! جذابة مثله! كم هما ثنائي رائع".
    ولو لم أتمالك نفسي لأفرغت ما في معدتي من شدة الغيظ...
    بعد أن خرج الضيوف, أويت مباشرة إلى غرفتي والنار تحرق صدري وتفحمه...
    ولم أجد من حولي ما أفرغ فيه غضبي ولا من أبثه همي أو أعبر له عما يختلج داخلي...
    فأخذت أبكي بحرقة... وأردت أن أكسر الجبيرة وأحطم العكاز اللذين لم يزيداني إلا بؤسا...
    ومن شدة غيظي رميت بالعكاز بعيدا بقوة فارتطم بطاولة على مقربة وأحدث بعض الجلبة...
    طرق الباب وسمعت وليد يخاطبني:
    "هذا أنا يا رغد... هل انت بخير؟؟"
    قلت:
    "نعم. لا تقلق".
    قال:
    "هل تحتاجين إلى شيء؟"
    أجبت:
    "كلا... شكرا".
    فقال:
    "إذن تصبحين على خير".
    وأحسست به يبتعد...
    شعرت برغبة مفاجئة في التحدث معه... أردت النهوض ولكن عكازي كان بعيدا...
    ناديته لكنه لم يسمعني... زحفت على الأرض إلى أن وصلت إلى عكازي...
    ثم ارتديت حجابي على عجل وسرت نحو الباب...
    ذهبت إلى غرفة المعيشة المجاورة حيث يبات هو حاليا... وكان الباب مفتوحا ويكشف ما في الداخل...
    إلى الجدار المقابل لفتحة الباب كانت أروى تسند ظهرها وقد مددت إحدى يديها إلى خصرها بينما يقف وليد أمامها مباشرة وذراعاه ممدودتان إلى الأمام ومسندتان إلى ذات الجدار مشكلتين طوقا حولها...
    حين وقع بصري على منظرهما شعرت بالشلل المفاجىء وترنحت بعكازي...
    بسرعة استدرت للوراء وخطوت خطوتين بالعكاز مبتعدة عن الصدمة... ولأنني شعرت بالشلل فقد رميت ثقلي كاملا على العكاز الذي انزلق فوق الأرضية الملساء وأوقعني فجأة...
    تأوهت ألما... ولم أستطع النهوض ليس من شدة الإصابة بل من العشي الذي أصاب عيني من منظر الاثنين...
    لمحت وليد يقبل نحوي قلقا ويجثو بقربي وهو يقول:
    "أأنت بخير؟"
    بخير...؟ لا! أنا لست بخير... لست بخير... لست بخير...
    هب وليد لمساعدتي على النهوض فقلت زاجرة:
    "دعني من فضلك".
    ومددت يدي إلى العكاز وأقمته عموديا على الأرض وحاولت النهوض...
    غير أنني لم أستطع...
    كانت أطرافي ترتجف وأعصابي منهارة وعجزة عن شد قبضتي على العكاز فانزلق مجددا...
    قال وليد:
    "دعيني أساعدك".
    لكنني رددت باقتضاب:
    "قلت دعني وشأني... سأنهض بمفردي".
    وأعدت الاستناد إلى العكازوانهرت أرضا...
    وليد حينما رأى ذلك مد ذراعيه ورفعني عن الأرض...
    قلت بغضب:
    "ماذا تفعل؟ كلا... أنزلني..."
    قال وليد بانفعال:
    "ستكسرين بقبة أطرافك إن تركتك هكذا".
    وسار بي رغما عني إلى أن أوصلني إلى غرفتي ووضعني على السرير.
    قلت ثائرة:
    "لا أريد مساعدة من أحد... دعوني وشأني".
    وليد نظر إلي باستغراب واستهجان معا وقال:
    "ماذا جرى لك يا رغد؟ ما غيرك هكذا فجأة؟"
    قلت بغضب:
    "ليس من شأنك... إياك أن تكررها ثانية... من تظن نفسكك؟؟"
    وليد حملق بي مندهشا:
    "رغد!! أتهذين؟؟"
    صرخت:
    "نعم أهذي... أنا مجنونة... ماذا يهمك في ذلك؟؟"
    أطرق وليد برأسه ثم قال مستاء:
    "الظاهر أنني تسرعت حين أحضرتك من المستشفى... أنت لاتزالين متعبة".
    استفزتني جملته... فصرخت:
    "متعبة ومجنونة وعرجاء... ثم ماذا؟ هل اكتشفت حقيقة ما أكون الآن؟"
    تنفس وليد نفسا عميقا ثم أولاني ظهره وغادر.
    ناديت بغضب:
    "إلى أين تذهب؟ عد إلى هنان".
    لكنه اختفى... ثم فجأة ظهر يحمل العكاز وأتى به إلى جانبي...
    لما رأيت العكاز قربي مباشرة ثار جنوني... أخذت العكاز ورميت به بقوة بعيدا فارتطم بنفس الطاولة وأحدث ذات الجلبة... وليد وقف بجواري يراقب بصمت...
    قلت بحدة:
    "لا أريد هذا ولن أستخدمه ثانية... هل فهمت؟"
    لم يتحرك ولم يقل شيئا... فاشتططت غضبا من بروده وصرخت:
    "لا تعده إلي ثانية... مفهوم؟؟"
    وليد وقف يسمعني وينظر إلي ولا يرد!
    أردت منه أن يقول شيئا.. أن يغضب... أن يتشاجر معي أو يواسيني... أن يبدي أي ردة فعل تفيد بأنه يسمعني ولكنه لم يحرك ساكنا.
    قلت بتهيج:
    "لماذا لا ترد؟"
    وليد حدق بي لحظة ثم قال:
    "هل انتهيت الآن؟"
    حملقنا ببعضنا لفترة ثم استدار وليد بقصد المغادرة.
    هتفت بسرعة:
    "انتظر".
    استدار إلي بنفاذ صبر وقال بضيق بالغ:
    "ماذا بعد؟"
    ولما أحسست بضيقه هدأت فجأة وشعرت بالذنب...
    صمت برهة متراجعة, وقبضت على ما أفلت من أعصابي... ثم قلت وقد تحول صوتي بغتة إلى السكينة:
    "إلى أين تذهب".
    رد وليد بانفعال:
    "إلى قعر الجحيم.. هل يهمك هذا؟"
    وأراد أن يخرج فناديته مجددا :
    "وليد".
    التفت إلي بطول بال وزفر زفرة قوية من صدره وقال باقتضاب:
    "نعم؟"
    إنه غاضب بالفعل...
    يا أنت!.. يا من تقف هناك تشتعل غضبا.. يا من تدعي أنك ذاهب إلى قعر الجحيم...
    إنك أنت جحيمي! اقترب وابتعد مني في آن واحد... فأنا أفقد توازني في كلا الوضعين...
    ولاشيء يحرقني ويزيدني سعيرا وجنونا أكثر من رؤيتك إلى جانب الشقراء الدخيلة...
    "نعم يا رغد هل هناك شيء آخر؟؟"
    قال وليد ذلك لما استبطأ ردي ورأى ترددي...
    "رغد؟؟!!"
    قال مستغربا ومستاءً... فقلت منكسرة:
    "أنا... آسفة".
    ومن التعبيرات التي تجلت على وجهه أدركت أنه لم يكن يتوقع أسفي أو ينتظره...
    قلت:
    "لا تغضب مني".
    حملق بي وليد في صمت ثم ضغط بإصبعه على المنطقة بين حاجبيه ثم قال:
    "لست غاضبا... لكنني تعب من تقلبات مزاجك هذه يا رغد..."
    ثم تابع بصوت راج:
    "أعطيني فترة نقاهة أرخي فيها أعصابي المشدودة قبل أن تنقطع".
    فسرت الإرخاء الذي يقصده على أنه أروى... فهيجني المعنى وقلت منفلتة من جديد:
    "وأعصابك هذه لا تسترخي إلا مع الشقراء؟"
    نظر إلي بتعجب وتابعت:
    "أما أما.. فأعصابي لن تستريح ومزاجي لن يصفو إلا إذا أرسلتها للمزرعة وأبعدتها عني نهائيا".
    مرر وليد أصابع في شعره كما يفعل عندما يتوتر... ثم زفر:
    "يا صبر أيوب".
    وأحسست بالجملة تطعن قلبي.. فقلت ثائرة:
    "يلزمك صبر بحجم المحيط إن كنت ستبقيها أمام عيني تصول وتجول...
    وأنا معاقة بهذا الشكل.. لتتحمل النتائج.. قلت لك أنني أكرهها ولا أريد رؤية وجهها ثانية...
    إنها حتى لم تفكر في الاعتذار عما سببته لي... بل لا بد أنها فرحة بإصابتي وتشمت بي..
    وأنا أفضل الموت حرقا على أن أراها تجول أمام ناظري بكل حرية".
    ربما بالغت بالتعبير عن غيظي الشديد أمام وليد... هو وضع يديه على صدغيه ثم هتف بقوة:
    "حاضر... حاضر يا رغد... حاضر... سأرسلها إلى المزرعة وأخلصك من كل هذا... أفعل أي شيء لأجلك... ماذا تأمرين بعد؟ فقط أريحيني..."
    وضرب الباب بقبضته بقوة وانصرف...

    *************


  5. #505
    عضو imen-assira is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    07-11-2009
    المشاركات
    27
    ‎تقييم المستوى 0

    افتراضي رد: رواية انت لي... اكثر من رائعه


    تتمه

    وعدت إلى غرفة المعيشة والمجاورة لغرفة رغد فوجدت أروى لا تزال هناك...
    واقفة عند الباب وتستمع إلى شجارنا...
    لم تتحدث بل ألقت علي نظرة خيبة سريعة ثم غادرت المكان...
    قبل قليل كنت أحاول مصالحتها وتوضيح بعض الأمور العالقة منذ أيام...
    إننا متخاصمان والجو مربوك للغاية وكلما حاولت التقرب منها صدتني بجملة: (أعدني إلى المزرعة).
    أحاول بذل جهودي لإقناعها بالعدول عن الفكرة حاليا ولكن...
    وإن كان هناك شعرة أمل واحدة فإن رغد بكلامها الأخير هذا... قطعتها...
    رغد كانت بصحة مقبولة مُذ غادرت المستشفى وتقبلت بعد جهد فكرة السير على العكاز...
    والأمور سارت على نحو مرضٍ إلى أن انتهت حفلت العشاء الصغيرة التي أقمتها إحتفالا بسلامتها...
    وأعتقد... بل أنا على يقين من أن سبب تدهورها المفاجىء هو مقابلة أروى...
    إن علي ألا أقف مكتوف اليدين وأترك الفتاة تتخبط وتنهار من جديد... في السابق كانت تنشغل في الجامعة وفي الدراسة...
    أما وهي حبيسة الجبيرة والمنزل... فإن اصطدامها بأروى سيسبب كارثة نفسية لها...
    ولأن الوضع لم يكن ليطاق البتة فقد انتهى قراري إلى أن اشتري تذاكر السفر عاجلا...
    "لا بأس.. فنحن أعددنا أمتعتنا منذ أيام يا بني وسنضيف ما يلزم".
    أجابتني الخالة حين أخبرتها بعد أن عدت من شركة الطيران في اليوم التالي...
    قلت:
    "جيد. وهلا ساعدت رغد في تجهيز أمتعتها؟"
    "بكل تأكيد".
    سألت:
    "بالمناسبة هل هي مستيقضة؟"
    فأننا لم أرها أو أعرف عنها شيئا منذ البارحة... ولا أعرف بأي مزاج استيقضت هذا الصباح!
    ردت الخالة:
    "نعم. انهت حمامها وطعامها قبل قليل فقد رأيت الخادمة تخرج بالأطباق من غرفتها".
    قلت:
    "إذن رجاء أعلميها بأنني أود التحدث معها".
    وسبقتني الخالة إلى غرفة رغد لتعلمها بقدومي, ثم رأيتها تخرج وتقول:
    "تفضل".
    البارحة كانت فتاتي غير طبيعية وأظنني أنا أيضا لم أسيطر على أعصابي كما ينبغي...
    لكن أنا حتى لو غضبت من رغد وتقلبات مزاجها يتغلب خوفي عليها وحبي لها على أي شعور آخر ويعيدني إليها ملهوفا...
    أشتاق وأعود إليها حتى لو لم أكن أجد لديها ما يغذي شوقي...
    إنها المحور التي تدور حوله أحاسيسي ومشاعري واهتماماتي... وأمور حياتي كلها...
    وقفت عن الباب وطرقته... وسمعتها تأذن لي بالدخول...
    لا أعرف لماذا هذه المره تسارعت نبضات قلبي وساورني التوتر... أكثر من المعتاد...
    رغد كانت جالسة على المقعد أمام المرآة... ونظرت إلي من خلال المرآة فازداد توتري ثم حييتها بصوت خافت, وهي ردت بهدوء.
    سألتها:
    "كيف أنت هذا الصباح؟"
    متمنيا أن تكون إجابتها مطمئنة شكلا ومضمونا.
    فردت:
    "الحمدلله".
    وهي لا تزال تخاطبني عبر المرآة...
    عقبت:
    "الحمدلله".
    ولمحت العكاز إلى جوارها فسألت:
    "هل قمت بالتمارين؟"
    فردت:
    "نعم".
    "وكيف تشعرين؟"
    "بتحسن خفيف".
    ابتهجت وقلت:
    "عظيم... ستتحسنين بسرعة إن شاء الله وتستغنين عن هذا قريبا".
    وأشرت إلى العكاز...
    رغد نظرت إلى العكاز ثم إلي عبر المرآة نظرة تشكك وقلقوسألت:
    "أحقا؟ أخشى أنني لا أستطيع الاستغناء عنه أبدا".
    قلت بسرعة:
    "ما هذا الكلام؟ غير صحيح".
    وبدا على وجهها قلق أكبر وقالت:
    "أو ربما يظل في قدمي شيء من العرج الأبدي".
    قلت معترضا:
    "كلا".
    لكنها كانت شديدة القلق... بل إن أكبر مخاوفها كما استنتجت هو أن تنتهي إصابتها بالعرج لا سمح الله...
    قلت مشجعا:
    "لقد أكد الطبيب أنه أمر مؤقت إلى أن يشفى التمزق ويزول الورم وينجبر الكسر... لا تخافي صغيرتي".
    تعلقت عينا رغد بسراب كلماتي الأخيرة... ثم إذا بها تستدير نحوي لتواجه نظراتي مباشرة...
    وتقول:
    "وليد... فيما لو... لو لا قدر الله أصبحت عرجاء أو معاقة...فــ.. هل... ستظل تهتم بي؟"
    فوجئت من سؤالها الغريب... والذي أجهل المغزى الحقيقي من ورائه... وكانت تنتظر مني الإجابة من لهفة نظراتها إلي...
    أي سؤال هذا يا رغد...!؟
    قلت:
    "لا تفكري هكذا يا رغد بالله عليك... أنا متفائل جدا وبإذن الله سيعود كل شي على ما كان".
    لكنها عادت تسأل:
    "لكن لو لا قدر الله لم أشف تماما... هل ستظل تعتني بي؟"
    ومن الرجاء الذي قرأته في عينيها فهمت مقدار تشوقها لسماع إجابة مطمئنة...
    آه يا رغد! أوتسألين؟؟ أيساورك أي شك تجاهي أهميتك وأولويتك أنت في حياتي..؟
    قلت:
    "وحتى لو بلغت المائتين من العمر وأصبحت عاجزة عن كل شيء... سأظل أعتني بك دوما يا صغيرتي".
    رأيت الابتسامة تشق طريقها إلى وجهها... كأنها شمس أشرقت في سماء نقية... ثم قالت:
    "شكرا لك".
    ابتسمت بسرور وراحة وقلت:
    "على الرحب والسعة".
    رغد كررت:
    "أنا عاجزة عن شكرك على كل ماتفعله من أحلي.."
    قاطعتها مداعبا:
    "وهل ينتظر الآباء شكرا على رعايتة بناتهم؟"
    رغد نظرت إلى الأرض ثم إلي وقالت:
    "ولكنك ستكون في المائتين وعشر سنين من عمرك... أشك في أنك ستكون قادرا على حملي!"
    ضحكت ثم قلت:
    "لاتستهيني بقدراتي".
    ثم أضفت:
    "حسنا! سأريك!"
    وعلى غير توقع منها مددت يدي أسفل الكرسي الذي تجلس هي فوقه ورفعتهما سويا!
    رغد هتفت متعجبة:
    "أوه... ماذا تفعل؟!"
    قلت:
    "سأحملك إلى الطابق العلوي لتعدي حقيبة سفرك... ستساعدك الخالة".
    ولم أدع لها الفرصة للاعتراض وحملتها إلى غرفتها في الطابق العلوي واستدعيت خالتي والخادمة لمساعدتها... وذهبت لأعد حقيبتي أيضا...

    *************

    موعد سفرنا مساء اليوم... ولأنه سيكون سفر قصيرا فأنا لم أجهز في حقيبتي الكثير من الحاجيات.
    وكنت اتمنى لو أنني لا أضطر للسفر وأنا بهذه الحالة, ولكن وليد لم يجد بدا من أن يسافر بنا نحن الثلاث ثم يعود بي...
    الساعة الآن الثالثة فجرا... تصورا أنني مستيقضة حتى الآن... يحول الأرق الفظيع دون استسلامي لسلطان النوم...!
    وليد أخبرني بأنه سيأخذني إلى بيت خالتي لأقضي عندهم بضعة أيام... وأنا لم أخبر عائلة خالتي عن قدومي إليهم ولا عن إصابتي, بطلب من وليد نفسه.
    سوف نترك الشقراء والسيدة ليندا في المزرعة... ونعود أنا ووليد إلى البيت!
    ألا يكفي هذا سببا لجعلي أتأرق طوال الليل؟؟
    هذا إضافة إلى تفكيري الدائم بإصابتي وخوفي من أنأنتهي عرجاء... أو تفقد يدي مهارتها في الرسم...
    الرسم!
    على ذكر الرسم تذكرت شيئا مهما فهببت جالسة فجأة...
    "لوحاتي!"
    هتفت أخاطب نفسي... كيف يعقل أن تكون رسماتي الأخيرة قد غابت عن ذهني هكذا..؟!
    نهضت عن سريري وأضأت المصابيح وجلت ببصري فيما حولي مفتشة عن الأوراق التي رسمت وجه وليد ليلة النزهة...
    "يا ألهي... أين يمكن أن تكون؟؟"
    فقد كانت في يدي عندما وقعت من أعلى الدرج ولا أعرف ما حل بها بعد ذلك...
    ربما الشقراء أزالتها وتخلصت منها... أو ربما السيدة ليندا جمعتها ووضعتها في مكان ما... أو ربما وليد بالصدفة شاهدها... رباه!!
    ولم أستطع مقاومة رغبتي الملحة في العثور عليها تلك الساعة.
    فتشت تفتيشا سطحيا في الأماكن التي افترضت أن يمكن أن يكون قد نقلها إليها....
    ولم أعثر على شيء للآن... وحان دور غرفة مكتب وليد!
    البيت يخيم عليه السكون والظلام... وحقيقة يبدو مرعبا... وأنا أتحرك ببطء وبحذر وببعض الخوف... إلى أن دخلت غرفة المكتب...
    كانت الغرفة غارقة في الظلام الدامس, أشعلت المصابيح وألقيت نظرة على ما حولي واستقر بي العزم على أن أبدأ بتفتيش مكتب وليد...
    "ربما يكون أحدهم قد جلبها إلى هنا! لكني أخشى أن يكونوا قد ألقوا بها في سلة المهملات".
    قلت مخاطبة نفسي... وتأملت المكتب والأرفف العديدة والأوراق الكثيرة من حولي... وشعرت بالتقاعس... كيف يمكنني البحث بين كل هذه الأشياء؟؟
    اقتربت من المكتب ولم ألحظ ما يسترعي الاهتمام على سطحه, فجلست على الكرسي خلفه وفتحت أول الأدراج وفتشت ما بداخله ثم تنقلت بين البقية واحدا تلو الآخر...
    وفيما أنا أفعل ذلك فجأة سمعت صوتا مقبلا من ناحية الباب فجفلت وتسمرت في مكاني...
    انكتمت أنفاسي من الفزع وتلاحقت نبضات قلبي... وكاد شعر رأسي يقف من الذعر...!
    " رغد"!"
    لقد كان صوت وليد!
    سحبت يدي من الدرج الذي كنت أفتشه ووضعتها تلقائيا على صدري وأطلقت نفسا طويلا...
    وليد تأملني وهو واقف عند فتحة الباب ويده ممسكة بمقبضه ووجهه يكسوه الاستغراب والقلق...
    "ماذا تفعلين هنا وفي هذا الوقت!!؟؟"
    نبعت قطيرات من العرق على جبيني من شدة فزعي وازدردت ريقي وتأتأت ولم أحر جوابا...
    ولما رأى اضطرابي قال:
    "هل أفزعتك؟؟"
    أومأت برأسي (نعم) فأقبل نحوي حتى صار جواري وهو محملق بي باستغراب وحيرة...
    ثم قال:
    "أتبحثين عن شيء؟؟"
    جمعت بعض الكلمات المبعثرة على لساني وقلت:
    "أممم لا... أعني... لا شيء... لقد كنت..."
    ولم أستطع التتمة...
    وليد مد يدم وأمسك بيدي اليمنى المجبرة بلطف وقال:
    "هوني عليك... هذا أنا ليس إلا!"
    وبعد أن هدأت أنفاسي من فزعها وانتظمت خفقات قلبي ولاحظ وليد استرخائي قال:
    "حسنا... عم كنت تبحثين؟؟"
    شعرت بالخجل ولم أجرؤ على إجابته... ماذا أقول له؟!..
    سحب وليد يده عن جبيرتي وانثنى أمامي ومد يده إلى أحد الأدراج واستخرج منه شيئا وضعه على المكتب مباشرة أمامي قائلا:
    "عن هذه؟؟"
    وإذا بها الأوراق التي كنت أفتش عنها ومعها قلمي الرصاصي...
    تسلقت الدماء الحمراء أوداجي ورشت على وجهي صبغا شديد الاحمرار...
    وسكنت عن أي كلام وأي حركة..
    وليد بقي واقفا يراقب تقلبات لوني ولا أعرف ماذا كان يقول في نفسه...
    وأخيرا قال:
    "لم لم تنتظري حتى الصباح أو تطلبيها مني؟"
    حينهها نطقت بارتباك:
    "أأأ... طرأت... في بالي الآن".
    وليد عاد ومد يده وأخذ الأوراق من جديد وقال:
    "هلمي بنا إلى النوم... ينتظرنا سفر ومشقة".
    وسار مبتعدا... والأوراق في يده!
    هتفت:
    "لوحاتي!"
    فالتفت إلي وليد... ثم أمال إحدى زاويتي فمه للأعلى وهو ينظر إلي نظرة قوية ويقول:
    "سآخذها إلى غرفتك! لا تخافي".
    وسبقني إلى غرفتي... تنفست الصعداء... ثم سرت خلفه بعكازي ببطء... وعند الباب تقابلنا وجها لوجه... هو يهم بالخروج وأنا أهم بالدخول...
    بالضبط في طريق خطوات بعضنا البعض لكن أيا منا لم يتنحى عن طريق الآخر...
    رفعت نظري إليه فإذا به ينظر إلي...بعمق وغموض... وجسده يحجب النور عني وظله يغطي جسدي... كالشجرة الخرافية الممتدة إلى السماء...
    حاولت أن أهرب من نظراته... وأن أبتعد عن طريقه... ولم أفلح...
    كنت كالأسيرة المقيدة المربوطة بإحكام إلى جذع الشجرة... ونظراته كانت قوية وثافبة...كتلك النظرات التي كانت معلقة في سقف غرفتي... في بيتنا المحروق... تراقبني وتخترقني كل حين...
    رأيت على طرف لسانه كلاما يوشك أن يقوله... أكاد أجزم بأن بعض الحروف قد تساقطت منه...
    لكن وليد زم شفتيه وعض على أسنانه وتنهد ثم قال أخيرا:
    "تصبحين على خير".
    وغادر الغرفة...


  6. #506
    عضو imen-assira is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    07-11-2009
    المشاركات
    27
    ‎تقييم المستوى 0

    افتراضي رد: رواية انت لي... اكثر من رائعه

    الحلقة الرابعة والأربعون

    الخيار المستحيل
    استقبلنان العم إلياس استقبالا حميما جدا... مليئا بالعناق والقبل... فقد كان غيابنا طويلا وبقي العجوز وحيدا بعيدا عن أخته وابنتها اللتين لم يسبق له فراقهما...
    كانت خطتي المبدئية هي أن نأتي جميعا إلى المزرعة فقد تساعد الأجواء هناك على تحسين الأوضاع النفسية لنا...
    وإن رفضت رغد البقاء هناك, وهذا ما أتوقعه, كنت سأخذها إلى بيت خالتها وأقضي في المزرعة بضعة أيام...
    مخاوفي الأولى كانت في ردود فعل عائلة أم حسام تجاه إصابة رغد, والتي لم تذكر لهم شيئا حتى الآن...
    بضع أيام في المزرعة هي كافية لتجديد نشاطي وطرد هموم صدري...
    أزور أثناءها شقيقي سامر وأقنعه بالمجيء للعمل معي في المصنع, ونعود نحن الثلاثة إلى منزلنا الكبير...
    كان هذا ما أتمنى حصوله وأجهل ما الذي ستؤدي إليه الأقدار مستقبلا...
    أروى غاية في البهجة وتكاد تقّبل حتى الأشجار من شدة الشوق والحنين, والخالة لا تقل عنها فرحا...
    أما الفتاة الواقفة خلفي فهي تسير بعكازها خطوة للأمام وخطوة للخلف, رافضة دخول المزرعة...
    انطلقت أروى تعدو بين الأشجار كالفراشة... ونشرت الخالة بساطا قماشيا على العشب بجانب مدخل المنزل... وجلست عليه ومددت رجليها باسترخاء...
    وذهب العم إلياس يقطف بعض ثمار العنب ثم غسلها وجلبها إلى البساط وأشار إلينا:
    "تعالوا... تذوقوا".
    الوقت كان ليلا... والنسيم كان عليل جدا والهواء غني بالأوكسجين النقي الذي يبث الحيوية والانتعاش في البدن... وكم نحن بحاجة إليها...
    "تعال يا وليد... إنه لذيذ جدا... تفضلي يا آنسة رغد".
    دعانا العم إلياس بسرور إلى وجبة العنب الطازجة...
    التفت إلى رغد التي تقف خلفي مترددة وقلت:
    "تعالي رغد".
    الإنارة كانت خفيفة منبعثة رئسيا من المصباح المعلق عند مدخل باب المنزل...
    لكنها سمحت لي برؤية الاعتراض على وجه رغد.
    خاطبتها:
    "رغد... ما الأمر؟"
    أفصحت:
    "
    تعرف... لا أريد المبيت هنا".
    اقتربت منها أكثر حتى أخفض صوتي وأضمن عدم وصوله لمسامع الآخرين...
    "أرجوك يا رغد... لا تحرجيني مع العائلة... تحملي قليلا من أجلي".
    قالت:
    "لكن..."
    ولم تتم فقلت:
    "بالله عليك... على الأقل لهذه الليلة... نرتاح من عناء السفر ونقابل كرم المضيفين بحسن الذوق...
    لا يمكننا أن نخرج هكذا فجأة دون اعتبار للأدب واللياقة... أنا أرجوك بشدة يا رغد".
    واستجابت رغد لرجائي الملح... وسارت معي حتى حتى جلست على طرف البساط ببعض المشقة... وأقتربت أنا من سلة العنب وأخذت لي ولها شيئا منه...
    وكان بالفعل لذيذ جدا...
    تبادلت والعم إلياس أحاديث خفيفة متنوعة وشعرت بارتياح شديد قلما أشعر به مع شخص غيره...
    والعم كان من الأدب بحيث إنه لم يسأل عن تفاصيل ما أصاب رغد حين رآها بالعكاز بل اكتفى بحمد الله على سلامتها...
    قضينا نحو الساعة جالسين على البساط نتناول العنب حتى أتينا على آخره...
    سمعت بعد ذلك رغد تهمس لي:
    "لا أستطيع الجلوس هكذا طويلا... أصاب الإعياء رجلي".
    قلت:
    "حسنا... هل تودين الذهاب إلى الداخل؟"
    سألتني:
    "ماذا عنك؟"
    أجبت:
    "أود البقاء هنا فالجو رائع جدا... وقد أبيت الليلة على هذا البساط!"
    وابتسمت للتعجب الذي ظهر على وجه الصغيرة ثم نهضت ونهضت هي معي, واستأذنا للدخول إلى المنزل...
    ساعدت رغد على صعود العتبات ورافقتها إلى غرفتها ثم توليت حمل الحقائب إلى الداخل وتأكدت من أن كل شيءمهيأ لها, وتركتها لتسترخي...
    عدت إلى الخارج واستلقيت على البساط وبدأت أملأ رئتي من الهواء النقي...
    أغمضت عيني في استرخاء تام... وكنت أسمع أحاديث العم والخالة المرحة...
    وربما من شدة استرخائي غفوة لفترة من الزمن...
    صحوت بعد ذلك على أصوات أشخاص يتحدثون,وحين فتحت عيني رأيت العم والخالة وأروى جالسين على مقربة مني وملتفين حول صينية الشواء... ورائحة المشويات تملأ المكان.
    قال العم:
    "ها قد نهض وليد... نوم العافية... تعال وشاركنا".
    جلست ونظرت إلى الجمر المتقد وقلت:
    "آه... أما زال لديكم طاقة بعد السفر!"
    رد العم:
    "وهل ستنامون دون عشاء؟ اقترب بني".
    وجلست معهم أملأ أنفي بالرائحة الطيبة...
    أروى كانت تتولى تقليب المشاوي بهمة... وكانت قد أطلقت شعرها الطويل لنسمات الهواء...
    وعندما هب نسيم قوي حمل خصلة منه نحو الجمر فحركت يدي بسرعة لإبعاده وأنا أقول:
    "انتبهي".
    لا أعرف إن كان العم لا حظ وجود شحنة بيني وبينها أم لا...
    والخالة سرعان ماتدخلت وأعدت الطبق المنشود وبنفسها حملته إلى غرفة رغد, غير أنها عادت به بعد قليل وأخبرتنا أن الفتاة نائمة.

    بعد وجبة غنية كهذه قمت أتمشى في المزرعة وأحرك عضلاتي... غبت طويلا ولما عدت صوب المنزل لم أر غير أروى مضطجعة على ذات البساط الذي كنت نائما فوقه... تراقب النجوم...
    حينما أحست باقترابي جلست وأخذت تلملم شعرها الذي تعبث به الريح...
    اقتربت منها ثم ناديتها وقلت:
    "أروى...يجب أن نضع حدا لكل هذا".
    وقفت أروى وهمت بالمغادرة وهي تقول:
    "نعم... سنضع حدا".

    *****************

    نهضت باكرة جدا... على زقزقة العصافير القوية المتسللة عبر النافذة إلى الغرفة.
    فيما بعد فتحت النافذة فتدفقت تيارات باردة من الهواء النقي إلى الداخل... وأطللت من النافذة فرأيت الخضرة تغطي المنظر وتأسر الأعين...
    لم أستطع مقاومة هذه الجاذبية... ارتديت عباءتي وسرت بعكازي بحذر... وخرجت من المنزل.
    كان صباح رائعا... والشمس بالكاد أرسلت الجيش الأول من أشعتها الذهبية لتغزو السماء.
    على مقربة من المنزل وجدت السيدة ليندا تحمل سلة كبيرة وتجمع فيها ما تقطفه من العنب.
    حييتها فردت مبتسمة وسألتني عن أحوال فطمأنتها إلى أنني بخير...
    ووجدتها فرصة عفوية لأشكرها على وقوفها معي وعنايتها بي أيام أصابتي.
    " لا داعي للشكر يابنيتي... نحن عائلة واحدة وجميعنا في خدمة بعضنا البعض".
    كان ردها كريما مثل طبعها... وأشعرني بالخجل من مواقفي السابقة منها بالرغم من أن ندي الحقيقي هو أروى...
    " إنك طيبة القلب جدا وأنا لا أعرف كيف أشكرك أو أعتذر منكِ على أي إزعاج تسببت به لك".
    قلت بصدق وعرفان فكررت:
    "لا ننتظر الشكر من أبنائنا على رعايتهم".
    عجيب! إنها نفس الجملة التي قالها وليد لي مؤخرا!
    ولدى تذكري الجملة تذكرت كيف حملني وليد بالكرسي وصعد بي الدرج ثم نزل دون أن تظهر عليه أي إمارة تعب!
    وكذلك تذكرت (لوحاتي) والموقف الأخير بيننا...
    آه أنتم تعرفون مسبقا... كم هو طويل وعريض وضخم وقوي ابن عمي الحبيب هذا!
    الشيء الذي لا تعرفونه والذي اكتشفته مؤخرا.. هو أن صدره واسع جدا جدا...
    يكفي لأن أغوص فيه وأسبح دون أن أصل إلى بر أرسي عنده!
    ابتسمت ابتسامة عريضة وأنا أتخيل وليد... ربما اعتقدت السيدة ليندا أنني ابتسم لها مسرورة بجملتها الأخيرة...!
    خطوة مبتعدة عنها ومتغلغلة في عمق المزرعة بسرور...
    ملأت صدري من الهواء المنعش الذي شعرت به يسري حتى في أطرافي... وكان عابقا بمزيج من رائحة الخضرة والزهور... كم كان هذا رائعا خلابا...
    بعد فترة من الزمن.. ظهرت الشقراء أمامي فجأة..
    كانت ترتدي ملابس بيتية وتطلق شعرها الطويل للهواء الطلق.. وتسير على العشب حافية القدمين..
    اصطدمت نظراتنا ببعضها وتنافرت بسرعة! هممت بالانسحاب بعيدا عنها لكنها فجأة نادتني:
    "انتظري".
    ماذا؟! أنا أنتظر؟ ومعكِ أنتِ؟
    ألقيت عليها نظرة لا مبالية وهممت بالمغادرة غير أنها اعترضت طريقي...
    "ماذا تريدين؟"
    سألتها بحنق فأجابت:
    "ألا يمكننا التحدث ولو للمرة الأخيرة... كشخصين ناضجين؟"
    لم أستسغ مقدمتها هذه وفي الواقع أنا لا أستسيغ منها أي شيء...
    قلت بحدة:
    "أي حديث بعد؟! بعد الذي فعلته!"
    أروى قالت مدافعة:
    "أنا لم أفعل شيئا يا رغد... وكلانا يدرك أنه كان حادثا عفويا... ولو كنت أعلم مسبقا بأنك ستتضررين هكذا ما كنت اعترضت طريقك".
    عقبت باستهجان:
    "وها أنتِ تعترضين طريقي ثانية...وقد ينزلق العكاز مني وأقع وأصاب من جديد... فهل ستقولين عنه إنه حادث عفوي؟"
    ابتعدت أروى عن طريقي فحثثت الخطى قدر الإمكان... مولية عنها...
    سمعتها تقول من خلفي:
    "لكننا سنضع حدا لكل هذا يا رغد... والحال لن تستمر على هذا النحو".
    لم ألتفت إليها.. فتابعت:
    "من الأفضل أن نناقش الأمر بيننا نحن قبل أن نضعه على عاتق وليد".
    توقفت... فاسم وليد هز وجداني.. لكنني لم أستدر إليها.. وسمعتها تتابع:
    "وليد لن يتحمل وجودنا معا... ولا يستحق هذا العناء... المكان لا يتسع لكلينا...
    وعلى واحدة منا الانسحاب طوعا".
    أثارتني عبارتها الأخيرة أيمّا إثارة... وأرغمتني على الالتفات إليها وأنا أحبس أنفاسي من الذهول...
    تابعت هي:
    "أجل يا رغد... على إحدانا الانسحاب من دائرة وليد... وتركه يعيش بسلام مع الأخرى".
    ازداد اتساع حدقتي عيني وتجمع الهواء الفاسد في رئتي فاضطررت إلى زفره بقوة...
    أروى سارت مقتربة مني... حتى صارت أمامي وهي محملقة في وجهي...
    قالت:
    "إحدانا يجب أن تضحي من أجل راحة وليد..."
    لازلت متسمرة على وضعي... لا أكاد أصدق ما أسمع...
    تغيرت نبرة أروى إلى الحزن.. وتابعت:
    "رغد.. هل تفهمين ما أعنيه؟"
    أطرقت برأسي كلا... كلا لا أريد ان أفهم.. كلا لا أريد أن أسمع المزيد.. لكن أروى قالت:
    "بل تفهمين... البارحة وليد لم ينم مطلقا... راقبته قبل نومي ورأيته يحوم في المزرعة بتشتت... وعندما نهضت فجرا وجدته لا يزال في الخارج شاردا لحد الغيبوبة...
    إنه لا ينام منذ أيام... أوضاعنا تشغل باله لأبعد الحدود... إنه مهموم جدا ويعاني الأمرين بسببنا...
    وأنا أريد أن نضع نهاية لهذا... هل فهمت؟"
    كان صوت أروى يخترق أذني بعنف... وقلبي يتقطع وأنا أسمع منها كلاما كهذا لأول مرة...
    قالت:
    "أعتقد... أن أمر وليد يهمك كما يهمني.. أليس كذلك؟"
    لم أجب فكررت السؤال:
    "أليس كذلك يا رغد؟"
    قلت أخيرا:
    "بلى.. قطعا".
    أروى قالت بنبرة أشد حزنا:
    "يجب أن تضحي إحدانا من أجل راحته... إنه يستحق التضحية".
    نظرت إليها بعمق لم يسبق لي أن نظرت إليها بمثله... بجدية لم يسبق أن علت نظراتي إليها... وباهتمام لم يسبق أن أوليتها لها من قبل...
    وكانت تبادلني النظرات...
    ولم أشعر إلا بدمعة تتجمع في مقلتي ثم تسيل حارقة على خدي...
    خرجت الجملة من حنجرتي واهية مذعورة:
    "تقصدينني أنا؟؟"
    لم تتكلم أروى.. فقلت وأنا أحرك رأسي رفضا:
    "مستحيل..."
    فإذا بها تقول:
    "صدقيني... لقد وصلنا إلى مرحلة لا يمكن أن نستمر نحن الثلاثة معا.. مطلقا"
    أخذت شهيقا باكية وقلت:
    "لكن... لكنه الوصي علي... لا يمكنني الاستغناء عنه.. إنه كافلي".
    قالت:
    "وهو زوجي أيضا".
    وخزتني جملتها وقرصت قلبي... فقلت رافضة:
    "أنت تعبثين بي... تتلاعبين بمشاعري".
    أروى قالت:
    "إنها الحقيقة يا رغد وأنت تدركينها.. لكنك تخدعين نفسك... انظري إلى حال وليد بيننا ... هل يعجبك؟ هل يرضيك أن يعاني كل هذا التشتت؟ هل ترضين له.. هذه المرارة".
    وتخيلت صورة وليد وهو يتشاجر معي ليلة حفلة العشاء... ويقول لي إنه تعب من تقلبات مزاجي.. ويطلب مني تركه يستريح قليلا... وشعرت بسكين قوية تمزق قلبي...
    طأطأت رأسي إلى الأرض فهوت دموعي مبللة العشب...
    آه يا وليد... هل أنت تعاني بسببي أنا؟ هل أنا سبب تعكير مزاجك؟؟ هل وجودي معك هو خطأ كبير علي تصحيحه؟
    لكن.. ماذا عني أنا؟؟
    أنا لا أستطيع العيش بدونك.. إنك الهواء الذي أتنفسه وإن انقطعت عني.. فسأموت فورا..
    "رغد".
    خاطبتني الشقراء فرفعت بصري إليها ولم أرها من غزارة الدموع...
    "رغد.. يجب أن نناقش الأمر.. يجب ألا نستمر في هذه الدوامة التي ستقضي على وليد أولا.. إن كنا نكترث لأمره بالفعل..فيجب أن نتصرف بإثار.. لا بأنانية.. على إحدانا أن تخلي الساحة.."
    عصرت عيني لأزيح الدموع عنها ثم قلت بصوت حزين:
    "لماذا لا تكون ...أنت؟"
    أروى تنهدت ثم قالت:
    "أنا.. مستعدة لأن أفعل ذلك من أجل وليد.. أحبه كثيرا وسأضحي بمشاعري لإراحته.. صدقيني أنا أعني ما أقول.. لكن.."
    قلت:
    "لكن ماذا؟"
    أروى نظرت إلى الأشجار من حولها.. ثم إلى السماء.. ثم عادت إلي..
    "وليد.. متعلق جدا بعمله.. لقد.. كان حلم حياته أن يدير شركة أو مصنعا, كما كان والده رحمه الله..
    تعرفين أن وليد متخرج من السجن.. ولا يحمل شهادة دراسية غير الثانوية...
    لم يرحب أحد به للعمل عنده.. وبالكاد وجد عملا كفلاح بسيط في مزرعتنا لقاء المأوى والطعام.. وليد عانى كثيرا وعاش فترة بائسة جدا العام الماضي..
    ربما لم تشعروا بها كما شعرت بها أنا... وأنا, وأنت كذلك.. كلانا لانريد له أن يعود لذلك البؤس من جديد.. أليس كذلك؟؟"
    هززت رأسي ثم هتفت:
    "كفى"
    واستدرت أريد الهروب بعيدا عن صورة أوروى وكلامها... لكنها تابعت وهي تعلي صوتها:
    "إذا كنت تحبين وليد فعلا فابتعدي عنه... لا تعيديه إلى البؤس يا رغد".
    تابعت طريقي بأسرع ما أمكنني... ولحقتني عبارتها:
    "فكري في الأمر مليا... من أجل وليد".
    كفى... كفى... كفى...
    كنت أسير وأحرك رأسي محاولة نفضه عن كل ما علق به من كلام أروى...
    عندما وصلت إلى غرفتي اندفعت بسرعة أكبر نحو سريري فتعثرت ووقعت قبل أن أصله...
    وعلى الأرض رميت برأسي ونثرت دموعي وأنا أكرر:
    "كلا... كلا... كلا..."
    وعبثا حاولت طرد كلامها من رأسي... غدا كالسم... يسري في عروقي كلها ويشل تفكيري وحركتي ويعميني عن رؤية غير السواد...

    **********************
    لم أكن نشيطا هذا اليوم... فقد استيقضت عند الظهيرة بعد نوم سطحي ساعات النهار...
    تفقدت الآخرين فوجدت العم إلياس في الساحة الأمامية للمنزل مشغولا بتنظيف الصناديق الخشبية المستخدمة في جمع الثمار مما علق بها من بقايا ثمار وأتربة.
    هذا الرجل لا يكف عن العمل! ورغم أننا وظفنا مجموعة من العمال للعناية بالمزرعة لساعات معينة من النهار, غير أنه ما فتىء يستخدم ساعديه وبهمة كما في السابق.
    بعد حوار بسيط ساعدته على تنظيف الصناديق ثم ترتيبها فوق بعضها البعض, لعل النشاط يدب في بدني النهك..
    وحالما فرغنا من الأمر فاجأني العم بهذه الجملة...
    "بني... أريد أن نتحدث بشأنك أنت وأروى".
    أدركت من خلال النظر إلى عينيه أنه صار على علم بما حصل مؤخرا... التزمت جانب الصمت
    فقال مستدرجا:
    "أريد أن أسمع منك ما حكاية عمار عاطف؟"
    شعرت باستياء.. فقد وصل الموضوع الآن إلى العم.. وصار موقفي محرجا جدا..
    تبا لك يا عمار.. قتلتك منذ 9 سنين وحتى الآن لم أتخلص منكَ؟؟
    أجبت أخيرا:
    "هل أخبرتك أروى؟"
    قال:
    "إنهما لا تخفيان عني شيئا يا وليد".
    وظهر شيء من القلق على ملامح العجوز.. مم أنت قلق يا عمّي؟؟ وهل اهتزت ثقتك بي أنت أيضا؟؟ أنا لا أتحمل خسارة الإنسان الأول الذي قدم لي الاحترام والثقة والمعوتة وفتح لي باب قلبه وبيته بينما كل الأبواب موصدة في وجهي.. بعد خروجي من السجن..
    قلت مدافعا:
    "عمّاه.. أرجوك صدقني.. أنا لم أقصد أن أخفي عليكم حقيقة أنني قاتل ابن أخ نديم رحمه الله".
    وبدا الاهتمام الشديد على وجه العم, وأصغى بكل جوارحه...
    فتابعت:
    "حتى نديم ذاته لم يعرف هذه الحقيقة. لقد كان صديقا وأبا لي في السجن وأحببته كثيرا...
    وحضوري إليكم وارتباطي بكم كان بدافع الوفاء له.. لم أجد منلسبة لكشف هذا ولم أعتقد أن الأمر سيسبب كل هذا التعقيد"؟
    العم أظهر تعبيرات التفهم التي أراحتني بعض الشيء ثم قال:
    "حسنا.. ربما لم تكن هناك مناسبة لذكره مسبقا, أما الآن وقد ذكر.. فاعذر فضولنا لنعرف لماذا قتلته أو على الأقل.. لماذا لا تريد أن تفصح عن السبب".
    رمقت العم بنظرة رجاء... اعفني يا عم من من هذا... أتوسل إليك... لكن نظراته كانت تنم عن الإصرار.. أشحت بوجهي بعيدا عن عينيه.. وقلت:
    "لا أسطيع".
    العم رفع يديه إلى كتفي وقال:
    "وليد.. انظر إلي".
    بتردد أعددت عيني إلى عينيه.. وحملقنا في بعضنا البعض لفترة..
    بعدها أبعد العم يديه وقال:
    "كما تشاء".
    ثم ابتعد عني... ناديته برجاء:
    "عمّاه.."
    وحين نظر إلي قلت:
    "أرجوك.. لاتتخذ مني موقفا بسبب هذا.."
    العم ابتسم وقال:
    "لا عليك يا بني".
    جملته طمأنتني فقلت:
    "أسبابى قهرية".
    قال:
    "عرفت ذلك. إنك أنبل من أن تقتل شخصا لأسباب أصغر".
    تنهدت باطمئنان وقلت:
    "آه.. أشكرك ياعمي... أرحتني".
    العم إلياس ابتسم وقال:
    "الأهم أن نريح الفتاة التي تراقبك من النافذة خلسة!"
    وعندما التفت إلى ناحية المنزل لمحت أروى تقف عند النافذة وتنظر إلي...
    ذهبنا بعد ذلك أنا والعم لتأدية الصلاة وعندما عدنا كانت مائدة الطعام معدة لي وللعم في غرفة الطعام, وللسيدات في المطبخ كما جرت العادة. أطللت على المطبخ برهة وكما هو متوقع لم أجد رغد. سألت عنها فأخبرتني الخالة أنها دعتها للمائدة غير أنها اعتذرت عن المشاركة.
    أردت أن أتفقد الصغيرة بنفسي.. ولم أكن قد رأيتها منذ البارحة.. وأنا أعرف أنها منزعجة من النزول في المزرعة...
    طرقت باب غرفتها فأذنت لي بالدخول.. سألتها عن أحوالها فطمأنتني إلى أنها بخير.. ولكنني أنا وليد أعرف متى تكون صغيرتي بخير!
    "ما بك يا رغد؟"
    سألتها بقلق فردت مباشرة:
    "لا شيء"
    قلت مشككا:
    "متأكدة؟"
    أجابت:
    "طبعا!"
    نظرت إلى عينيها غير مقتنع وقلت:
    "لا تخفي عني شيئا يا رغد".
    وما كدت أنهي جملتي حتى فاضت دموع حارة كانت مختبئة في عينيها...
    "رغد!"
    بسرعة مسحت رغد دموعها وتظاهرت بالتماسك وادعت:
    "أنا بخير".
    قلت محتجا:
    " وهذه الدموع؟"
    قالت زاعمة:
    "فقط.. مشتاقة إلى خالتي".
    لا يمكنك خداعي يا رغد... هناك ما تخفينه ولا ترغبين بالبوح به...
    اقتربت منها وقلت:
    "تعرفين أنني سآخذك إليها اليوم.. فلماذا الدموع؟"
    رغد غيرت تعبيرات وجهها محاولة إظهار المرح وابتسمت وقالت:
    " متى نذهب؟"
    أجبت مجاريا:
    "الخامسة ننطلق بعون الله".
    فقالت:
    "بعون الله".
    ثم ابعدت عينيها عني لئلا أقرأ المزيد... لم أشأ إزعاجها فتجاهلت دموعها وقلت:
    "حسنا.. سأطلب من الخالة جلب وجبتك".
    وهممت بالانصراف غير أنها قالت:
    "كلا شكرا. لا أشعر بالجوع الآن".
    قلت:
    "هل تناولت شيئا في الصباح".
    ولم ترد.
    قلت مستاءً:
    "لم تأكلي شيئا مذ غادرنا المنزل؟"
    قالت:
    "بلى.. عنقود العنب".
    قلت مستاءً:
    "كلا... رجاء لاتتهاوني في ذلك.. أم أنك لم تتعظي مما حصل تلك الجمعة؟ لا يتحمل جسمك النحيل الجوع".
    فرددت رغد مبررة:
    "لكني لا أحس بالجوع الآن".
    قلت مقاطعا:
    "حتى وإن.. لن أثق بإحساسك بعد الذي حصل. سأجلب غذاءك بنفسي".
    قالت معترضة:
    قلت لك لا أشتهي شيئا وليد أرجوك! أنا لست طفلة".
    أحقا!
    أتظنين نفسك لست طفلة؟؟
    أو تعتقدين أن الأعوام التسعة التي أضيفت إلى عمر طفولتك التي فارقتك عليها... زادتك في نظري كبرا ونضوجا؟؟
    بل أنتِ طفلتي التي مهما دارت بها رحى السنين ستظل في عيني صغيرة لا بد لي من العناية بها..
    لم أشأ وقتها أن أضغط عليها أو أحرجها.. خصوصا وأنا أشعر بأن هناك ما يضايقها..
    فقلت:
    "حسنا.. لكن يجب أن تأكلي شيئا قبل موعد المغادرة..اتفقنا؟"
    فأجابت بملل:
    "حاضر".
    أخفضت صوتي وجعلته أقرب إلى الهمس العطوف وأضفت:
    "وإذا كان هناك أي شي يضايقك.. وأحسست بالحاجة لإخباري.. فلا تترددي.."
    نظرت إلي رغد نظرة مطولة ثم قالت:
    "بالتأكيد".
    وبالتأكيد هذه خرجت من صدرها متشحة بحزن عميق ضاعف مخاوفي..
    استأذنتها بالانصراف.. وحالما بلغت الباب سمعتها تقول فجأة:
    "وليد.. سامحني!"
    أي تأثير تتوقعون أن جملتها هذه أوقعت على نفسي؟؟
    ماذا جد عليك اليوم يا رغد؟؟
    صحيح أنني اعتدت على تقلباتها... وانفعالاتها المتفاوتة... كونها تغضب وترضى وتفرح وتحزن بسرعة... ولا يتوقع المرء موقفها التالي, غير أن حالتها هذه الساعة جعلت قلبي ينقبض ويتوقع أزمة مقبلة..
    لطفك يا رب..

    ****************
    كل الساعات الماضية وأنا أفكر فيما قالته الشقراء... وأشعر بقلبي ينعصر.
    لا شك أنها محقة فيما قالت وأن وليد بسبب وجودي في حياته وتوليه مسؤوليتي العظمى.. مع وجود الخلافات المستمرة بيني وبين الشقراء... لا شك أنه يضغط على نفسه كثيرا ويعاني..
    طوال الوقت وأنا أتصرف بأنانية ولم أفكر به.. بما يشعر وبما يثقل صدره ويرهق كاهله.. جعلته يغير ظروف حياته لتناسبني أنا.. وحملته الكثير.. الكثير..
    هذه الساعة أنا أشعر بالذنب وبالخجل من نفسي.. والغضب عليها.. آه يا وليد قلبي... هل ستسامحني؟؟
    فكرت في أنني يجب أن أختفي من حياته وأخلي طرفه من المسؤولية علي.. حتى يرتاح.. ويهنأ بحياته.. لكن الفكرة ما أن ولدت في رأسي حتى وأدها قلبي بقسوة.. وأرسل رفاتها إلى الجحيم..
    أنا أبتعد عن وليد؟؟
    مستحيل! مستحيل... لا أستطيع.. إنه الروح التي تحركني والأرض التي تحملني والدنيا التي تحويني..
    أحبه وأريد أن أبقى ولو اسما منقوشا على جدار يمر به كل يوم..
    أحبه أكثر من أن أستطيع التخلي عنه.. أو حتى تخيل العيش بدونه..
    عند الخامسة أتى وليد لحمل حقيبة سفري.. وتبعته إلى الخارج.. كان يسير وأسير على ظله الطويل.. شاعرة برغبة مجنونة بأن أرتمي عليه..
    وصلنا إلى السيارة وأدخل وليد الحقيبة فيها.. وفتحت أنا الباب الخلفي لكي أجلس وأسلمه العكاز ليضعه مع الحقيبة..
    وليد قال وهو يفتح باب المقعد الأمامي المجاور لمقعد السائق:
    "اركبي هنا يا رغد".
    نظرت إليه مستغربة.. فقد اعتدت أن أجلس خلفه... وهذا الموضع صار من نصيب الشقراء الدخيلة...
    قال وليد معللا:
    " فالمكان أوسع وأكثر إراحة لرجلك".
    وكانت هذه السيارة أهداها سامر لوليد قبل أشهر والتي اصطدمنا فيها بعمود الإنارة في ذلك اليوم الممطر.. وهي أصغر حجما من سيارة وليد الجديدة التي يستخدمها في المدينة الساحلية..
    أذعنت للأمر ولما جلست تناول هو عكازي ووضعه على القاعد الخلفية, ثم أقبل وجلس خلف المقود وأدخل يده في جيبه وأخرج هاتفه ووضعه على المسند, وتفقد جيبه الآخر ثم التفت إلي وقال:
    "انتظريني رغد... نسيت شيئا.. سأعود حالا".
    وغادر السيارة عائدا أدراجه إلى المنزل...

    *****************

    انتبهت إلى أنني لم أحمل محفظتي معي.. وكنت قد تركتها على المنضدة في غرفتي منذ البارحة.. وقد حملت فيه مبلغا ماليا لأعطيه لرغد لتنفق منه أثناء إقامتها في بيت خالتها...
    تركت رغد في السيارة وذهبت لإحضار المحفظة.. وفيما أنا في الغرفة أتتني أروى..
    كانت تتحاشاني نهائيا منذ قدومنا.. عدا عن خصامها لي منذ أيام..
    وكانت أخر مرة تحدثنا فيها ولو قليلا هي ليلة حفلة عشاء رغد.. والتي لم تدع لي المجال لأي حديث معها بعدها... وبدوري لم أتعمد ملاحقتها أو الضغط عليها.. أردت أن نأخذ هدنة ليومين أو ثلاثة.. نتنفس الصعداء ونسترخي في المزرعة.. ثم نعود لمناقشة أمورنا من جديد...
    عندما رأيتها وقفت برهة ولم أتكلم..
    "إذن.. ذاهبان الآن؟"
    بادرت هي بالسؤال فأجبت:
    "نعم".
    ظهر عليها التوتر ثم قالت:
    "وهل ستمكث هناك؟"
    أجبت:
    "سأبقى لبعض الوقت, ثم أذهب إلى شقيقي.."
    سألت:
    "ومتى ستعود؟"
    أجبت:
    "غدا مساء على الأرجح.. أريد قضاء بعض الوقت مع شقيقي فنحن لم نلتق منذ فترة".
    ظهر مزيد من التوتر على وجه أروى..
    سألتها:
    "أهناك شيء؟"
    سارت أروى نحوي حتى صارت أمامي..
    قالت:
    "وليد أنا... أنا..."
    ولم تتم إنها مترددة.
    "ما الأمر؟"
    تشجعت قليلا وقالت:
    "أنا.. أعتقد أنك لا يمكن أن تقتل شخصا دون سبب قوي جدا.."
    وصمتت..
    أدهشني كلامها بادئ ذي بدء... فأنا لم أتوقع أن يبدأ الحديث بيننا بهذا الموضوع بالذات بين كل المواضيع العالقة, والأكثر أهمية.. لكن الواضح أنه أول ما يشغل تفكير أروى..
    تابعت:
    "أخبرني خالي.. بأن أبي رحمه الله.. كان يقول عن عمار إنه شخصا سيئا..
    وأن عمي عاطف رحمه الله قد أخفق في تربيته.. وأنه أي أبي.. كان يشعر بالعر منه".
    حبست نفسي لئلا أتفوه بسيل منجرف من الشتائم..سئ فقط؟ أنت لا تعرفين من كان ابن عمك الذي تتحرقين شوقا لمعرفة سبب قتلي إياه.. وكأنه ضحية بريئة..
    تابعت:
    "حسنا.. أنا لن أسألك عن السبب ثانية.. واخف عني ما تريد إخفاءه بالنسبة لموضوع عمار... لكننا يجب أن نتناقش بموضوع رغد".
    أثارني ذكر رغد.. فقلت بلهفة:
    "رغد؟"
    أروى أكدت:
    "نعم رغد... الوقت غير مناسب الآن.."
    أقلقتني جملتها في وقت كنت أنا فيه قلق ما يكفي ويزيد... خصوصا مع حالة رغد الجديدة اليوم.. وخطر ببالي أنهما - أي رغد وأروى- ربما تشاجرتا معا من جديد..
    فعدت أسأل:
    "ماذا عن رغد؟"
    ألقت علي أروى نظرة قوية التعبير ثم أجابت:
    "الحديث يطول.. وأنت على وشك المغادرة".
    فنظرت إلى ساعة يدي ثم قلت مستسلما:
    "حسنا.. عندما أعود غدا.. نتحدث".
    وفي رأسي فكرة تقليص فترة الهدنة, بما أن أروى قد بادرت بالحديث معي..
    أروى أخذت تحرك رأسها اعتراضا ثم إذا بها تقول:
    "أرجوك أن.. تبقى مع شقيقك بضعة أيام".
    فوجئت بطلبها.. الذي جاء عكس استنتاجاتي.. ولما رأت تعبيرات الدهشة على وجهي قالت مبررة:
    "أريد ألا نتقابل لبعض الوقت.. لا تسئ فهمي.. من الأفضل أن نرخي أعصابنا حتى نفكر بهدوء.."
    أصابني طلبها بجرح.. ولكني تظاهرت بعدم التأثر وقلت:
    "فهمت.."
    وتذكرت آنذاك أنني كنت قد وعدت عمي بمرافقته في مشوار مهم يوم الغد بشأن المزرعة..
    "إذن سأعتذر لخالك عن العودة.. وأحمل بعض الحاجيات".
    وذهبت للبحث عنه ووجدته في المطبخ يساعد الخالة ليندا في تنظيف السمك..
    أخبرته بأنني سأقضي بضعة أيام مع شقيقي واعتذرت عن مرافقته.. وودعته هو والخالة بوجه مبتسم..
    عدت بعدها إلى غرفتي وحملت حقيبتي الصغيرة التي أتيت بها إلى الجنوب وفيها بعض ملابسي وحاجياتي... وأعدت الأشياء التي كنت قد استخرجتها منها.. وبينما أنا مشغول بها سمعت صوت أروى تناديني..
    "وليد".
    عندما التفت إليها رأيتها واقفة عند الباب ووجهها يبدو حزينا وممتقعا.. ولمحت دمعة تنساب من عينها..
    سألت بقلق:
    "ما بك الآن؟؟"
    وكان جوابها بأن أقبلت نحوي.. ووضعت رأسها في حضني وطوقتني بذراعيها بحرارة..

    **********************

    تأخر وليد!
    قال إنه نسي شيئا وسيعود في الحال.. وتركني جالسة في السيارة والتي لم يشغل محركها ولا مكيفها!
    شعرت بالحر والاختناق ففتحت باب السيارة أتنفس الهواء الطلق.. وبعد دقائق داهمني الشعور بالقلق.. لماذا تأخر وليد؟؟
    خرجت من السيارة واستخرجت عكازي منها وذهبت كي أتفقده..
    ذهبت مباشرة نحو غرفته ورأيت الباب مفتوحا.. ولم يكن علي إلا أن ألقي نظرة عن بعد عبر فتحه حتى أرى حبيب قلبي يعانق أكثر فتاة كرهتها في حياتي.. على الإطلاق..
    الصورة أعشت عيني.. وخدرت أصابعي.. ومزقت بقية أربطة مفاصلي فتفككت وانفصمت مفصلا مفصلا..
    انسحبت أجر أطرافي جرا وأتخبط في سيري حتى بلغت الباب الرئيسي وخرجت إلى الشمس دون أن أرى شيئا..
    شعرت بالعتمة تلون كل ما حولي.. وبمفاصلي المنفصمة تخر هاوية..
    أمسكت بالباب أنشد دعمه لكنه أرجحني معه.. وحتى عكازي.. خانني في آخر لحظة وسلمني أسيرة الوقوع أرضا..
    ربما رق الحجر لحالي؟ لم أشعر بأي ألم.. أو ربما البنج الذي سببته الصدمة لي أتلفت أعصابي الحسية.. فما عدت أشعر بأي شيء.. أي شيء..
    ثوان وإذا بالباب يتحرك ومن خلفه يطل الرجل الطويل.. العملاق الذي أحبه..
    والذي رغم كل السواد.. والظلام والعتمة.. استطعت رؤيته.. والذي فور رؤيتي له تدفق النزيف من قلبي مجتاحا كل المشاعر..
    كان يتكلم.. لكنني لم أسمعه.. ثم رأيته يجلس على العتبة قربي ويمد يده إلى عكازي.. ويقربه مني..
    ماذا يقول هذا الرجل؟؟ ماذا يطلب مني؟؟ هل يريد أن أقف؟ ألا يرى مفاصلي مفككة؟؟ ألا يرى عضلاتي مشلولة؟؟ ألا يرى الدماء تغرق جسدي؟؟ ألا ترى كل ذلك يا وليد؟؟ ألا ترى كل ذلك؟؟
    أسنتدت رأسي إلى الجدار.. وأغمضت عيني.. وتمنيت ألا أفتحهما بعد الآن أبدا..

    *****************************


  7. #507
    عضو imen-assira is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    07-11-2009
    المشاركات
    27
    ‎تقييم المستوى 0

    افتراضي رد: رواية انت لي... اكثر من رائعه


    تتمه
    ********************


    "رغد ماذا جرى لك؟"
    قلت ذلك ومددت يدي تلقائيا إلى وجه رغد وضربته بخفة... فقد كانت نغمضة العينين وكأنها ستفقد وعيها.. ولي معها سابق مواقف..
    فتحت رغد عينيها ونظرت إلي مباشرة.
    قلت مفزوعا:
    "أأنت بخير؟؟"
    نظرت رغد من حولها أولا وكأنها تستفيق من نوم أو إغماءة.. بدا على وجهها التيه والضيعان..ثم نظرت إلي وكأنها ليست واثقة ممن أكون.. ثم وضعت يدها على جبينها كأنها تسترجع الذاكرة..
    وأخيرا قالت:
    "تعثرت بالعتبة".
    قلت بلهفة:
    "سلامتك.. هل أصبت؟"
    فحركت رأسها نفيا..
    مددت يدي لأساعدها على النهوض:
    "قومي بنا إلى السيارة".
    لكن رغد لم تقم بل أسنتدت مرفقها إلى رجلها ورست برأسها على كفها اليسرى وقالت:
    "انتظر قليلا.."
    وظهر عليها الإعياء.. ما فجر سيول قلقي المتكدسة منذ الظهيرة.. قلت:
    "رغد.. يبدو عليك الإعياء.. أخبريني بصدق.. هل أنت بخير؟ هل تشعرين بدوار؟"

    أومأت رغد بنعم, لكنني لم أطمئن.. قلت:
    "لا تبيدين كذلك.. أراهن أنك لم تسمعي كلامي, ولم تأكلي شيئا.. أليس كذلك؟"
    ولم ترد.. فتأكدت من شكوكي وقلت بغضب ممززوج بالقلق:
    "متى تتوقفين عن هذا العناد...؟ هل يجب أن تكرري ما حصل وتجففي دمائي من القلق عليك؟ جسمك أضعف من أن يتحمل عنادك.. رأفة بنفسك وبي.. لقد أهلكتني".
    ولم أنتبه لقسوة كلماتي إلا حين رأيت وجه رغد يلتفت إلي ويكفهر ويصفر.. بعدها قلت بنبرة ألطف:
    "سوف لن نغادر وأنت بهذه الحالة".
    هنا اعترضت رغد وقالت"
    "كلا أرجوك.. أنا بخير الآن".
    قلت مناقضا ادعائها:
    "لا لست بخير.. أرى هذا بوضوح".
    قالت مصرة:
    "أنا بخير.. صدقني.. تعثرت بهذه العتبة لا أكثر.. دعنا نذهب الآن".
    ثم أمسكت بالعكازونهضت واقفة لتثبت لي أنها على ما يرام.. لكني أعرف أنها ليست كذلك.. إنها تلتهم أنفاسها النهاما وتتحرك ببطء.. ويطغى الشحوب على وجهها..
    قلت:
    "دعينا ندخل إلى الداخل.. ستتناولين وجبة كبيرة وتنالين قسطا من الراحة قبل أن نغادر".
    رغد استماتت معترضة:
    "رجاء وليد... دعنا ننصرف الآن".
    لم أصدقها وبقيت مصرا على موقفي, وهي مصرة على عنادها...
    "لن نتحرك خطوة واحدة وأنت بهذا الشكل.. ماذا إن انهرت علي في الطريق؟؟ واضح من لونك أنك مرهقة. ستدخلين الآن إلى المنزل وتأكلين بعض الطعام ماذا وإلا فأنني سأؤجل الرحلة إلى الغد".
    وأمسكت بيدها بلطف أحثها على السير نحو الداخل غير أنها سحبتها وقالت ببعض العصبية:
    "قلت لك لا أريد شيئا من هذا المكان.. ألا تفهم؟؟"
    حينها أدركت موقفها.. فقلت:
    "في هذه الحالة... إذن.. سنمر بأحد المطاعم قبل المغادرة".
    ولم تملك رغد إلا أن تنصاع للأمر.. سرنا عائدين إلى السيارة ببطء وحذر.. وهي بعكازها.. وأنا بحقيبة سفري.. جنبا إلى جنب.. وخطوة بخطوة.. كنت خاش عليها أن يداهمها الدوار كما في المرة السابقة, لا قدر الله...
    فتحت الباب الأمامي وطلبت منها الجلوس.. على المقعد المجاور لمقعدي... لتبقى على مقربة مني.. وتحت ناظري مباشرة..
    وانطلقنا بعون الله...
    توقفت عند أحد المطاعم واشتريت لها وجبة كبيرة أجبرتها على تناولها عن آخرها..
    وأعترف بأنني كنت صارما معها.. فأعرف أن جسدها النحيل لا يحتمل الجوع الطويل..
    وبعد تجربتي الأخيرة معها في منزلنا الكبير... لن أسمح لها التهاون بشأن الطعام...
    طوال المشوار.. رغد كانت صامتة صمتا مغلقا.. أنا غير مرتاح من حالها اليوم ولكنها لم تشأ إخباري بشيء... والله الأعلم.. بم تفكر الآن...
    أما أنا, فإلى جانب تفكيري بها كنت أفكر بقلق في عائلة خالتها وما سيقولونه عن إصابتها... وسرعان ما ثبت لي أن مخاوفي في محلها...
    أم حسام, وبمجرد أن رأت الصغيرة تدخل المنزل بالعكاز.. لطمت على وجهها وصرخت:
    "ابنتي.. ويلاه".
    وأقبلت مسرعة مولولة.. وضمت الفتاة إلى حضنها وبدأت بالنواح..
    ورغد سرعان ما انفجرت بكاء عميقا على صدر خالتها مما زاد الأمر دراما واشتعالا...
    أردت أن أتكلم.. أن أسلم.. وأوضح الأمرفقلت:
    "خالتي".
    ولم أكد أتم الكلمة حتى رأيت أم حسام ترفع رأسها وتنظر إلي وقد توهج وجهها احمرارا وفاضت الدموع من عينيها وتطاير الغضب من بؤبؤيها وإذا بها تصرخ:
    "ماذا فعلت بالفتاة أيها المتوحش؟ لا بارك الله فيك ولا في اللحظة التي تركت ابنتي فيها تحت رحمتك أيها المجرم القاتل".
    ذهلت... صعقت.. ووقف شعر رأسي من كلامها الجنوني... ألجم لساني من الهول... حاولت النطق بأي شيء.. فإذا بها تمطرني بدعوات شريرة مزلزلة...
    "لا بارك الله فيك... لا وفقك الله في شي... حطم الله قلبك كما حطمت قلبي على ابنة أختي".
    صرخت:
    "رغد".
    مستنجدا.. قولي شيئا! تظن خالتك أنني كسرت عظامك وعن عمد... قولي شيئا يا رغد.. أوضحي لهم... لكن رغد لم تتكلم.. حتى أنها لم تنظر إلي..
    التفت من حولي فرأيت أعين بقية أفراد العائلة تحملق بي والشرر يتطاير منها.. ما هذا؟؟ أكلكم تظنون أنني كسرت عظامها؟؟ هل تعنون هذا؟؟
    فجأة سمعت صوت حسام يقول بحدة:
    "ماذا فعلت بها؟".
    أجابت أم حسام منفعلة:
    "ألا ترى؟ كسر عظامها كسر الله عظامه ودكها دكا".
    أبو حسام تدخل ها هنا وقال:
    "رويدك يا أم حسام هداك الله... دعينا نسمع منه ما حصل".
    والتفت إلي وقال:
    "هيا بنا إلى الداخل".
    ووقفت مكاني مذهولا من موقف أم حسام المهاجم بعنف دون استيضاح الأمور... ومن موقف رغد الصامتة وكأنها تؤيد خالتها في هجومها اللاذع ضدي...
    نظرت إلى رغد شاعرا بالخذلان.. كيف تدعيهم يظنون بي هكذا ثم لا تدافعين عني ولا بكلمة ولا إيماءة واحدة؟؟
    أم حسام سارت مسندة لرغد التي خطت بعكازها مبتعدة عني... دون أن تلقي علي أي نظرة...
    قال أبو حسام:
    "تفضلوا جميعا".
    بقيت واقفا متسمرا في مكاني يحول ذهولي من كلام أم حسام دون حراكي, فالتفت أبو حسام إلي ومد يده نحوي وقال:
    "تفضل وليد".
    وسرنا جميعا نحو المدخل... يسبقنا نواح أم حسام...
    الطريق بين بوابة السور الخارجي للمنزل والباب الداخلي له طويل لحد ما.. يتخلل حديقة المنزل الأمامية...
    قطعنا المسافة صامتين إلا عن ولولة أم حسام التي أحدثت في قلبي صدعا بالغا...
    عندما وصلنا إلى باب المنزل قلت قاصدا تنبيهها:
    "انتبهوا... إنها لا تستطيع صعود الدرجات".
    وتقدمت بقصد مد يد العون إلا أن أم حسام زجرتني بقسوة:
    "دع الفتاة لي".
    فابتعدت والعرق يتصبب مني حرجا..
    واقتربت ابنتة خالة رغد الكبرى ومع والدتها ساعدت رغد على الصعود...
    قادني أبو حسام إلى غرفة الضيوف وأحسن ضيافتي.. أما حسام فقد كنت أشعر بألسنة النار تندلع من عينيه وهو يراقبني بتربص...
    أخيرا شرحت لهما ما حصل وبينت أنه كان حادثا عرصيا.. غير أن ذلك لم يخفف وطء المصيبة على حسام الذي قال معقبا:
    "ولماذا لم تبلغنا عن الحادث منذ البداية؟ إلا إذا كان هناك ما تريد إخفاءه أو تحريفه".
    أبو حسام زجر ابنه..والأخير رمقني بنظرة ملؤها الشك والنقمة..
    قلت:
    " أحرف ماذا؟؟"
    رد وهو يقوم واقفا:
    "سأعرف هذا من رغد".
    وغادر الغرفة...

    ************************

    الانهيار الذي ألم بي لدى رؤية خالتي لم يكن بسبب رجلي ويدي.. بل بسبب الصورة الأخيرة التي لا تزال مبثوثة أما عيني.. للخطيبين المتعانقين بكل حمية وانسجام.. والتي لم تفلح رؤية خالتي وعائلتها في محوها عن بصري ذلك اليوم..
    أجرى معي أقاربي تحقيقا مطولا عن إصابتي وشرحت لهم تفاصيلها وأوضحت لهم أنه لا علاقة لوليد بالحادث وأن اللوم كله يقع على الشقراء..
    لم أكن أرى غيرها في عيني.. وأردت أن أحرق صورتها بأي شكل.. وبالغت في التعبير عن غضبي منها ومما حل بي بسببها..
    أما خالتي فقد كانت تضع باللوم على نفسها لأنها سمحت لي بالذهاب إلى المدينة الساحلية بعيدا عن عنايتها...
    وبعد أن استوعب أهلي الأمر وهدأت مشاعر غضبهم الأولية أخذت أسرد لهم بعض أخباري وأخبار الجامعة وحياتي اليومية في المنزل الكبير..
    وأخبرتهم كيف كان وليد يعتني بي... ويعاملني بكل لطف ومودة.. وكيف بقي مرابطا إلى جانبي فترة مكوثي في المستشفى.. وأشياء كثيرة كان وليد يقدمها لي بكل سخاء.. لم أشعر بافتقادها إلا الآن..
    والحديث عن وليد لم يعجب حسام الذي قال منفعلا:
    "أنت طيبة يا رغد... ولن تحكمي على ذلك المتوحش إلا بالطيب!"
    قلت مدافعة:
    "لماذا تنعته بالمتوحش يا حسام؟؟"
    قال:
    "هل نسيت كيف هاجمني ذلك اليوم؟ وكيف لطم شقيقه بقسوة أمام عيني يوم كنا في بيتكم يا رغد؟ وكيف جرك من يدك رغما عنك وأجبرك على السفر معه إلى الجنوب. إنه متوحش وهمجي كسائر المجرمين الــ.."
    غضبت كثيرا وقلت مندفعة مقاطعة:
    "لا تنعته بهذا.. لا أقبل منك... كيف تجرؤ؟؟"
    والجملة ضايقت حسام فانسحب من الغرفة التي كنا نجلس فيها..
    حل الصمت على الأجواء.. ثم تكلمت نهلة قائلة:
    "لا تكوني قاسية عليه يا رغد! إنه غاضب لأجلك".
    وأضافت سارة:
    ""يحبك كثيرا".
    التفت إلى هذه الأخيرة فرأيتها تبتسم ابتسامة شديدة الغباء.. كعادتها.. تجاهلتها وجملتها كما تجاهلتها خالتي ونهلة..
    خالتي قالت بعد ذلك:
    "على كل يا رغد.. ها قد عدت ولن أدعك تغادرين ثانية".
    ألتفت إلى خالتي نظرة متوجسة فقابلتني بنظرة شديدة الإصرار وقالت:
    "إلى هنا ويكفي..سنحل هذه المسألة جذريا اليوم قبل الغد".
    ورأيتها تضبط حجابها وتتجه نحو الباب فقلت بقلق:
    "إلى أين خالتي؟"
    قالت بحزم:
    "سأذهب لأتحدث مع وليد.."
    وخرجت مباشرة وتبعتها سارة دون ترك فرصة لي لأي ردة فعل...
    نظرت إلى نهلة في توتر وقلت:
    "ماذا ستفعل؟؟"
    أجابت نهلة:
    "لا أعرف!ربما ستتشاجر مع ابن عمك!"
    قلت مستهجنة:
    "لماذا كلكم متحاملون على وليد؟ قلت لكم إنه ليس مذنبا في شي".
    قالت نهلة:
    "تدافعين عنه لأنك تحبينه يا رغد..لكنه في الواقع رجل متسلط وقاسٍ ومكابر.. إننا جميعا في هذا المنزل لا نرتاح له..."
    قلت بعصبية:
    "إنكم جميعا لا تعرفون شيئا..تصدرون حكما ظالما على شخص لم تعاشروه... أرجوك يا نهلة الحفي بخالتي واطلبي منها الحضور إلى هنا فورا".
    لم تتحرك نهلة فقلت:
    "هيا يجب أن أعرف أولا ما الذي تخطط له"ز
    ولم تتحرك نهلة بالسرعة المطلوبة.. غادرت الغرفة, وعادت بعد دقيقتين.. وما إن رأيتها بادرتها بالسؤال:
    "هل لحقت بها؟"
    قالت:
    "نعم, وهي الآن في غرفة الضيوف".
    صحت بعصبية:
    "تبا! ولماذا لم توقفيها؟ لا بد أنها الآن تتشاجر مع وليد".
    نظرت إلي نهلة نظرة استنكار ثم قالت:
    "لا تخافي على مشاعر ابن عمك!... إنه ليس هنا".
    قلت مستغربة:
    "ليس هنا؟؟"
    قالت:
    "غادر منذ زمن.. يبدو أنه قد رحل فور إنهاء فنجان قهوته!"

    *************************

    إنني تجرعته جرعة كدت أغص بها.. بسبب النظرات التي تقدح شررا من حولي... مصوبا نحوي..
    صحيح أن أبا حسام قدم الاعتذار عما قالته زوجته لي.. لكن ذلك لم يخفف عني شيئا.. وبحياتي لم أقف أمام شخص يدعو علي علنا وبهذا الشكل.. وأكثر ما خيبني هو موقف رغد البارد..
    نعم كنت أتوقع أن يثور أقاربها علي ولكن ليس بهذا الشكل..
    سامحهم الله...
    وصلت إلى شقة شقيقي سامر أخيرا.. ولم أكن قد اتصلت به.. وأردت أن أفاجئه بحضوري...
    قرعت الجرس وغطيت بإصبعي عدسة الباب لئلا يراني..
    قرعت ثانية وثالثة وما من مجيب! لكنني كنت قد رأيت سيارته في المواقف.. ولا شك أنه في الشقة..
    أخيرا سمعت صوتا منخفضا يسأل:
    "من هناك؟"
    لم أتبين ماهية الصوت.. فطرقت الباب لعله يعاود الحديث.. فكرر الصوت بنبرة حذرة:
    "من الطارق؟"
    نعم إنه صوت شقيقي.
    قلت:
    "شخص يريد معانقتك فورا.. افتح الباب".
    وبدا كأن أخي لم يميز صوتي.. ثم رأيت الباب ينفتح بحذر.. ورأيت رأس أخي يطل منه أخيرا..
    اندهشت ملامحه كثيرا وانفغر فاهه.. لكن دهشتي أنا كانت أكبر!
    "وليد!"
    قال والعجب يعلوه..
    قلت:
    "بشحمه ولحمه!"
    لم يفتح سامر الباب وظل محملقا بي لثوان...
    قلت:
    "هل أبدو شبحا؟"
    هنا بدأ سامر يبتسم وفتح الباب ومد ذراعيه لمعانقتي..
    "إنني أكاد لا أصدق عيني! فاجأتني يا رجل".
    ابتسمت وقلت:
    "بل أنا المندهش يا أخي.."
    وأشرت بإصبعي إلى عينه اليمنى وقلت:
    "اختفت الندبة تماما! تبدو وسيما للغاية".
    سامر ضحك وهو يمسك بيدي ويقودني إلى الداخل..
    تذكرون أن جفني عين سامر اليمنى قد أصيبا بحرق بالجمر عندما كان طفلا صغيرا.. وأن عينه تشوهت وأصبحت نصف مغلقه وقبيحة المنظر.. وكان أبي رحمه الله يود إخضاعه لجراحة تجميلية غير أن أوضاعنا المادية في تلك الفترة كانت سيئة..
    في لقائنا الأخير كان سامر قد بدأ علاج الندبة والآن عالج حركة الجفن وما لم يقق الناظر إليها جيدا فإنه لن يكتشف وجود أي أثر أو فرق بين عينيه..
    الحمد لله..
    في داخل الشقة وجدت ضيوفا لأخي.. عرفنا سامر إلى بعضنا البعض, وبعد حديث قصير استأذن الضيوف وغادروا...
    قلت:
    "أرجو ألا تكون زيارتي قد أتت في وقت غير ملائم".
    قال سامر:
    "ماذا تقول يا أخي! إنهم رفقائي في العمل.. نلتقي في كل وقت.. لا تأبه لهم".
    ابتسمت فقال سامر:
    "لكنك فاجأتني! ما سر هذه الزيارة غير المتوقعة؟"
    قلت مداعبا:
    "اشتقت لعينك اليمنى فجئت أتفقدها".
    ضحك سامر ثم قال:
    "بجد وليد.. لِمَ لم تبلغني لأستقبلك في المطار؟"
    أجبت:
    "أردت أن أقتحم عليك الشقة!"
    وضحكت ثم أضفت:
    "في الحقيقة كنا قادمين إلى المزرعة.. فأتيت لأزورك".
    سامر ابتسم ابتسامة خفيفة ثم سأل:
    "و... ورغد؟"
    قلت بعفوية:
    "تركتها في بيت خالتها".
    شيء من التردد ظهر عليه ثم قال:
    "لِمَ لم تحضرها معك؟ أعني أننا لم نسمع من بعضنا منذ شهور".
    آه يا سامر... أتريد القول إنك اشتقت إليها؟؟
    إنني أسوأ شخص لتبدي لهفتك عليها أمامه!
    وربما أحس سامر ببعض الأفكار تدور في رأسي فقال مغيرا الدفة:
    "كيف سارت أموركم المدينة الساحلية؟ وما أحبار نسبائك؟"
    أجبت:
    "الحمد لله.. وهم يبلغونك السلام".
    "سلمهم الله.. ماذا عن أقارب رغد؟"
    قلت:
    "أتيت من منزلهم.. الجميع بخير".
    قال:
    "لم أتصل بهم منذ فترة! ما أخبار حسام؟ هل التحق بالمعهد كما كان يخطط؟"
    أجبت:
    "لا أعرف فأنا لم أطل البقاء لديهم ولم أسمع آخر أخبارهم".
    ثم أضفت:
    "مررت لدقائق مصطحبا رغد".
    عاد ذلك التوتر الخفي إلى وجه أخي وتجرأ وسأل:
    "وكيف هي؟ وكيف تعايشت مع خطيبتك في المنزل؟؟"
    استغربت السؤال كثيرا.. ولماذا تسأل عن تعايشها مع خطيبتي؟؟ وهل تعلم بأن بينهما شيئا؟؟
    قلت:
    "مع خطيبتي؟"
    رفع سامر كتفيه وحاجبيه وقال:
    "آه نعم.. فهي كانت.. أعني أنها لم تكن.. منسجمة معها في السابق... آمل أن يكون الوضع قد تغير!!"
    رباه!
    هل تعرف أنت يا سامر عن توتر العلاقة بين الفتاتين؟ لا بد أن رغد كانت توافيك بالأخبار..!
    قلت راغبا في التأكد:
    "هل.. تتصل بك رغد؟؟"
    بهت سامر واندهش من سؤال ورد مباشرة:
    لا لا!... لم أتحدث معها منذ كنتما معي في الشقة".
    كان ذلك قبل شهور.. عندما مرضت ولازمت فراش شقيقي ليوم وليلة.. هنا في الشقة.. بعد حادث السيارة.. ولكنني لم أعرف أن رغد كانت قد أبلغته آنذاك عن علاقتها المتوترة مع أروى.. حتى أنني لم أكن أعير ذلك التوتر اهتماما حقيقيا آنذاك..
    قلت:
    "حسنا.. يبدو أنك تعرف أن العلاقة بينهما مضطربة".
    ظهر الاهتمام على وجه أخي.. وتابعت:
    "لا تزال كذلك".
    سأل أخي بقلق:
    "إذن كيف كانتا تتعملان مها هناك؟"
    قلت:
    "بتنافر متبادل... خصوصا في الآونة الأخيرة".
    ثم أضفت:
    "والآن هما متخاصمتان تماما".
    قال سامر:
    "توقعت هذا".
    أثار حيرتي وفضولي.. فسألت:
    "عفوا؟؟"
    ارتبك سامر ثم أوضح:
    "أعني.. أن رغد لا تتكيف بسهولة مع أحد.. من الصعب جدا أن تكسب صداقتها.."
    لم أعلق فتابع سامر:
    "إنها حذرة جدا في اختيار من ترغب في منحهم صداقتها.. ولا تتأقلم مع من هم خارج إطار سنها أو اهتماماتها أو مجالها الفكري.."
    سامر!
    هل تريد أن تفهمني أنك تعرف رغد خير مني؟؟
    بالطبع تعرف.. فأنت بقيت قريبا منها طوال السنين التي حرمت أنا فيها منها.. وكبرت وتطورت شخصيتها أمام عينيك...
    وأصبحت أقرب الناس إليك ألصقهم بك..!
    أما أنا فلم أصل للدائرةالتي بارتباطك الشرعي أنت بها..أمكنك تخطيها...
    تأملت شقيقي.. في أعماق عينيه كانت المرارة تتكلم.. إنه يتحدث عن الفتاة التي كانت خطيبته لما يقرب من أربع سنين... والتي كانت قاب قوسين أو أدنى من الزواج به..
    تأملت لأجله.. لكن..
    يا سامر.. ألم تجد في هذه الدنيا غير حبيبتي أنا.. كي تعلق قلبك بها؟؟
    إن رغد.. منذ أن حلت بعائلتنا قبل 15 عاما وأكثر.. أصبحت لي..
    قلت:
    "على كل.. ستظل في بيت خالتها لعدة أيام.. يمكنك زيارتهم وتفقد أحوالها وقت تشاء".
    استغرب سامر وقال:
    "عدة أيام؟؟ غريب! ماذا عن الجامعة. أهي مجازة؟؟"
    صمت قليلا ثم قلت:
    "إنها... في إجازة مرضية طويلة.. فهي.. مصابة بكسور في قدمها ويدها".

    ***************************

    مر يوم وأنا أقيم باسترخاء في بيت خالتي.. وفر لي أفراد العائلة سبل الراحة وتفانوا في رعايتي والاهتمام بي..
    غير أن ذلك لم يخلصني من التفكير المستمر في وليد... خصوصا وأنه لم يتصل للسؤال عني حتى الآن..
    تراقبني نهلة وأنا ممسكة بهاتفي المحمول في تردد... أأتصل أم لا؟
    "هل يصعب عليك الاتصال بيدك اليسرى؟ دعيني أساعدك".
    قالت ذلك نهلة بخبث.. فهي تدرك ما الذي يدور برأسي..
    قلت مستسلمة:
    "الغريب أنه لم يخبرني قبل مغادرته ولم يتصل ليتفقد أحوالي.. في المنزل كان يتفقدني ألف مرة في اليوم والآن نسيني!؟ لا سلام ولا كلام ولا خبر... لا أعرف إن كان قد ذهب إلى سامر أم عاد إلى الشقراء".
    وتذكرت صورتها الأخيرة فامتقع وجهي... ثم تذكرت حديثها الأخير معي صباح الأمس.. فأبعدت الهاتف عني..
    لاحظت نهلة حركتي الأخيرة فقالت:
    "جيد! لا تتصلي.. واختبري مدى قدرتك على تحمل بعده".
    قلت:
    "لا أتحمل.. لا يمكنني تخيل حياتي بدونه! سأموت إذا ابتعد عني".
    رفعت نهلة حاجبيها ونظرت إلى السقف استنكارا..
    قلت مدافعة عن كلامي ومؤكدة له:
    "إذا تخلى عني فسوف أموت فورا.. صدقيني... لا أستغني عنه يوما ولا ساعة... والدخيلة البغيضة.. اللصة.. تطلب مني الخروج من حياته.. تريد الاستحواذ عليه لوحدها.. تظن أنها أقرب وأحق به مني".
    هبطت نهلة ببصرها من السقف علي وعلقت:
    "وهي على صواب يا رغد!"
    توترت وكدت أصرخ.. حتى أنت يا نهلة؟؟ حتى أنت؟؟
    قلت بعصبية:
    "كلا.."
    ردت نهلة مباشرة وبشيء من القسوة:
    "يا رغد... لمَ لا تستفيقين من أحلامك الخرافية؟؟ ما الجدوى من حب رجل متزوج؟ إنك تهدرين عواطفك سدى".
    أحست نهلة بأنها قست علي.. فأقبلت نحوي وأمسكت بيدي اليسرى وقالت مواسية:
    "أنا قلقة عليك.. وأفكر بعقلانية.. لقد مضت فترة طويلة.. وأنت لا تزالين تحلمين بالمستحيل.. تعذبين نفسك.. انظري إلى أين وصلت؟"
    وهي تشير إلى عكازي..
    ثم تابعت:
    "آن الآوان لتستفيقي.. اتركي الرجل وخطيبته يواصلان مشوارهما.. بسلام.. وانتبهي أنت لنفسك.. والتفتي للشخص الذي ينتظر منك الإشارة ليغمرك بكل الحب والحنان اللذين تحتاجينهما".
    نظرنا أنا ونهلة لبعضنا نظرة طويلة... عميقة... وأنا أشعر بأن الدنيا كلها تتخلى عني وتقف في صف أروى..
    فجأة رن هاتفي المحمول فسحبت يدي بسرعة من بين يديها وأخذت الهاتف وأجبت حتى قبل أن ألقي نظرة على اسم المتصل..
    سمعت نهلة تقول باستنكار:
    "أنت حالة ميؤوس منها!"
    لم أعرها امتماما وتحدثت عبر الهاتف بلهفة:
    "نعم مرحبا".
    متوقعة أن يكون وليد..
    لكنه لم يكن!
    لقد كان.. سامر!
    سألني عن أحوالي.. وعن إصابتي وحمد الله على سلامتي.. ودار بيننا حديث قصير علمت من خلاله أن وليد سيظل معه بضعة أيام..
    ثم قال فجأة:
    "هل يمكنني أن أزوركم الليلة؟"
    اشتعل وجهي احمرار من الحرج.. تعثرت في كلامي ولكنني أوصلت إليه:
    "بالطبع.. أهلا بك.. سأخبر خالتي بهذا".
    وبعد أن أنهينا المكالمة نظرة إلى نهلة فرأيتها تحملق بي بخبث!
    قلت:
    "إنه ليس وليد بل سامر".
    عادت تنظر إلى السقف...
    قلت:
    "ويريد أن يحضر لزيارتنا الليلة".
    نظرت إلي بخبث وقالت:
    "تعنين لزيارتك".
    تنهدت وقلت وبريق الأمل يشع في عيني:
    "وبالطبع سيأتي وليد معه.. سأطلب من خالتي أن تعتذر إليه".
    وفيما بعد تحدثت مع خالتي ووعدتني بأن تتحدث مع وليد بهدوء وتعتذر عما قالته يوم أمس...
    وعندما حل المساء.. وعند الثامنة والنصف قرع جرس المنزل..
    انتظرت إلى أن جاء حسام ليخبرني:
    "يرغب ابن عمك في إلقاء التحية عليك".
    قلت بشوق يكاد يفضحني:
    "هل حضر وليد؟"
    نظر حسام إلى نهلة الجالسة بقربي.. ثم إلي وقال:
    "لم أعن هذا الـــ.."
    وانتبه لنفسه ولم يتم.. ثم قال:
    "أعني سامر".
    قلت بخيبة أمل:
    "وحده؟"
    أجاب:
    "والاي معه الآن.. تعالي لتحييه".
    نظرت إلى نهلة ففهمتني..
    قمت ورافقت حسام إلى غرفة الضيوف.. حيث كان سامر يجالس خالتي وزوجها..
    ما أن رآني حتى وقف ونظر إلى العكاز وعلت تعبيرات وجهه علامات المفاجأة والألم..
    أما أنا فقد دهشت للتغير الجديد في مظهر عينه...
    "مرحبا سامر.. كيف حالك".
    بادرت في تحيته فرد والقلق يغلف نظراته وصوته:
    "مرحبا رغد.. كيف حالك أنت؟ سلامتك ألف سلامة".
    قلت:
    "سلمك الله. الحمد لله إصابتي في تحسن.. تفضل بالجلوس".
    وجلسنا نتجاذب أطراف الحديث نحن الخمسة ساعة من الزمن ثم استأذن سامر للمغادرة..
    قبل انصرافه أعطاني ظرفا قال لي أنه من وليد... وسألني عما إذا كنت بحاجة لشيء فشكرته وودعته على أن نبقى على اتصال...
    أما الظرف فقد كان كما توقعت يحوي مبلغا من النقود...

    ********************************
    إنها النقود التي كانت في محفظتي ونسيت تسليمها لرغد بعد أن أصابني الإرباك وأنا أراها جالسة على عتبة المنزل في المزرعة...
    لم أرغب في الذهاب.. لذا تركت شقيقي يخرج لزيارتها وتسليمها النقود بنفسه.. وبقيت وحيدا في شقته..
    كما أنني أيضا لم أرغب في الاتصال لا بها ولا بأروى.. وآثرت البقاء بعيدا عن كليهما لبعض الوقت..
    باشرت بتنظيم الحاجيات القليلة التي حملتها معي.. وعندما فتحت خزانة الملابس الخاصة بشقيقي فوجئت برؤية فساتين نسائية معلقة آخر الصف...
    أصابتني الدهشة والحيرة.. وتملكني الفضول لإلقاء نظرة على بقية الخزانة والأدراج.
    لن تصدقوا أنني وجدت خاتم خطوبة سامر الفضي موضوعا في أحد الأدراج مع مجموعة من علب الهدايا والمجوهرات...
    وكان أحد الأدرلج مقفلا والله الأعلم.. ما الذي يخبئه شقيقي فيه...
    أخذت أعبث بالخاتم في يدي وأنا شارد التفكير.. وشاعر بقلق شديد على سامر..
    وفكرت في الألم الذي يعانيه وفي الصدمة التي ستصيبه إن أنا تزوجت رغد..
    إنها نفس المشاعر التي عانيت مرارتها حين اكتشفت ارتباطه هو بها..تجربة قاسية جدا لا أريد لشقيقي الوحيد أن يخوضها..
    وأضافة إلى عشرات المشاغل والهموم التي تثقل صدري وتزدحم في رأسي, أضفت اليوم هما جديدا... اسمه سامر..
    ولم أدر يومها.. أنه الهم الذي سيحتل المركز الأول في قائمة المصاعب التي لا يزال القدر يخبئها لي في المستقبل القريب..

    *****************************

    مرت أيام وأنا في بيت خالتي لا هم لي سوى التفكير الملي بما قالته الشقراء لي آخر مرة... حالتي النفسية لم تكن جيدة وقد لاحظ ذلك أفراد العائلة.
    "والآن يا رغد.. ما الذي يشغل بالك لهذا الحد؟ إننا جميعا قلقون عليك".
    كان هذا سؤال خالتي والتي كانت تلحظ شرودي... أجبت:
    "لا شيء خالتي.."
    قالت غير مصدقة:
    "لا شيء؟"
    أجبت مدعية:
    "إنني.. قلقة بشأن.. أعني بشأن الجامعة وغيابي عنها".
    ولا أدري إن بدا كلامي مقنعا أم لا, غير أنه لم يقنع نهلة الجالسة معنا... بطبيعة الحال.
    قالت خالتي:
    "الجامعة والجامعة! دعك منها يا رغد.. وانسي أمرها".
    حدقت في خالتي بتعجب! فقالت:
    "لست بحاجة إليها ولا أرى داع لها أصلا".
    قلت مندهشة:
    "خالتي! كيف تقولين هذا؟"
    قالت:
    "لو لا إلحاحك ما كنت وافقت على الذهاب مع ابن عمك للجنوب من أجل الدراسة.. اصرفي نظرا عنها أو التحقي بالمعهد مثل حسام".
    قلت محتجة:
    "ولماذا أفعل ذلك؟ أنا مسرورة بدراستي وناجحة بل ومتفوقة فيها".
    وأضفت:
    "ثم أن وليد قد دفع تكاليف الدراسة لهذا العام كاملة... وهو مبلغ طائل لن نضيعه هباء".
    قالت:
    "وماذا عن السنوات التالية؟"
    قلت:
    "سيدفعها أيضا".
    قالت معترضة:
    "ولماذا يكبل نفسه كل هذا العناء؟ الجامعات الأهلية مكلفة جدا".
    قلت:
    "لكن وليد ثري جدا.. ومصاريف دراستي لا تساوي شيئا أمام كل ما يحصل عليه".
    قالت خالتي:
    "لا نريد أن نكلف الرجل فوق هذا.."
    قلت متعجبة:
    "ماذا تعنين؟ إنه الوصي علي!"
    قالت خالتي:
    "هنا مربط الفرس..."
    ولم أفهم ما تعنيه.. ثم قلت:
    "على كل نحن ننتظر حضوره حتى نضع النقاط على الحروف".
    وحالما انصرفت خالتي سألت نهلة:
    "ما الذي تعنيه خالتي وماذا تقصد؟؟"
    نهلة ردت:
    "هذه المرة.. أمي جادة جدا بشأن إقامتك معنا بشكل دائم يا رغد!"
    قلت مندهشة:
    "والجامعة؟؟ ووليد؟؟"
    قالت:
    "آن الآوان... للتحرر منهما!"
    في ذلك اليوم لم أطق صبرا... واتصلت بوليد... أخيرا...
    وكأنني أكلمه للمرة الأولى في حياتي... لا أعرف لماذا ارتبكت وتسارعت نبضات قلبي..
    وفور سماعي لصوته.. انصهرت كما تنصهر الشمعة... دمعة دمعة!
    "كيف أنت؟ ولماذا لا تتصل بي؟"
    تجرأت وسألته بعتاب.. إذ إنه لم يهاتفني ولا مرة مذ أحضرني إلى هنا.. وكأنني عبء ما كاد أنه تخلص منه!
    وليد قال:
    "لم أشأ إزعاجك.. وأعلم أن أقاربك يعتنون بك جيدا".
    حتى وإن! أنت أبي بالوصاية.. أليس من واجبك السؤال عني كل يوم؟
    قلت:
    "ومتى ستحضر؟"
    قال:
    "هل هناك شيء؟؟"
    قلت:
    "لا لا... لا تقلق.. إنما قصدت.. متى سيتعين علينا العودة؟"
    لم يجبني مباشرة ثم قال:
    "لا يزال أمامنا بعض الوقت.. موعدك في المستشفى لم يحن".
    هكذا إذن! لن تأتي لرؤيتي إلا يوم السفر أم ماذا؟؟
    قلت:
    "إن خالتي ترغب في الحديث معك".
    قال:
    "حسنا..."
    قلت:
    "لا أعني على الهاتف.. تود أن تأتي للعشاء عندنا.. والتحدث".
    قال:
    "لا بأس.. لنقل بعد يومين؟ فأنا في الطريق إلى المزرعة الآن".
    فوجئت.. وخذلتني جملته الأخيرة.. ذاهب إلى المزرعة ولم تفكر بالمرور بي؟؟
    قلت:
    "هكذا إذن؟ حسنا لن أشغلك وأنت تقود السيارة.. رافقتك السلامة".

    ****************************


  8. #508
    عضو imen-assira is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    07-11-2009
    المشاركات
    27
    ‎تقييم المستوى 0

    افتراضي رد: رواية انت لي... اكثر من رائعه


    تتمه
    ************

    كنت أنتظر إشارة من أروى لأعود للمزرعة ونعود لمناقشة الخلافات الأخيرة الحاصلة بيننا..
    والأيام التي قضيتها مع شقيقي بعيدا عن أي مشاكل كانت كافية لإرخاء الشد الحاصل في أعصابي. فكرتك كانت نافعة يا أروى.. أعترف بهذا.
    اتصلت بي البارحة وأخبرتني أنها ترغب في مقابلتي..
    منذ ارتباطنا وأروى أمامي يوميا لم يفصلها عني غير الشهر الأسود الذي تلا مقتل واليّ رحمهما الله والذي قضيته مع سامر ورغد بعيدا عنها..
    أما رغد فمنذ أن التحقت برعايتي لم أفترق عنا غير الأيام التي سبقت رحيلنا الأخير إلى الجنوب.
    والحديث القصير معها عبر الهاتف جعلني أشتعل شوقا لرؤيتها والاطمئنان على وضعها وصحتها.. ولو لم ابتعدت كثيرا.. لربما سلك بي شوقي الطريق إليها..
    الاستقبال الذي استقبلتني به أروى كان باردا.. على عكس الطريقة التي ودعتني بها.. واخترنا الغرفة الخارجية الملاصقة للمنزل, والتي كنت أقيم فيها فيما مضى.. مكانا لحديثنا المطول..
    أروى ظهرت أكثر هدوءا وتماسكا مما كانت عليه خلال الآونة الأخيرة.. ولم تتعمد الإطالة في المقدمات بل قالت مباشرة:
    "كما قلنا.. يجب أن نضع نهاية لكل المشاكل والخلافات الحاصلة بيننا نحن الثلاثة".
    تعنيني أنا وهي ورغد..
    قلت:
    "وهل وجدت حلا مناسبا؟"
    بدا الجد يعلو قسمات وجهها وأخذت نفسا عميقا ثم قالت:
    "نعم.. وهو.. بيدك أنت يا وليد".
    شعرت بالفضول والحيرة.. لم أفهم ما الذي عنته فسألتها:
    "بيدي أنا؟ ما هو؟"
    قالت:
    "يجب أن تكون مستعدا له".
    ازدادت حيرتي وقلت:
    "بالطبع فأنا أريد بالفعل أن نتجنب التصادم مستقبلا وإلى الأبد... إذا كان الحل بيدي فأنا لن أتردد.. لكن ماذا تقصدين؟"
    هنا توقفت أروى عن الكلام وكأنها تستجنع قواها لتنطق بالجملة التالية.. تلك الجملة التي من قوتها.. كاد سقف الغرفة أن ينهار على رأسي..
    "وليد.. عليك أن تختار.. مع أينا تريد العيش... إما أنا.. أو رغد".
    وقوع سقف بهذا الحجم على رأس موقوت مسبقا.. لا يسبب التكسر والتهشم فقط.. بل ويفجره إلى شظايا تنطلق مخترقة الفضاء إلى ما لانهاية..
    تسمرت على وضعي مذهولا.. أشد ذهولا من الذهول ذاته.. أحاول أن أترجم اللغة العجيبة التي التقطتها أذناي منطلقة من لسان أروى..
    لم أتحدث فأنا لم أعد أملك رأسا يدير حركة لساني..
    أرووى بعد الجمود الذي رأته علي قالت:
    "وليد.. صدقني.. الحياة بوجودنا معا نحن الثلاثة مستحيلة.. لقد فكرت مليا طوال الأيام الماضية.. مرارا وتكرارا.. ولم أجد لمشكلتنا مخرجا غير هذا.. لن نستمر واقفين على فوهة البركان.. أنا ورغد لا يمكن أن نجتمع تحت سقف واحد بعد الآن.. أبدا يا وليد".
    أي سقف؟ وهل أبقيت في المنزل أية أسقف؟ لقد أوقعتها كلها على رأسي يا أروى...
    فعن أي سقف تتحدثين؟؟
    أخيرا استطعت النطق:
    "ما الذي تهذين به؟"
    توترت أروى.. وقالت:
    "هذا هو الواقع... أنا وابنة عمك يستحيل عيشنا سوية في سلام.. لا تتحمل إحدانا وجود الثانية أبدا.. إما أن تعيش معي.. أو تعيش معها.. يجب أن تختار".
    صرخت:
    "أروى... هل جننت؟"
    صاحت أروى:
    "بل هذا هو عين الصواب.. إنني سأجن فعلا إن بقيت مع ابنة عمك في بيت واحد".
    انفعلت وثرت فجأة.. وهببت واقفا أضرب كفي الأيسر بقبضتي اليمنى...
    وقفت أروى وقالت:
    "أرجوك أن تحافظ على هدوئك لنتابع النقاش".
    صرخت بعصبية:
    "أحافظ على هدوئي؟ كيف تريدين مني البقاء هادئا بعد هذا الجنون الذي تفوهت به؟ إنني لم أتوقع أن تكوني أنت كارهة لرغد لهذا الحد أبدا".
    قالت منفعلة:
    "وأما لم أقل إنني أكرهها".
    قاطعتها:
    "وبم تترجمين موقفك هذا؟"
    أجابت:
    "إنه حل وليس موقف.. واحدة منا فقط ستعود وتبقى معك.. وعلى الأخرى أن تظل هنا... هذا من أجل راحتنا جميعا".
    قلت غاضبا:
    "من أجل راحة من؟؟ تريدين مني أن أتخلى عن رعاية ابنة عمي وتقولين راحتنا جميعا؟؟"
    هتفت أروى:
    "أنا لم أقل تخل عنها".
    قلت ثائرا:
    "وما تفسيرك إذن لتركي لها هنا؟"
    قالت:
    "ولم أقل اتركها هي... قلت إنك من يجب عليه أن يختار.. إما أنا أو هي".
    وقفت مأخوذا بأعماق أكبر وأغزر.. لكلام أروى..
    قلت:
    "أروى... بربك... ماذا تعنين؟؟"
    رمقتني بنظرات ملؤها المعاني...
    سألت:
    "تعنين.. أن أعود معها هي.. وأتركك هنا؟"
    رفعت أروى رأسها بشموخ وقالت:
    "إن قررت اختيارها هي".
    اندهشت وقلت:
    "لا بد أن شيئا ما قد ألم بعقلك يا أروى".
    لم تعلق فتابعت:
    "إلا إذا كنت... تعنين لفترة محددة.. ريثما تهدأ الأوضاع".
    قالت بثقة:
    "لا... بل أعني للأبد.."
    صعقت وسألت غير مصدق:
    "وأنت؟"
    قالت وعضلات وجهها قد خذلتها وبدأت بالنهيار:
    "لن أعيش معك ما دامت رغد تحت ولايتك.."
    من ذهولي لم أعرف كيف أرد.. رفعت يدي وأمسكت بعضديها ونظرت إلى عينيها بجدية ثم قلت:
    " هل تعنين ما تتفوهين به يا أروى؟؟"
    أجابت وأول دمعة تنزلق بين رموشها:
    "أعيه وأعنيه تماما يا وليد.. لن لأستمر معك.. ما بقيت ابنة عمك تحت رعايتك.. إن أردت لحياتنا أن تستمر معا.. تنازل عن وصايتها.. وأبعدها عنا".
    أطرقت برأسي رفضا لتصديق ما أسمع.. وضغطت على عضدي أروى وقلت:
    "كلا.. أنت لا تعنين ما تقولين يا أروى.. لا شك أنني أحلم".
    أروى عصرت عينيها وتدفقت الدموع بغزارة منهمرة منهما.
    هززتها وقلت:
    "كلميني يا أروى.. أخبريني بأنك تهذين.."
    أروى فجأة رمت برأسها على صدري وانفجرت باكية وهي تزفر:
    "لا أتحمل هذا... ارحمني وليد.. لا يمكن لقلبي أن يتحمل العيش مع فتاة أعرف أنك تحبها.. ما الذي تخطط له بشأنها؟؟ كم أنت قاس علي..."
    وانهارت أروى في بكاء طويل حارق..
    لم أحرك ساكنا.. وانتظرت حتى أفرغت دموعها في ملابسي.. وبكاءها بين ضلوعي..
    بعدها أبعدت رأسها عن صدري ونظرت إلي..
    "ماذا قررت؟"
    سألتني ونظرتها متعلقة بعيني...
    فلم أرد.. فنادتني:
    "وليد... أنا.. أم هي؟"
    عضضت على أسناني توترا ثم قلت:
    "سأعتبر نفسي لم أسمع شيئا اليوم".
    قالت بحنق:
    "وليد.. لا تهرب من سؤالي".
    رددت بحدة:
    "إنه ليس سؤالا يا أروى... إنه الجنون.. يبدو أنك لم تسترخي بما فيه الكفاية بعد..
    سأتركك لتراجعي حساباتك الحمقاء هذه ثانية".
    وتركتها وغادرت الغرفة..
    في المزرعة وجدت العم إلياس والخالة ليندا يعملان مع بقية العمال في حرث بقعة من الأرض..
    قلت مخاطبا الخالة:
    "خالتي.. دعي عنك هذا أرجوك".
    فقالت بسرور:
    "إنني أستمتع بحرث الأرض يا بني.. ثم إنه تمرين جيد لتنشيط القلب".
    قلت:
    "بل هو شاق على مرضى القلب.. أرجوك توقفي".
    واقتربت منها وانتزعت الأداة من بين يديها وطلبت منها الذهاب للراحة..
    كانت أشعة الشمس لا تزال ساطعة بقوة والجو اليوم أكثر حرارة مما كان عليه الأسبوع الماضي..
    شمرت عن ساعدي وأمسكت بالمعول وجعلت أضرب الأرض بقوة.. وكلما تذكرت كلام أروى ضربتها بقوة أكبر وأكبر.. وكأنها السؤولة عن دوامة المشاكل التي أعيشها.. كأن بيني وبينها ثأر كبير...
    عملت بهمة لا تتناسب والحالة المزاجية المتعكرة التي تسيطر علي.. ومرت الساعات واختفى قرص الشمس خلف ستار الأفق.. الذي خبأ بحرص شديد.. ما ستشرق به شمس الصباح التالة..
    كان الإعياء قد نال من عضلاتي والعرق قد أغرق جسدي حينما ألقيت بالمعول جانبا واستلقيت على الرمال ألتقط أنفاسي..
    تنفست بعمق شديد وأنا شارد التفكير.. أنظر إلى السماء وقد بدأ الظلام يلونها بلون الحداد الكئيب...
    أمام عيني كنت أرى كلمات أروى تتراقص مع أوراق الشجر.. ذات اليمين وذات الشمال.. وتسبب لي دوارا..
    أغمضت عيني لأحول دون رؤية أي شبء.. فأنا هذه اللحظة لا أريد لأي مؤثر خارجي أن يغزو تفكيري..
    شعرت بشيء يسري على ذراعي.. حركت يدي فأحسست بحبات الرمل تعلق بي..جذبت نفسا فخيل إلي أنني أشم رائحة دخان السجائر.. وسمعت أصوات أشخاص كثر ينمنمون..
    فتحت عيني بسرعة.. وهببت جالسا..لمحت حشرة تسير على ذراعي فأبعدتها ونفضت التراب عن يدي.. وتلفت يمنة ويسرة أبحث عن مصدر الرائحة والصوت..
    لقد كنت واهما.. إنني في المزرعة الآن.. ولست في السجن..
    لا اعرف لماذا عادت بي الذكريات إلى الزنزانة.. وتوهمت أنني أنام على الفراش الخشبي القذر.. تعلق بي حبات الرمل والغبار.. وتسير الحشرات على جسدي.. وتحشو رائحة السجائر والعرق تجويف أنفي..
    كلا كلا!...
    وقفت منتفضا وأنا أطرد الذكرى البشعة من مخيلتي... مددت أطرافي الأربعة إلى أقصاها.. وتنفست نفسا عميقا وزفرت باسترخاء... ثم أجريت تمارين إرخاء سريعة.. دخلت بعدها إلى المنزل..
    تحاشيت الالتقاء بأروى وتعمدت عدم الظهور في أماكن تواجدها.. وأبقيت موضوعنا معلقا لحين إشعار آخر..

    ********************************


  9. #509
    عضو مميز roh-haera36 is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    29-03-2008
    المشاركات
    331
    ‎تقييم المستوى 14

    افتراضي رد: رواية انت لي... اكثر من رائعه

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    يسلمو ديااتكـ اخي ايمن على القصه الرااائعه
    وفقك الرحمن لكل خير
    احترااااامي




  10. #510
    الوسام الذهبي Star Sea will become famous soon enough الصورة الرمزية Star Sea
    تاريخ التسجيل
    25-03-2009
    المشاركات
    6,281
    ‎تقييم المستوى 31

    افتراضي رد: رواية انت لي... اكثر من رائعه

    قصة جميلة جدا
    بانتظار التتمة






    أخطأ البعض واعتقد أن السفينة سفينة نظام إنما هي سفينة وطن إما تنجو فينجو الوطن كله أو يغرق الوطن كله.


  11. #511
    عضو blue_nanou is infamous around these parts
    تاريخ التسجيل
    18-11-2009
    المشاركات
    1
    ‎تقييم المستوى 0

    افتراضي رد: رواية انت لي... اكثر من رائعه

    اولا السلام عليكم على كل من يشارك في هذا المنتدى في الحقيقة اريد ان اشكر صاحبة و كاتبة هذه القصة التي اسرتني و دفعتني لمتابعة هذه القصة و التي في الحقيقة قلبت كياني لانها ذات مشاعر صراحة جياشة و مكبوتة و حزينة و بريئة لحد لاتوصف و ان القدر هو المتحكم بها للاسف و الظروف القاسية الا عندي رجاء لكاتبتها ان تجد لهما نهاية سعيدة صدقا لم استطيع ان اكون فكرة ان ما اصابهما عبر الزمن من ألام ينتهي بنفس الالام كذلك اريد لهما الراحة و على فكرة انا احب فرع القصص و الروايات لدرجة لاتوصف دائما متابعة و لذلك سجلت فقط لاطلب منك ذلك و شكرا على افكارك و قصتك الرائعة


  12. #512
    عضو iyf is infamous around these parts
    تاريخ التسجيل
    16-11-2008
    المشاركات
    7
    ‎تقييم المستوى 0

    افتراضي رد: رواية انت لي... اكثر من رائعه

    السلام علــــــــــــــيكم ................................. كيف الحال ان شاء بيخر

    الرواية جـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــد ا

    رهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــيبة وخطـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــيرة



    يسلمو خيو


  13. #513


  14. #514
    الوسام الماسي سكون الثلج will become famous soon enough الصورة الرمزية سكون الثلج
    تاريخ التسجيل
    17-02-2009
    المشاركات
    8,868
    ‎تقييم المستوى 40

    افتراضي رد: رواية انت لي... اكثر من رائعه

    هل يمكنني ان اكمل الرواية


    التعديل الأخير تم بواسطة سكون الثلج; 09 -12 -2009، الساعة 08:46 PM


  15. #515
    الوسام الماسي سكون الثلج will become famous soon enough الصورة الرمزية سكون الثلج
    تاريخ التسجيل
    17-02-2009
    المشاركات
    8,868
    ‎تقييم المستوى 40

    افتراضي رد: رواية انت لي... اكثر من رائعه

    الحلقة الخامسة والأربعون

    الجفـــاء القــاتـــل


    طرت من الفرح.. عندما أخبلاني وليد بأنه قادم لزيارتنا هذه الليلة... فأنا لم أره منذ أسبوع.. وأشعر بحنين شديد إليه.
    وشعرت بالحسرة لأنني لم أستطع المشاركة في إعداد طعام العشاء مع خالتي وابنتيها...
    قلت مخاطبة نهلة:
    "يحب عصير البرتقال الطازج.. أرجوك حضري كمية كبيرة منه".
    فتحت نهلة درج الثلاجة المليء بثمار البرتقال وأشارت إليها وقالت ساخرة:
    "كل هذا؟"
    سارة انفجرت ضاحكة فوبختها خالتي.. أما أنا فرمقت نهلة بنظرة غضب فابتسمت وقالت:
    "حاضر سيدتي.. وماذا أحضر بعد؟"
    وكنت قد أخبرت خالتي عن الأطباق التي يفضلها وليد وطلبت منها أن تحضرها بسخاء!
    سمعت خالتي تسأل:
    "ماذا عن سامر؟ هل تأكدت من أنه لن يحضر؟"
    أجبت:
    "نعم. هكذا أجاب وليد عندما سألته.. لكن اعملي حسابه.. ربما يتغير رأيه ويأتي".
    قالت سارة مفاجأة:
    "أصبح وجه سامر وسيما الآن. هل ستتزوجين منه ثانية يا رغد؟"
    هذه المرة خالتي زجرت ابنتها بعنف بل وطردتها من المطبخ... سارة غبية لدرجة ملحوظة.. وتفكيرها سخيف جدا...
    الصمت حل على المطبخ بعد مغادرتها وأرادت نهلة أن تلطف الأجواء فسألتني:
    "وخطيبته وأمها؟؟ أمتأكدة من أنهما لن تحضرا؟"
    كانت تعرف هي الأجابة ولكنني جاريتها:
    "لن تحضر.. سيأتي وليد فقط".
    قالت ماهو الخطأ الذي قلته؟"
    أوه.. إنها حتى لا تدرك خطأها! إنها طفلة بريئة ولا تستحق العقاب..
    قلت:
    "عندما قلت عن سامر إنه أصبح وسيما وسألتني إن كنت سأتزوج منه".
    قالت ببلادة:
    "نا الخطأ في ذلك؟ لقد أصبح وسيما بالفعل عندما عالج عينه البشعة".
    قلت مجارية:
    "نعم أعرف".
    وانتظرت هي مني أيضاح الخطأ.. فقلت:
    "لكن لا يليق أن تسأليني إن كنت سأتزوجه أم لا.. أولا لأنك صغيرة السن ولا يستساغ منك كلام كبير كهذا.. وثانيا لأنني وسامر قد انفصلنا عن بعضنا البعض نهائيا ولن نتزوج ثانية.."
    ونظرت إلى عينها أستشف منهما الفهم, لكن.. لا يبدو أنها استوعبت تماما ما عنيت!
    قالت:
    "إذن ستتزوجين بحسام؟"
    أوه... ألهمني الصبر يا رب!
    أجبت:
    "كلا".
    قالت:
    "إذن بمن؟"
    قلت مظهرة الغضب لأفهمها أن عليها التوقف عن هذا:
    "لا أعرف يا سارة ولا تكرري الحديث عن أمور كهذه ثانية.. مفهوم..؟؟"
    واستدرت راغبة في الانصراف عنها.. فسمعتها تقول:
    "أنا أعرف بمن".
    استدرت إلى سارة مجددا فوجدتها تبتسم ولكن هذه المرة بمكر!
    قلت مجارية لها:
    "بمن في اعتقادك؟"
    قالت:
    "بابن عمك الطويل.. فأنا سمعتك تخبرين أختي بهذا".

    *****************

    بعد العشاء.. جلست مع أبي حسام والخالة وحسام ورغد نتجاذب أطراف الحديث..
    أحاديثنا منذ البداية كانت عادية وغير هادفة.. باستثناء اعتذار أم حسام الذي أزاح عني حملا... لم أهنأ بزواله... أما الصغيرة كانت صامتة إلا عن نظرات تلقيها علي من حين لآخر!
    ولكن هل يبدو في مظهري شيء غريب؟؟
    سألت أم حسام:
    "كم ستمكث في البلدة؟"
    أجبت:
    "أسبوع كحد أقصى.. بعض شئون العمل متوقفة على حضوري.."
    قالت:
    "وماذا عن رغد؟"
    بسرعة التفت إلى الصغيرة واشتبكت نظراتنا.. ثم عدت إلى أم حسام:
    "ستأتي معي قطعا".
    وهل هناك شك في الأمر؟؟
    أم حسام قالت:
    "أليست إجازتها المرضية ممتدة لعدة أسابيع.. لن تكون هناك دراسة ولا جامعة وبالتالي لا داعي لسفرها".
    عدت ونظرت إلى رغد.. متوقعا أن تكون هذه فكرتها.. ثم قالت:
    "نعم ولكن..لديها موعد الطبيب في الأسبوع المقبل.. كما وأنها يجب أن تبقى قريبة من المستشفى لمتابعة العلاج.. هذا إلى أنه... بإمكانها الدراسة في المنزل والاستعانة بصديقاتها خلال فترة الاجازة".
    أليس كلامي منطقيا؟؟
    أم حسام قالت وقد طغت الجدية على نبرة صوتها:
    "في الحقيقة يا وليد.. وباختصار وبلا مقدمات.. أريد أن تبقى ابنة أختي تحت رعايتي من الآن فصاعدا".
    أصبت بالدهشة.. وقلت مستغربا:
    "ما الذي تقصدينه؟؟"
    أجابت بكل ثقة:
    "أقصد أن تبقى هنا في بيتي وتحت ناظري وبين أبنائي.. وهو المكان الطبيعي لها أساسا".
    درت بعيني بعشوائية ثم ألقيت نظرة على رغد أستشف منها موقفها.. لكني لم أفهم المعاني المرتسمة على وجهها..
    قلت:
    "خالتي.. ألم يسبق وأن أغلقنا هذا الموضوع بعد أن أشبعناه حوارا وختمنا القرارات؟
    بقاء رغد تحت وصايتي أمر مفروغ منه البتة ولا مجال للحديث فيه أصلا".
    تدخل حسام وقال:
    "هذا ما تفرضه أنت".
    لم أعره اهتماما وركزت أسماعي على الخالة التي تابعت:
    "لم ننهه لكنك أصررت على موقفك واستغللت شغف الفتاة بالراسة كيف تكسبها إلى جانبك".
    استغلال؟؟ عندما أفكر في مسقبل رغد.. وأخطط له.. تسمونه استغلال؟؟
    حسام قال:
    "إنهم يعيدون ترميم المبنى المدمر من الجامعة هنا وستفتح العام المقبل وتستطيع رغد العودة إليها مجددا".
    قلت:
    "ولماذا عليها أن تفل ذلك؟ الجامعة الأهلية في الجنوب أفضل مستوى وقد قطعت شوطا مهما وبنجاح فلم تفكر أصلا في تغيير الجامعة؟"
    كنت سأوجه سؤالا إلى رغد غير أن أم حسام سبقتني بالحديث:
    "لتبقى معي.. وإن كانت حجتك الدراسة فها هو الحل أمامك".
    استفزتني الجملة وقلت:
    "ليست مسألة الجامعة فقط... رغد تحت وصايتي أنا وأريد أن آخذها معي".
    قالت أم حسام وبصوت حاد:
    "في هذه المرة أعدتها إلينا بالجبائر... في المرة القادمة كيف ستعيدها إلينا؟؟"
    أبو حسام تدخل ليخفف الشد الحاصل فقال:
    "نحن نعرف أنك تعتني بها جيدا ولكن إنه قلب الأم.. لا تتصور كم كانت خالتها مشغولة البال والقلب عليها".
    قال حسام:
    "جميعنا كنا قلقون عليها وهي بعيدة كل ذلك البعد. يجب أن تقدر مشاعرنا".
    كأنك تماديت يا حسام؟ مشاعر ماذا تقصد؟ يجب أن تتوقف عند هذا قبل أن تشعل غضبي..
    قلت معارضا وبكل إصرار:
    "الأمر مفروغ منه ولسنا هنا لنناقشه من جديد.. وأرجوكم لا داعي لهدر المزيد من الوقت في جدال عقيم لقضية محسومة مسبقا".
    قال حسام فجأة:
    "أنت متسلط جدا".
    صمت الجميع من المفاجأة.. وأنا نظرت إليه بتعجب.. حسبت أنها زلة لسان سيعتذر عليها لكنه أضاف وللعجب:
    "نحن أفرب إلى رغد منك وأحق بكفالتها.."
    أبو حسام ردع حسام بنظرة غاضبة.. والأخير سكت ثوان ثم وجه خطابه إلى رغد:
    "ما رأيك أنت يا رغد؟ ألست تفضلين البقاء مع والدتي؟؟"
    نظرنا جميعا نحو رغد التي أجابت بإخضاع نظرها نحو الأرض.. كأنها تؤيد هذا..
    ماذا يا رغد؟ أتريدين إحراجي أكثر مع أقاربك؟ ألم ننته كليا من موضوع إقامتك معي؟
    هل غيت رأيك الآن؟
    خاطبتها سائلا وشاعرا بالخذلان منها:
    "ماذا يا رغد؟"
    فنظرت إلي وأجابت مضطربة:
    "كما ترى أنت.. وليد".
    الجميع نقلو بصرها عنها وصبوا أنظارا حارة علي..
    ويحكم! هل تعتقدون أنني أهدد الفتاة أو أجبرها على شيء؟
    قلت طالبا منها التأكيد:
    "ألست ترغبين في متابعة الدراسة في الجامعة الأهلية؟"
    قالت مؤكدة:
    "بلى".
    اطمأن قلبي لردها لكن أم حسام قالت معترضة:
    "كلا... ستبقين معي.. أريد أن أرعاك بنفسي من الآن فصاعدا.. ولن يطمءن قلبي لسفرك على الإطلاق".
    وإذا بحسام يخاطبني قائلا فجأة:
    "لماذا لا تتنازل عن الوصاية؟"
    نظرت إليه نظرة مندهشا ثم رمقته بحدة وقلت:
    "أتنازل عنها لمن مثلا؟ لك أنت!؟"
    حسام غضب من تعقيبي الساخر ورد منفعلا:
    "تعرف أنني دون السن القانوني ولا يمكنني أن أكفل أحدا.. أنا أعني لوالدي فهو بمقام والدها وهو ابن عم والدتها وأمي خالتها ونحن أقرب إليها منك".
    عند هذا لم أتحمل.. اشتعلت نفسي غضبا وتصبب العرق من جبيني ورفعت يدي أمسحه فلمست جبينا ساخنا يكاد يتقد نارا..
    نظرت نحو رغد وأظن نظرتي كانت قوية للدرجة التي اهتز فيها جسدها وتراجع للوراء..
    زفرت زفرة قوية أخيرا كانت ساخنة ما يكفي لحرق أثاث الغرفة..
    قلت أخيرا:
    "يمكنكم مناقشة أمر الوصاية هذا بعد موتي, ولكن طالما أنا حي فابنة عمي ستبقى تحت مسئوليتي أنا ما امتدت بي الحياة".
    ووقفت وتابعت:
    "علي الذهاب الآن.. شكرا على حسن الضيافة".
    والتفت إلى رغد وقلت:
    "رغد.. هلا رافقتني إلى البوابة؟"
    سرنا جنبا إلى جنب بخطى بطيئة إلى أن ابتعدنا عن مدخل المنزل وانتصف بنا الطريق إلى البوابة الخارجية لسور المنزل...
    حينها أذنت للساني بالنطق:
    "رغد".
    وتوقف صوت خطوات العكاز.. التفت إلى رغد فرأيتها وقد توقفت عن المشي وكأنها في انتظار شيء مهم...
    قلت:
    "هل كانت هذه فكرتك؟"
    رغد قالت بسرعة:
    "لا.. لا.. إنها خالتي, هي التي تريد مني البقاء... على الأقل فترة نقاهتي".
    قلت:
    "والوصاية؟"
    أجابت:
    "حسام يتحدث بسخافة أحيانا".
    كنت أنظر إليها بتشكك.. فهي لطالما طلبت مني تركها مع أقاربها, وخشيت أن تكون هي وراء كل هذا...
    لما قرأت الشك في عيني قالت مدافعة:
    "صدقني لست أنا".
    قلت:
    "اسمعي يا رغد.. عليك أن تفهمي أقاربك أن موضوع الوصاية هذا مفروغ منه تماما ولا أقبل منهم أن يفتحوه أمامي مجددا أبدا.. يجب أن تخبريهم أن يتوقفوا عن محاولاتهم المزعجة وإلا فأنني سوف لن آتي بك لزيارتهم مجددا".
    بدا التوتر على وجه رغد فقلت:
    "أنا أعني ما أقول.."
    ثم استدرت لأتابع طريقي إلى البوابة..
    بعد ثوان لحقت رغد بي وسمعتها تناديني وتقول:
    "وليد... لا تغضب...!"
    التفت إليها فوجدت عينيها متعلقتين بي...
    كررت:
    "أرجوك.. لا تغضب منهم".
    وأضافت:
    "أنا اعتذر لك عن أي كلمة مزعجة وجهت إليك هذه الليلة... سامحهم أرجوك".
    أراحني الشعور بأن رغد... تكن لي التقدير وتكترث لمشاعري... وتود تطييب خاطري بعد الكلام الذي تلقيته من أهلها...
    قلت:
    "هذه المرة سأبتلع كل شيء.. لكن عليك أن تفهميهم جيدا بأنني فيما لو تكرر هذا مرة أخرى, سأتخذ موقفا مختلفا".
    أطرقت رغد برأسها إذعانا.
    أخيرا قلت:
    "والآن.. هل تأمرين بشء قبل ذهابي؟"
    رأيت وجه رغد يبتسم فيما قسمات القلق مرسومة على جبينها وهي تقول:
    "انتبه لنفسك".
    أنتبه لنفسي؟!
    إنها أول مرة تقولها لي وبهذه الطريقة ومعالم القلق والاهتمام ناطقة على وجهها!
    شعرت بدغدغة لطيفة تسري في جسدي لم تكن لتتناسب مع الغضب الذي أضمره!..
    ابتسمت لها وفارقتها بارتياح..
    ذهبت إلى شقة سامر والذي كان قد أعطاني مفتاحا احتياطيا لشقته بطلب مني.. حتى يتسنى لي الدخول والخروج بحرية, خصوصا وأنه كان يقضي ساعات طويلة في العمل..
    دخلت الشقة واتجهت إلى غرفة النوم.. وهناك... رأيت شقيقي يجلس على السرير وفي يده علبة ما..ووجهه متجهم.. ويظهر عليه الشرود... حتى أنه لم ينتبه لدخولي..
    "سامر"
    بمجرد أن ناديته ارتبك وأغلق العلبة بسرعة وهب واقفا وهو يقول:
    "وليد.. أأأأهلا".
    وسار نحو الخزانة وأدخل العلبة في أحد الأدراج, الدرج الذي وجدته مقفلا ذلك اليوم, وأقفل الدرج بالمفتاح وهو يقول:
    "لم أنتبه لقدومك".
    دققت النظر في وجهه فوجدت آثار الدموع تبلل رموشه.. شعرت بانقباض في قلبي وسألت بقلق:
    "أهناك شيء؟؟"
    سامر تظاهر بالعفوية وابتسم وقال:
    "لا. لا شيء".
    لكنني لم أشتت نظري عنه فقال:
    "تذكرت والدينا".
    وظهر الخشوع والحزن على وجهه.. لم أصدق ما ادّعاه ولكنني لم أشأ إحراج الموقف فقلت:
    "رحمهما الله".
    وتصرفت بشكل طبيعي رغم القلق الذي يعتصر أحشائي..
    لا أعرف ما الشيء الذي كان سامر يخفيه في الدرج ويحذر أن أراه.. لكني أتوقع وتقريبا شبه متأكد من أنه ذو علاقة برغد...
    والفضول تملكني بشدة... وانتهزت الفترة التي ذهب أخي فيها للاستحمام بعد ذلك وتسللت يدي نحو الدرج..
    كان المفتاح في ثقب الدرج... فتحته بحذر واستخرجت العلبة الكبيرة الثقيلة التي كانت تحتل معظم الدرج...
    وضعت العلبة على السرير وهممت بفتحها, غير أن ضميري تغلب على فضولي في آخر لحظة... وإذا بي أعيد العلبة إلى الدرج وأقفله بالمفتاح وأغلق باب الخزانة كما كان...
    لحظتها أثنيت على نفسي أمانتي.. وشكرت ضميري على تأنيبه... وبت راضيا عن نفسي ومسرورا بها...
    لكنني فيما بعد.. ندمت أشد الندم.. على أنني لم أكتشف وقتها السر الذي كان شقيقي يخبئه.. رغم أنه كان طائعا بين يدي...

    ************************
    بالأمس أبلغني وليد عن موعد سفرنا وهو مساء اليوم, واتصل بي قبل ساعة ليتأكد من استعدادي. وقد أبلغني أنه في طريقه للمزرعة وسوف يكون هنا عصرا.
    وفيما أنا مع ابنتي خالتي نجمع حاجياتي في حقيبتي رن هاتفي مرة أخرى... نهلة ونظرت بمكر وقالت:
    "الوصي الطويل!"
    وسارة ضحكت -كعادتها- بصوت مرتفع...
    كان هاتفي موضوعا على المنضدة بجوار المرآة. وكنت أجلس على السرير أطوي ملابسي..
    قلت مخاطبة نهلة:
    "ناوليني الهاتف".
    فأسرعت سارة والتقطته من على المنضدة وأقبلت نحوي.. نهلة قالت لإغاضتي:
    "دعيها تسير إليه بنفسها يا سارة!"
    سارة غيرت اتجاه سيرها وعادت أدراجها إلى المنضدة..
    قلت بحنق:
    "هذا ليس وقته... هاتي الهاتف سارة".
    فقالت نهلة وهي تضحك بخبث:
    "تعالي وخذيه بنفسك".
    هتفت:
    "تبا لكما".
    ورميتهما ببعض ملابسي وأمسكت بعكازي وهببت لأقف, حينها أخذت نهلة الهاتف ورمته نحوي على السرير وأطلقت أختها القهقهات وهما تغادران الغرفة... مددت يدي بسرعة والتقطت الهاتف..
    كان رقم هاتف المزرعة, ذلك الذي ظهر على شاشة هاتفي...
    "مرحبا".
    "مرحبا يا رغد.. كيف حالك؟"
    أتدرون من المتصل؟
    إنها الشقراء!
    ماذا تريدين مني؟؟ وكيف تملكين الجرأة على الاتصال بي وكأننا من الأصحاب؟؟
    قلت بجفاء:
    "نعم؟ ماذا تريدين؟"
    قالت:
    "حسنا.. خشيت ألا تجيبي على اتصالي.."
    قلت:
    "ظننته وليد... لكن ماذا هناك؟"
    قالت:
    "إنه لم يصل بعد... هل أخبرك بأنه.. حجز للسفر مساءً؟"
    قلت:
    "نعم".
    الشقراء صمتت قليلا ثم سألت:
    "رغد..هل فكرت في الموضوع الذي حدثتك عنه؟"
    تعني الكلام الذي سممت قلبي بسماعه ذلك الصباح في المزرعة.. والذي بذلت قصاري جهدي للتهرب منه..
    أجبت:
    "لا أريد أن أفكر به".
    قالت:
    "لماذا؟"
    قلت بغضب:
    "لا يعجبني.. ولو سمحت لا تعيدي فتح الموضوع ثانية".
    قالت:
    "يارغد لا بد من فتحه وأخذه بعين الاعتبار.. إنه ليس مجرد موضوع عابر بل فيه مستقبلنا وحياتنا ومصيرنا نحن الثلاثة".
    قلت وقد اشتد غيظي:
    " لا شأن لك بمستقبلي ومصيري أنا".
    قالت:
    "وماذا عن مستقبل وليد؟ وحياته؟ ومصير الدوامة من الشجار التي نحيطها به؟ ألا تفكرين فيه؟"
    قلت باندفاع:
    "وليد لن يتخلى عني تحت أية ظروف.. إنه بمقام أبي.. لن أبتعد عنه وإذا شءت أنت فابتعدي وأريحينا".
    صمتتالشقراء لبرهة ثم قالت:
    "إذن هذا هو قرارك؟؟"
    قلت بتحد:
    "نعم. هذا هو قراري".
    قالت وقد تجلى الألم والحزن في نبرة صوتها:
    "لم أتوقع أن تكوني أنانية لهذا الحد".
    ثم أضافت وقد اشتدت نبرتها:
    "لكن... وليد سيأتي الآن.. وسأخبره بما دار بيننا.. وعن قرارك.. وسأضعه أمام الأمر الواقع وأطلب منه أن يعين من منا سيختار ليصطحبها في السفر".
    وتوقفت برهة ثم أضافة:
    "وفي بقية العمر".
    وأقفلت السماعة فورا..
    تسمرت على وضعي حقبة من الزمن... تدحرج فيها رأسي على محيط الغرفة.. ثم تهالك على السرير دائخا تصارعه كلمات أروى وتستل عقله اتلالا..
    رفعت هاتفي أمام عيني.. أوشكت على الاتصال بوليد.. لكن أصابعي ارتجفت وحالت دون مقدرتي على الضغط على الأزرار..
    حاولت أن أركز على شيء لكنني فشلت... أغمضت عيني ووضعت يدي اليسرى عليهما لأخفف من مقدار النور الذي بدا قويا يخترق جفوني مقبلا من مصباح السقف...
    "رغد!"
    سمعت صوتا يناديني.. أبعدت عيني ونظرت باتجاه مصدر الصوت الذي ولشدة تيهي لم أميزه.. ولولا أنها اقتربت مني كثيرا ربما لم أكن لأميزها.. كانت نهلة..
    "ما بك!؟"
    سألتني بقلق وهي تراني ملقية بثقل رأسي على السرير في ذلك الوضع..
    جلست ومددت يدي نحوها فأقبلت إلي وشملتني في حضنها وهي تقول:
    "ماذا جرى لك بحق السماء؟؟ ماذا قال لك ذلك المتعجرف اللئيم؟"
    هززت رأسي في حضنها وأنا أطلق شهقاتي:
    "ليس هو يا نهلة.. إنها هي.. هي".
    سألت بتوتر وقد فهمت قصدي:
    "ماذا أرادت منك؟"
    انهرت وأنا أقول:
    "تريد أن تحرمني من وليد.. ستأخذه مني يا نهلة... ستأخذه مني".
    أبعدت رأسي عن حضنها وقلت بانهيار:
    "سأموت إن تخلى عني.. لا أستطيع العيش بدونه.. إنه وليد قلبي أنا.. يخصني أنا.. إنه لي أنا... أنا.. أنا..."

    ****************************
    كنت قد حدثت سامر عن أمر عودتي إلى الجنوب مع رغد.. وألححت عليه كي يرافقنا.. وأعدت عرض فرصة العمل الكبيرة في مصنع أروى..
    سامر كان في السابق يرفض الفكرة أما الآن فقد قبل العرض.. وطلب مهلة كي يرتب أموره..
    اتفقنا على أن أمهله بضعة أيام أخرى لينجز مهامه ويستعد للسفر...
    وضع سامر ووحدته في هذه المدينة وبعده عني لم يكن يروق لي منذ البداية.. ولكن الظروف لم تساعد على لم شملنا في بيت واحد كما هم الأخوة الأشقاء..
    ودعته وذهبت إلى المزرعة لأقابل أروى وأهلها, وأقضي معهم بعض الوقت قبل السفر..
    في المزرعة طبعا كانت تنتظرني مشكلتي الكبرى.. مع أروى...
    كنا أنا وهي نجلس بين الأشجار.. بعيدا عن مرأى أو مسمع أي إنسان.. نتحدث بشأن كلامها الجنوني في لقائنا الفائت..
    اعتقدت إنه كان انفعالا مؤقتا, غير أنني وجدتها على نفس الموقف هذا اليوم وقد تجلى الإصرار الشديد عليها..
    أروى كانت على غير سجيتها... غاية في التوتر والعصبية...
    "اسمعني يا وليد.. لا أريد أن نضيع الوقت والجهد في محاولة تغيير المواقف.. كل ما عليك اتخاذه الآن وبشكل حاسم هو القرار المصيري.. إما أن تأخذني أنا معك, وللأبد... أو تأخذها هي معك.. وللأبد".
    كنت قد استنفذت طاقتي في محاولة إقناعها بالتخلي عن حلها الجنوني هذا.. لكن دون جدوى..
    قلت منفعلا:
    "الهراء الذي تتفوهين به لن أحمله محمل الجد.. أجد نفسي مضطرا لأن أتركك هنا مؤقتا وأعود معها هي إلى أن تنتهي موجة الجنون الذي أودت بعقلك... بعدها نناقش بعقل كل أمورنا".
    أروى هتفت:
    "لا تتهرب يا وليد.. أنا أحدثك بكل جدية... إما أنا أو هي, ولا خيار ثالث مطلقا".
    الاصرار كان يندلع كالنار من عينيها.. والنار لم تحرق عيني ورأسي فقط.. بل وأشعلت الآلام التي لم بالكاد هدأت قليلا في معدتي..
    شهقت شهيقا طويلا لأملأ صدري بالهواء وأضغط على معدتي... ثم استدرت للوراء وخطوت مبتعدا عنها..
    "وليد إلى أين؟"
    لم أرد.. وخطوت خطوة أخرى فقالت:
    "هل أفهم من هذا.. أنك قررت اختيارها هي؟"
    توقفت لحظة ولم أستجب.. ثم خطوت خطوتين أخريين فسمعتها تقول بانفعال:
    "إذا قررت الذهاب إليها فلا تفكر بالعودة إلي ثانية".
    عند هذا الحد واستدرت إليها مذهولا وهتفت بغضب:
    "ماذا تعنين؟ أروى... أخرجي من رأسي في هذه الساعة.. أكاد أنفجر.. بالله عليك ماذا تعنين بهذا الجنون؟؟"
    أروى حمبقت برهة بي ثم قالت:
    "ننفصل".
    فجأة... أصيب رأسي بارتجاج حاد إثر هذه الكلمة الفظيعة وانفغر فوهي وانفتحت حدقتاي أوسعهما...
    ذهلت... صعقت... تصلبت في موضعي... غير مصدق!!
    نطقت وأنا لا أجرؤ على التفوه بالكلمة من شدة فظاعتها:
    " ماذا؟؟ تقولين ننـــ...ننـــــ... ماذا؟"
    أجابت أروى بكل ثقة:
    "ننفصل يا وليد".
    ولم يزدني برودها إلا ذهولا فوق ذهول...
    بقيت أحملق فيها لوقت ما كان أطوله.. ثم أخرجت عبارات عشوائية من لساني:
    "كيف تجرأت يا أروى؟ لا بد أنك بالفعل قد جننت...!... ماذا...؟؟ كيف أطاعك لسانك على التفوه بها؟؟ تقولين.. ننفصل؟؟"
    صمتت أروى فسرت حتى صرت أمامها وقلت غير مصدق:
    "ننفصل يا أروى؟؟ هل قلت ننفصل؟"
    أروى قالت وقد تغير صوتها وجاء مبحوحا:
    "نعم.. فنحن.. لن نستطيع العيش.. أنا.. وأنت.. وابنة عمك.. سوية... لقد خيرتك.. وأنت من اختار التخلي عني من أجلها".
    مددت يدي إلى ذراعها وهززتها بقوة وصرخت:
    "أنا؟؟"
    وتابعت:
    "بل أنت يا أروى من قرر كل شيء بجنونك.. أنت من يرفض العودة معي.. تعرفين كم هي ظروفي حرجة هذه الفترة وعوضا عن حمل الهم معي تزيدين عاتقي أثقالا.. تريدين مني ترك رغد في بيت خالتها للأبد؟؟ هذا المستحيل بعينه.. أنا لن أتخلى عن مسؤوليتي عن ابنة عمي هذه تحت أي ظروف ومهما كان".
    قالت أروى بغضب:
    "إذن تخل عني واحتفظ بابنة عمك المدللة الغالية... لأناية.. حبيبة قلبك التي لا تخجل من الاحتفاظ بصورتها تحت وسادتك".
    هنا.. فار التنور..
    رفعت يدي وأوشكت على تسديد لكمة قوية إلى وجهه أروى, غير أنني توقفت عند آخر جزء من الثانية.. وتركت يدي معلقة في الهواء..

    أروى صارت تحملق بي بذهول فائق.. وتحول لونها إلى الأصفر من شدة الفزع.. ولو كنت قد سددت ضربتي إلى وجهها لكنت قد فصلت فكها الأسفل عن رأسها كليا..
    تراجعت بقبضتي الثائرة والتفت يمينا فرأيت الشجرة التي نقف إلى جوارها تراقبنا بسلام..
    وكامجنون ضربت أحد أغصانها بعنف فخر مكسورا على الأرض..
    ابتعدت مسرعا عن أروى لئلا تنالها يدي ببطش شديد.. ذهبت أبحث عن العم إلياس فألفيته والخالة يجلسان عند مدخل المنزل يصنعان السلال السعفية ويتبادلان كرة الحديث..
    حين رأياني رحبا بي ودعياني للجلوس معهما.. ولكنهما سرعان ما رأيا الشرر يتطاير من عيني والعرق يتصبب من جبيني..
    العم إلياس وقف وقال قلقا:
    "ما الخطب يا بني؟؟"
    هتفت بغضب:
    "عمي أريد أن أحدثك عن شيء".
    وقد خرج صوتي مرعبا ما جعل الخالة ترفع يدها إلى صدرها...
    قال العم:
    "اهدأ يا بني.. رجاء".
    قلت منفعلا:
    "يجب أن تتدخل وتفعل شيئا يوقف جنون ابنة أختك هذا".
    الخالة وقفت بدورها هي الأخرى وقالت:
    "ماذا يحصل؟؟"
    العم إلياس خاطبني:
    "اجلس يا بني هداك الله.. تبدو منفعلا جدا".
    والتفت إلى الخالة وطلب منها:
    "احضري بعض الماء يا أم أروى باركك الله".
    الخالة دخلت إلى المنزل على مضض لتحضر الماء, أما العم إلياس فحملق بي متسائلا وأمسك بذراعي محاولا تهدئتي, غير أنني سحبت ذراعي وشددت على قبضتي وقلت:
    "عمي... أروى.. فقدت عقلها.. تهددني.. إما أن أترك ابنة عمي في بيت خالتها للأبد.. أو.."
    ولم أقو على إتمام الجملة.. فسأل العم:
    "أو ماذا؟"
    قلت أخيرا منفعلا:
    "أو ننفصل يا عم".
    العن ذهل ونظر نحوي بدهشة فائقة.. فقلت:
    "يجب أن تكلمها... إنها مجنونة منذ عرفت أنني قتلت من كان ابن عمها..والآن تريد مني إخلاء مسؤوليتي عن مكفولتي اليتيمة.. التي هي أمانة في عنقي إلى يوم الدين.. وإلا سوف لن تستمر معي بعد الأن".
    العم كان ينظر إلي بمنتهى الدهشة التي طغت على أي قدرة اه على التعبير...
    قلت بحدة بالغة:
    "تتعامل مع رباطي بها أو برغد وكأنهما لعبة يمكن تغييرها إن لزم الأمر... أفهمها يا عم.. أنه لا يحق لها وضعي بين خيارين عابثين كهذين.. ولا الاستهانة برباطنا بهذا الشكل المخزي..وإنني لست من الاستهتار لدرجة أن.. أرمي بوصاية ابنة عمي على غيري.. أو أنفصل عن زوجتي.. فقط لأنهما لا تطيقان التعايش مع بعضهما البعض".
    واستدرت منصرفا قبل أن أعطي العم فرصة للاستيعاب...

    ********************************

    مازلت واقفة عند الشجرة... أنظر إلى الغصن المرمي على الأرض... الذي كسره وليد عن جذعها قبل قليل...
    كنت غارقة في الدموع... لا أعرف ما أفعل أو كيف أفكر... وقد انصرف وليد غاضبا جدا مني... وسيسافر وموضوعي معه معلق وشديد الالتهاب...
    أحسست بحركة من حولي فنظرت في الاتجاه الذي سلكه وليد مغادرا وكلي لهفة أن يكون عاد... رأيت أمي وخالي يقبلان نحوي يكسو وجهيهما القلق الشديد...
    كانت أمي تمسك بكأس مليء بالماء في يدها وقطرات منه تنسكب مع خطواتها المضطربة.
    قبل أن تصبح في مواجهتي سبقها سؤالها:
    "ماذا حصل؟؟ أروى ماذا حصل مع وليد؟؟"
    نظرت من بين دموعي إلى عينيها وعيني خالي... وقلت:
    "لق... طلبت منه... أن... ينفصل عني".
    وأجهشت بالبكاء واستدرت إلى الشجرة التي ضربها وليد. لم أكن أسمع غير صوت بكائي إلى أن سمعت صوت خالي يهتف:
    "ليندا... تماسكي".
    استدرت إلى أمي فرأيت الكأس يقع من يدها ورأيتها تضغط على صدرها وتتنفس بصعوبة... ثم تترنح وتخر على الأرض.

    *******************************
    استقبلتني ابنة خالة رغد الصغرى وقادتني إلى مدخل المجلس الجانبي.. لم يكن حسام ولا أبوه موجودين ساعة وصولي.. وعند المدخل وجدت أم حسام تقف في انتظارنا...
    كنت أعرف أنها غير راضية عن سفر رغد وخشيت أن تعود لفتح موضوع اعتراضها في هذه الساعة... والصداع مشتد على رأسي بعد شجاري مع أروى, ولا ينقصني الآن أي جدال... وبعد تبادل التحية دخلنا إلى الداخل واتخذنا مجالسنا وأخبرتني أن أبا حسام في الطريق إلينا.. ثم سألتها:
    "هل رغد مستعدة؟"
    أجابت وفي نبرتها شيء من عدم الرضا:
    "نعم.جمعت أشياءها بمساعدة ابنتيّ.. إنها بالكاد تتحرك.. يشق السفر عليها مع هذه الإصابة".
    أرجوك! لا تفتحي الموضوع ثانية الآن!
    قلت لئلا أدع لها الفرصة للبدء من جديد:
    "إذن هلا أخطرتها بوصولي من فضلك؟ لا يزال أمامنا مشوار طويل".
    الفتاة الصغيرة خرجت من الغرفة فورا... ذاهبة لاستدعاء رغد.. أما أم حسام فسألت:
    "وأين زوجتك ووالدتها؟"
    استغربت السؤال وأجبت:
    "في المزرعة".
    قالت مستغربة:
    "حسبت أنك قادم من هناك".
    قلت:
    "نعم, كنت هناك".
    سألت باستغراب أشد:
    "ولمَ لم تحضرا معك مباشرة؟"
    قلت مستغربا:
    "ولمَ؟؟"
    بدا القلق على وجه أم حسام مع بعض الحيرة ثم قالت:
    "ألن تصطحبوهما معكما؟؟"
    قلت:
    "كلا.. إنهما لن تسافرا معنا الآن".
    اتسعت حدقتا أم حسام واكفهرت ملامحها وقالت:
    "لن تسافرا معكما؟؟ ماذا تقصد يا وليد؟؟"
    قلت موضحا:
    "لن تسافرا حاليا.. لكن.. ستلحقان بنا بعد فترة.. تودان البقاء في المزرعة أياما أخرى".
    تعبيرات وجه أم حسام ازدادت توترا واضطرابا وقالت:
    "و... رغد؟؟"
    فهمت منها إنها قلقة بشأن من سيعتني بالصغيرة وهي مصابة هكذا.. فقلت:
    "لدينا خادمة لتساعدها".
    أم حسام قالت فجأة وبانفعال مهول:
    "أتريد القول.. إنك.. ستسافر مع الفتاة.. بمفردكما؟"
    ألجم السؤال لساني.. وفي ذات اللحظة رأيت أم حسام تهب واقفة وقد تناثر الشرر من حولها وتقول بصوت حاد:
    "هل جننت يا وليد؟؟ تريد أن تأخذ الفتاة بمفردها إلى الجنوب؟"
    وقفت تباعا وقد أصابني الذهول من أمر الخالة وأردت أن أتحدث غير أن كلامها اخترق المسافة الفاصلة بيننا بسرعة البرق وزلزلة الرعد...
    "كنت أظن أن خطيبتك ووالدتها سترافقانكما كما في السابق..."
    تدخلت بسرعة:
    "ستلحقان بنا عما قريب.. وكذلك سامر.. لا يمكنني ترك العمل أكثر من هذا".
    ردت أم حسام:
    "وتريد مني أن أترك ابنتي تسافر وتعيش هناك لوحدها معك؟؟ هل فقدت صوابك يا وليد؟؟"
    ارتبكت واضطربت كل ذرات كياني.. تحول لوني إلى الأحمر وتفجرت قطرات العرق على جسمي كله.. حاولت النطق:
    "خالتي".
    غير أنها قاطعتني بحدة وقالت صارخة في وجهي:
    "كفى.. هذا ما كان ينقصني... لم يبقى إلا أن نترك ابنتنا تقيم بمفردها مع رجل غريب.. من تظن نفسك يا وليد؟؟ كيف تجرؤ؟"
    تسمرت على وضعي مذهولا.. مكتوم النفس طائر الفؤاد محملق العينين... لا أكاد أفهم ما أسمع..
    "خــــالـــ... ما.. ماذا... رجل غريب؟؟ أنا؟"
    صاحت أم حسام بوجهي:
    "نعم رجل غريب.. أتظن أن الوصاية على الفتاة تجعلك أباها حقا؟؟ أفق يا هذا... أم لأنها فتاة يتيمة وحيدة تظن أنه بإمكانك التصرف بشأنها كما يحلو لك وأن أحدا لن يوقفك عند حدودك؟؟ اصح يا وليد... يا محترم".
    تلقيت الكلام كصفعة قوية نارية على وجهي... النار كانت تشتعل في عيني أم حسام وفي صدرها النافث بالصراخ.. حملقت بها مذهولا.. غير مصدق لما أسمع.. ما الذي تقوله هذه المرأة؟؟
    كان صدري لا يزال يحبس النفس الأخير الذي التقطته وسط النار.. أطلقت نفسي باندفاع وقوة وهتفت:
    "ما الذي تقولينه يا خالة؟"
    الغضب كان يتطاير من عينيها ومن عيني أنا تفجر بركان ثائر مدمر...
    "ما الذي تظنينه بي؟؟ إنني أنا وليد.. ابن شاكر وندى... ولست إنتاج وتربية شوارع.. أنا تقولين لي هذا الكلام؟؟ لقد تربيت بين أبناءك وتحت ناظريك.. وكأنك لا تعرفين من أكون؟؟ أم لأنني دخلت السجن بضع سنين تظنين أنني خرجت منه فاسقا قذرا لا يعرف حدوده ويتجرأ على حرمات الغير...؟؟ إنها ابنة عمي.. دمي وحرمتي أنا.. والأمانة العظمى التي في عنقي.. كيف تجرئين على الظن بي هكذا؟؟ لن أغفر لك هذه الإهانة.. أبدا".
    وسرت مبتعدا عنها متجها إلى الباب... وفي طريقي اصطدمت بطارلة فما كان مني إلا أن رفعتها وقلبتها رأسا على عقب ورميت بها بقوة بعيدا...
    فتحت الباب بقوة وصفعته بالجدار حتى كدت أكسرهما سوية.. ثم خرجت بسرعة مغادر المنزل... صادفت حسام عند البوابة... فدفعته بعيدا عن طريقي.. ثم ركبت سيارتي وانطلقت بأقصى سرعة.. نحو المطار..


    ونحن نسير نحو غرفة المجلس سمعنا صوت انغلاق باب قوي.. اقشعرت له الجدران والثريات!
    ابنتا عمي كانتا تتعاونان في حمل حقيبة سفري وأنا أسير بعكازي حاملة حقيبة يدي على كتفي إلى أن وصلنا إلى الباب.. الاثنتان عانقتاني وودعتاني وابتعدتا..
    طرقت الباب الداخلي لغرفة المجلس بهدوء ثم فتحته وأطللت بعيني في شوق لرؤية وليد قلبي..
    مسحت الغرفة بعيني وطولا وعرضا وارتفاعا.. ولم أعثر على وليد!
    لكني رأيت إحدى الطاولات مقلوبة والتحف الزجاجية مكسورة على الأرض!
    ورأيت خالتي تقف عند الباب الخارجي للمجلس, ثم رأيت حسام يدخل وهو يسأل:
    "ماذا حدث؟؟"
    وسمعت خالتي تسأله:
    "هل خرج؟"
    قال حسام:
    "ضربني بيده وخرج! ماذا حل بهذا الرجل بحق السماء؟"
    قالت خالتي وهي تغلق الباب وتقفله بعد دخول حسام:
    "لا أعرف ممن ورث هذا المتعجرف غلظته! لا ياسر ولا شاكر رحمهما الله ولا سامر يحفظه الله فيهم شيء من الفظاظة.. بل هم في منتهى التهذيب واللطف والهدوء.. أما هذا.. أعوذ بالله! متوحش وأخرق... انظر ماذا فعل؟"
    وهي تشير إلى الأرض...
    فتحت أنا الباب وتقدمت إلى الداخل في قلق وتساؤل... وأخذت أحدق في خالتي وأسأل:
    "ماذا حدث؟"
    وكان وجه خالتي يتقد احمرارا فرمقتني بنظرة صامتة ثم انحنت إلى الأرض ترفع قطع الزهرية المكسورة.
    عدت وسألت:
    "أين وليد؟"
    أجابت وهي لا تنظر إلي:
    "غادر".
    ماذا؟؟ غادر؟؟ ماذا تعنين بغادر؟؟
    سألتها:
    "غادر؟؟"
    قالت بغضب:
    "نعم غادر.. عسى ألا يعود".
    هتفت بقوة:
    "أعوذ بالله... لماذا ياخالتي؟؟.. ماذا حصل؟؟"
    قالت وهي ترفع نظرها إلي وتتكلم بعصبية:
    "إنه مجنون... لا يعرف حدود نفسه.. يظننا سنتركه يتصرف كيفما يريد.. متسلط فظ وعنيف.. من أين أتى بكل هذه العجرفة والوحشية؟"
    حسام عقب مباشرة:
    "من السجن قطعا".
    اشتططت غضبا وانفجرت بشدة:
    "لا تتحدثا عن وليد هكذا... لا أسمح لكما.."
    ثم تقدمت نحوهما وقلت:
    "أخبراني ماذا حصل؟؟"
    قال حسام:
    "ألا ترين؟"
    مشيرا للطاولة المقلوبة على الأرض.. والزجاج المتناثر حولها...
    قلت:
    "وليد فعل هذا؟"
    ووجهت خطابي لخالتي التي لا تزال جاثية على الأرض تلملم ما تبعثر..
    "لكن لماذا؟؟ ماذا حدث؟؟ هل تشاجرت معه؟"
    خالتي وضعت ما بيدها جانبا ووقفت وقالت:
    "نعم تشاجرت معه.. وغضب وصرخ في وجهي وقلب الدنيا رأسا على عقب وخرج ثائرا كالبركان".
    قلت بسرعة:
    "ماذا قلت له؟ هل أهنته ثانية؟؟ خالتي..!! إلى أين ذهب الآن؟"
    ردت بحدة:
    "إلى حيثما ذهب... بلا رجعة".
    هتفت منفعلة:
    "بعد ألف شر... خالتي لا تقولي هذا ثانية يكفي أرجوك".
    وعمدت إلى حقيبة يدي واستخرجت هاتفي واتصلت بهاتف وليد..
    كان الهلع ينخر رأسي بشراسة وما إن رن الهاتف حتى كان قد أتى على قواي الذهنية كاملة...
    الهاتف رن مرة ثم مرة أخرى ثم انقطع الاتصال.. عاودت الاتصال فوجدت الهاتف مغلقا.. كررت الاتصال عدة مرات.. الهاتف ظل مغلقا..
    قلت أخاطب خالتي:
    "أغلق هاتفه".
    ثم سرت نحو هاتف المنزل الموضوع على منضدة في الجوار واتصلت برقم وليد مرات أخرى.. دون جدوى..
    قلت بعصبية:
    "الهاتف مغلق يا خالتي ماذا قلت له؟"
    خالتي تنهدت ثم قالت:
    "اعترضت على سفرك معه".
    صدمت.. حملقت فيها مندهشة وسألت:
    "ماذا؟؟ لكن لماذا؟؟ تعرفين أنه آتٍ لأخذي فماذا تغير؟"
    قالت خالتي وقد عاد الانفعال على وجهها:
    "لن أسمح له بأخذك معه يا رغد... ستبقين معي وتحت عيني.. سأضع حدا لجنون هذا المتسلط".
    تركتني خالتي في إعصار الحيرة والهلع واشتغلت بتنظيف وترتيب الطاولة وما حولها متجاهلة تساؤلاتي... مما زادني يقينا فوق يقين بأن ما حصل كان أمرا خطيرا...
    "خالتي أرجوك أفهميني ماحدث؟؟ ماذا فعل؟ ماذا قلت له؟؟ بالله عليك أخبريني".
    وهذه المرة حسام ساندني وقال:
    "أخبرينا بما حدث يا أمي؟"
    خالتي قالت أخيرا:
    "تصورا.. كان يريد أخذ رغد بمفردها إلى بيته! دون خطيبته ولا والدتها..! يظن أن الوصاية كافية لتجعله مثل أبيها.. يقيم معها بمفرده أينما يريد".
    هتف حسام مستنكرا:
    "ماذا ماذا؟؟ يقيم معها بمفرده هكذا بكل بساطة؟؟ يا سلام! من يظن ذلك المعتوه نفسه ؟؟"
    خالتي قالت:
    "وبكل جرأة يخبرني بأن خطيبته لن تسافر معه.. بلا حياء ولا لياقة.. ولما اعترضت ثارت ثائرته وزلزل المنزل.. وقلب الطاولة بالتحف... المجنون!"
    تسمرت في مكاني مصعوقة بما أسمع.. ثم قلت:
    "لكن.. لكن.. إنه.. إنه الوصي علي".
    قالت خالتي بغضب:
    "الوصي عليك شيء وأن يقيم معك بمفردكما في بيته شيء آخر..."
    قلت مذهولة:
    "خالتي!! إنه ابن عمي".
    ردت مقاطعة:
    "وحتى لو كان ابني... مجنونة أنا كي أدعك تقيمين بمفردك مع رجل غريب؟ حتى لو كان حسام أو أبا حسام.. هذا ما كان ينقصنا.
    قلت وأنا في ذهولي:
    "ألا... تثقين به؟"
    ردت:
    "أثق بمن؟؟ بهذا؟؟"
    وهي تشير إلى موضع الطاولة... ثم أضافت:
    "المتوحش المتعجرف خريج السجون؟؟"
    عندها صرخت من أعماق قلبي:
    "يكفي... يكفي... لا تتحدثي عنه هكذا... لا أسمح لكم بإهانته... لا أقبل أن تصفوه بهذا... أنتم لا تعرفون شيئا..."
    والتقطت السماعة واتصلت من حديد وللأسف كان هاتف وليد مغلقا... أعدت الاتصال مرة ومرتين ومئة.. والهاتف لا يزال مغلقا...
    ياإلهي.. وليد قلبي غاضب ولا يريد التحدث معي؟؟
    نظرت إلى الساعة.. الوقت يمر ومن المفترض أن نكون في الطريق إلى المطار...
    اتصلت بهاتف سامر ولما رد علي قلت باضطراب:
    "هل وليد معك أو اتصل بك؟؟"
    استغرب سامر السؤال فسألني:
    "لا! غادر منذ الظهيرة... أليس في المزرعة؟؟"
    قلت بتوتر:
    "كان هنا في بيت خالتي ليصطحبني إلى المطار, لكنه غادر من دوني.. أتصل به ولكنه مغلق هاتفه.. أرجوك حاول التصال به وبالمزرعة واطلب منه مهاتفتي فورا..."
    سألني وقد تجلى القلق في نبرته:
    "هل حدث شيء يا رغد؟؟"
    نظرت نحو خالتي وأجبت:
    "تشاجر مع خالتي.. لكن أرجوك قل له أن يتصل للضرورة".
    صمت سامر لحظة ثم قال:
    "حسنا".
    وأنهيت المكالمة وبقيت جالسة على الجمر المتقد أنتظر اتصال سامر, وهاتف المنزل وهاتفي المحمول كلاهما في حظني... فيما عيناي محملقتان في ساعة يدي...
    مرت الدقائق تلحق بعضها بعضا... والهاتفان لا يرنان...
    لم أطق صبرا حاولت الاتصال بوليد دون جدوى واتصلت بسامر فقال إنه لم يجده في المزرعة وأن هاتفه المحمول مغلق طوال الوقت...
    في هذه اللحظة حضر زوج خالتي وعلم بما حصل وبدوره صار يحاول الاتصال بوليد عبر هاتفه بلا فائدة...
    مضى الوقت.. ولا من خبر من أو عن وليد..
    نبضات قلبي آخذة في التباطؤ.. أطرافي ترتجف خوفا وقلقا..
    أنظاري متمركزة على الهاتفين وعلى الساعة.. والآن لم تعدعيناي بقادرتين على الرؤية... الضباب كثيف.. لا بل هي قطرات الندى.. لا بل الدموع... تريد الانطلاق من محجري...
    وبعد ما يفوق الساعة... رن هاتفي المحمول... نظرت إلى الشاشة فرأيت اسم سامر...
    أجبت بسرعة:
    "نعم سامر هل كلمته؟؟"
    قال:
    "كلا.. إنني الآن عند باب المنزل".
    "المنزل؟"
    "أعني منزل خالتك... هل حسام هناك؟"
    وطلبت من حسام الذهاب لاستقبال سامر... غادرت خالتي المجلس وعاد حسام مع سامر... والأخير بدأ التحية والسؤال عن الأحوال ثم سألني مباشرة:
    "ماذا حدث؟؟"
    قلت بشكل غير مرتب:
    "خرج غاضبا... إنها خالتي... إنه موعد إقلاع الطائرة... هل سافر بدوني؟؟"
    رآى سامر اضطرابي فحاول تهدئتي ثم قال:
    "لن يفعل ذلك... لكن أخبريني ما الذي حدث بالضبط؟"
    قلت منفعلة:
    "خالتي تشاجرت معه... إنها يقسون عليه ولا يحترمونه ولا يثقون به".
    أبو حسام قال مدافعا:
    "ليس الأمر كذلك لا سمح الله.. أنه ابننا مثل حسام ومثلك يا سامر ولكن أم حسام جن جنونها مذ رأت الفتاة بالعكاز والجبيرة... تعرف كم تحب ابنة أختها وتقلق عليها ولا تريدها أن تبتعد عنها".
    قلت بغضب:
    "لكن لا ذنب لوليد فيما حصل لي... لماذا تنظرون إليه هكذا؟؟ إنه يعتني بي جيدا ويعاملني بكل احترام وحنان وأدب... وأنا لا أسمح...لا أسمح.."
    وأخذت شهيقا باكيا ثم زفرت نفسي مع دموعي:
    "لا أسمح لأحد بأن يهينه... ولا أقبل بأن ينعته أحد بالمجرم... أنتم كلكم قساة... كلكم بلا مشاعر... كلكم ظالمون".
    انخرطت في بكاء لم أبك مثله أمام أحد مسبقا... غير نهلة...
    الثلاثة... سامر وحسام وأبوه التزموا الصمت للدقائق الأولى... ثم تحدث سامر مخاطبا الآخرين:
    "بعد إذنكما... هل لي بحديث خاص مع ابنة عمي؟"
    وشعرت بهما يغادران... ثم شعرت بسامر يقترب مني وسمعته يناديني...
    مسحت دموعي ونظرت إيه فقال:
    "أفهميني يا رغد... ما الذي يدور ها هنا؟؟"
    قلت مقاطعة:
    هل تعتقد أنه سافر؟"
    سامر قال:
    "لا. كيف سيسافر ويتركك؟"
    قلت:
    "إذن لماذا أقفل هاتفه؟؟ انظر إلى الساعة.. لا شك أن الطائرة قد أقلعت منذ فترة..."
    ولمعت في رأسي فكرة فقلت:
    "اتصل بالمطار وأسأل عنه".
    وأنا أراقب سامر وهو مشغول بطلب الرقم تلو الآخر... سمعته أخيرا يتحدث إلى الطرف الآخر باهتمام, ثم شكره وأغلق الهاتف...
    نظر إلي وعيناي متعلقتان به بلهفة... ثم قال:
    "يبدو... أنه سافر بالفعل يا رغد".
    "سافر؟!"
    قال سامر:
    "الموظف أكد لي أن اسم وليد شاكر جليل... أدرج مع قائمة أسماء المسافرين الذين ركبوا الطائرة المتجهة إلى الجنوب".
    نظرت إليه بتشتت... بضياع بعدم تركيز.. بعدم تصديق.. بانهيار..
    "لا!"
    سامر كان ينظر إلي بقلق وخوف...
    قلت:
    "وأنا؟؟"
    لا زال سامر ينظر إلي.. والتعاطف ينبثق من نظراته...
    كررت:
    "وأنا؟؟ ماذا عني أنا؟"
    سامر قال:
    "وليد لن يفعل شيئا كهذا لسبب تافه... أخبريني ماذا حصل بالتفصيل يا رغد".
    قلت وأنا أنهار:
    "لا أعرف.. أخبروني بأنه وصل.. فأتيت إلى هنا ولم أجده.. رحل فجأة.. تشاجر مع خالتي في دقائق معدودة.. وغادر غاضبا.. خالتي أهانته.. لا أعرف ما قالت بالضبط لكنها عارضت سفري معه بدون الشقراء.. لا بد أنها رمته بألفظ قاسية.. إنها تكرهه ولا تثق به.. تعيّره بالمجرم.. وتنعته بالمتوحش وخريج سجون.. وكلمات جارحة ومهينة... آه يا إلهي.. وليد لا يستحق هذا.."
    وأخفيت وجهي خلف يدي اليسرى من مرارة الموقف.. وعصرت عيني دموعا شجية...
    أحسست بشيء يلامس يدي ففتحت عيني ورأيت منديلا تمده يد سامر نحوي..
    "هوني عليك يا رغد".
    قال سامر مواسيا..
    أخذت المنديل ومسحت دموعي ثم قلت:
    "ماذا أفعل الآن؟"
    قال سامر مطمئنا:
    "عندما يصل إلى المنزل سنهاتفه... لا بد أنه كان غاضبا... لكنه سيهدأ".
    قلت بلهفة:
    "هل تظن أنه سيعود؟"
    قال:
    "بل أنا على يقين من ذلك.. اطمئني.."
    ثم أطرق برأسه إلى الأرض وشرد قليلا... ثم قال:
    "لم أكن أعلم بأنهم يسيئون إلى أخي..."
    نظرت إليه فإذا بالاستياء البالغ يعشش على قسمات وجهه وإذا بكفيه ينقبضان بشدة غضبا...
    نظر إلي وألقى علي سؤالا:
    "أأنت من أخبرهم عن سجنه؟؟"
    أطرقت برأسي... وأومأت نفيا... وكانت نظرات الاتهام تشع في عينيه... وقبل أن أتكلم سمعنا صوت خالتي تلقي بالتحية وهي تطل علينا عند الباب... التفتنا إليها فإذا بها تقبل يتبعها حسام يحمل صينية أكواب الشاي...
    وبعد حوار سريع وسطحي سألت:
    "هل رد عليكم؟"
    قال سامر:
    "ليس بعد فهو في الطائرة الآن".
    قالت:
    "إذن فقد سافر".
    ثم أضافت:
    "رافقته السلامة".
    لم أحتمل ذلك.. هببت واقفة هامة بالانصراف... فإذا بسامر يهب واقفا هو الآخر ويستأذن للمغادرة...
    ناداه حسام:
    "والشاي؟؟"
    فرد مقتضبا:
    "في مناسبة أفضل".
    وغادر المكان...
    في الردهة... رأيت حقيبة سفري لا تزال واقفة قرب الباب.. تنتظرني.. أشحت بوجهي بعيدا عنها فاستقبلتني أعين ابنتي خالتي اللتين تقفان على بعد تراقبانني...
    وبعد عناق الأعين جاء دور عناق الأذرع والأحضان...
    وليد قلبي... سافر ليس فقط من دوني.. بل ودون وداعي.. ودون أن يكلمني.. ودون أن تقع عيناي عليه ولو لنظرة أخيرة..

    ***************************

    تسع ساعات وأنا أحاول الاتصال بشقيقي من حين لحين وبجميع الأرقام التي لدي دون نتيجة..أخذ القلق يتفاقم في صدري, خصوصا وأن رغد تتصل بي مرارا وتهول الأمر.. حتى أنها أقترحت علي مهاتفة صديقه سيف غير أنني عارضت الفكرة وطلبت منها الانتظار حتى صباح اليوم التالي.
    وفي الصباح اتصلت بهاتفه فوجدته لا يزال مغلقا, وبالمنزل فلم يجبني أحد, ثم بهواتفه المباشرة في مكتبه في مقر عمله, فأخبرت وبأنه قد اتصل بهم قبل فترة وأبلغهم عن عودته من السفر...
    على الأقل أعرف الآن أنه وصل إلى المدينة الساحلية بسلام..
    اتصلت برغد وأخبرتها بالجديد وكنت أظن أنها سترتاح للخبر غير أنها انزعجت وحزنت كثيرا...
    كان أخي قد قضى في شقتي عدة أيام وقد كانت أياما جميلة أنعشت في صدري الذكريات الماضية التي لن تعود.. الجميلة والمؤلمة معا.. وكان أشدها إيلاما هي ذكريات والدينا رحمهما الله...
    لم تمض سنة بعد على مصرعهما.. والنار لا تزال تتأجج في صدري.. ولن تخمد أبدا..
    وهو السبب الأول الذي كان يمنعني من العودة إلى المدينة الساحلية والعيش في بيتنا القديم المليء بالذكريات.. مع شقيقي الذي ما فتىء يطلب مني هذا..
    أما الثاني فهو بلا شك رغد...
    وفي هذه المرة ألح علي شقيقي للسفر معه وأبلغني بأن خطيبته لن ترافقه وبأنه لا يستطيع ترك رغد في بيت خالتها فهي بحاجة لمتابعة العلاج وكذلك الدراسة..
    وقد خططت جديا للحاق به عما قريب.. خصوصا وأنا أرى أنه من الأفضل لي الابتعاد عن هذه المدينة لبعض الوقت..
    أثناء وجودي في مقر عملي في المدينة التجارية عاودت الاتصال بهاتف شقيقي وللمفاجأة كان مفتوحا.
    رن عدة مرات قبل أن يجيب وليد أخيرا:
    "السلام عليكم".
    "مرحبا سامر... وعليكم السلام ورحمة الله".
    وكان صوته منهكا:
    "كيف حالك؟ وحمدا لله على سلامة الوصول".
    "سلمك الله".
    يرد بجمل قصيرة وعلى عجل.
    سألته:
    "ما هذا يا وليد! ألف مرة أتصل بك وهاتفك مغلق؟"
    "نعم. لقد تركته مغلقا منذ الأمس".
    سألت:
    "أقلقتنا.. ماذا حصل؟ هل أنت بخير؟"
    "نعم.. نعم".
    قلت:
    "تبدو مشغولا".
    أجاب:
    "أجل.."
    قلت:
    "حسنا.. سأتصل لاحقا.. أرجوك لا تغلق الهاتف.."
    "حسنا".
    وانهينا المكالمة ومباشرة هاتفت رغد وأخبرتها فأبلغتني بأنها ستتصل فورا.
    بعد قليل اتصلت بي وأخبرتني بأن وليد لا يجيب. أبلغتها بأنه مشغول واقترحت عليها الاتصال بعد ساعة أة أكثر.. واتصلت بي بعد ساعة ثم بعد ساعة أخرى تخبرني بأنها كلما اتصلت بهاتف وليد وجدته مفتوحا ولكنه لا يجيب.
    على هذا النحو مر ذلك النهار وفي الليل اتصلت به ودار بيننا حديث قصير امتنع فيه وليد عن ذكر ما حصل يوم أمس. أظهر لامبالاة غريبة عندما حدثته عن رغد.
    باختصار.. شقيقي كان غاضبا جدا من عائلة الخالة أم حسام بما فيهم رغد ولا يرغب في الإتيان بذكر أي منهم.. على الاطلاق..
    كان هذا غريبا لكن الأغرب.. أنه وبعد يومين بعث إلي بظرف عبر البريد الجوي الموثق... يحوي وثائق هامة... طلب مني الاحتفاظ بها... وأخبرني بأنه مسافر إلى خارج البلاد للاستجمام.
    الظرف كان يحوي تقريرا طبيا مفصلا عن إصابة رغد.. وصورا لبطاقته العائلية الشاملة لاسم رغد.. وشيكا مصرفيا بمبلغ كبير.. وتوكيلا مؤقتا باسمي لأتولى الوصاية على رغد..خلال الفترة التي سيقضيها في الخارج...
    هكذا سافر وليد قبل أن يترك لنا المجال للاستيعاب...
    ويمكنكم تصور وقع نبأ كهذا على الفتاة التي كانت تحترق رمادا من أجل مهاتفته.. والتي تتلوى شوقا لعودته.. وتتصل بي عشرات المرات من السؤال عنه..
    عندما رأيت ما حل بها.. تقلبت في مخيلتي ذكريات قديمة أخرى.. كانت مركونة بإهمال في إحدى نتوءات دماغي.
    حدث ذلك قبل تسع سنين عندما كنا في المدينة الساحلة في بيتنا القديم.
    بعد أن غادر وليد المنزل, أصيبت رغد بحالة افتقاد مرضية إله.. في تلك الفترة رفضت الذهاب إلى المدرسة وصارت تلازم والدتي كالظل حتى في النوم وتراودها الكوابيس المفزعة وتصحو من النوم مفزوعة وتصرخ (أريد وليد.. أريد وليد)
    كانت أشبه بالمذعورة وقد أدخلناها للمستشفى بسبب رفضها للطعام وزاد الأمر سوءا الحرب والتدمير الذي تعرضت له مدينتنا وجعل الناس جميعا يعيشون حالة ذعر هستيري.
    ومن سيء إلى أسوأ تدهورت حالتها حتى قرر والدي رحمه الله الهجرة إلى الشمال الذي كان ينعم بأمان حتى العام الماضي..
    ومن سيء إلى أسوأ تدهورت نفسية رغد بعد سفر وليد المفاجىء هذا ووجدت نفسي أعاصر إحدى أسوأ الفترات العصبية التي عاشتها من جديد...

    ******************************

    منذ ذلك اليوم المشؤوم... الذي رحل فيه وليد بعد شجاره معي... ووالدتي طريحة الفراش في المستشفى والأطباء قرروا إجراء عملية جراحية لقلبها المريض.. أخيرا...
    كان خالي يواضب على الاتصال بوليد الذي لم يكن يجيب... حتى رد اليوم وأبلغ خالي بأنه مسافر إلى خارج البلدة لبضعة أسابيع.
    تدهورت صحة والدتي لما علمت بالخبر من خالي.. وها نحن نجلس إلى جانبيها في غرفة العناية القلبية المركزة.. والطبيب يبقي كمامة الأوكسجين على وجهها ويمنعها عن بذل أي مجهود يتعب قلبها.
    أنا أمسكبيدها أضمها إلى صدري وأقبلها وأدعو الله أن يشفيها عاجلا...
    التفت والدتي إلي وسألتني:
    "ألم تتصلي بزوجك؟"
    فأجبتها:
    "كلا".
    فقالت:
    "هل يعلم بأنني في المستشفى؟"
    فقلت:
    "نعم. فقد أخبره خالي بذلك".
    ونظرت إلى خالي الذي حرك رأسه مؤيدا. فقالت أمي:
    "إذن لماذا لا يحضر لزيارتي؟ ليس من عادته التخلف في موقف كهذا".
    أجاب خالي:
    "لأنه مسافر حاليا".
    فنظرت إلي وشدت على يدي وقالت:
    "يا ابنتي.. هل تخفين عني شيئا؟"
    فقلت:
    "كلا".
    ولكنها بدت متشككة واستدرت إلى خالي وسألت:
    "هل تخفون عني شيئا يا أخي؟"
    فقال أخي:
    "ربما حصل شيء.. بعد ذلك الشجار... ربما وليد نفذ ما طلبته أروى... لا أريد أن أرحل وأنا غير مطمئنة على ابنتي".
    قربت رأسي من رأس أمي وأخذت أحضنها وأقبلها وأقول:
    "لا تقولي هذا يا أمي أرجوك".
    وهي تتابع:
    "الأعمار بيد الله.. نسأله حسن الخاتمة".
    فلم أتمالك نفسي وفاضت الدموع في عيني.. وقلت:
    "أرجوك يا أمي لا تتحدثي هكذا.. شفاك الله ومد في عمرك.. أنا من لي غيرك في هذه الدنيا؟"
    وأحسست بيدها تمتد وتلامس يدي ثم سمعتها تقول:
    "لا زوجك.. وخالك.. يرعاكم الله".
    ثم التفتت إلى خالي وقالت:
    "أخي يا قرة عيني.. أحضر وليد وصالحهما أصلح الله لك آخرتك.. الشاب جيد ومن خيرة الرجال وأنا ما كدت أصدق أنني وجدت من أستأمنه على ابنتي مهجة قلبي".
    خالي مسح على رأس أمي وقال:
    "لا تشغلي بالك بهذه الأمور يا أم أروى هداك الله.. إنه شجار عابر يحصل بين أي زوجين وينتهي".
    لكن أمي أبدت عدم التصديق مخاطبة خالي:
    "لا تدعه يذهب يا إلياس.. ما كان نديم ليطلب من شخص عادي أن يهتم بعائلته".
    ثم التفتت إلي وقالت:
    "لو لم يكن رجلا بمعنى الكلمة.. لما تمسك بالمسؤولية عن ابنة عمه اليتيمة بهذا القدر".
    وشددت على يدي وقالت:
    "تمسكي به يا أروى.. لا تفرطي به.. يهديك الله".


    حصلت على أقرب موعد ممكن مع أحد أطباء العظام في إحدى المستشفيات الكبيرة في المدينة الصناعية واليوم سآخذ رغد من أجل المعاينة ومتابعة العلاج.
    استخرجت الظرف الذي أرسله لي شقيقي قبل سفره وقلبت الأوراق لاستخراج التقرير الطبي.
    وأثناء ذلك اطلعت على مجمل الأوراق وبشكل أخص على ورقة التوكيل.
    كانت ورقة رسمية وموثقة من قبل مكتب المحامي يونس المنذر وهو شخص سبق لوليد وأن أخبرني بأنه يعمل معه في المصنع.
    ذكر في هذا التوكيل أمورا كثيرة يفوضني لتوليها وفي الأسفل ذكرت جملة الاستثناءات.. وفي الواقع لم يكن هناك غير استثناءين اثنين...
    الزواج والسفر!
    ويحك يا وليد!
    وهل تظن مثلا بأنني سأستخدم هذا التوكيل وأعيد رغد إلى ذمتي وأهرب بها بعيدا؟؟
    ليتني أستطيع ذلك..
    أخذت أوراق التقرير الطبي وذهبت إلى بيت أبي حسام.
    تمنيت أن أقابل رغد بحالة أفضل ولكنها كانت بحالة يرثى لها..
    "لا أريد أن أذهب إلى أي مكان... ومن فضلك يا سامر لا تضغط علي..."
    هذا ما استقبلتني به فقلت:
    "بربك رغد! لا بد من معاينة إصابتك ومتابعة علاجك. بل إنني أخشى أن نكون قد تأخرنا ويصيب قدمك أو يدك شيء لا قدر الله".
    قالت بلا مبالاة:
    "لا فرق عندي".
    لن أبذل الجهد في محاولة تشجيعها فنبرتها أشد كآبة من أن تتغلب كلماتي عليها...
    لكنني قلت برجاء:
    "يا رغد.. يجب أن نزور الطبيب حتى تتخلصي من هذا العكاز وهذه الجبيرة.. هل يعجبك أن تظلي معاقة عن الحركة الطبيعية وحتاجة لمساعدة الآخرين في أبسط الأشياء؟"
    وكانت الآنسة نهلة تجلس معنا وسترافقنا إلى المستشفى, فقالت مشجعة رغد:
    "على العكس. أنها تريد التخلص من هذين بسرعة. أليس كذلك؟ اشتاقت إلى الرسم ونتوق لفنها الرائع! هيا بنا عزيزتي".
    لكن ردة فعل رغد جاءت عنيفة!
    انفجرت صارخة:
    "قلت لكما اتركاني وشأني... لا أريد الذهاب إلى أي مكان... إلا إذا شئتما حملي إلى المقبرة ودفني تحت الأرض... لأرتاح وأريحكم جميعا..."
    قالت الآنسة نهلة بعد الدهشة:
    "بعد ألف شر! لا تتكلمي هكذا يا رغد".
    فردت رغد بانفعال:
    "ما لم يعجبكم كلامي فحلوا عني... لماذا تضغطون علي؟؟ أتركوني وشأني... أتركوني وشأني.."
    وهمت بمغادرة المجلس حيث كنا هي وأنا والآنسة نهلة جالسين... في ذات الوقت دخلت الخالة أم حسام الغرفة وهي تنظر نحو رغد ويظهر أنها سمعت صوتها الصارخ وكلامها الزاجر...
    لما رأت رغد خالتها تصرفت بعصبية أكبر وغيرت اتجاه سيرها واستدارت نحو الباب الخارجي للمجلس وخرجت إلى الفناء...
    أم حسام لحقتها بسؤال:
    "إلى أين يا رغد؟"
    والأخيرة ردت بحدة:
    "إلى حيث ألقت".
    وهذه إجابة وبأسلوب لم أعهده على رغد. فهي لطالما كانت تحب خالتها وتعاملها بكل احترام ومودة كما وأن رغد فتاة مهذبة وهادئة الطباع وراقية الأسلوب.
    هذا تحول غريب في شخصيتها صبغها به حزنها وغضبها بسبب سفر وليد.
    وبعد أن انصرفت رغد خاطبتني الخالة متسائلة:
    "هل وافقت؟"
    فأجبت إجابة مخيبة:
    أبدا. لم تعرني أذنا صاغية. جل ما أخشاه هو أن تتطور إصابتها للأسوأ لا قدر الله".
    فقالت الخالة آسفة:
    "إنها لا تستمع إلي وترمقني بنظرات الاتهام وتشعرني بأنني ارتكبت جريمة عظمى في حقها. أيرضيك أن ندعها تسافر مع وليد بمفردهما؟؟ هل هذا يليق؟؟"
    ولم أشأ فتح المجال لها لإدارة موضوع هكذا الآن, وفي خاطري نقمة على المعاملة السيئة التي عومل بها شقيقي من قبلها وآثرت أن أصرف الاهتمام إلى إصابة رغد فقلت:
    "سألحق بها وأحاول إقناعها... على الأقل ولو بزيارة واحدة للطبيب الآن".
    ونهضت واستأذنت وخرجت إلى الفناء أتعقب رغد.
    فوجدتها تسير ببطء بعكازها متغلغلة في الحديقة حتى وقفت عند إحدى الأشجار الباسقة فاستندت إليها وأطلقت بصرها نحو الأعلى.
    توقفت على بعد مترين أو أكثر منها ثم سألتها:
    "أيمكننا التحدث؟"
    ردت بضيق:
    "أرجوك لا تتعب نفسك وتتعبني... لن أذهب إلى المستشفى ولا يهمني ما يحل برجلي ولا بيدي... لن أخسر شيئا إن فقدتهما أيضا إزاء كل ما فقدت".
    الحزن بلغ بها لهذا الحد... وحزنها يعصرني... قلت بلطف مشجعا:
    "أنت لم تخسري شيئا يا رغد..."
    فرمتني بنظرة قوية وقالت:
    "ما حجم الخسارة التي تريدون مني فقدها حتى يمكنكم رؤيتها؟؟"
    رددت:
    "لا أحد يريد لك خسارة شيء... رغد لا تنظري للأمر هكذا".
    وضغطت على أعصابي وأضفت:
    "إنه سافر مؤقتا ولم يرحل عن الدنيا لا سمح الله".
    وأخذت تعبيرات وجهها تنهار شيئا فشيئا... وتابعت:
    "وسيعود حتما بإذن الله."
    أطرقت برأسها وقالت نافية:
    "لن يعود... لقد تخلى عني... أخلف بوعده... إنه دائما يخلف بوعوده.... لطالما كان يتركني ويسافر بعيدا... يظن أنني سأبقى حية لحين عودته ذات يوم... لا يعرف أنني سأموت عاجلا بسببه".
    عضضت على أسناني بمرارة وتحملت الألم وقلت:
    "بعد ألف شر وشر... لا تكوني متشائمة هكذا... لقد أخبرني بأنه سيقضي بضعة أسابيع للاستجمام هناك ثم سيعود".
    قالت مصرة:
    "لن يعود إلي... ألم ينقل كفالتي إليك؟ تبرأ من مسؤوليتي... انتهينا".
    وكم ألمت لألمها وتجرعت مرارتها. عقبت:
    "الوصاية التي أسندها إلي جزئية ومؤقتة. لا تخشي... ستعودين إلى كنفه ورعايته فور مجيئه".
    ولكن رغد أومأت برأسها عدم التصديق وبأسى قفلت:
    "بلى... ولكن... هل أنا سيء لهذا الحد؟؟"
    هنا حملقت بي وكأنها للتو تدرك أنني سامر خطيبها السابق والذي يحبها كثيرا...
    تبدلت سحنة وجهها وقالت بصوت كئيب:
    "أنت... أعز إنسان على قلبي... سامحني..."
    وكانت تقول بمرارة وندم... وقد تكون اللحظة الأولى التي تكتشف فيها رغد كم قست علي وجرحتني وإلى أي عمق طعنت قلبي...
    تابعت رغد:
    "ليته لم يظهر في حياتي من جديد... ليتني لم أقترب منه... كم أنا حمقاء... حمقاء وغبية وواهمة... أتعلق بالأوهام... والخيالات المستحيلة... وواقعي... فتاة يتيمة وحيدة بائسة معدمة..."
    وضربت بعكازها جذع الشجرة وتابعت:
    "ومعاقة وعاجزة وعالة على الآخرين".
    قلت معترضا:
    كفى يا رغد... لا تصفي نفسك بهذا وأنت العزيزة الغالية وكلنا رهن إشارتك".
    لكنها واصلت بكآبة:
    "ما الذي كنت أتوقعه لنفسي؟؟ البلهاء... ما الذي كان سيجعله يختارني؟؟ ما الذي لدي ويستحق العودة من أجله؟؟ ماذا أملك أنا ليعجبه؟؟ أنا لم أثر لديه إلا الإزعاج والقلق والمشاكل..."
    وأضافت:
    "وبعد كل هذا... تأتي خالتي وعائلتها ويهينونه في بيتهم وعلى مرأى ومسمع مني... كيف أنتظر منه أن يعود من أجلي؟؟ يا لي من حمقاء... غبية".
    قلت:
    "هوني عليك أرجوك... لم كل هذا؟؟ بالله عليك... إن هي إلا فترة مؤقتة ويعود ونصلح الشروخ الحاصلة بين الجميع.. ليس شقيقي من النوع الذي يهرب من المسؤوليات والشدائد بل هو أهل لها".
    فقالت منفعلة:
    "إذن لماذا لا يرد على اتصالاتي؟؟ لماذا قاطعني؟؟"
    أجبت محاولا تحسين الموقف وتبريره:
    "تعرفين... إنه غاضب ولا يحسن المرء التصرف في ثورة الغضب. عندما يهدأ سيتصل بك".
    فقالت:
    "ما ذنبي أنا؟؟... لماذا يشملني في غضبه ومقاطعته؟"
    قلت:
    "أعذريه يا رغد... ربما كانت خالتك بالغة القسوة عليه".
    قالت:
    "كلهم قساة... وليد أشرف وأرقى منهم جميعا... سوف لن أغفر لهم إهانتهم له... وإذا لم يعد ويأخذني معه فسوف لن أبقى في هذا المنزل... وسأعود إلى بيتي المحروق وأدفن نفسي تحت أنقابه".
    يتضح لكم مدى الاكتئاب الذي ألم برغد جراء سفر وليد... لم أفلح يومها في إقناعها بالذهاب إلى المستشفى وحالما عدت إلى شقتي هاتفت شقيقي وأبلغته عن هذا فوبخني وألقى بالمسؤولية علي وقال لي بالحرف الواحد:
    "أنت المسؤول عنها الآن ويجب أن تتصرف ولا تدع عنادها يتغلب عليك. أرحني من همها بضعة أسابيع لا أكثر فأنا قرحتي تكاد تمزق أحشائي".
    وفهمت من كلامه بأن وضعه الصحي متدهو وقلقت كثيرا... وربما يكون الطبيب هو من نصحه بالسفر والاستجمام بعيدا عن المشاكل والمسؤوليات من أجل صحته...
    خصوصا وأنني لاحظت إكثاره من تناول الأدوية خلال فترة مكوثه في شقتي...
    واهذا تحاشيت في المكالمات التالية وقدر الإمكان إبلاغه بالتفاصيل المزعجة عن وضع رغد وادعيت بأنها في تحسن بينما هي عكس ذلك...
    إلى أن حل يوم احتد الجدال فيه بين رغد وخالتها واتصلت بي هي بنفسها وطلبت مني أخذها إلى المستشفى.
    لم يكن هدفها هو المستشفى بل الابتعاد عن خالتها...
    زرنا الطبيب وعاينها واطلع على تقاريرها وأجرى لها بعض الفحوصات ثم أخبرنا بأنه لا يزال أمامها أسابيع أخرى قبل أن يمكنها الاستغناء عن الجبيرة والعكاز...
    وهذا خبر لم يزد رغد إلا كآبة ما كان أغناها عنها... فانزوت على نفسها في غرفتها بقية اليوم.
    اتصلت بشقيقي مساءً وأعلمته بأننا زرنا الطبيب أخيرا وأخبرته بما قال, كما أوصاني مني مسبقا.. ولكنني أخفيت عنه مسألة الإحباط الشديد الذي ألم برغد وطمأنته على صحتها... وأذكر أنه يومها سألني بتشكك:
    "لأا تخفي عني شيئا؟؟ هل حقا تقبلت النبأ؟"
    فقلت له:
    "أسألها بنفسك لتتأكد!"
    قال:
    "سأفعل, في الوقت المناسب".
    والله الأعلم متى يحين الوقت المناسب حسب معادلة وليد...!
    ومرت أيام أخرى... والحال كما هي.
    وليد غائب ويتابع أخبار رغد عن بعد ويرفض التحدث معها أو أقاربها أو عن شجاره معهم... وهي في كآبة مستمرة لا تعرف حتى البسمة السطحية إلى وجهها طريقا... إلى أن طلبت مني الخالة أن أزورهم ذات مرة...
    "لا أفعل هذا إلا من أجل رغد... الفتاة تذبل يوما بعد يوم وأخشى أن تموت بين يدي... معاملتها ونظراتها لي كلها اتهام ونفور شديدين... وأنا لا أقوى على مواجهتها خشية أن يزداد الموقف حدة ولا أستطيع تحمل وضعها هذا... قلبي منفطر عليها ويكاد الشعور بالذنب يمزقني... أريد أن نتصالح مع وليد لأجلها وأن أفهمه أنني لم أقصد إهانته شخصيا بل توضيح حدود علاقته برغد... قل له أن يعود وإلا أنها ستموت أن بقيت على هذه الحال..."
    قلت وأنا أعلم كم يرفض وبشدة الحديث عن أو مع عائلة الخالة:
    "سأخبره عن رغبتك في محادثته حينما أتصل به".
    فقالت:
    "اتصل به الآن يا سامر رجاء ودعني أكلمه".
    أحرجني الطلب فأذعنت له كارها واتصلت بشقيقي وبعد تبادل التحيات أخبرته بأنني في منزل أبي حسام وأن الخالة أم حسام ترغب وبشدة في التحدث معه, وبدوره أيضا وليد أحرجني جدا حيث قال:
    "لا أرغب في التحدث مع أحد يا سامر.. البتة.. أرجوك أنهِ المكالمة".
    قلت ووجهي يحمر حرجا:
    "ولكن.."
    فقال:
    "آسف يا سامر سأغلق الهاتف رجاء لا تكرر هذا ثانية. اعذرني ومع السلامة".
    وقطع الاتصال.
    أبعدت الهاتف عن أذني وعيناي تطئان الأرض خجلا وأم حسام تراقبني ثم قالت:
    "لم يشأ التحدث معي أليس كذلك؟"
    قلت محرجا:
    "إنه.. أعني.."
    وطبعا أم حسام فهمت الأمر. قالت مستنكرة:
    "ولكن ما هذا الطبع في أخيك؟ يجب أن يكون أرحب صدرا وأوسع بالا وأرقى ذوقا من هذا".
    في ذات اللحظة أقبلت رغد تدخل الغرفة سائرة بعكازها وعلى وجهها أمارات القلق والفضول...
    لا بد أنها كانت تنتظر المكالمة بصبر نافذ... وبعد تحيتي سألت عما إذا كنا قد أفلحنا في الاتصال بوليد... فأطرقنا برأسينا... وفهمت رغد ما جرى... فطأطأت رأسها حزنا... وتراجعت للوراء...
    أم حسام حاولت أن تطيب خاطر رغد فقالت:
    "ربما لا يزال ناقما علي... سيبلغه سامر اعتذاري ويطلب الصفح بالنيابة عني... لا أظنه سيرفض اعتذاري هذه المرة".
    ولم تعر رغد الكلام أهمية واستدارت لتغادر يائسة... فقالت أم حسام مخاطبة إياي:
    "أعد الاتصال به وأخبره بأن رغد هي من يرغب بالحديث معه".
    والتفت إلى رغد... موقفي صار غاية في الحرج... واتصلت فلم يرد.
    وبقيت أنظار رغد وأم حسام تراقبان وتترقبان بأمل يائس... وضعت الهاتف أخيرا في جيبي وقلت:
    "ربما انشغل".
    وهو مبرر ندرك زيفه ثلاثتنا... أم حسام قالت:
    "بل ربما ينوي قطع الصلة بيننا نهائيا".
    فالتفتت رغد إليها وتكلمت منزعجة:
    "يقطع صلته بنا؟ ماذا تعنين؟؟ كيف يقطع صلته بي أنا؟؟ إنني ابنة عمه... ومكفولته... لا يجوز له.."
    قالت أم حسام:
    "كما ترين, لا يريد أن يعطينا فرصة للتصالح معه بتاتا... فبماذا تفسرين هذا؟"
    قالت رغد وقد علا صوتها واشتد احمرار وجهها واشتعل الغضب في عينيها:
    "أنت السبب ياخالتي.. أنت السبب".
    ولم تعقب الخالة فاستمرت رغد في الاتهام:
    "دفعته لأان يتركني ويرحل.. ماذا سيحل بي الآن؟"
    قالت أم حسام بلطف محاولة تهدئة رغد:
    "ستسير حياتك طبيعية بيننا والله يغنينا عنه وعن وصايته... سريع الغضب عنيف الرد..."
    وفي الواقع لم يكن يجدر بها قول هذا على مسامعنا وفيما رغد على أهبة الانفجار...
    اشتطت رغد غضبا وانتفخ وريد جبينها وهتفت بعنف:
    "قلت لك لا تتحدثي عن وليد هكذا.. إذا لم يكن يعني لكم أنتم شيئا فأنا لا أستغني عنه.. ولا أريد وصيا غيره.. وسألحق به أينما ذهب.. ولا أحد له الحق في توجيه حياتي غيره هو.. وليس لأنني يتيمة الأبوين ستعبثون بي كما تريدون.. وإذا تخلى عني كليا فسوف لن أبقى معكم.. سوف لن أسامحكم أبدا لأنكم أنتم السبب.. وما لم تعيدوه إلي فسأخرج بنفسي للبحث عنه.. عسى ألا أعود حية بعد خروجي".
    وسارت نحو الباب وغادرت ثائرة...
    خين الصمت بيننا أنا والخالة لبعض الوقت ثم إذا بها تقول:
    "جن جنونها!!"
    وبقيت صامتا.. فواصلت:
    "لم أكن أتوقع أنها.. لا تزال مولعة به لهذا الحد.. حتى بعد كل تلك السنين"ز
    أثارت الجملة جل اهتمامي وركزت النظر إلى عيني الخالة يعلوني التساؤل..
    فقالت هي:
    "عندما كانت صغيرة كانت مهوسة به للغاية, حسبناه تعلق طفولي لطفلة يتيمة تبحث عن الحنان.. وكان شقيقك يدللها كثيرا معه أينما ذهب.. والتك رحمها الله كانت قلقة بهذا الشأن.. وكانت تعتقد أنهما حين يكبران قد تتطور علاقتهما...
    مع فلرق السن... لكن عندما غاب تلك السنين توقعنا أن تكون قد نسيته وانتهى كل شيء".
    ثم أضافت:
    "لكن يبدو أن الحنين إلى الماضي قد اجتاح كل عواطفها ولا أعرف... إن كان الآن يعني لها وليد السابق أم أن الأمر قد تخطى ذلك بكثير..."
    هنا وقفت شاعرا بالحرج والجرح معا... لم يكن ليخطر ببالي أن لهذا علاقة بالماضي البعيد... وقد أذهلني كلام الخالة وأرسلني إلى غياهب الأفكار...
    لكن... ماذا عني أنا؟؟ لا يبدو أن أحدا يكترث لمشاعري أو يقيم لها اعتبارا...
    يتحدثون معي عن رغد وكأنها لم تكن خطيبتي لسنين ولم أكن على وشك الزواج منها حين فقدتها فجأة...
    "أستأذنك للانصراف الآن".
    ذهبت إلى شقتي كئيبا مكسور الخاطر... مشوش الأفكار...
    لم يكن كلام خالتي يفارقني... ولم أستطع لا تصديقه ولا تكذيبه... كانت رغد طفلة صغيرة فكيف يمكن أن تكون قد أحبت وليد هذا النوع من الحب في ذلك الزمان؟؟
    و... ماذا عن وليد؟؟ هل يعقل أن شيئا ما... كان بينهما حقا؟؟ هل يمكن أن يكون وليد... هل يمكن أن يكون هو أيضا...؟؟؟
    يا للسخف...
    تحاشيت التفكير قدر الإمكان إلى أن اتصلت بأخي لا حقا... في البداية عاتبته على إحراجي مع أم حسام فلم يكترث..
    ثم نقلت إليه تحيات رغد وأشواقها الشديدة إليه وأنا أدوس على قلبي وأتصرف كالرجل الآلي تماما... ودققت في كلامه وردوده جيدا باحثا عن أي دليل يؤدي إلى تأكيد أفكاري أو نفيها... غير أن أخي كان يتحدث ببلادة شديدة.. لم تكشف لي أي شيء...
    وأخيرا... داهمتني رغبة ملحة في توجيه سؤال مباشر إليه... غير أنه قال فجأة إنه يتلقى اتصالا آخر وأنهى المكالمة عاجلا...
    قررت بعد ذلك مواجهته في الاتصال التالي لتتضح حقائق الأمور...
    ولكن... وفي اليوم التالي مباشرة وفيما كنت أجلس في شقتي بكسل في عطلتي الأسبوعية رن جرس الباب وإذا بي أفاجأ بأخي يقف خلفه!!!
    اهتز قلبي واصفر لوني وسألت وأنا بالكاد أخرج الحروف صحيحة من فمي:
    :وليد!!!... مــــ... ماذا حصل؟؟"
    فمد وليد يده وربت على كتفي وقال والخشوع والحزن يكسوان وجهه العريض:
    "البقاء لله.. توفيت خالتي أم أروى بالأمس.. إنا لله وأنا إليه راجعون".




  16. #516
    الوسام الماسي سكون الثلج will become famous soon enough الصورة الرمزية سكون الثلج
    تاريخ التسجيل
    17-02-2009
    المشاركات
    8,868
    ‎تقييم المستوى 40

    افتراضي رد: رواية انت لي... اكثر من رائعه

    الحلقة السادسة والأربعون

    عد إلـــــيّ

    انقضت فترة العزاء وقد شاركت في التعزية مع بقية أفراد عائلة خالتي, وعندما جاء دوري ووقفت أمام الشقراء لأواسيها لم أستطع مصافحتها بسبب يدي المصابة واكتفيت بعبارة مخنوقة خرجت من فمي ببطء.
    والشقراء بدورها ردت بشكل عابر دون أن ترفع نظرها إلي.. لكن الحزن جليا على وجهها.
    السيدة ليندا كانت طيبة وقد أحسنت معاملتي وسهرت إلى جانبي في المستشفى ورعتني بكل مودة ولطف... رحمها الله... وغفر خطاياها...
    متى سيحين أجلي أنا أيضا؟؟...
    أنتظر الموت.. ليأخذني كما أخذ أحبابي... ويخرجني من شقايا الدنايا وما فيها...
    كنت أعرف أن وليد موجود في القسم الآخر من قاعة التعازي.. وكنت أعرف أنه أبعد ما يكون عن التفكير بي في هذه الفترة.. لكنني كنت في شوق منجرف لرؤيته ولو لدقيقة واحدة... ولو لنظرة بعيدة عاجلة... أعانق فيها عينيه ولو لآخر مرة في حياتي...
    ولخيبة الأمل وتحالف الأقدار ضدي, عدنا إلى المنزل دون أن ألتقي به ولا حتى صدفة..
    ومرت الأيام... ونخر الشوق عظامي.. وأتلف الحنين ذهني...
    ولم أعد بقادرة على الانتظار يوما آخر.. كيف... وأنا أعرف أن ما يفصلني عنه هي أميال قليلة لا أكثر...؟؟ وأن هو لم يأت إلي... فسأذهب أنا إليه... فقط لألقي نظرة...
    "هل أنت مجنونة!؟"
    قالت نهلة معترضة على فكرتي وليدة اللحظة.. فقلت:
    "نعم مجنونة.. لكني أريد أن أراه بأي شكل يا نهلة..أكاد أختنق.. لا أحد يحس بي هنا".
    قالت:
    "تخيلي كم سيكون وضعك حرجا ومدعاة للسخرية عندما تذهبين فجأة إلى المزرعة الآن... هيا رغد.. تخلي عن هذه الفكرة السخيفة... توفيت أم زوجته قبل أيام وأنت تفكرين في هذا؟؟"
    قلت:
    "سألقي عليه التحية وأعتذر منه وأعود... حتى لو لم يرد علي... المهم أن تكتحل عيناي برؤيته... ويبرد صدري بتقديم الاعتذار..."
    فقالت:
    "ماذا سيقول عنك يا رغد؟؟ هو في محنة عظيمة وأنت تذهبين لتقديم الاعتذار! سيستحقر موقفك... ليس هذه وقته.. انتظري أسبوعين على الأقل".
    هتفت:
    "لا أقوى على الانتظار... ألا تفهمين؟؟ أنتِ لا تشعرين بالنار المضرمة في صدري..."
    أشاحت نهلة بوجهها عني وقالت:
    "لقد حذرتك... افعلي ما تشائين".
    وغادرت المكان...
    خرجت بعد ذلك إلى الحديقة...طلبا لبعض الهواء النقي... والتقيت بحسام صدفة وهو مقبل نحو المنزل... فلمعت الفكرة في بالي كمصباح قوي أعشى عيني عن رؤية ما هو أعمق من ذلك...
    "مرحبا حسام".
    حييته فرد مبتسما:
    "مرحبا رغد.. ماذا تفعلين هنا؟؟ تدربين رجلك على المشي؟؟"
    قلت وآمالي تتعلق به:
    "حسام.. هلا أسديت إلي معروفا؟"
    قال وعلى وجهه الاستغراب:
    "بكل سرور!"
    فقلت بلهفة:
    "أريدك أن.. أن تصطحبني في مشوار.."
    فسأل:
    "إلى أين؟"
    ازدردت ريقي وقلت:
    "إلى... مزرعة أروى".
    سأل متعجبا:
    "مزرعة أروى؟؟"
    "نعم.. أرجوك".
    ففكر قليلا ثم سأل:
    "لماذا؟؟"
    ترددت في الإجابة.. عرفت أنني لو قلت من أجل مقابلة وليد فإنه لن يوافق.. فقلت:
    "سأتفقد أحوالهم.. وألقي التحية".
    وبدا مبررا معقولا بعد عدة أيام على وفاة السيدة ليندا.. وسألني إن كنت قد أعلمت خالتي بهذا فأقنعته بأن الأمر لا يستدعي... وبعد تردد قصير وافق على اصطحابي, وخرجنا مباشرة...
    حين بلغنا المزرعة لم يكن وليد موجودا وأخبرنا العجوز والذي كان يجلس كعادته قرب باب المنزل بأن وليد قد ذهب في مشوار وسيعود قريبا.. ودعانا للدخول لكننا آثرنا البقاء في الخارج وانتظاره.. وذهب العجوز لاستدعاء الشقراء فعلاني التوتر.. أنا لم آت من أجلها كما أنها لا تنتظر مني زيارتها.. لكني وضعت نفسي في هذا الموقف وعلي التصرف الآن..
    أبدى حسام إعجابه بالمزرعة وراح يتحدث عن انبهاره بما يرى غير أنني لم أكن مركزة السمع معه.. بل في انتظار لحظة ظهور الشقراء..
    وأخيرا ظهرت...
    ملفوفة في السواد الحزين, كما هي حالي.. وكأن عدوى اليُتم والبؤس قد انتقلت مني إليها...
    وقد اعتدت في الماضي رؤيتها ملونة بشتى ألوان قوس قزح.. مثل سرب من الفراشات أو إكليل من الزهور...
    عندما اقتربت زممت شفتي ترددا ثم ألقيت عليها التحية وسألتها عن أحوالها.. وأنا متأكدة من أنها تدرك أنني لم أكن لأقلق على أحوالها أو أترث لها.. ولا بد أنها تدرك أن سبب حضوري هو... وليد...
    ساعد وجود حسام في تلطيف الجو.. وتشتيت الكآبة وصرف أذهاننا إلى الحديث عن المزرعة وشؤونها..
    ذهبت الشقراء لإعداد القهوة فوجدتها فرصة للاسترخاء من عناء الموقف المصطنع.. وبقي حسام والعجوز يتحدثان أحاديث عادية... أما أنا فعيناي ظلتا ترقبان البوابة إلى أن رأيت أخيرا سيارة تقف عندها ومنها يخرج مجموعة من الرجال... يقودهم الرجل الطويل العريض.. بهي الطلعة قوي القسمات ثاقب النظرات.. مضرم ناري وحارق جفوني وسالب عقلي وشاغل تفكيري.. حبيبي الجافي.. وليد قلبي..
    الأرض لم تكن أرضا والسماء لم تكن سماء... حين عانقت عيناي عينيه.. والتحمت نظراتي بنظراته..
    آه.. كيف لي أن أصف لكم؟؟
    لحظتها خلا الكون من كل الخلائق... سوانا... لا وجود للأرض ولا السماء... ولا النور ولا الهواء... ولا الجماد ولا الأحياء... فقط... أنا وهو... وعيون أربعة متشابكة متلاحمة... ذائبة في بحور بعضها البعض... أيما ذوبان...

    وليد قلبي... آه... كم اشتقت إليك... لو لا إعاقتي... لربما... ركضت إليه بجنون وغطست في حضنه الواسع...
    اقترب وليد يتقدم بقية الرجال فوقفنا جميعا... ورأيت الدهشة تنبثق في وجهه وهو يحط ببصره الهابط من العلا علي وعلى حسام..
    بادر حسام بإلقاء التحية فرد وليد دون أن يحاول إخفاء عجبه.. ودوى صوته في كهف أذني فتطايرت خفافيش حسي تلتقط وتحتضن ذبذبات صوته وتخبئها في أعماق الكهف... ككنز من الذهب...
    بعد التحيات السريعة استأذن وليد وسار مع الرجال إلى قلب المزرعة ولحق العجوز بهم... ولحقت بهم عيناي ركضا... وهوَتا متعثرتين لهفة عند مفترق الطرق...
    وبعد قليل عاد وليد فتسابقتا لاحتضانه بسرعة... تكاد الواحدة تفقأ الآخرى... لتنفرد بالحبيب الغائب... وتذوب في أعماق صدره...
    وليد كان وجهه محمرا ويعلوه الاستياء فوق التعجب.. انغمست في ترجمة تعبيرات وجهه وطلاسم عينيه... فتهت... وظللت طريقي... وفقدت أي قدرة لي على النطق والتعبير.. وقفت أشبه بشجيرة ظئيلة لا جذع لها تمد أغصانها محاولة تسلق الشجرة الضخمة الواقفة أمامها.. بكل شموخ...
    لاحظ حسام صمتي وتوتري فتولى الكلام:
    "جئنا نلقي التحية نسأل عن الأخبار".
    ولم يتحدث وليد.. فقال حسام متظاهرا بالمرح:
    "ألن تدعونا للجلوس؟"
    فتكلم وليد أخيرا قائلا:
    "أنتما بمفردكما؟"
    فأجاب حسام بعفوية:
    "نعم".
    وازداد الاستياء على وجه وليد... ثم قال:
    "منذ متى وأنتم هنا؟"
    فرد حسام مستغربا:
    "منذ دقائق.. ولكن.. هل يزعجكم حضورنا؟"
    قال وليد:
    "أنا آسف ولكن لدي ما أقوم به الآن.. إنهم في انتظاري".
    مشيرا إلى قلب المزرعة..
    كل هذا وعيناي ملتحمتين بوجهه منذ أن وقعتا عليه أول وصوله... لكن..
    ماذا يا وليد؟ ألن تتحدث معي.. وتسأل عن أحوالي..؟؟ إنك حتى لا تنظر إلي.. أنا هنا وليد هل تراني؟؟ هل تميزني؟؟ لماذا كل هذا الجفاء؟؟ أرجوك.. التفت إلي لحظة.. دع عيني تخبرانك كم اشتقت إليك.. دعهما تعاتبانك على جفاك.. أو تعتذران لأرضائك.. وليد..إنك حتى.. لم تتحسن الترحيب بنا كأي ضيوف..
    انتبهت على صوت حسام يقول:
    "لا بأس.. نعتذر على الزيارة المفاجئة.. كانت فكرة رغد"
    ولذكر اسمي.. اخيرا تكرم على وليد بنظرة.. لكنها لم تكن أي نظره.. كانت حادة وساخنة جدا لسعتني وكادت تفقدني البصر..
    حاولت التحدث فلم تسعفني شجاعتي المنهارة بمرآى الحبيب.. تأتأت ببعض الحروف التي لم أسمعها أنا..
    التفت إلى حسام وقال:
    "هل نذهب؟"
    نذهب..؟؟ وهل أتينا؟؟ هكذا بهذه السرعة؟؟أنا لم أكد أراه.. انتظر.. أنا لدي عشرات بل الآلاف المشاعر لأعبر عنها.. دعني استرد أنفاسي.. دع لساني يسترجع قدرته على النطق.. دعني واقفة قرب وليد أستمد دعمه وأستشعر حنلنه!
    قال وليد وهو يشيح بوجهه حنانه!
    قال وليد وهو يشيح بوجهه عني:
    "سأرافقكما"
    فقال حسام معتقدا وليد يقصد مرافقتنا إلى السيارة المركونة في الخارج:
    "لا تكلف نفسك.. نعرف الطرق.. شكرا"
    فازداد احمرار وجه وليد وقال:
    "أعني إلى المنزل"
    فضربنا الاستغراب.. ونظرنا أنا وحسام إلى بعضنا البعض!! لماذا يريد وليد مرافقتنا إلى المنزل؟؟ هل هذا يعني.. سيأتي معنا؟؟ هل حقا سيأتي معنا؟؟
    "هيا فأنا لا أريد التأخر على ضيوفي"
    قال هذا وسار يسبقنا نحو سيارة حسام.. وسرنا خلفه كتلميذين مطيعين.. أبلهين.. حتى ركبنا السيارة والتي بالكاد حشر وليد جسده فيها.. وانطلقنا عائدين إلى منزل خالتي..
    كنت أجلس خلف حسام,إذ إن وليد كان قد دفع بمقعده إلى الوراء لأقصى حد ليمد رجليه.. فسيارة حسام صغيرة جدا..
    الصمت خيم علينا طوال الطريق.. الذي انقضى وأنا أحاول تهدئة نبضات قلبي وإعادتها إلى معدل سرعتها الطبيعي... ولم يقطع الصمت غير جمل قصيرة عابرة من طرف حسام.. وجملة(خفف السرعة) من لسان وليد.. فقاد حسام السيارة بسرعة عادية على عكس عادته...وطال المشوار.. خصزصا وأننا اضطررنا للتوقف مرتين عند مركزي تفتيش بوليسي...
    وفي كلا المرتين يطلب رجال الشرطة رخصة القيادة والبطاقات الشخصية.. ولحسن الحظ أو ربما لحسن العادة كان وليد يحمل صورة بطاقته العائلية والتي تشمل هويتي...
    لذلك قال وليد بعدما قادرنا نقطة التفتيش الثانية مخاطبا حسام:
    "ماذا لو لم أرافقكما؟"
    فقال حسام:
    "لم نواجه أي نقاط في طريق الحضور".
    عندما وصلنا إلى المنزل هبط وليد من السيارة أولا وتبعناه...
    قال حسام:
    "تفضل".
    داعيا إياه للدخول إلى المنزل من باب اللياقة... غير أن وليد قال:
    "شكرا, لدي ضيوف كما تعلم سأعود إليهم".
    فقال حسام:
    "هل.. أوصلك؟"
    فأجاب وليد:
    "سأتدبر أمري".
    ثم فجأة أدار وجهه نحوي وقال:
    "في المرة القادمة إذا أردت الذهاب إلى أي مكان فاطلبي ذلك من سامر فقط.. مفهوم؟"
    هل هو يخاطبيني؟؟
    هل يعنيني أنا؟؟
    هل ينظر إلي أنا؟؟
    كان حسام يوشك على فتح بوابة المنزل ولما سمع هذا استدار ونظر إلى وليد وقال مستاء:
    "وهل ستظن أنني سأختطفها مثلا؟ إنها ابنة خالتي كما هي ابنة عمك".
    وبدا أن الجملة قد استفزت وليد فقال غاضبا:
    "أنا لم أتحدث معك.. هذا أولا.., أما ثانيا فلا تقارن نفسك بي.. إنني الوصي هنا ومن يقرر مع من أسمح أو لا أسمح لابنة عمي بركوب السيارة".
    شعر حسام بالإهانة فقال حانقا:
    "هكذا..؟؟.. من تظن نفسك؟"
    فرد وليد:
    "لا أظن نفسي بل أنا على يقين ممن أكون... وإذا سمحت.. افتح الباب ودع الفتاة تدخل عوضا عن الوقوف في الشارع هكذا".
    هنا... اجتاحتني شجاعة مفاجئة فتدخلت ناطقة أخيرا:
    "وليد أنا..."
    وقاطعني وليد فجأة قائلا بفظاظة:
    "ادخلي".
    نظرت إليه شاعرة بالانكسار... وليد... كيف تخاطبني هكذا؟؟ وليد هل نسيت من أكون؟؟ لماذا تغيرت إلى هذه الدرجة؟؟ دعني أتحدث..
    وأصررت على النطق... أريد أن أفهم وليد لماذا ذهبنا إلى المزرعة وما مقدار لهفتي إليه... وحاجتي للتحدث معه...
    "وليد..."
    نطقت باسمه فإذا به يقاطعني مكررا بفظاظة أشد وهو يعض على أسنانه ويبث الشرر من عينيه:
    "قلت إلى الداخل... هيا".
    انكمشت على نفسي... تقلصت حتى أوشكت على الاختفاء... من رد وليد...
    حسام فتح الباب وقال بصوت خافت:
    "ادخلي يا رغد".
    فدخلت خطوة, وتوقفت عند فتحة الباب وانقلبت على عقبي ورأيت وليد يولي ظهره إلينا ويسير مبتعدا...
    اقترب حسام ووقف أمامي مباشرة حائلا دون رؤية وليد... فتراجعت للوراء ودخلنا إلى الداخل... وأغلق هو البوابة وسار مبتعدا وبقيت عيناي معلقتين على بوابة السور أحملق فيها... نظرت إليه فرأى تعبيرات الأسى المريرة على وجهي.. فأقبل نحوي وأظهر التعاطف قال:
    "إنه... لا يكترث بك يا رغد".
    نظرت إليه والعبرة تكاد تختفي... فقال:
    "لا أعرف ما الذي يعجبك في رجل كهذا؟ إنك تضيعين مشاعرك هباء".
    صعقت.. وأخذتني الدهشة من كلام حسام.. الذي واصل وهو يرى سحنتي تتغير:
    "أتظنين أنني لا أعرف أنك تحبينه؟ أنا أعرف يا رغد".
    وتضاعف ذهولي وحملقت به غير مصدقة لما أسمع...
    قال حسام:
    "سارة لفتت انتباهي لهذا ذات مرة.. والآن تصرفاتك كلها فاضحة.."
    مازلت أحملق فيه بذهول... عاجزة عن التعليق...
    تابع هو:
    "لكنني لن أقف مكتوف اليدين يا رغد.. سبق وأن وافقت على الزواج مني.. وهي الآن مسألة وقت.. إياك والتلاعب معي... إياك..."
    وأشار إلي بسبابته مهددا... ثم استدار وواصل طريقه داخلا إلى المنزل...

    *************************
    أما وليد فعندما جاء لزيارتي في شقتي... أخبرني عما حصل ووبخني بشدة وأثار معي شجارا حاميا..
    "لقد كلفتك أنت وأعني أنت... بأن تهتم بشؤونها في غيابي.. فلماذا تدعها تخرج مع حسام في سيارته مهما كان المشوار؟؟"
    قلت مستنكرا:
    "يا وليد! أنت تتكلم عن حسام وكأنه شخص غريب... إنه ابن خالتها وثل أخيها ومثلي ومثلك تماما ولطالما كان يصطحبها سابقا في المشاوير إذا اقتضى الأمر.. ليس لها ملجأ غيره وغيرنا ولذلك هي تعتمد عليه..."
    غضب أخي كثيرا وقال صارخا:
    "كان ذلك في السابق.. في عهد أبي رحمه الله.. لكن أنا لا أسمح لها بالخروج معه.. وفي عهدي أنا يجب عليها أن تلتزم بما أقوله أنا".
    قلت مستاء وساخرا:
    "لكنك لم توصيني بألا أسمح لها بالخروج معه.. ولم تذكر أسماء المسموح لهم في توكيلك السامي ذاك".
    فاشتط أخي غضبا وضرب الجدار بيده فجاءت ضربته على لوحة معلقة وأوشك أن يكسرها... وللعلم فإن لشقيقي هذا قبضة فتاكة جربتها أكثر من مرة..
    ولا تزال أمامي تجارب أخرى... كما سترون....
    أثار غضبه شيئا من الروع في نفسي وإذا به يزمجر:
    "أنا لا أمزح هنا يا سامر... أحدثك بمنتهى الجدية والمسؤولية... فلا تستفزني..."
    فقلت مدافعا:
    "وما أداني أنا أن هذا سيغضبك وإلى هذه الحد؟ لماذا لم تنبهني مسبقا؟"
    فقال:
    "هي تعرف هذا جيدا وسبق وأن حذرتها.. مرارا وتكرارا... لكنها تضرب بكلامي عرض الحائط.. قل لها... أن تتوقف عن عنادها هذا وإلا..."
    وهو يشير بسبابته نحوي مهددا... فهتفت معترضا:
    "وإلا ماذا يا وليد؟؟"
    ولم يرد وكأنه لا يجرؤ على النطق بما يدور بخلده من شدة فظاظته... فأعدت السؤال:
    "وإلا ماذا بعد؟ لماذا كل هذه القسوة والصرامة في معاملتها؟"
    رد أخي بحدة:
    "أعاملها كيفما يحلو لي".
    فاعترضت مستنكرا:
    "كلا... كلا يا أخي ليس كما يحلو لك... أنت قاس وفظ للغاية... وتصب جام غضبك على من لا ذنب لهم في الإساءة إليك... رغد كانت مستميتة لأجل لقائك أو التحدث معك والاعتذار لك على خطأ لم تقترفه هي من أجل تطييب خاطرك, وأنت عاملتها بمنتهى الغلظة والرعونة... معاملة لا يحتملها رجل شديد فكيف بفتاة رقيقة؟؟"
    هتف وليد بغضب:
    "سامر!"
    فقلت مسترسلا:
    "نعم يا وليد.. أزل الغشاوة عن عينيك... وميز مع من تتعامل... إنها فتاة حساسة ولا يليق بك أن تعاملها كهذا".
    وعوضا عن أن تثير كلماتي الندم وتأنيب الضمير في نفس شقيقي, إذا بي أراه ينظر إلي والشرر يتطاير من عينيه ويقول:
    "وهل ستعلمني كيف أعامل فتاتي؟"
    أذهلتني كلمة وليد هذه وحملقت به متفحصا... وقفزت كلمات خالتي أم حسام إلى رأسي...
    قلت:
    "فتاتك؟؟"
    ورأيت تعبيرات وجه أخي تتغير... وكأنه انتبه للتو للكلمة... فقال محاولا تغيير أو تصحيح المعنى:
    "الفتاة التي تحت وصايتي أنا".
    وأضاف ليصرف الانتباه عن الكلمة:
    "وما دامت تحت وصايتي أنا فأنا من يحدد ويقرر كل شيء يخصها... ولا أسمح لأحد بالتدخل... فهل هذا واضح؟؟"
    حيرني أمر أخي... ولم أعرف بم أفسر موقفه من رغد... أهو الحرص عليها أم التسلط عليها أم شيء آخر..؟
    قلت:
    "حسنا... إنما أريد أن ألتفت انتباهك لما قد غضبك قد أغفلك عنه... أنت لا تدرك حجم المعاناة التي تخلفها مواقفك القاسية في نفسيتها... إنها من البشر وليست قطعة من الحديد... كل تلك الفترة وهي تحاول الاتصال بك لتقدم لك كلمة اعتذار عن شيء لم تقترفه لترضيك أنت بصفتك ولي أمرها وفي مقام الأب وأكثر لديها... وأنت لاه في الخارج لا تكترث لشيء.. وبعد هذا تلومها إن هي حضرت بحثا عنك في المزرعة؟؟ على الأقل.. استمع لما تود قوله ثم افعل ما تشاء... أي قلب تملك أنت؟"
    فجأة أمسك وليد بقميصي وأخذ يهزني بقوة ويهتف:
    "أنا لا أملك قلبا.. أنتم قتلتموه.. إنكم السبب.. كلكم السبب.."
    ودفع بي إلى الجدار... ثم جعل يصرخ في مهددا:
    "إياك... ثم إياك... ثم إياك يا سامر... والسماح لهذا بالتكرر... هل فهمت؟"
    وأبعد يده عني ثم سار مغادرا الشقة... مخلفا بصمات جمله الأخيرة مطبوعة على طبلتي أذني...

    ****************************
    في اليوم التالي حضر سامر لزيارتي وأخبرني عن زيارة وليد له البارحة وعن شجاره معه بسبب خروجي مع حسام وبين لي مدى الغضب الذي اكتسحه والتهديد الذي رماه به, وطلب مني:
    "لا تكرري ذلك ثانية.. إذ أن وليد على ما يبدو ولا يولي حسام ثقة كبيرة, أو لنقل إنه مستاء منه بسبب الشجار العائلي..."
    وأنا أعرف بحقيقة الأمر وقلت تلقائيا:
    "إنه لا يطيقه منذ زمن".
    فظهر التعجب على سامر وسأل:
    "أحقا؟؟ لكن لماذا؟"
    فانتبهت إلى أنني تسرعت في جملتي السابقة... وحاولت تدارك الأمر فقلت:
    "لأنه... لأنه نعته بألفاظ سيئة... ذكرت لك ذلك.."
    وطبعا لم أكن لأشير إلى موضوع عرض حسام الزواج مني ورفض وليد له والشحنات التي نشأت بينهما منذ شهور لهذا السبب...
    شي من الغموض اكتسى وجه سامر وسألني:
    "أهناك ما لا أعرفه يا رغد؟؟"
    فقلت متظاهرة الاستغراب:
    "عن ماذا؟؟"
    فقال:
    "عن حسام... عن وليد... أو عنك؟؟"
    فقلت مستمرة في تظاهري:
    "لم أفهم قصدك!"
    فقال:
    "لأن وليد كان غاضبا بمقدار فوق المعقول... لسبب تافه".
    فقلت مؤكدة:
    "كما قلت. حسام شتم وليد زعيره بأنه خريج سجون وأهانه بقسوة ولهذا... وليد لا يطيقه".
    وأقنع كلامي هذا سامر وأثناه عن محاولة التعمق أكثر...
    قال أخيرا:
    "على أية حال يا رغد.. إذا أردت أي شيء فاطلبيه مني أنا فقط".
    فنظرت إليه وفي عيني مزيج من الامتنان والأسى, والندم... وقلت:
    "شكرا... ولا أظنني سأحتاج شيئا بعد الآن.."
    وطأطأت رأسي بأسى... فبعد وليد... لا شيء يستحق الاهتمام...
    لما أحس سامر المرارة في نبرة صوتي حدثني بلطف بالغ وقال:
    "تشجعي يا رغد... توفيت والدة زوجته قبل أيام... هذا سبب أكبر من كاف لتبدل أوضاعه.."
    لا تحاول مواساتي يا سامر... ما بي أبلغ من حدة المواساة...
    "سأفعل... ما يطلبه مني... بلغه هذا... سألتزم بكل ما يريد... فقط... ليصفح عني..."
    هل... هل تحبينه... إلى هذا الحد؟؟"
    داهمني سامر بسؤاله... أومأت برأسي... نظرت إلى الفراغ... في إجابة أبلغ من الكلام...

    *********************************

    حدثت مجموعة من أعمال الشغب في المدينة واضطرب الأمن فيها.
    وهي منذ شهدت مأساة القصف في عيد الحج الماضي لم تزل عرضة لحوادث صغيرة متفرقة تفقد أهاليها الأمان للعيش فيها.
    الكثير من سكانها هجروها واتخذت جماعات من المتمردين المنازل المهجورة بؤرا لإدارة عمليات الشغب. ومؤخرا حظر التجول في الشوارع بعد منتصف الليل وتكثف دوريات الشرطة وتضاعف عدد نقاط التفتيش والمراقبة...
    كنت قد مررت أثناء سفري بإحدى مدن المنطقة... ورأيت حالة التخريب الفظيعة التي ألمت بها مؤخرا بعد أعمال شغب مصحوبة بهجوم عدائي تعرضت لها... وأوضاع البلد بشكل عام آخذة في التدهور السريع...
    والآن.. أنا جالس في غرفة المعيشة في المنزل الريفي في المزرعة أتابع الأخبار على التلفاز وأشاهد مناظر بشعة لجثث قتلى من المتمردين الذين تمت مداهمتهم وإبادتهم..
    ولقطات أخرى لمجموعة من أعضاء منظمة سرية نفذت عملية اغتيال لأحد كبار المسئولين, وتم الكشف عن بعض أعضائها وهاهم يقادون بإذلال إلى مأواهم الأخير... السجن..
    مناظر تثير الرهبة في قلبي.. خصوصا بعد تجربتي المريرة خلف القضبان.. لا زال جسدي يقشعر منها وقلبي يضطرب... ومعدتي تشتعل نارا على ذكراها..
    شربت آخر رشفة من الحليب البارد الذي أدمنت على شربه في الأونة الأخيرة كلما اشتد ألم معدتي.. وابتلعت معها القرص المخفف للحموضة الذي صار عنصرا رئيسيا من عناصر وجباتي اليومية.. وتنفست باسترخاء..
    خضت مؤخرا لعلاج جديد لقرحة معدتي ولكنه لم ينجح... وأوجاعها تراودني من حين لآخر وتقض مضجعي..
    فيما أنا مغمض عيني باسترخاء.. سمعت صوتا يقترب من الباب... ففتحت عيني والتفت إلى مصدره فإذا بي أرى أروى تدخل الغرفة...
    أنا وهي لم نجتمع اجتماعا خاصا ولم نتحدث إلا أحاديث عادية خلال الأيام الماضية... التي تلت رحيل الخالة ليندا رحمها الله.
    وأجواء الكآبة كانت تسيطر بشكل مريع على المزرعة وعلى المنزل وقد غابت سيدته بلا عودة ترجى...
    وكان لقائي السابق معها قبل السفر هو أبشع اللقاءات وأفضعها...قالت أروى:
    "ماذا تشاهد؟"
    فقلت:
    "نشرة الأخبار.."
    واسترسلت:
    "الوضع يزداد اضطرابا في المدينة الصناعية".
    وجلست أروى على أحد المقاعد المجاورة تتابع الأنباء معي...
    خيم السكون علينا وأصغينا إلى النشرة باهتمام.. على الأقل بالنسبة لي... وبعد انتهائها.. تركت التلفاز مشغلا وقمت بقصد الخروج..
    عندما اقتربت من الباب اختفى صوت التلفاز فألقيت نظرة للوراء ورأيت أروى وقد أوقفته ثم سارت باتجاهي..
    "وليد".
    نادتني فاستدرت إليها كليا.. شعرت بأنها ترغب في التحدث معي وبدا أن قواها تخونها..
    الحديث عن أي شيء لن يكون لائقا الآن وقبر الخالة رحمها الله لم يبرد بعد. صمِتُ منتظرا ما ستقوله.. ولما طال ترددها قلت:
    "خيرا إن شاء الله؟"
    وإذا بالدموع تقفز من عينيها فتنكس رأسها وتخفيه خلف يدها..
    شعرت بالأسى عليها ومددت يدي وربت على كتفها بحنان.. وما كان منها إلا أن أسندت رأسها إلى صدري وبكت بحرقة..
    قلت مواسيا:
    "تشجعي يا أروى.. كلنا للموت والبقاء لله الواحد الأحد".
    فقالت بانهيار:
    "لا أتخيل حياتي بدونها.. إنني السبب في موتها.. أنا السبب".
    وكانت الخالة قد توفيت بعد عملية جراحية أجريت لها في القلب إثر تعرضها لنوبة جديدة.
    فقلت:
    "كيف تقولين ذلك؟"
    فقالت:
    "نعم.. فهي مرضت بعد أن.. أخبرتها عن قرار انفصالنا.. لو لم أخبرها بذلك.. ماتت".
    عضضت على أسناني متأثرا بهذا الكلام.. ثم قلت:
    "الموت بيد الله وحده.. ولكل أجله المقدر.. لندعو لها الرحمة والمغفرة".
    قالت أروى:
    "رحمك الله يا أمي.. كنت نعم الأمهات وخير النساء.. عشت حياة مريرة وحيدة بعد سجن أبي.. ورحيله.. شقيت في هذه الدنيا وعملت دون راحة أعمالا منهكة يعجز عنها الرجال.. وحين ابتسمت لنا الدنيا.. حين تحسنت أوضاعنا.. آه يا أمي.. أبعدتك الأقدار قبل أن تهنئي.. ما كان أسرع رحيلك يا أماه.."
    نحيبها الشجي هيج في ذاكرتي ذكرى والدتي رحمها الله.. إنه ما من مصاب أفجع على قلب البشر من فقد الأحبة..
    على الأقل.. أنتِ عشت مع والدتك ولازمتها منذ ولادتك وحتى آخر لحظة في حياتها..
    أما أنا.. فقد حرمت من والديّ الحبيبين ثمان سنين وأنا محبوس في أبشع مكان رأيته على الإطلاق.. وهما حيّان يرزقان.. وما إن خرجت إليهما.. حتى داهمهما الموت وأخذهما معا.. وبأشنع طريقة..
    لا حول ولا قوة إلا بالله..
    وفيما نحن هكذا أقبل العم إلياس.. ألقى علينا نظرة ثم قال مخاطبا إيّاي:
    "حضر الضيوف يا بني".
    فقلت:
    "حسنا.. أنا قادم".
    وهم مجموعة من تجار الفواكه كنت سأعقد معهم اتفاق عمل.
    انصرف العم إلياس.. فالتفت إلى أروى وقلت:
    "يريدون شراء محصول العنب والليمون بالكامل.. سنتخلص من عناء بيعه في الأسواق وقد عرضوا سعرا جيدا.. ما رأيك؟"
    نظرت أروى إلي نظرة لا مبالاة ثم قالت:
    "افعلوا ما تشاءون".
    قلت:
    "سنكتب وثيقة رسمية وسنحتاج لتوقيعك بصفتك مالكة المزرعة.. سأجلب لك العقد لمراجعته وتوقيعه".
    قالت:
    "أرجوك.. أعفني من هذه الأمور فأنا لست في وضع يسمح بالتفكير في أي شيء".
    وأنا أعلم بهذا ولكن..
    "لكن.. العمل يجب أن يستمر.. إن أهملنا المحصول فسنخسره".
    قالت:
    "افعلوا ما ترونه مناسبا".
    وكان هناك في خاطري شيء أود ذكره وأعاق الظرف الحالي لساني.. لكنني هذه اللحظة وجدتها فرصة ملائمة قليلا فقلت:
    "و... كذلك بالنسبة للمصنع.. هناك أمور معلقة في انتظاري.."
    نظرت أروى إلي نظرة جادة.. فقلت متابعا:
    "علي العودة إلى العمل عاجلا.. لا يجب ترك المصنع أطول من هذه المدة".
    فقالت وهي تضغط على صدغيها بيدها اليسرى:
    "افعل ما تريد.. أنا باقية مع ذكرى أمي ورائحتها العابقة في جو المنزل.."
    عنجما نقلت نبأ وفاة نديم رحمه الله إلى عائلته في العام الماضي.. أتذكر أن أروى أبدت صمودا غريبا في وجه الخبر المفجع.. أما الآن.. فهي منهارة لوفاة والدتها..
    لطالما كنت أظنها أكثر صلابة في مواجهة المصائب.. وأرى فيها قوة وقدرة كبيرة على التحمل.. ووضعها هذا جعلني أرجىء إلى أجل غير مسمى موضوعنا السابق.. بشأن مستقبل علاقتنا معا..
    فلأترك عني هم أروى... وهم رغد... وأتفرغ لهم العمل فهو أرأف بي منهما...
    وبعد لقائي بتجار الفواكه وفيما كنت واقفا في المزرعة أرتب الوثائق فوجئت بضيف غير متوقع يدخل المزرعة!
    لقد كان حسام...
    حياني فنظرت إلى ما حوله, لأستوثق من عدم حضور رغد برفقته... لكنه كان منفردا... فرددت التحية وكلي حيرة من سبب حضوره... ثم قدته إلى المقاعد المجاورة وجلسنا متواجهين... تفصلنا طاولة صغيرة... فأمكنه قراءة تساؤلاتي مباشرة...
    قال موضحا:
    "أعرف أنك لم تتوقع زيارتي.. لكنني أود التحدث معك في أمر مهم وإن لم يكن الظرف الحالي مناسبا".
    أقلقني كلامه فسألت باهتمام:
    "ماذا هناك؟؟"
    فتأتأ قليلا... ثم أجاب:
    "إنه.. ليس موضوعا جديدا.. ولكن... أود تذكيرك به وتعجيل تنفيذه".
    وبسرعة تفتح في رأسي موضوع أظن أنه يقصده...
    قلت:
    "هات من الوسط ولا داع للمقدمات.. أي موضوع تعني".
    اضطرب حسام وتغير لونه.. ثم قال:
    "مو... موضوعي أنا ورغد".
    تمالكت نفسي لئلا أنفجر فجأة في وجه الضيف في هذه اللحظة وهذا المكان..
    ثم قلت متظاهرا عدم الفهم:
    "موضوعك أنت ورغد؟؟"
    نظر إلي حسام وقال وهو يزدرد ريقه:
    "أعني موضوع.. زواجنا".
    احتقنت الدماء في وجهي وتورمت عيناي غضبا.. وبالتأكيد لاحظ حسام ذلك لأن بعض الخوف اعترى تقاسيم وجهه..
    قلت وأنا أضغطط على نفسي كي لا أثور بركانا:
    "أي زواج؟؟"
    تردد ثم قال:
    "هل نسيت؟؟ لقد.. سبق وأن عرضنا الأمر عليك.. أنت تعرف أنني.. أنني أرغب في الزواج من رغد".
    لم أستطع تمالك نفسي أكثر.. هببت واقفا باندفاع كان من القوة بحيث جعل الكرسي ينقلب من خلفي ويرتطم بالأرض..
    وقف حسام بدوره واجلا..
    قلت:
    "هل فقدت صوابك؟ ألا ترى في أي ظرف نحن؟؟"
    قال حسام معتذرا ومدافعا:
    "لا أقصد هذا أبدا.. لسنا نريد ارتباطا شكليا علنيا.. كل ما نريده هو عقد قران شرعي حتى.."
    صرخت غاضبا مقاطعا:
    "حتى ماذا؟؟"
    ألجم لسان حسام فكررت بعصبية:
    "حتى ماذا... أكمل؟؟"
    قال باضطراب:
    "حتى نستقر.. أنا ورغد.. بما أنها تقيم عندنا وبما أنها موافقة على الزواج مني.."
    ضربت على الطاولة بعصبية وقلت:
    "ومن قال أنها موافقة على هذا؟؟"
    أجاب:
    "هي.. أعربت عن قبولها واستعدادها منذ زمن".
    نفثت ما في صدري من نيران ملتهبة... وضربت الطاولة مجددا بقوة أكبر وقلت:
    "ومن قال لك... إن الأمر متوقف على قبولها هي؟؟"
    قال حسام متراجعا:
    "بالطبع أعني بعد موافقتك أنت...فأنت ولي أمرها".
    فقلت بغضب:
    "نعم.. أنا ولي أمرها.. وأنا لا أوافق على هذا".
    صمت حسام برهة وسأل بعدها:
    "لماذا؟؟"
    فزمجرت:
    "لا تسأل لماذا... أنا الوصي وأفعل ما أريد".
    تغيرت سحنة حسام من الرجاء إلى النقمة وقال مهاجما:
    "لكن.. هذا لا يعطيك الحق في التحكم برغد... ما دامت موافقة".
    استفزتني الجملة فصرخت منذرا:
    "حسام!!"
    وحسام أطلق العنان لثورته وقال:
    "أي نوع من الأوصياء أنت؟؟ ولماذا هذا العناد؟"
    صرخت مجددا:
    "حسام... يكفي.."
    لكنه تابع بعصبيته:
    "أخبرني ماهي حججك؟ إذا كان بشأن الدراسة فنحن لن نتزوج الآن وإنما بعد التخرج ولكنني أريد أن أرتبط بها رسميا وأريح مشاعري وقلبي".
    انفجرت... ثرت... انقضضت على كتفيه فجأة وصرخت بقسوة:
    "أي مشاعر وأي قلب أيها الــــــ.."
    حسام حاول إبعاد يدي عنه وهو يقول:
    "إنني أحبها ولن أسمح لك بالوقوف في طريقي".
    وبانفلات تام.. سددت لكمة إلى وجهه ثم دفعت به بعيدا... وأنا أصرخ:
    "أرني ماذا ستفعل لإزاحتي أيها العاشق المعتوه".
    كانت ضربتي موجعة جدا... أمسك حسام بفكه متألما وترنح قليلا... ثم صرخ:
    "متوحش وستظل متوحش... يا خريج السجون".
    وأوشكت أن أنفلت أكثر وأنقض عليه وأوسعه ضربا... غير أن العم إلياس ظهر فجأة ورأى الاضطراب الحاصل بيننا فتساءل:
    "ما الأمر؟؟"
    حسام سار إلى الخلف مبتعدا وهو يقول:
    "لا ترحم ولا تدع الرحمة تهبط من السماء؟؟... لكنني لن أسمح لك بالتحكم بهذا وإن لزم الأمر سألجأ للقضاء وأخلصها من سطوتك نهائيا... أسمعت؟"
    صرخت مهددا:
    "أغرب عن وجهي هذه الساعة قبل أن تندم... انصرف فورا..."
    قال:
    "سأذهب.. لكن سترى ما سأفعل.. سنتزوج رغما عن أنفك وقبضتك وجبروتك.."
    هممت بالانقضاض به فأقبل العم إلياس وحال دون إمساكي به..
    واحتراما للرجل العجوز وللمكان الذي نحن فيه.. تركته يفلت من قبضتي لكنني هددته:
    "ابتعد عنها نهائيا... نهائيا... ماذا وإلا.. فأقسم برب السماء.. أنني سأمحيك من على هذا الكوكب... وقبل أن تصل إلى ما تصبو إليه نفسك.. سيتعين عليك أن تدوس على قبري أولا.. ما من قوة في الأرض ستجبرني على تحقيق هدفك... مطلقا... أيها المراهق الأبله".
    وبعد أن غادر حسام سأني العم عما حصل فاعتذرت عن الإجابة وخرجت من المزرعة غاضبا أبحث عن شيء أنفث فيه غضبي بعيدا عن الأنظار...


    "ماذا تقولين!!"
    ارتسمت الدهشة على وجهي حين
    أخبرتني نهلة بأن حسام ذهب شخصيا إلى وليد عصرا وفتح موضوع زواجنا أمامه.. وأن وليد رفض الموضوع ولكم حسام بعنف على وجهه..
    قالت:
    "هذا ما أخبرني به.. وهناك كدمة مريعة على وجهه وتورم فظيع!"
    قلت:
    "يا إلهي! ما الذي دفعه إلى هذا الجنون؟ يذهب إليه بنفسه وبمفرده وفي هذه الفترة؟؟ هل فقد صوابه؟؟"
    قالت نهلة:
    "يحبك يا رغد ولا يطيق صبرا.. وأراد أغتنام فرصة تواجد ابن عمك في المنطقة... ولو لم يكن سامر خطيبك السابق لكان طلب الأمر منه... والآن وصيك الرسمي يهدده بألا يعود لطرح الأمر ثانية وإلا محاه من الوجود... تهديد صريح بالقتل وأمام أحد الشهود".
    قلت حانقة ومهاجمة:
    "ماذا تعنين؟؟"
    فقالت نهلة:
    "أنت أدرى".
    فازداد غضبي وخاطبتها بحدة:
    "لا أسمح لك... ابن عمي ليس سفاحا... وإذا كان قد ارتكب جريمة في السابق فإنه..."
    وانتبهت لكلامي وأخرست فمي...
    فقالت نهلة متحدية:
    "فإنه ماذا؟؟"
    ولم أجرؤ على الإجابة... فنظرت إلي نهلة بجدية وقالت:
    "فإنه قد يفعلها ثانية".
    زمجرت:
    "توقفي... أنت لا تعرفين شيئا... كلكم ظالمون.... اتركوا وليد وشأنه وإياكم وإهانته ثانية... لأنتم تهينونني أنا وتجرحونني أنا... ألا تحسون بذلك؟؟"
    وتراجعت نهلة عن موقفها لما رأت عصبيتي.... وقالت:
    "حسنا يا رغد... ولكن اهدئي".
    فواصلت:
    "كيف أهدأ وأنتم كلما جيء بذكر وليد نعتموه بألفاظ قاسية؟ رأفة به وبي... هذا كثير... كثير..."
    وفيما أنا في غمرة انفعالي طرق الباب ودخلت سارة تقول مخاطبة إياي:
    "ابن عمك هنا ويريدك".
    قفزت واقفة وقفز قلبي معي... ودارت بي الأفكار وأرسلتني إلى البعيد... فقلت بهلع:
    "وليد؟؟"
    فردت سارة وهي تحرك رأسها حركة طفولية:
    "لا! بل سامر".
    وسرعان ما أصبت بخيبة أمل... إلى أين ذهبت أفكارك يا رغد؟؟ يا لك من مسكينة واهمة! طبعا سيكون سامر... ألا زلت تعتقدين بأن وليد سيعود إليك ذات يوم...؟؟
    كان الوقت ليلا... وليس من عادة سامر زيارتي في الليل ودون سابق موعد... إلا لأمور طارئة أة ضرورية...
    ارتديت حجابي وعباءتي وذهبت لملاقاته في غرفة المجلس كالعادة... وهناك من أول نظرة ألقيتها عليه لاحظت أن هناك ما يقلقه... وعرفت أن للزيارة سبب قاهرا...
    بعد التحية والسؤال عن الأحوال... سألته:
    "ماذا هناك؟؟"
    وفاجأني عندما قال:
    "وليد يريد أن ترافقيني الآن إلى الشقة.. إنه هناك وينتظرنا.."
    هل سمعتم؟؟ يقول... إن وليد يريد مقابلتي... هل هذا ما قاله؟؟ هل هذا ما يفهم من كلامه؟؟
    تسمرت في مكاني مأخوذة بالمفاجأة ونظرت من حولي أتأكد من أنني لا أتخيل!
    وليد يريد مقابلتي... أخيرا؟؟
    قطع علي حبل شرودي صوت سامر وهو يقول بنبرة قلقة:
    "لا يبدو بمزاج جيد... لا أعرف ما الطارىء الذي يشغل باله لكنه طلب أن آخذك إلى الشقة في هذا الوقت..."
    عرفت... لقد فهمت... موضوع حسام... لا محالة...
    لم أحرك ساكنا... من شدة القلق... إلى أن قال سامر يحثني على الاستعجال:
    "هيا يا رغد فالوقت ليس من صالحنا..."
    وصلنا إلى الشقة أخيرا... ومع وصولنا وصلت ضربات قلبي إلى أقصى سرعة...
    وبدأت أحس بالنبضات في شرايين عنقي... وفيما سامر يستخرج مفتاح الشقة عند الباب حدثني بصوت خافت قائلا:
    "أنبهك يا رغد... يبدو أن شياطين رأسه تسيطر عليه.."
    أرعبتني جملته فبلعت ريقي وقلت:
    "هل.. هو غاضب جدا؟؟"
    فأجاب وهو يخفض صوته:
    "يشتعل بركانا.. حاولت أن أعرف ما القصة فلم يخبرني ورفضت إحضارك فهددني بأنه إن ذهب بنفسه إلى منزل خالتك فسوف يحرقه بمن فيه.. لا أستبعد هذا... فوجهه ينذر بالشر..."
    وضعت يدي اليسرى على عنقي فزعا... ورددت رأسي إلى الوراء... فقال سامر محاولا بعد كل هذا طمأنتي:
    "سأكون معك.."
    وفتح الباب... لملمت شظايا قوتي وذكرت اسم الله... ودخلت الشقة...
    في الداخل وقعت عيناي مباشرة على العينين الملتهبتين.. القادحتين بالشرر... اللتين لم أحظ برؤيتهما منذ أيام... ولم أحظ برعايتهما... منذ أسابيع...
    كان وجهه كتلة من الحمم البركانية المتوهجة... عابس التعبيرات... قاطب الحاجبين وأحمر العينين... تلك الحمرة التي تكسو وجه وليد وعينيه عندما يشتط غضبا... وكان يتنفس عبر فمه... وتكاد ألهبة من النار المتأججة تخرج مع زفيره... وكان يقف وسط الشقة وعلى أهبة الهجوم...
    يا لطيف...!
    أردت أن أبدأ بالتحية... غير أنه لم يكن لها مجال هنا... مع وجه مرعب يقدح شررا... وعندما أغلق سامر الباب خلفه تكلم وليد فجأة:
    "من فضلك يا سامر ابق في الخارج قليلا".
    تبادلت النظر مع سامر.. الذي رأى اضطرابي وقرأ توسلاتي.. فقال:
    "هل الموضوع سري لهذا الحد؟؟"
    فقال وليد بصبر نافذ:
    "رجاء ابق في الخارج إلى أن أستدعيك.."
    فنظر إلي سامر مجددا ثم قال:
    "يمكنني دخول غرفة النوم".
    فزمجر وليد بحدة:
    "قلت في الخارج... لو سمحت".
    فلم يتحرك سامر بل أصر:
    "سأدخل إلى الغرفة يا وليد".
    هنا هتف وليد بغضب:
    "سامر... رجاءً أخرج الآن ولا تضيع الوقت..."
    قال سامر:
    "يبدو عليك الغضب الشديد يا وليد.. لماذا لا تسترخي قليلا ثم تتحاوران؟؟"
    صرخ وليد:
    "أنا لست غاضبا..."
    واضح جدا! ماذا تريد أكثر من هذا!!؟؟
    قال سامر:
    "لكن يا أخي..."
    فقاطعه وليد بفظاظة:
    "انصرف يا سامر أرجوك ولا تغضبني بالفعل.."
    ولم يملك سامر من الأمر شيئا... فنظر إلي نظرة عطف وإشفاق... ثم فتح باب الشقة... وقال محذرا:
    "إياك أن تقسو عليها... أحذرك..."
    وألقى علي نظرة أخيرة وخرج...
    بقينا أنا والمذنب المتوهج وليد بمفردنا في الشقة...هو ينفث الأنفاس الغاضبة الحارقة.. وأنا أرتجف هلعا...
    وبعد أن التهم عدة أنفاس... قال أخيرا:
    "اجلسي يا رغد".
    رفعت بصري إليه ولم أتحرك... كنت مضطربة وقلبي تركض نبضاته بسرعة...
    ولا أقوى على السير من فرط توتري... ولما رآني متصلبة في مكاني قال بصوت حاد:
    "اجلسي يا رغد هيا".
    فزعت وارتددت للوراء... وحين لاحظ ذلك قال:
    "ما بك تنظرين إلي بهذا الذعر؟؟ هل أبدو كالغول المفترس؟؟ أم هل تظنين أنني سألكمك أنت أيضا؟"
    خفت.. وأومأت رأسي بـــ (لا).. فأشار إلى المقعد.. فسرت مذعنة... أعرج في خطواتي... إلى أن جلست على طرف المقعد... ووضعت حقيبتي إلى جانبي...
    وليد كان مرعبا لحد كبير.. وكنت أسمع صوت الهواء يصطدم بفمه كالإعصار.. وكلما أطلق نفسا قويا جذب نفسا أقوى.. حتى أوشك الهواء على النفاذ من الشقة...
    فجأة اقترب خطوة مني فأرجعت ظهري إلى الوراء تلقائيا.. خشية أن تحرقني أنفاسه أو تلسعني نظراته.. توقف وليد على بعد خطوتين مني ثم قال:
    "أظنك تعرفين لم أنت هنا".
    رفعت رأسي وأومأت بـــ(لا).. فهتف بسرعة:
    "بل تعرفين".
    أفزعني صوته.. فغيرت موقفي وأومأت بــــ(نعم).. وأنا متوقعة أن يكون الموضوع هو موضوع حسام...
    قال:
    "تعرفين أن ابن خالتك العزيزة... قد أتى إلي خصيصا هذا اليوم ليطلب موافقتي على خطبتكما".
    تصاعدت دفعة من الدماء إلى وجهي... وهويت بأنظاري نحو الأرض حرجا.. ولم أقل شيئا.. فتابع هو:
    "أتى بمفرده وبكل شجاعة... بل بكل وقاحة.. بعد الإهانات الفظيعة التي رموني بها في منزلهم.. وبدون اعتبار للظروف التي نمر بها في المزرعة... بلا احترام لي ولا لعائلتي... أتى إلي مطالبا بتحويل مشروع زواجكما المزعوم إلى واقع... بكل بساطة".
    وأيضا لم أقل شيئا... بل لم أجرؤ حتى على التنفس...
    قال:
    "وحجته.. أنكما متفقان.. ومستعدان للارتباط.. ومنذ زمن.. وأنه يريد أن يريح مشاعره وقلبه!".
    فطأطأت برأسي نحو الأسفل أكثر... أكاد أكسر عنقي من حدة الطأطأة... وأفجر عروق وجهي من غزارة الدماء المتدفقة فيها...
    فتابع وليد:
    "وربما مشاعرك وقلبك أنت أيضا".
    ذهلت, ورفعت بصري إليه بطرفة عين, ثم غضضته من جديد في حرج شديد...
    ولم أرفعه ثانية إلى أن سمعت صوت اصطفاق كفي وليد ببعضهما البعض.. نظرت إليه فشاهدت حشدا من ألسنة النار تغادر عينيه مقبلة إلي...
    قال:
    "ماهو رأيك؟"
    ولم أتكلم فردد السؤال بغلظة:
    "ما هو رأيك؟ أجيبيني؟؟"
    فأطلقت لساني بتلعثم:
    "في ماذا؟"
    فقال بعصبية:
    "في هذا الأمر قطعا".
    فلم أجبه لكنني حملقت فيه... فاقترب مني أكثر وسأل بعصبية وجفاف بالغين:
    "لا تحملقي بي هكذا بل أخبريني ما هو رأيك الآن يا رغد؟؟ تكلمي".
    فقلت مفزوعة من صوته:
    "لا أعرف".
    فقال:
    "لا تعرفين؟؟ كيف لا تعرفين؟؟ أخبريني ماهو رأيك الصريح؟"
    أجبت في خوف:
    "كما ترى أنت".
    قطب حاجبيه أقصاهما وقال:
    "كما أرى أنا؟؟"
    فكررت:
    "كما تريد أنت... أنت ولي أمري وما تطلبه سأنفذه".
    وليد فجأة ضرب مسند المقعد المجاور ورأيت سحابة من الغبار تطير مفزوعة منه...
    ثم قال:
    "قولي يا رغد.. ما هو رأيك أنت؟؟ وهل اتفقت معه على أن يأتي لتقديم عرضه في المزرعة؟"
    فرددت نافية:
    "لا.. كلا لم أتفق معه.. لقد أتاك من تلقاء نفسه.. لم أعرف إلا من نهلة قبل حضوري إلى هنا مباشرة".
    ونظر إلي بتشكك فأكدت:
    "لم أتفق معه على أي شيء صدقني".
    فسأل:
    "ولا على الزواج؟"
    فصمت.. وكرر هو سؤاله بحدة:
    "ولا على الزواج يا رغد؟؟ هل سبق وأن اتفقتما على ذلك؟؟ أجيبي..؟؟"
    في الواقع.. كان هذا ما حصل قبل شهور.. قبل انتقالي للعيش في المنزل الكبير.. والتحاقي بالجامعة...
    قلت معترفة:
    "أجل"
    وما كدت أنطق بالكلمة إلا ويدا وليد تطبقان فجأة على كتفي وتهزاني.. وإذا به يصرخ في وجهي:
    "كيف تجرئين على فعل ذلك؟؟ من سمح لك باتخاذ قرار في موضوع كبير كهذا دون إذني أنا؟؟ كيف تتفقين معه على الزواج دون علمي؟"
    فقلت مدافعة ومفزوعة في آن واحد:
    "أنت تعلم بذلك.. لقد عرضت عليك خالتي الموضوع من قبل.. تعرف كل شيء".
    فقال وهو يهزني:
    "وأنتتعرفين أنني رفضت الموضوع مسبقا.. وحذرتك من إعادة طرحه أو التفكير به مجددا.. ألن أحذرك يا رغد؟؟ ألم أحذرك؟؟"
    أجبت:
    "بلى.. لكن..."
    فهتف:
    "لكن ماذا؟؟ أكملي".
    ابتلعت ريقي وأرغمني الخوف من صوته على النطق فقلت:
    "لكنك.. أنت لم ترفض الموضوع بل رفضت توقيته.. وحسام... حسام هو الذي أعاد فتحه الآن.. هو من رغب في تعجيله".
    صرخ وليد:
    "وأنت متفقة معه أليس كذلك؟؟"
    قلت مدافعة:
    "ليس كذلك.. قلت لك إنني لم أعلم عن زيارته لك إلا من نهلة قبل حضوري".
    فضغط وليد على كتفي وقال:
    "لكنك موافقة ألست كذلك؟؟"
    وشعرت بالألم من قوة قبضته.. والفزع من نظراته المهددة...
    قلت:
    "سأفعل ما تطلبه مني أنت".
    فزاد ضغطه على كتفي وهتف:
    "موافقة على ذلك؟ أجيبيني؟؟ أترغبين بالزواج من ابن خالتك المخبول هذا؟؟ أجيبيني؟؟"
    أطلقت صيحة ألم وقلت والدموع تقفز من عيني فجأة:
    "آه.. أنت تؤلمني.."
    وليد دفع بكتفي نحو المسند فجأة وابتعد سائرا نحو الباب..
    أنا أخفيت وجهي خلف يدي المصابة وأخذت أذرف شحنة الدموع المخزنة في عيني.. وتأوهت من قسوة وليد.. قسوة لم أعهدها ولم أكن أنتظرها منه.. بعد كل ذلك العطف والحنان اللذين غمرني بهما طوال سنين... وبعد كل الفراق والجفاء والمقاطعة التي فرضها علي منذ أسابيع...
    عندما أفرغت كل دموعي أزحت يدي عن عيني... وشاهدته يدور حول نفسه تارة ويسير يمينا وشمالا تارة أخرى... وهالة من اللهيب الأحمر تحيط به...
    وحين رآني أنظر إليه صرخ فجأة:
    "ألم أحذرك من مغبة فتح هذا الموضوع يا رغد؟؟ ألم أفعل؟؟"
    ولم يمنحني فرصة للرد بل تابع مزلزلا:
    "لكنكم تستخفون بي.. وترونني مجرما حقيرا خريج سجون... لست أهلا لتولي الوصاية على فتاة يتيمة.. ولا أؤتمن عليها..."
    أردت أن أنطق (كلا) لكن وليد لم يعطني المجال وواصل:
    "سأريكم.. ما الذي يستطيع المجرمون فعله.. سترون أن كلمتي أنا.. هي النافذة.. وأنه ما من قوة في الأرض سترغمني على الموافقة على هذا الزواج مهما كانت.."
    واقترب مني مجددا... ورمقني بنظرات التهديد الشديدة.. وقال:
    "ستحققين أمنيتك بالزواج منه فقط بعدما أموت يا رغد.. هل تفهمين؟؟"
    وعندما لم ير مني أي ردة فعل تصور أنني لم أفهمه أو لم أعر كلامه اهتماما...
    فأطبق على كتفي كالصقر المنقض على فريسته... بمنتهى الخشونة وراح يصرخ:
    "أكلمك يا رغد... أصغي إلي جيدا.. واحفظي كلامي بالحرف الواحد... أنا المسئول عنك هنا.. وأنا من يقرر كل شيء يتعلق بك... صغيرا كان أم كبيرا... شئت أم أبيت... تركك أبي تحت عهدتي أنا.. وليس تحت عهدة خالتك وعائلتها.. وإن أبقيتك هناك كل هذا الوقت فهذا لأنني أنا أريد إبقائك.. وليس لتتصرفي كما يحلو لك.. أنت وابن خالتك المراهق الأبله... ومتى ما شئت أنا...سآتي وآخذك.. وخالتك.. وزوجها.. وأبناؤها.. كلهم لا يملكون الحق في تسير أمورك.. وحسام بالذات.. وبالذات حسام.. واسمعيني جيدا.. هذا الفتى بالذات.. سيكون آخر آخر آخر شخص على وجه الأرض.. سأسمح له بالاقتراب منك.. ولن يكون ذلك إلا بعد موتي.. أفهمت ذلك يا رغد؟؟ أفهمت ذلك؟؟"
    كل هذا الصواريخ في وجهي.. والضغط العنيف على كتفي.. والأعاصير النارية المنطلقة من عينيك وتريد مني ألا أفهم؟
    صحت بخوف وأنا أحاول استعطافه والنجاة من بطش يديه:
    "نعم... فهمت.."
    فضغط على كتفي بخشونة أشد وقال:
    "فهمت جيدا؟؟ أنا لن أعيد كلامي في المرة المقبلة إن تكرر الأمر.. ولن أكتفي بلكم وجهه.. بل سأهشم عظامه كلها.. وأطحن رأسه... أوعيت هذا؟؟"
    قلت:
    "فهممت.. فهمت.. أرجوك... يكفي".
    وواصل عصر كتفي بقبضتيه وهو يجبرني على النظر في عينيه ويخترقني بنظرته الثاقبة النهددة ويقول:
    "لا تضطريني لتصرف لا تحمد عقباه يا رغد... أحذرك... أحذرك... ما أنا فيه يكفيني... التزمي بكلامي وإلا.."
    أطلقت إجابتي مع زفرة ألم:
    "حاضر... فهمت... سأفعل ما تأمرني به... هذا موجع... أرجوك أتركني..."
    وانخرطت في البكاء من الألم... فأطلق سراح كتفي وابتعد...
    جعلت أمسد كتفي الأيمن بيدي اليسرى لأخفف الألم... ولم أرفع رأسي مجددا... حل سكون مخيف بضع دقائق.. ثم سمعت صوت باب الشقة ينفتح فرفعت رأسي ونظرت إلى وليد فشاهدته يغادر...
    وقفت بسرعة وسألت:
    "إلى أين تذهب؟؟"
    لكنه أغلق الباب ولم يجبني... أسرعت أسير بعكازي إلى الباب وأردت فتحه فإذا بي أسمع صوت قفله يدار..
    ضربت الباب وهتفت بفزع:
    "وليد إلى أين تذهب؟ افتح الباب".
    فسمعته يقول من خلف الباب:
    "سأرسل إليك سامر".
    فقلت:
    "لا تتركني وحدي.. أرجوك افتح".
    ولكنه لم يفتح ولم أعد أسمع صوته...
    بقيت واقفة عند الباب في انتظار عودة وليد أو سامر.. ومرت بضع دقائق ولم يظهر أي منهما..
    انتابني الذعر.. وعدت إلى المقعد واستخرجت هاتفي من حقيبتي واتصلت بوليد فلم يجبني.. واتصلت بسامر فوجدت الخط مشغولا..
    انتظرت دقيقة ثم أعدت الاتصال بسامر فرد علي وأخبرني بأنه في صالون الحلاقة أسفل المبنى وسيصعد بعد عشر دقائق...
    "لكنني وحدي في الشقة... ذهب وليد وتركني أرجوك تعال الآن".
    قال سامر:
    "لم يذهب. أخبرته أن يبقى وينتظرني. سيأتيك الآن".
    وأنهيت المكالمة ونظرت نحو الباب في انتظار عودة وليد... ولكنه لم يعد. أخذ القلق والخوف يتفاقمان في صدري... وإن هي إلا دقائق حتى عاودت الاتصال بسامر وأخبرته بأن وليد لم يعد ورجوته أن يوافيني في الحال.
    فقال إنه قادم... وأقبلت نحو الباب في انتظاره... وعندما اقتربت نمه خيل إلي أنني سمعت صوتا من خلفه ففزعت... أصغيت بسكون... فتكرر الصوت وأجفل قلبي...
    "سامر؟؟"
    ناديت بحنجرة مخنوقة... ولم أسمع ردا... لكنني أحسست بحركة ما... وكأن أحدهم يقف خلف الباب مباشرة أو يستند إليه... سألت:
    "وليد؟"
    فسمعت صوته يرد:
    "نعم هنا".
    لقد كان وليد قلبي يقف خلف الباب... مستندا إليه...
    عندما سمعت صوته حلت الطمأنينة في قلبي... فألقيت بثقل جسمي على الباب... وخيل إلي... أنني أحسست بالحرارة تتخلله منبعثة من جسم وليد...
    يفصل بيني وبينه باب خشبي... وعشرات المشاكل ومئات الشحنات... والمشاعر المتضاربة والمواقف الملاطمة... والكلمات القاسية... والمعاملة الجافة... التي أثخن قلبي وجسدي بخدوشها قبل قليل...
    تلمست كتفي... فألفيت الألم قد انقشع... وتلمست الباب فوجدته دافئا وحنونا... وألصقت أذني به... فتوهمت أنني أسمع نبضات قلب وليد... تناديني...
    أفقت من أوهامي على صوت خشن زاجر... أصدره وليد...
    "أقول لك انتظرني ها هنا فتذهب إلى الحلاق؟؟"
    ثم أتى رد بصوت سامر:
    "لم أتوقع أن تنهيا الحوار بهذه السرعة كما وأنني لم أشأ الوقوف هكذا كالبواب".
    فقال وليد متضايقا:
    "قلت لك إنني لن أطيل الكلام وكما ترى فالوقت ليل ولا يزال أمامك مشوار إعادتها... تعرف أن التجول محظور آخر الليل هناك.."
    ثم سمعت صوت المفتاح يدخل في ثقبه فابتعدت بسرعة...
    كان سامر هو من فتح الباب فدخل ولم أر أحدا من خلفه... استدار للوراء ثم التفت إلي وأغلق الباب من بعده وسألني:
    "هل أنت بخير؟؟"
    أجبته:
    "نعم".
    فاقترب وهو يحملق في عيني ويرى أثر الدموع ثم سأل:
    "ماذا قال لك؟؟"
    فطأطأت برأسي ولم أجبه. فألح علي بالسؤال غير أنني اعتذرت عن الإجابة....
    قال:
    "إذن الموضوع سري بينكما؟"
    ألقيت نظرت سريعة عليه ثم نظرت إلى الأرض لأبعد عيني عن عينيه... خشية أن يكتشف شيئا...
    سأل برجاء:
    "ألن تخبريني؟"
    فلم أرد...
    كيف أخبرك وبم؟؟! سيضرب هذا على وترك الحساس المؤلم... أأقول إن حسام عرض على وليد الزواج مني...؟؟
    احترم سامر موقفي وقال متراجعا:
    "كما تشائين. إنما أردت المؤلزرة. فإذا ما أساء إليك أخي بأي شكل فأخبريني حتى أوقفه عند حده".
    فشددت على قبضتي ولم أتفوه بشيء...
    بعد ذلك... أعادني سامر إلى منزل خالتي... ولأن المسافة بين المدينتين التجارية والصناعية طويلة نسبيا, فقد وصلنا في ساعة متأخرة من الليل...
    أما وليد فكان قد اختفى فور ظهور سامر عند باب الشقة... ولا أعرف إن كان قد عاد إلى مزرعة الشقراء أم أنه بات في شقة أخيه تلك الليلة...
    وجدت خالتي ونهلة في انتظاري وعيونهما ملأى بالتساؤلات... أخبرتهما بأنه لا شيء يستحق القلق وذهبت إلى غرفتي فتبعتنب نهلة... والتي سهرت في انتظار عودتي على نار هادئة لتعرف ما حصل...
    "لا شيء".
    تعجبت من قولي وسألت:
    "لا شيء؟؟ كل هذا الوقت وتقولين لا شيء؟؟"
    أجبت:
    "تعرفين... الوقت ضاع في قطع المسافة من هنا إلى شقة سامر... ذهابا وإيابا".
    سألتني بصبر نافذ:
    "المهم ماذا حدث وفيم تكلمتما؟ وهل تصالح معك..؟؟"
    أجبت بإعياء:
    "أسكتي يا نهلة أنا متعبة ولا طاقة لي بالحديث".
    وألقيت بثقل جسمي على السرير... ومددت أطرافي... لكن نهلة لم تعتقني:
    "أرجوك يا رغد أخبريني بما حصل الفضول يخنقني؟؟"
    قلت أخيرا وأنا أنظر إلى السقف وأتنفس الصعداء باسترخاء بعد كل ذلك التوتر...:
    "تشاجر معي.. فجر صواريخ فتاكة في وجهي.. وهددني بأن.."
    قالت نهلة بلهفة:
    "بأن ماذا...؟ أكملي!؟"
    فوجهت بصري نحوها وقلت:
    "بأن يهشم عظام حسام إن عاود طرح موضوع الزواج ثانية..."
    حملقت بي نهلة بدهشة... ثم قالت مستنتجة:
    "هكذا إذن.."
    ثم أضافت:
    "تهديد صريح آخر..."
    حينها قلت بجدية وصراحة:
    "إنه ينوي شرا.. أخبري حسام بأن يبتعد عني وأن يلغي الفكرة نهائيا من رأسه لينجو بنفسه..."
    غضبت نهلة من كلامي الصريح الجارح.. وقالت وهي تستدير مغادرة:
    "أخبريه أنت بذلك.. أنا لن أجرح أخي بهذه القسوة.. أنت عديمة الإحساس".

    *************************

    رفض كل من أخي ورغد إطلاعي على موضوع الحوار الذي دار بينهما... لكني لم أسكت على الدموع التي رأيت آثارها في وجه رغد ليلتها...
    "حسنا... أنا لن أطلب منك إخباري بتفاصيل الموضوع وسأنسى أنني من جلبها وأعادها في قلب الليل وأن الحديث دار في شقتي أنا... لكنني لن أتغلضى عن جرحك لها وجعلها تبكي يا وليد".
    نفثت كلامي بانفعال أمام أخي, الجالس بصمت يشرب الماء البارد... ويبتلع قطع الجليد الصغيرة السابحة في الكأس.
    تجاهل أخي كلامي فغضبت وقلت:
    "أكلمك يا وليد ألا تسمع؟"
    نظر أخي إلي من خلال زجاج الكأس الشفاف الذي يحمله في يده وأجاب:
    "اسمع".
    فقلت:
    "إذن أخبرني.. لماذا جعلتها تبكي؟ لماذا تعاملها بخشونة؟"
    أجاب أخي:
    "ليس من شأنك يا سامر وأرجوك... أنا متعب كفاية... دعني أسترخي".
    فقلت مستنكرا:
    "ليس شأني؟؟ كيف تقول هذا؟ إنها ليست ابنة عمك وحدك..."
    وكأن الجملة أثارت أخي فقال بحدة:
    "الأمر لا يعنيك يا سامر فرجاء لا تتدخل".
    فقلت غاضبا:
    "بل يعنيني... أنا لا أتحمل رؤية رغد تبكي أو تتألم... ولا أسمح لك بأن تسبب لها هذا".
    وقف أخي فجأة... وألقى بالكأس بعنف نحو الأرض فتكسر...
    ثم صرخ غاضبا:
    "أما زلت تفكر بها؟؟...سامر ... أيها الأحمق... إنها لا تكترث بك".
    جفلت ولم أستطع التعقيب.
    اقترب أخي مني حتى صار أمام وجهي مباشرة وإذا به يسألني:
    "ألا زلت تحبها؟؟"
    ففارت الدماء في وجهي... لم أكن أتوقع منه هذا السؤال وهكذا مباشرة... أخي أمسك بذراعي بقوة وقال:
    "لقد رأيت ما تخفيه في خزانتك... يا لك من بائس... تخلص منها تماما... إنها لا تفكر بك.. ولن تعود إليك... لا تتعب نفسك... انسها نهائيا".
    وطعن كلام أخي على جرح قلبي مباشرة... فأبعدت يده عني فعاد وأمسك بي وأعاقني عن الحركة وقال:
    "أخرجها من رأسك نهائيا يا سامر... ولا تدافع عنها فهي خائنة وتستحق العقاب".
    عند هذا لم أتمالك نفسي ودفعت بأخي بقوة حتى ارتطم بالجدلر.
    وأوليته ظهري قاصدا الخروج من المكان غير أنه أمسك بي فجأة وجذبني في اتجاهه ولوى ذراعي...
    وهو يقول:
    "أجب على سؤالي أولا".
    حاولت الفكاك منه ولكنه كان يطبق علي ويعيق حركتي كلما أردت التملص.
    هتفت:
    "اتركني وليد".
    رفست بطنه بركبتي حتى أبعده عني. وبصراحة رفستي لم تكن قوية... لكن أخي أطلق صرخة ألم واندفع مبتعدا عني... وأمسك ببطنه وراح يتلوى. ثم إذا به يجثو على الأرض بالضبط فوق شظايا الكأس المكسور دون أن ينتبه لها... ويحني رأسه إلى الأرض ويتقيأ الماء الذي شربه قبل قليل... ممزوجا بالدم...
    هلعت لمنظر أخي... وأقبلت إليه قلقا ومددت يدي نحوه, غير أنه أبعدها بفظاظة وأخذ يتلوى... وأخيرا نهض وسار نحو الباب.
    "إلى أين؟؟"
    فالوقت كان قد تجاوز الواحدة ليلا... ويفترض به المبيت عندي... ووضعه لا يسمح بالمغادرة...
    تبعته وحاولت استيقافه إلا أنه صدني وغادر الشقة...
    وقبل غروب الشمس التالية اتصل بي وأخبرني بأنه في طريقه إلى المطار...
    مسافرا إلى الجنوب.
    سافر أخي إلى المدينة الساحلية... وغاب عنا بضعة أسابيع...
    جاء سفره مفاجئا ودون سابق تخطيط وتهيئة... وتوقعت أن أواجه موقفا صعبا مع رغد لدى إبلاغها عن هذا... فكتمت النبأ عمدا في البداية...
    وفي الآونة الأخيرة لاحظت أن رغد لحد ما قد هدأت... أعني أنها لم تعد تثور وتغضب بسرعة... بل بدت مستسلمة لما نقوله لها بدون جدال... صحيح أن حالتها هذه لم ترضني لكنها على الأقل أفضل من التهيج الشديد الذي سبقها, وكذلك أبدت تجاوبا جيدا مع برنامج العلاج في المستشفى وحضرت المواعيد التالية بلا اعتراض...
    والأهم...أنها توقفت عن الاتصال بهاتف وليد وعن السؤال عنه... اعتقدت أن مادرا بينهما تلك الليلة قد أراحها بشكل ما... وأن اعتقادها أن وليد في الجوار هدأ نفسيتها...
    وخشيت إن أنا كشفت لها حقيقة سفره الآن أن تتقلب بها الأحوال, فواصلت كتم النبأ إلى أن حل هذا اليوم... والذي قرر فيه الطبيب أخيرا نزع جبيرة يدها...
    بعد أن نزعت الجبيرة... وحركت رغد يدها... رأيت ابتسامة تشع على وجهها ولأول مرة مذ قدمت إلى المدينة الصناعية.. وبمجرد أن غادرنا عيادة الطبيب قالت لي:
    "سأتصل بوليد وأخبره بأنني أستطيع تحريك يدي كالسابق, لا بد وأنه سيفرح للخبر!"
    واستخرجت هاتفها واتصلت به ولم يرد, فحمدت الله في داخلي... لكنها سرعان ما فكرت بالاتصال بالمزرعة والسؤال عنه... حينها لم أجد مناصا من إطلاعها على الحقيقة...
    ساعتها تجهم وجه رغد واختفت تماما آثار الابتسامة التي عبرت على وجهها قبل قليل... أحسست بالندم على تسببي بقتل بهجتها القصيرة... ولكي أشجعها ادعيت أن وليد قد أعرب لي عن عزمه اصطحابنا معه في المرة المقبلة... ولم يكن هناك جدوى من ادعائي.
    ومضت الأيام والأسابيع وهي على حالها من الكآبة وفقدان الاهتمام بأي شيء.. حتى أنها نحلت أكثر مما هي نحيلة وانطوت على نفسها أكثر مما هي منطوية وما عدت أطيق رؤيتها بهذه الحال...
    الشيء الوحيد على الأقل.. الذي صرفت إليه بعض الاهتمام... كان الرسم, ولكي أشجعها على الانشغال به وطرح الأحزان جانبا جلبت لها عدة الرسم كاملة, ووعدتها كذلك بشراء حاسوب محمول مع ملحقاته وكتبه... عما قريب...
    أما وليد فكما فاجأني بسفره فاجأني بعودته ذلك اليوم...
    صدمت للوهلة الأولى عندما دخلت شقتي ورأيته جالسا يشاهد التلفاز... وقد كان وجهه شاحبا هزيلا ملتحيا, وقد خسر جسمه عدة أرطال.
    ولا لم يبد أنه قد حلق شعره أو ذقنه منذ لقائي الأخير به قبل أربع أسابيع...
    وقف ليحييني ويصافحني, فحييته وسألته:
    "ماذا حل بجسدك؟؟!"
    فابتسم ورد:
    "القرحة حرمتنا من الطعام..."
    فسألت:
    "هل تراجع طبيبا؟"
    فأجاب:
    "لا وقت لذلك, العمل مضغوطا جدا وبالكاد نتنفس".
    وتبادلنا حديثا قصيرا عرفت فيه أنه عائد من أجل شؤون عمل تتطلب توقيع زوجته شخصيا على بعض الوثائق الهامة...
    "ولكن.. ألست موكلا للتصرف بكل شيء... توكيلا شاملا ورسميا".
    فأجاب:
    "بلى, لكن هناك بعض الاستثناءات الضرورية".
    أطرقت برأسي برهة, وراودني سؤال طارىء لم يسبق لي أن طرحته على أخي:
    "متى ستتزوجان؟"
    ألقى علي أخي نظرة لا مبالاة, ثم أدار وجهه بعيدا عني... واستخرج من أحد جيوبه قرصا دوائيا ووضعه في فمه. ثم جذب نفسا عميقا ثم قال:
    "إنني أريد على الأقل.. أن تسير أمور المصنع كما يجب. أروى لا تفكر في حجم الخسائر التي ستلم بثروتها إن هي بقيت عالقة في الشمال وأملاكها مزروعة في الجنوب.
    لولا السيد أسامة المنذر بعد الله لفاتها الكثير.. ليس جميع موظفي المصنع والشركة بأمانة المنذر... يجب أن يبقي صاحب الأملاك عينه مفتوحة على ثرواته... يجب أن تعود إلى الجنوب".
    فهمت حرص أخي على أموال زوجته, وتفانيه في العمل لأجلها, وقلت:
    "البركة فيك يا أخي".
    فنظر إلي وأوشك أن يقول شيئا لكنه تراجع والتزم بالصمت.
    ثم عاد وقال:
    "أنا لا أريد العيش وحيدا هناك... أريد عائلتي من حولي... المنزل كبير وكئيب..."
    فانتهزت الفرصة وسألت:
    "ماذا عن عودتنا أنا ورغد؟"
    وكأن السؤال أوجعه أو صب خل الليمون الحامض على معدته فإذا بي أرى وجهه يتألم ويده ترتفع إلى موضع معدته وفمه يطلق آهة مريرة...
    قلت قلقا:
    "أأنت بخير؟"
    وما كان من وليد إلا أن وقف واستدار باتجاه الباب... قال أخيرا وهو ينصرف:
    "ليس بعد... دعهم ينزعون جبيرة رجلها أولا... أراك لاحقا".
    عندما وصل إلى الباب توقف واستدار إلي وقال:
    "لا تخبرها عن حضوري".


    ذات نهار... وفيما أنا حبيسة في غرفتي لا أفعل شيئا غير محاولة تذكر ملامح وجوه أحبابي البعيدين... ورسمها على الورق... أمي... أبي... دانة... ووليد... وليد قلبي الحبيب الغائب... طرق الباب...
    "رغد هل أنت مستيقضة؟"
    وكان صوت حسام. أجبته بنعم, فأخبرني بأن لديه ما يعطيني إياه...
    طبعا كنا أنا وهو نتحاشى الجلوس أو التحدث معا قدر الإمكان... بعد الذي حصل...
    أغلقت كراستي وقمت وارتديت حجابي وقتحت الباب فرأيته يحمل صندوقا ورقيا كبيرا وثقيلا على ما بدا...
    سأل:
    "أين أضعه؟؟"
    قلت مستغربة:
    "ما هذا؟"
    فأجاب مستغربا:
    "أليست أغراضك داخل الصندوق؟"
    سألت متعجبة:
    "أغراضي أنا؟"
    فقال:
    "بعث به ابن عمك..."
    وتذكرت الحاسوب المحمول الذي وعد سامر بشرائه لي بعد نزع جبيرة يدي...
    واستنتجت أن يكون هذا هو...
    قال حسام:
    "أين أضعه؟ فهو ثقيل ولن تستطيعي تحريكه".
    قلت وأنا أشير إلى الطاولة الصغيرة عند الزواية:
    "هناك من فضلك".
    وسرت خلفه وأنا أقول:
    "لا بد أنه الحاسوب المحمول..."
    وضع حسام الصندوق على مكتبه وهو يسأل:
    "حاسوب؟ عظيم!من أي شركة؟"
    وأخذ يطالع جوانب الصندوق بحثا عن أي معلوملت ولم نجد شيئا قلت:
    "افتح لنرى".
    وبادر حسام بفتح الصندوق, ودهشنا حين وجدنا محتواه مجموعة من الكتب والمجلات الكراسية... وأدوات الرسم...!
    استخرجت الكتب وإذا بها نسخا عن بعض كتبي الدراسية!!
    أخذت أقلبها متعجبة وقلت:
    "هذه... كتبي الدراسية!!"
    وعدت أتأمل المجموعة وأستخرجها واحدا بعد الآخر... وأسترجع ذكريات الدراسة... وأنا أقول:
    "أنا لم أطلب هذا من سامر! كيف عرف بأسمائها؟؟"
    وسمعت حسام يجيب:
    "وليد من بعث بها".
    التفت إليه غير مستوعبة:
    وليد!؟... وليد؟؟
    اسم عادي.. أسمعه عشرات المرات في اليوم.. بيني وبين نفسي.. أو بين وجهي وصورته في المرآة... أو بين قلمي وكراستي ورسماتي... أو حتى من لسان أي شخص من حولي... وليد... هو الاسم الذي يلفظه قلبي مع كل نبضة ويزفره صدري مع كل نفس.. اسم معتادة حواسي على استقباله كل حين... لكن العجب كل العجب... أن يقشعر جسدي فجأة.. حالما لفظ هذه المرة..
    فجأة... إذا بي أحس بطوفان هائل من الدماء يصعد إلى وجهي ويجتاح قسماته... ويوشك على تدمير ملامحه وطمس معالمه...
    تقول وليد؟؟!! وليد؟؟؟
    سألت... وأنا بين تصديق وتكذيب أذني... فهي لكثرة ما تاقت للسماع عنه أو منه, صارت تتوهمه صحوة أو غفوة:
    "وليد!!"
    حسام قال... وهو يتأمل التحولات التي طرأت على تعبيراتي:
    "نعم.."
    قلت متلعثمة... وأنا أشير إلى الصندوق:
    "تــــ... تعني... أن... إن هذا من عند... وليد؟؟"
    رد:
    "أجل..."
    وأعدت التحديق في محتويات الصندوق... واستخراجها وتلمسها... وكأنني أبحث عن بقايا بصمات وليد عليها...
    آه يا وليد... تبعث إلي بكتبي الدراسية وأدوات رسمي... لا زلت تهتم بي... نعم أنت كذلك... أنت كذلك...
    ولو لم يكن حسام إلى جانبي ساعتها لأكببت على الصندوق وما حوى مصافحة ومعانقة...
    التفت إلى حسام وسألته:
    "ولكن... كيف بعثها؟؟ بالبريد؟"
    فنظر حسام إلي نظرة هادفة ثم قال:
    "أحضرها بنفسه".
    عفوا؟؟
    ماذا تقول؟؟!
    حملقت في حسام مطالبة بأن يعيد الجواب... فأنا اليوم صماء ولا أسمع...
    "أحضرها... بماذا؟؟ بالــــــ... بالبريد؟؟"
    ونظرت إليه منتظرة أن يقول نعم, لأنني لن أصدق غير ذلك, لكنه قال:
    "بنفسه".
    ملأت الدهشة عيني ورددت:
    "بنفسه؟؟"
    فأومأ نعم... فسألت بسرعة:
    "ماذا تعني؟؟ وليد... وليد جاء... إلى هنا؟؟"
    فأومأ بنعم... شهقت ورفعت يدي إلى صدري تلقائيا... ربما لأهدىء من الاضطراب المفاجىء الذي اعتراه...
    "لكن... آه... كيف؟؟ وليد مسافر... إنه... إنه..."
    فقال حسام:
    "إنه من جلبها وقد استلمتها من يده مباشرة".
    هتفت وأنا مذهولة:
    "متى؟؟!!"
    أجاب:
    "الآن".
    قلت وعيناي ينفتحان أوسعهما:
    "الآن!!"
    قال وهو يرى انفعالي:
    "نعم. اتصل بوالدي قبل قليل وقال إنه سيمر لإيصال شيء لك".
    انتفض جسمي.. وقلت مرتبكة:
    "هل.. تعني.. أنه.. كان هنا؟؟ كان هنا؟؟"
    حسام نظر إلي نظرة حادة ثم أجاب:
    "تركته واقفا مع أبي في الفناء.. وأتيت أسلمك الصندوق".
    ارتج دماغي إثر ذلك.. ترنحت في وقفتي كما لو كنت أقف على كرة متدحرجة...
    وليد هنا؟؟ هنا؟؟
    حسام رأى التعبيرات القوية على وجهي.. ورآني وأنا أندفع فجأة مهرولة نحو الباب... وأسير بسرعة... بسرعة... بكل ما أوتيت على ضعفي من قوة... بسرعة... قبل أن يرحل وليد...
    سمعت حسام يلحق بي ويناديني.. لكنني تجاهلته وسرت عرجاء واطئة على رجلي المصابة ورافعة ثقلها مرة... ومستندة إلى عكازي مرة أخرى.. متجاهلة الألم الذي اشتعل في رجلي كصعقة الكهرباء... فقط لأدرك وليد قبل أن يرحل...
    وأخيرا وصلت إلى الباب الرئيسي للمنزل.. وما إن فتحته حتى رأيت عمي أبا حسام مقبلا نحوه...
    قلت بلهفة:
    "أين وليد؟؟"
    استدار للوراء ينظر إلى من كان يقف بجواره قبل قليل... نظرت إلى بوابة السور الخارجي فرأيت وليد يفتح البوابة الخارجية على وشك الخروج...
    هتفت بأعلى صوتي:
    "وليد..."
    خشيت أن يكون صوتي قد خرج هزيلا بالكاد لامس الهواء قرب فمي.. لكنه وصل إليه.. رأيته يتوقف ويستدير...
    خرجت عبر الباب وهبطت العتبات بسرعة متجاهلة ألم رجلي... وهرولت وأنا أعرج حافية.. أدوس على الرمل والحصى... وبقايا أوراق وأغصان الأشجار العالقة في الممر... قاطعة المسافة الطويلة بين البوابتين... حتى صرت قريبة منه... للحد الذي... لو تخطيته... لانصهرت من وهج حرارته...
    كان الوقت ظهرا.. والشمس حارة.. وقوية السطوع.. تعشي العين عن الرؤية.. وحاربتها حتى أرسل نظراتي إلى وليد...
    نعم... إنه وليد... بدمه وجسمه... بطوله وعرضه... بكيانه وهيئته... والهالة من اللهب الأحمر المتوهج... التي تحيط به...
    كان يضع نظارة شمسية تخفي عن شوقي أي نظرة انتظرت أن أصافحها في عينيه.. بعد فراق طويل قاس...
    وكان شعره طويلا بعض الشيء ومبعثر... لاعبه النسيم الصيفي الحار لحظة هبوبه...
    وليد بقي واقفا في مكانه.. لم يتحرك.. ولم يظهر أي حركة تشير إلى أنه يكترث لظهوري...
    وقفت أسترد أنفاسي التي نهبت مذ علمت بوجوده.. وأحاول خرق نظارت السوداء ورؤية ما تخفيه عدستاها خلفهما...
    لم أر شيئا..
    اقتربت منه أكثر.. صرت أمامه.. تفصلني عنه بضعة أمتار...
    وقفت صامتة لا أعرف ماذا أقول.. من أين أبدأ وأين أنتهي؟؟دعوني... فقط أتأمل وليد... وأملأ قلبي من الإحساس الجميل الذي ينتابني بقربه...
    ماذا حل به؟ لماذا لا أستطيع التحدث؟؟ هيا يا لساني انطلق.. أما اكتفيت حرمانا؟؟ أرجوك... قل شيئا...!
    "وليد.."
    نطقت باسمه وعيناي توشكان على التهامه.. وأذناي على أهبة الاستعداد لخطف أي كلمة تصدر من لسانه قبل مغادرة فمه...
    "وليد... أأأ.. لم أعلم أنك هنا".
    لم يرد..
    قلت:
    "كنت.. أعتقد أنك... مسافر".
    لم يرد..
    قلت:
    "متى عدت؟"
    أجاب أخيرا:
    "قبل أيام".
    قبل أيام؟؟ أنت هنا منذ أيام... وأنا لا أعرف؟؟
    قلت:
    "لم...يخبرني سامر عن عودتك...!!"
    ثم أضفت:
    "حمد لله على سلامتك".
    رد مقتضبا:
    "سلمك الله".
    انتظرت منه أن يخبرني عن أي مبرر لعدم إحاطتي علما بعودته... أو بمجيئه إلى منزل خالتي الآن... ولما لم أر منه المبادرة لشيء سألت:
    "و... كيف هي أحوالك؟"
    فنطق مجيبا ببرود:
    "بخير".
    ولم يسألني عن حالي أنا...
    سمعت صوت باب المنزل فالتفت إليه ورأيت حسام وأباه يقفان هناك... يراقبانني عن بعد..
    وعندما عدت بنظري إلى وليد رأيته وقد مد يده إلى قبضة البوابة يوشك على فتحها.
    قلت:
    "هل أنت مستعجل؟ هل ستذهب الآن؟؟"
    قال:
    "مررت لجلب الكتب قبل سفري".
    توقف قلبي عن النبض وانحشرت أنفاسي في صدري...
    قلت مذهولة:
    "ستسافر؟؟"
    قال:
    "نعم".
    قلت:
    "متى؟"
    أجاب:
    "غدا".
    صعقني الخبر... ستسافر يا وليد؟؟ هكذا.. دون أي اعتبار لي؟؟ دون أن تخبرني لا عن حضورك ولا عن سفرك.. دون أن تفكر بالمرور علي ولو لإلقاء تحية عابرة؟؟
    نفضت يدي من الرمال التي علقت بهما, ثم مددتها إلى السور المحيط بالأشجار والمجاور لي واستندت عليه محاولة الوقوف لكن قواي المنهارة بسبب وليد لم تسعفني..
    اقترب وليد مني أكثر.. ورأيته ينحني ويمد يد العون لي..
    نظرت إليه بتدقيق.. لم تمكنني النظارة من رؤيتة ما كنت أبحث عنه...
    مددت إليه يدي اليمنى... والتي كانت مجبرة فيما مضى... وطليقة الآن...
    وأحسست به يتردد قبل أن يقرب يده يريد الأمساك بها ليساعدني على النهوض.. غير أنني تجاوزت يده ومددت يدي أكثر نحو وجهه.. وانتزعت نظارته...
    الآن.. يمكنني أن أسبح في بحر عينيه.. الآن.. أستطيع أن أغوص في أعماقه وأبحث عن نبضاته.. عن الحنان الذي يغلفني به.. عن الرعاية التي يحيطني بها.. عن العطف الذي يغمرني به..
    لكن.. للذهول.. لم أقرأ شيئا من هذا في عينيه..
    كانتا باردتين برود الرياح المثلجة في القطب الجنوبي.. جامدتين جمود الجبال الجليدية... خاليتين من أي دفء.. أي شوق.. أي اهتمام.. وأي معنى..
    ارتجف فكي الأسفل من برودة وليد... التي أوشكت أن تصير صيف ذلك النهار شتاء قاسيا... اهتز قلبي... وارتعدت يدي فأوقعت النظارة أرضا..
    كان حسام قد وصل يتبعه أبوه.. يسألاني إن كنت بخير..
    وليد سحب يده التي كانت ممدودة إلي.. ومدها إلى النظارة يريد التقاطها...
    فحركت يدي وأمسكت بيده أريد أن أشعر بأي ذرة دافئة فيه..
    وليد أراد أن يسحب يده فأحسست به يستل خنجرا كان قد طعنه في صدري..
    لم أقو على ذلك.. فاضت الدموع في عيني وهتفت وأنا أجذب يده وأنهض معتمدة عليها وأقول منهارة أمامه:
    "لا تفعل هذا بي يا وليد... أنا لا أتحمل.."
    وزفرت زفرات باكية بألم وأنا متشبثة بذراعه وهو واقف كشجرة جامدة... لم يحرك ساكنا...
    سلطت النظر على عينيه... والآن.. أرى فيهما الكثير.. الكثير..
    إنهما عينا وليد قلبي اللتان ما فتئتا تحيطاني بالرعاية منذ طفولتي...
    ورأيت الحمرة تعلوه وزخات من العرق تسيل على صدغيه.. أهذا بسبب الشمس الحارقة؟؟ أم بسبب النار المضرمة في صدري أنا..؟؟
    قلت وأنا متعلقة بذراعه:
    "خذني معك..."
    علت الدهشة وجه وليد فقلت:
    "أريد العودة معك.. إلى بيتنا".
    وليد نظر إلي من خلفي ثم عاد إلي وأراد تخليص ذراعه من يدي..
    فما كان مني إلا أن شددت الضغط عليها أكثر وقلت:
    "خذني معك أرجوك".
    وليد قال:
    "إلى أين؟"
    قلت مندفعة:
    "لا يهم. سأذهب معك إلى أي مكان".
    وليد أزاح يدي عن ذراعه.. ورأيت عينيه تلقيان نظرة عليها وشعرت بيده تشد بلطف عليها... ثم تركها ورجع خطوة للوراء.. وقال:
    "يجب أن أذهب الآن.. زوجتي تنتظرني".
    واستدار موليا ظهره إلي وببساطة اختفى عن ناظري.. مثل السراب...
    زوجتي تنتظرني... زوجتي تنتظرني... زوجتي تنتظرني...
    لفت الجملة برأسي حتى أصبت بالدوار وترنحت وجثوت فجأة على الأرض...
    رأيت حسام يظهر أمامي منجنيا على الأرض وهو يقول:
    "هل أنت بخير؟؟"
    أغمضت عيني فأنا لم أقو على تحمل سطوع الشمس المعشية... وحالما فتحتهما لم أجد غير حسام قريبا مني...
    بحثت يمنة ويسرة...
    هل كنت أحلم؟؟
    هل كان وليد هنا؟؟
    لا لم يكن..
    كان وهما.. خيالا.. تهيؤا رسمه قلبي الشغوف به وعيني الملتهفة للقائه..
    نظرت إلى البوابة... إلى الحيز الذي توهمت أن وليد كان يشغله قبل قليل... تمنيت لو أن طيفه بقي عالقا هناك... أردت أن أنهض وأعانق جزيئات الهواء التي لامست جسده... لكنني عجزت عن الانهيار بجذعي على السرور...
    سمعت صوت حسام يناديني... وأحسست بيديه تمسكان بي... نظرت إليه فإذا بي أراه يحملق بي وعطف... ويقول:
    "لا بأس عليك... هلمي بنا إلى الداخل".
    وساعدني على النهوض... وفيما أنا أنهض لمحت نظارة شمسية سوداء ملقاة على الأرض بالقرب مني...
    التفت إلى حسام وسألت بضياع:
    "هل كان وليد هنا؟؟"
    ولم يقل حسام شيئا... فانحنيت والتقطت النظارة وتأملتها وهتفت:
    "لقد كان وليد هنا... لقد تركني ورحل... رحل مع الشقراء... لماذا فعل هذا بي؟؟ لماذا تركني؟؟"
    حسام جذب النظارة من يدي وألقى بها على العشب وقال:
    "تخلصي من هذا يا رغد... إنه لا يستحق".
    أطلقت صيحة من أعماق قلبي وهتفت:
    "كلا... كلا... وليد لن يرحل بدوني... لن يرحل بدوني... لن يرحل بدوني..."



    ارتدي ثوبك الابيض

    واذهبي بعيدا

    الى رحمة ربك التي وسعت كل شيء

    ما يسعني قول شيء مع دموعي

    سوى

    رحمك الله يا صديقتي

    وادخلك فسيح جناته




  17. #517
    الوسام الماسي سكون الثلج will become famous soon enough الصورة الرمزية سكون الثلج
    تاريخ التسجيل
    17-02-2009
    المشاركات
    8,868
    ‎تقييم المستوى 40

    افتراضي رد: رواية انت لي... اكثر من رائعه

    الحلقة السابعة والأربعون




    تحت جنــاحك مهــما يكــــــــن




    في طريق عودتنا من مكتب الشؤون المدنية القابع في المدينة الصناعية حيث استخرجنا بعض الوثائق اللازمة للعمل, مررنا على منزل خالة رغد وقال وليد إنه سيوصل إليها بعض الحاجيات. وبعدما إلى المزرعة لاحظت شرود وانشغال باله.
    ولكي أكون دقيقة أكثر أقول إنني لاحظت ذلك منذ أن غلدر وليد منزل خالة رغد.
    كان وليد قد عاد قبل يومين من المدينة الساحلة جالبا معه حقيبة عمله من الأوراق والوثائق المهمة التي يريد مني الاطلاع عليها وقبولها ورفضها.
    حسابات... عقود... فواتير... مشاريع... وأشياء مزعجة اعتاد وليد على أن يقحمني فيها حينما كنا في المدينة الساحلية.
    شؤون العمل هي كل ما دار نقاشنا حوله خلال الأيام القليلة التي قضاها هنا... ولم نتحدث عن أي شيء آخر... وكأننا لسنا خطيبين... فرقت بينهما عدة أسابيع والتقيا أخيرا...
    وها هو الآن يستعد للمغادرة ويأخذ حقيبته من فوق المكتب ويخطو وسط الغرفة... باتجاه الباب.
    كان يريد الذهاب إلى أخيه ليقضي الليلة معه وليصطحبه إلى المطار غدا.
    كنت أراقبه بصمت وتأمل... ولاحظ هو تحديقي به فتوقف وسأل:
    "أهناك شيء؟"
    هناك أشياء كثيرة ولكن لا مجال لطرحها الآن.
    أجبته بعد تردد:
    "لا...لاشيء... فقط... لم لا تقضي الليلة هنا؟؟"
    فنظر إلي نظرة ذات مغزى... فقلت:
    "سأعد لك عشاء معتبرا...لا يبدو أنك تأكل شيئا منذ أسابيع".
    وخشيت أن يستسخف الفكرة لكنه لم يشأ إحراجي فقال:
    "لا بأس... لكن يجب أن يكون عشاء مبكرا... إذ سيتعين علي الخروج باكرا صباحا".
    فابتسمت بسرور وانصرفت من فوري إلى المطبخ وعملت بنشاط...
    وفيما أنا منشغلة مع طهوي أقبل خالي إلى المطبخ..
    "هل تكلمتما؟"
    مشيرا إلى موضوع زواجنا المعلق. فمنذ يوم طلبت منه أن ننفصل وحتى يومنا هذا وليد لم يفتح الموضوع ولم يخبرني عن قراراته ولا ما يجول بخاطره... ولم يجمع بيننا لقاء خاص أو حوار خاص... أو حتى سفرة طعام... وفاة والدتي رحمها الله شغلتنا عن التفكير بأنفسنا.
    علاقتنا باردة كالثلج.. وهو وجد في العنل مهربا من التصادم معي... ولكن إلى متى؟؟
    أجبت أخيرا على سؤال خالي:
    "ليس بعد".
    فحزن ونهد. كان قلقا علي. قلت له:
    "إنه لم يقم هنا غير ثلاثة أيام... كان مشغولا مع الوثائق والأوراق... لم تسنح الفرصة".
    فقال خالي:
    "الشاب ينتظر منك أنت فتح الموضوع يا بنيتي فهو لن يجرؤ على هذا في ظل ظروفنا الحالية".
    قلت بصراحة:
    "لا أعرف من أين أبدأ ولا كيف... أنا مشوشة جدا يا خالي وفقد والدتي أربك حياتي".
    وسكت برهة ثم واصلت:
    "استطعت دعوته للبقاء هنا الليلة... وتناول العشاء معي... سأحاول أن ألمح للموضوع أثناء ذلك... وأرى إن... كان على استعداد للتطرق إليه الآن..."
    شد خالي على يدي وقال:
    "أصلح الله أمركما وبارك فيكما... تشجعي بنيتي..."
    ثم غادر...
    تركت الطعام ينضج على النار... وذهبت إلى حيث وليد... كان جالسا في غرفة المعيشة يطالع الصحيفة باهتمام... وقد ترك حقيبة سفره على المقعد بجانبه.. هممت بأن أقترب منه وأبعد الحقيبة وأجلس بجواره... ولكن خانتني شجاعتي... لما انتبه وليد لحضوري قال معلقا على خبر قرأ في الصحيفة:
    "سيحظرون الرحلات الجوية من جديد... لا نعلم لكم من الزمن... سيزداد الأمر سوءا ومشقة".
    وقطب حاجبيه استياء... وتابع القراءة...
    أردت التفوه بأي تعليق غير أن هاتفه سبقني بالرنين فأجابه وليد, وسمعته يتحدث باهتمام إلى الطرف الآخر والذي أدركت من مضمون الكلام أنه شقيقه يسأله عن موعد حضوره ثم يطلب منه أمرا ملحا...
    هتف وليد وهو يقف ملحا:
    "رغد؟؟"
    فأصغيت لحديثه باهتمام... وكانت آخر جملة قالها:
    "حسنا أنا قادم".
    وأنهى المكالمة. سألته بفضول:
    "خيرا؟؟"
    فنظر إلي نظرة سريعة ثم قال:
    "يجب أن أغادر الآن... أنا أسف".
    أصبت بخيبة كبيرة... وقلت معترضة:
    "والعشاء؟؟"
    فقال معتذرا:
    "تناولاه بالصحة والعافية... لن أستطيع مشاركتكما".
    غضبت وقلت:
    "لقد أعددته من أجلك أنت يا وليد... ألا تقدر هذا؟؟"
    أطرق وليد برأسه ثم قال نعتذرا:
    "بلى يا أروى طبعا أقدر... لكن..."
    فقاطعته منفعلة:
    "لكن حبيبة القلب أولى بكل التقدير".
    نظر إلي وليد والدماء أخذة في الصعود إلى وجنتيه. ولم يجرؤ على التفوه بكلمة. أما أنا فقد اختل ميزاني لحظتها وأطلقت لساني قائلة:
    "لم سكت؟ قل شيئا... ألست ذاهبا إليها؟"
    زفر وليد زفرة ضيق من صدره ثم قال:
    "سأذهب إلى شقيقي... يطلب حضور حلا والأمر مقلق".
    فقلت:
    "لكنه أمر متعلق برغد... أليس كذلك؟؟"
    ولم يجب فقلت:
    "لن يمكنك الإنكار".
    هنا قال:
    "لا أعرف ماذا هناك يا أروى... سامر لم يوضح لكنه أقلقني... ربما حدث شيء لا قدر الله".
    فقلت:
    "أو ربما الصغيرة الغالية تتدلل على وصيها الحنون النبيل!"
    نظر وليد إلي بانزعاج فقلت:
    "إنها بالمرصاد لأي شيء يسعدني... ألا تلاحظ هذا؟؟"
    زفر وليد الكلمات بضيق:
    "هذا ليس وقته... أرجوك..."
    وأولاني ظهره وتناول حقيبته هاما بالمغادرة...
    لم أتمالك نفسي حينها وشعرت بالإهانة والخذلان والغيظ, فهتفت مجنونة:
    "وليد... إذا خرجت الآن فلا تعد إلى هنا ثانية".
    توقف وليد واستدار إلي... ورأيت في عينه دهشة ثم مرارة كبيرة... لكنني لم أستطع السيطرة على شعوري... في أحوج الأوقات إليه تركني وسافر... والآن مع أول خطوة للتصالح بيننا وفيما أنا أشغل تفكيري وجهدي فيه ولأجله... يتركني وينصرف إليها...
    أشاح وليد وجهه دون تعليق وسار نحو الباب. فهتفت مجددا:
    "قلت... إذا خرجت فلا تعد ثانية... أبدا... هل سمعت؟"
    ولم يكترث بكلامي, فصرخت في غيظ:
    "هل سمعتني يا وليد؟؟"
    استدار آنذاك بعصبية ونظر إلي وهتف بغضب:
    "نعم سمعت".
    ثم أضاف:
    "كم يؤسفني هذا منك... أولا أنا قلت سأذهب إلى شقيقي... يعني إلى المدينة التجارية وليست الصناعية والطريقان مختلفان ومتباعدان... وثانيا ليس بالوقت المناسب لتقليب المواجع... دعينا نفترق بسلام الآن".
    كنت أشعر بأن جزءا من قلبي قد نزع بعنف قلت منهارة:
    "لن يكون هناك مرة قادمة... إذا خرجت الآن فلا تعد... أنا لم أعد أحتمل... هذا كثير... أي نوع من الأزواج أنت؟؟"
    وهرولت منصرفة عن غرفة المعيشة وعائدة إلى المطبخ وأسندت جبيني إلى الثلاجة وأخذت أبكي...
    بعد قليل سمعت صوت وليد يناديني ولم أجبه... أحسست به يقف عند الباب ثم يقترب مني... ثم سمعته يقول لي:
    "أروى.. أرجوك... لاتزيديني هما على هم".
    واستمررت في ذرف عبرات الخذلان والأسف... إن الهم الأكبر هو هم امرأة تحب زوجها وتعرف أن قلبه مشغول بحب امرأة غيرها... هذا هو الهم الأدهى والأمر...
    قلت:
    "إذا كنت متعلقا بها لهذا الحد ولا تستطيع الاستغناء عنها فاذهب إليها... أنا لن أجبرك على البقاء معي ولا على حبي... ما حاجتي إلى رجل مشغول القلب بغيري...؟؟... اذهب... ولا تعد إلي ثانية".

    ********************************

    "أجّل سفرك".
    نظر شقيقي إلي باستغراب ثم سأل:
    "عفوا؟؟ ماذا؟"
    فكررت مؤكدا والجد يملأ عيني:
    "أجل سفرك يا وليد ودعنا نسوي الأمور ونحل المشاكل أولا".
    قال بانزعاج:
    "أتجلبني من المزرعة إلى هنا مفزوعا على وجه السرعة... مسببا ما سببت هناك... لتقول لي أجل سفرك؟ يا سامر وضح ماذا لديك؟ وما بها رغد؟"
    أجبت بكل جدية:
    "أم تقل إنك لا تريد إخطارها عن حضورك؟ ألم أقل لك إن هذا سيحزنها؟؟ إذن لماذا ذهبت إلى بيت خالتها اليوم وقابلتها؟ وبطريقة جافة؟ ألا تعرف كم من الحزن سببت لها معاملتك هذه؟ إذا كنت قد ضقت ذرعا بها ولا تريد تحمل أعباء مسؤوليتها بعد الآن ولا تطيقها بسبب خلافك مع أهلها فانقل الوصاية الكاملة إلي أنا ونهائيا".
    دوهم أخي وحملق في... وأنا أركز في عينيه بحدة وشدة...
    ثم سألني:
    "ماذا تعني؟؟"
    فأجبت منفعلا:
    "أعني أن تتنازل عن الوصاية عليها لي أنا... وأخلصك من هذا العناء تماما".
    وإذا بالحمرة تلون وجه وليد وإذا به يقول مهددا:
    "كيف تجرؤ؟؟"
    فأجبت بحدة:
    "على الأقل... أنا سأعاملها معاملة حسنة تليق بها كابنة عم وحيدة ويتيمة الأبوين".
    وقف وليد فجأة وهتف بغضب:
    "أتعني أنني لا أحسن معاملتها يا سامر؟"
    فوقفت تباعا ورددت بصوت قوي:
    "هل تسمي هذه القسوة والصرامة والخشونة... معاملة حسنة؟؟ وليد... لقد كنت أزورها قبل اتصالي بك... اتصلت بي الخالة وطلبت مني أن أذهب إليها... أخبرتني بأنك ذهبت إليهم ظهرا وقابلت رغد والله الأعلم ماذا قلت لها... وجعلتها تحبس نفسها في غرفتها منذ ذلك الحين ولا تفتح الباب لأحد... حاولت أن أكلمها لكنها طلبت مني الانصراف... أنا لا أعرف ما الذي قلته لها وجعلتها تحزن لهذا الحد... ثم تريد السفر بلامبالاة... وتتركني أنا أواجه الأمر وأرمم ما تهدمه أنت... أتسمي هذه معاملة حسنة؟؟"
    وليد نظر إلى ساعة يده... وبدا متوترا... ثم قال:
    "اتصل بها".
    ولم أتحرك... فقال وليد:
    "الآن".
    فقلت:
    "أقول لك إنني قدمت من عندها قبل ساعتين وهي منزية على نفسها... وهاتفها مغلق منذ النهار".
    قال:
    "إذن اتصل بهاتف المنزل واسأل عنها ودعني أكلمها".
    بقيت واقفا في موضعي... أنظر إلى أخي بتشكك... ثم سألته:
    "أخبرني أولا... ما الذي قلته لها؟؟ لماذا ذهبت إليها؟؟"
    فأجاب مندفعا:
    "أنا لم أذهب لزيارتها بل مررت لسبب آخر... ولم أقل شيئا".
    فقلت:
    "إذن لماذا هي محطمة هكذا؟ لا بد أنك قلت أو فعلت شيئا جارحا حتى لو لم تدركه".
    وهذه الجملة استفزت أخي فهتف بغضب:
    "وهل تراني وحشا ذا مخالب وأنياب؟؟"
    قلت غاضبا:
    "لا أراك تقدر شيئا أو تفهم شيئا... ألا تعرف ما تعني لها وما يعني رضاك أو غضبك؟؟ إما أن تكون أعمى أو بلا إحساس... وفي كلتا الحالتين لا تصلح لرعاية رغد... فدعني أتولى أمرها بنفسي من الآن فصاعدا".
    سكت وليد مبهوتا وتبعثرت نظراته ثم استجمعها واسترد رباطة جأشه وقال:
    "اتصل الآن".
    ألقيت عليه نظرة مستهجنة ثم توجهت نحو الهاتف واتصلت بمنزل الخالة فأجابتني هي وعلمت منها أن رغد لا تزال حبيسة غرفتها وطلبت منها استدعاءها للتحدث معي فلم تستجب, وقلت لخالتي بأن تخبرها بأن وليد يريد التحدث معها ولكنها أيضا لم تستجب...
    حين وضعت السماعة على الهاتف رأيت أخي ينظر إلى ساعة يده ثم يقول:
    "إذن دعنا نذهب".
    انطلقنا من فورنا بسيارتي إلى المدينة الصناعية. عندما وصلنا إلى منزل أبي حسام لم يخرج وليد من السيارة بل قال:
    "تعال بها".
    التفت إليه وقلت:
    "لم لا تأتي معي ونسوي المشكلة مع العائلة الآن؟"
    فرد:
    "ليس هذا وقته".
    وتركته في انتظاري في السيارة ودخلت إلى المنزل, لم تفتح رغد الباب إلا بعد أن أقسمت لها مرارا وتكرارا أن وليد قد حضر معي ويريد مقابلتها... وعندما فتحته ذهلنا للسواد الذي لون وجهها الكئيب حتى غدا مضاهيا لسواد وشاحها. نقلت بصرها بيننا ثم سألت:
    "أين هو؟"
    فأجبت:
    "ينتظرنا في السيارة".
    وبدا عليها عدم التصديق ونظرت إلى خالتها تبحث عن تأكيد فقالت أم حسام:
    "لقد أحضره سامر ولكنه لا يريد دخول منزلنا كما تعرفين".
    فأطرقت رغد برأسها وقالت:
    "أنتم تكذبون علي".
    وتراجعت خطوة بعكازها إلى الخلف فقلت بسرعة:
    "ولماذا سنكذب عليك يا رغد تعالي وتأكدي بنفسك".
    بعثرت رغد علينا نظرات التشكك ثم قالت:
    "إذا اكتشفت أنكم تخدعونني..."
    فقاطعتها الخالة:
    "يهديك الله يا رغد... انظري إلى حالك وحالنا معك... اذهبي معه وارحمي نفسك وارحمينا".
    ورافقتني رغد يدفعها الأمل خطوة ويوقفها الشك أخرى حتى صرنا أمام السيارة ورأت وليد بأم عينيها... نظرت إلي غير مصدقة فقلت مؤكدا:
    "هل صدقتني الآن؟"
    ثم فتحت لها الباب الخلفي فجلست خلف مقعدي ورأيت أخي يلتفت إليها وسمعته يلقي التحية.
    جلست على مقعدي والتفت إلى أخي وسألت:
    "إلى أين؟"
    فأجاب:
    "جولة قصيرة".
    وسرنا يرافقنا الصمت الشديد.... وربما كانت أفئدتنا تتخاطب وأفكارنا تتصافح دون أن نشعر بها.
    بمحاذاة الكورنيش طلب مني أخي أن أوقف السيارة وأشار بيده نحو المقاعد الإسمنتية العامة قائلا:
    "دعونا نجلس هنا قليلا".
    وسبقنا بالخروج من السيارة والتوجه نحو المقاعد. التفت إلى رغد فرأيتها قابعة في مكانها والتوتر جلي على وجهها ويدها ممسكة بطرف وشاحها بانفعال.
    سألتها:
    "ألن تنزلي؟"
    فأجابت بصوت وجل:
    "ماذا... يريد؟؟"
    فقلت مطمئنا:
    "مم أنت خائفة؟ ألست تريدين التحدث معه؟؟ هو هنا لن يسمعك.."
    وإن كنت غير واثق مما سيقوله... وإذ بدا على رغد التردد, شجعتها قائلا:
    "فرصتنا لنقول كل ما نريد ونضع الحروف على النقط... طلبت منه أن يؤجل سفره حتى نحل المشاكل العالقة أولا..."
    وأخيرا خرجنا من السيارة وذهبنا نحو وليد... ترددت رغد في الجلوس فأخرجت منديلا ومسحت المقعد لأنظفه وقلت:
    "تفضلي".
    وعندما جلسنا جوارها ثم التفت إلى وليد وقلت:
    "ندخل في الموضوع مباشرة... يجب أن تؤجل رحلة الغد وتعيد الحسابات".
    قال وليد:
    "لا مجال... سفري ضروري للغاية".
    ثم التفت نحو رغد وقال:
    "لا يمكنني أن آخذك معي الآن يا رغد".
    وما كاد ينهي الجملة حتى انهارت رغد فجأة... وكأن جملة وليد كانت الدبوس الذي فجر البالون...
    قالت وهي شديدة التهيج وتكاد تمزق طرف وشاحها المشدود بين يديها:
    "أنا لست متواطئة مع خالتي... ولست راضية عما قالت... ولن أحدث أي مشاكل مع أروى بعد الآن... سأهتم بدراستي فقط... لن أسبب لك أي إزعاج... وأي شيء سأحتاجه سأطلبه من سامر... سأبقى منعزلة في غرفتي أدرس وأرسم... وسأنفذ كل ما تطلبه مني... لكن أرجوك... دعني أعود إلى بيتي وجامعتي... فأنا ليس لي غيرهما ولا أريد أن أتشرد ويضيع مستقبلي أكثر من هذا أرجوك..."
    وانخرطت رغد في بكاء قوي مؤثر... كأنها كانت تربطه عنوة على طرف حنجرتها وأفلت منها بغتة دفعة واحدة... كان منظرها مؤلما جدا...
    وقفت كما وقف أخي وسرنا مقتربين منها... وصرنا أمامها مباشرة...
    قال وليد:
    "ما الذي تقولينه؟!"
    فقالت رغد بنفس الانفعال:
    "سأفعل ما تطلبه مني لكن لا تتركني هنا أرجوك... أعدني إلى بيتي وجامعتي... سأطلب من أقاربي أن يعتذروا منك... الآن إذا شئت... وسأتصالح مع الشقراء وأنسى أنها من تسبب بإصابتي... قل لها أنني لن أزعجها أبدا ولن تشعر بوجودي في المنزل... أرجوك لا تذهب بدوني... أرجوك..."
    كدت أبكي مع رغد... أخرجت مناديل وقدمتها لها تمسح دموعها وأنا أقول:
    "كلا يا رغد أرجوك... تماسكي".
    ونظرت إلى شقيقي فرأيته يحملق فيها مندهشا من سوء حالتها... ثم يجلس على المقعد بجوارها ويسند مرفقيه إلى ركبتيه وجبينه إلى كفيه ويجذب عدة أنفاس قوية ثم يلتفت إليها ويقول:
    "رغد... أروى لن تأتي معي هذه المرة ولذلك لا أستطيع أخذك".
    فالتفتت أيه رغد ومسحت دموعها...
    تابع وليد:
    "عندما تتحسن الأوضاع سنعود جميعا... لكن الآن... صعب".
    فقالت رغد:
    "لماذا؟"
    فأجاب أخي:
    "قلت لك.. لأن أروى لن ترافقنا وهي ما تزال غارقة في الحزن على فقد والدتها رحمها الله... لا نستطيع الذهاب أنا وأنت وسامر... لن يكون هذا مقبولا لن توافق خالتك".
    فقالت رغد بسرعة:
    "لا تأبه بكلام خالتي".
    فرد وليد:
    "ليست خالتك فحسب... إن كان هذا تفكيرها هي فكيف بتفكير الآخرين؟"
    فردت رغد:
    "أنا لا آبه بتفكير أحد... أنت في مقام أبي.. وسامر أخي.. أنتما عائلتي الحقيقية وليس لي ملجأ غيركما".
    وليد نظر إلي ليرى وقع الكلام على نفسي... فأرسلت نظري بعيدا عنه... ثم سمعته يقول:
    "حسنا يا رغد عندما آتي في المرة المقبلة..."
    ولم يتم كلامه لأن رغد قاطعته منفعلة:
    "كلا.. لن يكون هناك مرة مقبلة... سأذهب معك الآن... أرجوك لا تتركني".
    فقال وليد:
    "سأسافر باكرا يا رغد... لم نرتب لسفرك وسامر".
    فقلت:
    "أجل سفرك يوما أو يومين على الأكثر وسيكون كل شيئا مرتبا".
    فالتفت أخي إلي وقال:
    "لا يمكن. لدي اجتماع مهم للغاية صباحا.. أمر معد له بصعوبة منذ أسابيع".
    فقالت رغد مصرة:
    "سآتي معك".
    فنظر وليد إليها وقد علاه الانزعاج وقال:
    "يستحيل ذلك الآن. سنناقش الأمر في المرة التالية".
    فقالت رغد وهي تنهار مجددا وتفقد تماسكها:
    "أنت تكذب علي... لا تريد أخذي معك... تماطل إلى أن أمل وأكف عن ملاحقتك... قلها صراحة يا وليد إنك لم تعد تريد كفالتي... تريد أن تتخلص مني حتى تكسب خطيبتك ويصفو لها الجو معك وحدك".
    أصابتنا الدهشة من كلام رغد... ووقف وليد غاضبا وهتف بخشونة:
    "ما هذا الكلام المجنون يا رغد؟"
    فهتفت رغد:
    "هذه هي الحقيقة.. لقد اخترتها هي وتنازلت عني..."
    هنا أطلق وليد زجرة قوية:
    "رغد يكفي".
    بصوت عال وفظ جدا لدرجة أن رغد انتفضت فزعا ثم بلعت صوتها وكتمت أنفاسها, ثم سار مبتعدا متجها إلى السيارة... ثم توقف واستدار نحونا وقال:
    "هل هذا ظنك بي يا رغد؟ فيم ستختلفين عن أقاربك؟ كلكم تبخسونني قدري وتسيئون إلي".
    وأولانا ظهره واقترب أكثر من السيارة حتى مد يد ليفتح الباب ووجده مقفلا... فركل السيارة برجله وهتف:
    "تعال وافتحها".
    وقفت رغد ونادت:
    "وليد".
    ثم التفتت إلي وأمسكت بذراعي وقالت متوسلة:
    "لا تدعه يذهب أرجوك".
    عضضت أسناني وقلت:
    "لا تقلقي".
    ثم خاطبت أخي:
    "سأتصل بشركة الطيران وأرى ما إذا كان لديهم مقاعد شاغرة على رحلة الغد".
    والتفت إلى رغد قائلا:
    "فهي رحلات يومية ولا بد أن مقعدين على الأقل لا يزالان شاغرين".
    وهذه فكرة طرأت على بالي للتو... أنتجها قلقي على رغد وتخوفي من ما قد يعتريها بعد هذا...
    حثثتها على السير إلى أن صرنا عند وليد فخاطبته سائلا:
    "ما قولك؟؟"
    فلم يرد... فقلت:
    "دعنا نمر الآن بمكتب الطيران ونرى ما يمكن فعله".
    فقال:
    "الوقت متأخر على فكرة كهذه".
    فقلت:
    "إما هذه... أو امنحني تصريحا بالسفر مع رغد وسنلحق بك عاجلا".
    فزفر بضيق وقال:
    "افتح الأبواب".
    وركبنا السيارة وسرنا في الطريق وعندما اقتربنا من مفترق طرق أردت الانعطاف بالسيارة لأسلك الشارع المؤدي إلى مكتب الطيران فقال:
    "اسلك اليمين".
    وهو الطريق المؤدي إلى بيت أبي حسام,فقلت:
    "دعنا نمر بالمكتب أولا".
    فرد:
    "إلى المنزل يا سامر وكفى".
    هنا هتفت رغد:
    "كلا... لا أريد العودة إلى منزل خالتي... لا أريد".
    فالتفت وليد إليها وقال:
    "افهمي يا رغد هذا صعب جدا الآن".
    ولكنها ألحت:
    "لا أريد العودة... لا تسافرعني... لا تفعل هذا بي".
    أما أنا فقد انعطفت يسارا وانطلقت بأقصى سرعة ممكنة في الطريق إلى مكتب الطيران.
    أثناء هذا وردتني مكالمة من أم حسام تطمئن فيها على رغد فطمأنتها وأخبرتها بأننا سنعود بعد قليل.
    توقفت عند مكتب شركة الطيران وفتحت الباب وقلت:
    "سأتحقق وأعود".
    وحالفني الحظ واشتريت تذكرتين وعدت أزف البشرى إلى رغد.. غير آبه برأي وليد... فأنا لم أعد أقوى على تحمل كآبتها...
    تهلل وجهها حينما أخبرتها ومع ذلك أخذت تنظر نحو وليد والذي كان ينظر عبر النافذة إلى الخارج وعلى وجهها القلق وكأنها تسأله عن رأيه وتطلب موافقته... لم يعلق أخي فاعتبرنا صمته بمثابة الضوء الأخضر... وتابعنا المسير...
    أظنه خاف على رغد وأدرك إلى أي حد وصلت بها نفسيتها...
    عدنا أدراجنا إلى منزل أبي حسام ولما فتحت الباب لها ترددت في الخروج...
    وإذا بها تخاطب وليد قائلة:
    "لا تفعلها وتسافر عنا".
    فأجاب:
    "وهل سأقود الطيارة وأسافر مثلا؟"
    فقالت:
    "لكن... إذا تعرقل سفري لأي سبب... فسوف... فسوف..."
    فالتفت وليد إليها:
    "فسوف ماذا؟"
    ولم تكمل رغد وخرجت من السيارة ورافقتها إلى داخل المنزل وأخبرت العائلة بأننا اشترينا التذكرتين وسنسافر مع وليد.
    فور أن أنهيت إعلام الخبر رأيت رغد تنظر إلى خالتها وتقول مهددة:
    "لا تحاولي منعي يا خالتي وإلا فأنني سأحبس نفسي في الغرفة إلى أن أموت وألحق بأمي".
    فلم تقل أم حسام شيئا... ورن هاتفي فإذا به أخي يستعجل خروجي ويوصيني:
    "قل لرغد ألا تنام دون عشاء... وأن تتناول فطورا جيدا قبل المغادرة صباحا. أكد عليها هذه مرارا".
    ونقلت وصيته إليها فردت والسرور يتجلى على وجهها:
    "حاضر".
    وعدت إلى السيارة ونظرة إلى أخي فرأيته شاردا... يفكر بعمق. قلت:
    "صدقني وليد... هذا أفضل حل... وإلا فأن نفسية رغد ستتدهور".
    التفت إلي أخي وتنهد وقال:
    "لقد أحدثت مشكلة كبيرة لي مع أروى يا سامر..."
    سألته بقلق:
    "أي مشكلة؟"
    قال:
    "تصرفت وكأن الأمر يعني رغد فقط... وحين تعرف أروى بأن رغد عائدة معي فستقلب الدنيا رأسا على عقب".
    فكرت قليلا... بعدها قلت:
    "إذن قل لها أن رغد عائدة معي أنا وليس معك".
    فرمقني أخي بنظرة غامضة وأوشك على قول شيء, لكنه حبس لسانه ولاذ بالصمت....

    ***************************

    من الصباح الباكر... اتصلت بسامر لأتأكد من أن كل شيء يسير بخير... وتناولت فطوري وبقيت جالسة في الحديقة مع أقاربي وحقائبي... في انتظار مجيء ابني عني.
    وعندما أتى سامر... عمد إلى الحقائب يحملها... وخرج عمي أبو حسام لملاقاة وليد... الذي لم يدخل المنزل.
    عانقتني نهلة بحرارة... أما خالتي قفد ذرفت الدموع وهي تضمني إلى صدرها... وأبقتني في حظنها طويلا... إلى أن سمعت صوت سامر يقول:
    "هيا بنا".
    ابتعدت عن خالتي... فمسحت على رأسي وقالت:
    "انتبهي لنفسك جيدا يا رغد..."
    أومأت بنعم.. فالتفتت نحو سامر وقالت:
    "اعتني بها وصنها كعينك يا بني... ولا تدع أخاك يقسو عليها".
    فقال سامر:
    "توصينني أنا يا خالتي؟؟"
    فقالت:
    "أذكّر... عل الذكرى تنفع المؤمنين".
    فأكد لها:
    "اطمئني... رغد بعنقي".
    ثم التفت إلي وقال:
    "هيا وإلا تأخرنا".
    جلت بنظري لألقي نظرة الوداع على أقاربي... وافتقدت حسام الذي كان نائما ولم ينهض لوداعي...
    وأخيرا... غادرت المنزل... ورحلت عائدة إلى منزلي الحقيقي... في الجنوب...
    وصلنا إلى المنزل الكبير ضحى...
    وليد أسرع بالاستحمام ثم غادر المنزل على عجل وهو يقول:
    "اهتم بكل شيء... سأعود عصرا... اتصل بي عند الحاجة".
    واختفى بسرعة... أما سامر ففي البداية أخذ يتجول في أنحاء المنزل مستعيدا الذكريات الماضية... وشاعرا بالألم لتذكر والديّ... ولأنني لا أستطيع صعود الدرج فلم أرافقه عندما واصل جولته في الطابق العلوي... إنما ذهبت إلى غرفتي اسفلية واستلقيت على سريري باسترخاء وأغمضت عيني...
    آه... أخيرا أنا هنا من جديد...
    كأن ما حصل... حلم طويل... لقد مضت عدة أسابيع منذ غادرت هذه الغرفة... على أمل العودة بعد أيام... وبدون الشقراء...
    يا للأيام... يا للأحلام...
    ولم أشعر بنفسي وأنا أستسلم لنوم عميق... عميق جدا... عوضت فيه سهر الليالي المؤرقة التي قضيتها بعيدا عن وليد قلبي...

    *****************************

    عدت من عملي قبيل المغرب فوجدت شقيقي متمددا على الكنبة في غرفة المعيشة الرئيسية, غارقا في النوم, والتلفاز مشغلا والمصابيح مطفأة... وعلى الطاولة جواره علبة فواكه مشكلة فارغة وقارورة ماء... ما إن هتفت باسمه مرتين حتى استيقظ وراح ينظر إلى ما حوله ثم يتثاءب ويمدد ذراعيه ثم يقول:
    "عدت أخيرا؟!... تأخرت".
    فقلت:
    "أخبرتك أنني سأعود متأخرا. كان أمامي الكثير لأنجزه اليوم".
    ثم أضفت:
    "وعلى فكرة يمكنك استلام وظيفتك رسميا ابتداءا من الغد.. وقد خصصت سيارة تابعة للمصنع لتستخدمها إلى أن نجلب سيارتك من الشمال".
    قال:
    "عظيم... ممتاز... وأين ستعينني؟"
    قلت:
    "معي يا سامر... نائب عني ومساعدي الأول".
    وأضفت:
    "مثل السيد أسامة.. وأريدك أن تتقن الوظيفة بسرعة لتحمل العبء معي.. خصوصا وأن المنذر يطالب بإجازة منذ زمن وأنا أرفضها".
    سألني أخي:
    "هل أسامة المنذر هذا موضع ثقة؟"
    فأجبت:
    "نعم.. وهو من كان يدير المصنع ويرعى ثروة أروى وأملاكها إلى أن تسلمتها.. إنه رجل أمينن.. وجدّي الثقة".
    سأل:
    "وماذا عن بقية الموظفين؟ الإداريين بالذات؟؟"
    فقلت:
    "لا أولي الثقة المطلقة في حياتي إلا خمسة رجال.. سيف وأبيه.. وعمي إلياس.. والسيد أسامة.. وأنت".
    ثم مددت يدي وربت على كتف شقيقي وقلت:
    "وأنت أولهم يا شقيقي... سأعتمد عليك كثيرا..."
    ابتسم سامر وقال:
    "بكل تأكيد.."
    ثم أضاف مازحا:
    "المهم أن تسبغ علي الرواتب والعطايا الكريمة! دعني أتذوق طعم الثراء من جديد".
    وضحكنا بابتهاج...
    ثم سألته:
    "ماذا عن رغد؟"
    فحك شعر رأسه وقال:
    "ربما نائمة... لم أرها منذ ساعات".
    استنكرت هذا وقلت جادا:
    "منذ ساعات!"
    قال:
    "نعم فهي قد دخلت غرفتها المجاورة بعد انصرافك ولم تجب عندما ناديتها قبل أن أنام..."
    أثارت الجملة قلقي فقلت:
    "تعني أنك ام ترها منذ الصباح؟؟ وأنا من اعتمدت عليك؟"
    وخرجت من غرفة المعيشة وذهبت إلى غرفة رغد وتبعني أخي.
    طرقت الباب وناديتها بضع مرات فلم تجب. قال أخي:
    "أظنها نائمة... قفد كانت متعبة من عناء السفر كما أنها لم تنم البارحة".
    قلت:
    "يجب أن نتأكد".
    وطرقت الباب بقوة أكبر وهتفت مناديا إياها بصوت عال... ولم تجب... فما كان مني إلا أن أمسكت بقبضة الباب وفتحته... وأخي يهتف:
    " ماذا تفعل!!؟"
    لم أدخل الغرفة بل ناديت رغد بصوت يعلو مرة بعد مرة إلى أن سمعت صوتها أخيرا يرد...
    "نعم؟؟"
    "هذا أنا... هل أدخل؟؟"
    "نعم... ماذا هناك؟؟"
    أطللت برأسي داخل الغرفة فوجدتها جالسة على سريرها مادة رجليها وهي لا تزال ترتدي عباءتها... ويبدو عليها النعاس الشديد... تراجعت للوراء وقلت:
    "أنا آسف ولكننا طرقنا الباب وناديناك مرارا فلم تردي".
    ولم أسمع لها ردا... فقلت:
    "هل كنت نائمة؟"
    فلم نرد... فعدت وأطللت برأسي نحو الداخل ورأيتها تتثاءب وهي شبه واعية فسألت:
    "هل شربت منوما أم ماذا؟؟"
    ولم ترد... قلقت وسألت:
    "هل أنت بخير؟"
    فأجابت أخيرا وهي تفرك عينيها:
    "أجل... أنا نعسى".
    وأمالت رأسها إلى الوسادة وأغمضت عينيها... انسحبت من الغرفة وأغلقت الباب وأنا أكرر اعتذاري...
    لاقاني أخي بنظرات استهجان فشرحت له:
    "داهمها الإغماء من قبل وشارفت على الموت... لم يبدو نومها طبيعيا مع كل ذلك الطرق والنداء".
    واتجهت إلى المطبخ وجلست على أحد المقعد أرخي أعصابي وعندما لحق بي أخي قلت:
    "ستكون الخادمة هنا غدا... وسأعمل على توظيف طاهية أيضا".
    قال سامر متجاوبا:
    "على ذكر الطعام أنا أتضور جوعا".
    واتصلنا بأحد المطاعم وطلبنا وجبة غنية تناولنا نصيبنا أنا وأخي منها فور وصولها.
    "أين سأنام؟"
    سأل خي ونحن على مائدة الطعام, فأجبت:
    "في أي غرفة تشاء... لكن الغرف بحاجة إلى تنظيف أولا وغرفتك السابقة ظلت مقفلة... استخدم غرفتي الليلة".
    قال:
    "وأنت؟"
    قلت:
    "أنام في غرفة المعيشة على مقربة من رغد.. فهي تخشى المبيت بمفردها في الطابق الأرضي".
    وفوجئت بأخي يرد:
    "إذن لا بأس. سأنام في غرفة المعيشة وابق أنت في غرفتك".
    وكتمت في صدري شيئا لم أشأ إخراجه ساعتها...
    ومع مرور الأيام بدأت تصرفات أخي تزعجني... فهو نصب نفسه مسؤولا أولا عن رغد وحل مكاني في رعايتها... كنا نتناوب في الذهاب للعمل والبقاء في المنزل مع رغد... وكنت أسهر كل ليلة لمتابعة العمل أولا بأول... ومع مطلع الأسبوع المقبل ستعود رغد إلى جامعتها وسيتولى هو إقلالها ذهابا وعودة... أما أنا فسأضطر للذهاب إلى المزرعة نهاية ها الأسبوع لأعالج مشاكلي مع أروى... والتي ترفض الحديث معي منذ ليلة العشاء الذي أفسدته قبل سفري...


    "إلى المزرعة؟!"
    شهقت مندهشة لما أعلمنا وليد عن نيته في الذهاب إلى المزرعة غدا... ورجحت أن يكون الهدف هو جلب الشقراء.
    لم أستطع شيئا وكتمت اعتراضي في داخلي... لا يهم إن كانت الشقراء ستأتي.. لا يهم إن كانت قد انتصرت علي.. المهم أن أبقى تحت سقف واحد مع وليد وأحظى برؤيته كل يوم... إنني رأيت الموت من دونه... وسأقبل بأي شيء لقاء أن أظل على مقربة منه ويظل طيفه يجول من حولي...
    ومنذ أن أخبرنا بالخبر وأنا واقفة على أعصاب مشدودة في انتظار ما ستسفر عنه سفرته هذه...
    لم يكن وليد يجالسني أو يتحدث معي إلا بكلام عابر... وكان يقضي معظم الوقت في مكتبه يعمل.
    كنت سأجن لو أنه لم يحضرني معه... لم تكن شمس النهار التالي لتطلع علي وبي عقل... بعد مقابلته البليدة عند بوابة منزل خالتي...
    على فكرة... نظارته الشمسية أصبحت ملكي الآن!
    اليوم ستزورني مرح وتجلب معها بعض المحاضرات الهامة لأطلع عليها... سأعود للجامعة قريبا وأشغل وقتي في الدراسة من جديد... وأبعد عن رأسي التفكير في الشقراء...
    الساعة الآن الواحدة ظهرا ونحن -أنا وسامر- نتناول طعام الغداء في المطبخ... ووليد في عمله...
    "ما بك يا رغد؟؟ فيم أنت شاردة؟؟"
    سألني سامر وهو يرى يدي تقلب الحساء بالملعقة طويلا... دون أن أرشف منه شيئا...
    قلت تلقائيا:
    "هل تظن أنه سيحضرها معه؟؟"
    فرد سامر:
    "أظن ذلك, وهذا شأنهما".
    فازداد توتري... فقال سامر:
    "من الطبيعي أن يجلب زوجته معه يا رغد".
    تناولت رشفة من الحساء بلعتها ولم أشعر بطعمها... ثم قلت:
    "المهم.. أن تقبل بوجودي.. لأن وليد.. فيما لو رفضت.. سيعيدني إلى خالتي".
    فاستغرب سامر وقال:
    "وما علاقة هذا بك؟؟"
    قلت:
    "إنها لا تريد أن أعيش معهما".
    "أهكذا؟"
    نعم. لأن الانسجام بيني وبينها مستحيل.."
    تجلى على سامر بعض التردد ثم تجرأ وسأل:
    "هل تدرك هي أنك..."
    طأطأت رأسي ونظرت إلى وعاء الحساء الموضوع أمامي حرجا... ففهم سامر إجابتي... سامر يفهمني جيدا... وهو دائما معي صريح ومباشر... ليس فيه الغموض ولا ينشر الحيرة والتساؤل والذهول أينما حل... كما هو وليد...
    قال بعد صمت قصير:
    "إذن وليد يعرف... الآن تأكدت".
    فرفعت بصري إليه وسألت:
    "يعرف ماذا؟؟"
    فهوى ببصره إلى أطباق طعامه وتظاهر بالانشغال بتقطيع قطعة اللحم... وقال:
    "أنك تحبينه".
    شددت على يدي وفارت الدماء في وجهي وأبعدت نظري عن عيني سامر وقلت بصوت ضعيف:
    "أأأأ... لا... ليس كذلك".
    وأمسكت بطرف مفرش مائدة الطعام وأخذت أشد وأرخي فيه باضطراب...
    سامر وضع قطعة اللحم في فمه وراح يمضغها ثم بلعها وقال:
    "بل يعرف".
    فرفعت بصري إليه باهتمام فوجدته يرفع كأس العصير ويشرب جرعة منه... متظاهرا بالبرود...
    قلت:
    "كيف؟"
    قال وهو يتابع تناول طعامه:
    "ليس بهذا الغباء".
    وأحسست بقلبي يخفق بقوة... هل يمكن أن يكون وليد... قد اكتشف أنني أحبه.. أكثر من حب ابنة لأبيها؟؟
    وفيما أنا شاردة في تفكيري سمعت سامر يقول بجدية:
    "لكن ذلك لن يغير شيئا يا رغد... وليد رجل متزوج ويكبرك بعشر سنين.. ولا أظنه يعتبرك إلا ابنة أو أخت صغيرة يتيمة تكفل برعايتها".
    فقدت شهيتي للطعام فجأة وتوجم وجهي حزنا... ولاحظ سامر التغيرات التي اعترتني فوضع شوكته جانبا وخاطبني بنبرة أكثر جدية وواقعية:
    "يا رغد... ستستفيقين يوما وتدركين أين كنت تتخبطين... لكنني لا أريد أن تصابي بصدمة قاسية.. فكري مليا في وضعك... وقيمي الأشياء تقييما عقلانيا وليس عاطفيا... ماهي نهاية حب رجل مرتبط بفتاة أخرى لا يملك أي سبب ليتخلى عنها؟ ولا أي دافع ليفكر في غيرها".
    أصبت بعسر هضم وتلوت معدتي... ورفعت عيني بانكسار وأبرزت يدي على المائدة وقلت:
    "حتى لو تزوجها... سأبقى معه... تحت وصايته".
    قال:
    "ستكبرين يوما... ولن تحتجي وصيا... وهو سيتزوج ويكرس جهده لعائلته الجديدة.. هذا هو المسار الطبيعي للحياة".
    قلت بشء من الاتفعال:
    "وأنا؟؟"
    فصمت سامر... ثم قال:
    "أنت أيضا... ستتزوجين وتعيشين حياتك... مع من يستحقك ويقدرك".
    وتبادلنا نظرات عميقة... ثم قال:
    "القرار بيدك".
    فأخذت أنظر إلى يدي... أتأمل راحتيهما... والخطوط التي تملأهما... وكأنني أفتش عن القرار بينهما... وأراهما خاليتين جوفاوين... لا تحملان شيئا...
    مددتهما نحو سامر أريه باطنهما الأجوف وأنا أقول:
    "يداي لا تملكان شيئا".
    فمد سامر يده نحو يدي وقال:
    "ما في يدي هو ملكك".
    وكانت عيناه تحملقان بي تملؤهما المعاني العميقة...
    شعرت بمرارة في حلقي... كأنني تجرعت دواء مركزا... وانهارت تعبيرات وجهي أمام نظرات سامر فإذا بي أقول دون تفكير:
    "ألا زلت تحبني؟"
    وكانت إجابته بأن شد قبضة يده وأغمض عينيه كمن يعتصر ألما...
    نعم يحبني... أعرف ذلك... كان مهوسا بي... يغمرني بلطفه ويمطرني بهداياه ويغلفني بعواطفه...
    لم يكن خطيبي فقط... كان أخي وصديقي المقرب... وكان يشاركني كل شيء... ولم أشعر يوما وهو معي بأنني بحاجة لأي شيء...
    لماذا لا تزل تحبني يا سامر... بعد ما فعلته بك...؟؟
    آه...كم يؤلمني قلبي... كم يقرصني ضميري... كم أنا أنانية... كم أنا حزينة من أجلك...
    رفعت رأسي أريد أن أرمي به إلى الوراء لعل الأحزان تتساقط منه... فإذا بعيني تقعان فجأة على وليد...
    جفلت وسحبت يدي نحو صدري أمسك نفسي الذي انحشر فجأة في شعيباتي الهوائية إثر ظهور وليد المباغت... و
    أحس سامر بحركتي السريعة ففتح عينيه والتفت إلى الوراء... إلى الباب... فوجد وليد يقف هناك...
    "أهلا وليد... كيف كان يومك؟"
    بادر سامر بالسؤال فرد وليد:
    "كان حافلا جدا".
    قال سامر:
    "قرصنا الجوع فشرعنا بالأكل قبلك".
    رد وليد:
    "بالهناء والعافية".
    وتوجه نحو المغسل فغسل يديه وأقبل واتخذ مقعدا... على رأس المائدة...
    قال:
    "ماذا لدينا اليوم؟"
    فأجاب سامر متظاهرا بالمرح:
    "مشويات طلبناها من مطعم... وحساء أعدته رغد".
    فطأطأت رأسي خجلا من الحساء المتواضع الذي أعددته...
    وبدأ وليد يعد أطباقه وسكب لنفسه شيئا من الحساء... وأخذ يرتشفه... ولم ينطق بأي تعليق...
    وسامر عاد يتناول طعامه ويطرح على وليد الأسئلة حول العمل... حيث إنه سيذهب بعد قليل... ويجيب وليد أجوبة مختصرة... إلى أن سمعته يقول:
    "لم لا تأكلين؟"
    انتبهت على سؤاله فرفعت رأسي ونظرت إليه نظرة سريعة ثم أخفضت رأسي وأجبت بصوت خافت:
    "اكتفيت الحمدلله".
    وأمسكت بعكازي الموضوع إلى جواري وقمت عن المائدة...
    سامر قال:
    "لم تأكلي شيئا رغد".
    فقلت:
    "الحمد لله".
    وسرت متجهة إلى الباب... فاستوقفني صوت وليد يقول:
    "على فكرة هل لديك استعداد لزيارة الطبيب اليوم".
    فتذكرت صديقتي مرح وقلت وأنا لا أجرؤ على رفع بصري إليه:
    "اليوم؟ أأأأ ستأتي مرح لزيارتي".
    فقال:
    "ماذا عن بعد الغد أو بعده؟"
    فأجبت:
    "بعد الغد..."
    فقال:
    "لا بأس".
    ثم تابعت طريقي إلى غرفتي...
    وقبل مجيء مرح ذهبت إلى المطبخ لأحضر بعض أطباق المكسرات والحلويات...
    وشيئا من العصير... وفيما أنا أحمل الصينية بيدي اليمنى بينما تمسك يدي اليسرى بالعكاز... اختل توازن الصينية فوقعت أرضا وتحطم الكأسان الزجاجيان محدثين جلبة كبيرة... وتبعثرت الأطباق والمحتويات على مساحة كبيرة...
    "أوه... هذا ما كان ينقصني!"
    تذمرت بصوت غاضب... ثم جثوت على الأرض بحذر ألتقط شظايا الزجاج والطعام المبعثر...
    "ماذا حصل؟"
    التفت بسرعة نجو مصدر الصوت... وجدته واقفا عند الباب والقلق يخطو نتوءا على جبينه ويحفر مابين حاجبيه... ثم اقترب مني وسأل:
    "هل انزلقت؟؟ هل أنت بخير؟"
    سحبت نظراتي عنه وسلطتها بخنوع نحو الشظايا وأجبت هامسة:
    "أوقعت هذا من يدي".
    ورأيت ظله ينعكس على الأرضية الملساء... ثم رأيت يده تظهر من الفضاء وتهبط على الشظايا وتلملمها...
    جمع قطع الزجاج الكبيرة والطعام في الصينية وانغمست أنا في التقاط الأشلاء الصغيرة وإذا به يرفع الصينية ويقول:
    "دعيها عنك".
    فنهضت مستندة على عكازي ورأيته يتجه نحو المكنسة الكهربائية فشعرت بالحرج وتقدمت خطوتين وأنا أقول:
    "أنا سأنظفها".
    فالتفت إلي وقال:
    "لا عليك... احذري أن تدوسي عليها".
    وقد كنت حافية القدم اليمنى, أما الآخرى فمجبرة كما تعلمون...
    عكف وليد على تنظيف الأرضية بحذر من أي شظايا ممكنة... وعكفت عيناي على مراقبته بكل عناية... فهما قد حرمتا من رؤيته أسابيع طويلة ولم ترتويا بمرآه بعد...
    لما فرغ من مهمته استدرت بسرعة نحو الدواليب وتظاهرت بأنني أستخرج كأسين آخرين وأطباق جديدة... وسمعته يقول:
    ""دعيني أساعدك"
    وتولى بنفسه تحضير كل شيء ثم حمل الصينية إلى العربة ثم سأل:
    "أين ستستقبلينها؟"
    أجبت:
    "في غرفة الضيوف الرئيسية".
    فقاد العربة إلى هناك ثم عاد وسأل:
    "شيء آخر؟؟"
    فأخفضت رأسي وابتسمت وقلت:
    "شكرا لك".
    فرد:
    "العفو... صغيرتي".
    رفعت إليه بصري بسرعة... هل قال صغيرتي؟؟ هل ناداني بصغيرتي من جديد؟؟ أخيرا حن علي؟؟ هل صفح عني ورضا علي؟؟
    حاولت أن أقرأ شيئا في عينيه لكنه استدار منصرفا وهو يقول:
    "إذا احتجتني فناديني".
    بعد ذلك ذهبت إلى غرفتي قريرة العين... ونظرت إلى وجهي في المرآة... فوجدته متوهجا...
    نزعت وشاحي وأطلقت سراح شعري السجين... إن لدي ضيفة مقربة وأنا لا أريد أن أستقبلها كما في الزيارة السابقة! أتذكرون؟؟ الشقراء في قمة الأناقة وأزهى الألوان...
    وأنا خلف السواد وتحت الجبائر!
    وأردت التزين ولكنني لم أملك شيئا في هذه الغرفة! لا حلي ولا مساحيق ولا ملابس تليق باستقبال ضيوف مقربين!
    "أوه... ما هذا الحظ العاثر! كيف سأصعد الآن إلى غرفتي... وكيف سأهبط!؟"
    لا!
    لا تذهبو بأفكاركم إلى الجحيم! هل تظنون أنني سأطلب هذا من وليد؟؟
    في غرفة الضيوف استقبلت ضيفتي بعباءتي ووشاحي... وكأنني لست من أصحاب المنزل... وكان وليد هو الذي فتح لها الباب وقادها إلى الغرفة.
    "واو! ما هذه الأناقة يارغد؟؟ تبدين مذهلة!"
    قالت مرح مازحة وهي تتأملني, فأجبت وأنا أرفع رأسي وحاجباي وأغمض عيني مفتعلة المكابرة المازحة:
    "لا تحاولي مضاهاتي! احترقي غيرة!"
    وضحكنا مرحتين. وحقيقة اعتادت مرح وجميع الزميلات على رؤيتي بمظهر رسمي عادي... في الجامعة لم أكن أرتدي غير الملابس الرسمية ولم أكن أضع أي مساحيق أو حلي كما تفعل هي ومعظم الطالبات... بعضهن يحملن عدة التزين معهن عوضا عن الكتب!
    أما أنا فلم أتزين منذ أن.... سافر والدي للحج... العام الماضي... ولم يعودا... وكما تعلمون بقيت في منزلنا في المدينة الصناعية تحت مرأى وليد إلى أن احترق المنزل... ثم عشت في شقة سامر إلى أن بلغنا مقتل الحبيبين رحمهما الله... وانتقلت بعدها إلى مزرعة الشقراء... ثم إلى هنا... ثم إلى منزل خالتي... كالمشردة الضائعة بلا مأوى...مغلفة بسواد عباءتي...
    لاحظت مرح شرودي فقالت:
    "ابتسمي وأريني جمالك الحقيقي".
    فابتسمت بعفوية فقالت:
    "رائعة جدا! ستبهرينه بالتأكيد!".
    تقوس حاجباي استغرابا وسألت:
    "أبهر من؟".
    فضحكت مرح ثم قالت:
    "الرجل الذي ستتزوجينه ذات يوم..."
    آه! يا لأفكارك السخيفة!
    أما هي فتابعت:
    "فنانة.. جميلة... خلوقة ومن عائلة راقية.. وابنة مليونير كبير!... سينبهر حتما".
    قرصت يدها قرصة خفيفة وقلت:
    "دعك من هذا... أخبريني كيف هي الجامعة؟ والزميلات؟؟"
    وأخبرتني بعدة أمور كان أكثر ما أثار اهتمامي هو المعرض الفني الذي يقام حاليا في إحدى القاعات, بإشراف شقيقها, والذي شاركت هي فيه ببعض لوحاتها. وأعلمتني بأنها ومجموعة من زميلاتنا قد اتفقن على حضوره يوم الغد, اليوم الأخير للمعرض.
    وكانت مرح قد سبق وأن أخبرتني عن المعرض عندما كنت راقدة في المستشفى...
    قلت:
    "غدا آخر يوم؟"
    فأجابت:
    "نعم".
    قلت:
    "يا للخسارة! كم تمنيت الحضور".
    فقالت وقد لمعت فكرة في عينيها:
    "ولم لا رغد؟ تعالي معنا فكلنا سنذهب غدا ونقضي وقتا رائعا".
    قلت وأنا أشير إلى عكازي:
    "وهذا".
    فقالت:
    "وما المانع؟ ألست تستطيعين السير؟؟ لا تفوتي فرصة كهذه رغد".
    وكبرت الفكرة في رأسي بسرعة.. وشجعتني مرح حتى آمنت بها وقررت الذهاب!

    **************************
    عاد شقيقي مساء يحمل معه عشاء من أحد المطاعم وكيسا يحوي معتبرة من كرات البوظة المختلفة الأنواع قال عنها:
    "وهذه لرغد! ستدهشها".
    وذهب مباشرة ليريها إياها... ولأن المطبخ قريب من غرفة رغد فمن السهل سماع أي حوار يدور عند الباب...
    كانت مسرورة.. وسمعت ضحكتها وضحكة سامر تنطلقان بمرح وتطرقان أذني بتحدي..
    تجاهلت ذلك وخدرت أعصابي لتمر الليلة بسلام.
    وقبل أن آوي إلى فراشي باكرا عاودت الاتصال بالمزرعة وتفقد أحوال أروى والعم إلياس.. وقد رفضت أروى التحدث معي وطلب عمي مني الحضور لحل المشكلة...
    فأخبرته بأنني سأعود نههاية الأسبوع كما خططت.
    أويت إلى فراشي وبعد منتصف الليل استيقضت بسبب ألم في معدتي.. ذهبت إلى المطبخ لأتناول دوائي وأشرب الماء وسمعت صوت التلفاز في غرفة المعيشة.. وتوقعت أن يكون أخي قد نام تاركا الجهاز مشغلا وذهبت بقصد إيقافه وفوجئت حين أطللت برأسي فرأيت أخي ورغد يشاهدان التلفاز معا... ويلتهمان البوظة...
    قال سامر حين رآني:
    "ألم تنم بعد؟"
    والأجدر أن أطرح أنا هذا السؤال... قلت:
    "بلى, نهضت لأشرب ماء.. ولكن لم أنتما ساهرين للآن؟"
    فرد:
    "نشاهد فيلما ممتعا... ثم إننا لن ننهض باكرا مثلك!"
    ولم أجد أي تعليق أعقب به... فانسحبت وعدت إلى فراشي...
    لكن معدتي شاءت تعذيبي ساعة من الزمن حتى هدأت... وسلمتني للأفكار والهواجس.. تلعب بي بقية الليل...
    كان لدي عمل كثير ومهم جدا في اليوم التالي.. عدت ظهرا من الشركة فيما ذهب شقيقي إليها.
    اعتكفت في مكتبي لإنجاز أمور ضرورية.. ودعوت أحد الموظفين المسؤولين لزيارتي في المنزل وإتمام العمل معي..
    وفيما أنا في قمة الانشغال طرق الباب وأجبت الطارق.. فكان رغد..

    **********************

    بعد أن اتصلت بي مرح تؤكد علي الذهاب للمعرض لم أستطع مقاومة رغبتي في ذلك فاستجمعت جرأتي وأتيت إلى وليد وأخبرته بذلك..
    كان يجلس خلف المكتب وأمامه الكثير من الأوراق والملفات إضافة إلى حاسوبه الخاص والهاتف.. بدا مشغولا جدا وربما لن يوافق..
    نظر إلي وليد باستغراب وقال:
    "كيف يا رغد! وإصابتك؟"
    قلت:
    "سأسير بعكازي".
    قال:
    "ألن يكون هذا شاقا؟"
    قلت مبررة:
    "لن أضطر للمشي كثيرا... ستساعدني مرح إن احتجت..."
    ولم يظهر عليه الاقتناع فقلت بنبرة رجاء:
    "لا أود تفويت الفرصة... مجموعة من صديقاتي وزميلاتي اتفقن على الذهاب اليوم وسيمضين وقتا ممتعا. أريد مشاركتهن.. والتفرج على اللوحات الرائعة... سأمر ولو لنصف ساعة..."
    نظرت إليه مستشفية رأيه... كان الاعتراض جليا على وجهه... وسمعته يقول:
    "إذا كان ولا بد, فأجلي الفكرة إلى الغد. إن ضيفا سيزورني هذا اليوم ولا يمكنني الخروج معك".
    قلت:
    "لكنه آخر الأيام".
    فقال وهو يعود للتحديق في شاشة حاسوبه:
    "إذن انسي الأمر".
    شعرت بالحزن والحنق... ووقفت في مكاني منكسرة.. ثم قلت مستدرة موافقته:
    "أنا لم أخرج من البيت منذ زمن... منذ إصابتي... أريد أن أغير الجو قليلا".
    فالتفت وليد نحوي... وقال:
    "أنا مشغول جدا اليوم يا رغد".
    قلت مباشرة:
    "سأذهب مع مرح".وسكت وليد فتابعت:
    "أخبرتني بأنها تستطيع اصطحابي. سترافقها إحدى شقيقاتها والأستاذ عارف ذاته هو الذي سيقلنا بسيارته".
    وكما يظهر لم يستسغ وليد الفكرة... أطرق برأسه قليلا ثم قال أخيرا:
    "لا أرها فكرة حسنة من البداية. لم لا تصرفين النظر عنها وتستغلين وقتك في الدراسة؟؟"
    وبهذا أنهى الحوار وعاد لحاسوبه.
    أحسست بالحسرة!... وخرجت من كتبه أجر أذيال الخيبة.

    إنني سجينة المنزل منذ أن وقعت من أعلى السلم... وآخر مرة رأيت فيها العالم كانت ليلة نزهتنا أنا وهو قبيل الحادث.
    ذهبت إلى المطبخ وأنا مكسورة الخاطر واتصلت بصديقتي مرح وأخبرتها بعدم تمكني من الذهاب, وأنا أعتصر حسرة!
    مضت فترة ووليد مشغول في مكتبه وعند الرابعة عصرا وفيما أنا جالسة عند المائدة أتصفح بعض المجلات وألتهم البوظة, سمعته يتنحنح.
    التفت إلى ناحية الباب ووجدته يقف هناك ويهم بالدخول...
    دخل وليد ولمح المجلات بين يدي فقال:
    "أليس أجدر بك تصفح كتبك؟! لقد فاتك الكثير يا رغد! شدي همتك".
    انزعجت من نصيحته رغم كونها قيمة, فقط لأنني مستاءة من رفضه لطلبي. وقلت:
    "حاضر. سلأفعل ذلك".
    وربما فهم التذمر في ردي لكنه تجاهله, واتجه إلى الموقد وأخذ يعد الشاي...
    فرغت من التهام كرة البوظة ورغبت في المزيد.. فاتجهت إلى الثلاجة واستخرجت كرة أخرى فإذا بي أسمع وليد يقول:
    "لا تكثري من تناول البوظة... ستمرضين".
    فشعرت بالحرج وأعدت البوظة إلى مكانها... ثم حملت مجلاتي وغادرت المطبخ متجهة إلى غرفة المعيشة.. وشغلت التلفاز وجعلت أقلب القنوات بملل... لحظات وإذا بوليد يقف عند الباب ويقول:
    "دعك من التلفاز يا رغد.. ستعودين الأسبوع المقبل إلى الجامعة.. لم لا تراجعين دروسك؟"
    أحسست بالضيق.. فأغلقت التلفاز ونهضت أريد العودة إلى غرفتي.. وعندما اقتربت من الباب قال:
    "ولا تسهري في الليل وتفسدي نومك وصحتك... لا زلت صغيرة على ذلك".
    ما به وليد؟؟ لماذا يعاملني هكذا اليوم؟؟
    التفت إليه منزعجة وقلت:
    "حاضر... أي أوامر أخرى؟؟؟"
    ولم يتنحى عن طريقي فرفعت بصري إليه ورأيته يحملق بي...
    قال:
    "أنا لا آمرك يا رغد... أنا أنصحك".
    وهل تراني طفلة ضالة أو غبية؟؟ قلت:
    "حاضر.. كما تأمر.. أو كما تنصح.. أنت الوصي وأنت السيد هنا.. هل تأذن لي بالانصراف الآن؟"
    وليد صفق راحة يسراه بقبضته اليمنى... تعبيرا من استيائه من ردي... ثم خطا خطوة باتجاهي وقد أظهر اهتمامه بتذمري أخيرا وقال:
    "ما الأمر يا رغد؟"
    فلم أرد.
    "لم كل هذا الحنق؟ ألا ترحبين بنصيحة ممن يفوقك سنا وحكمة؟"
    احمر وجهي ونظرت إليه وقلت:
    "بلى... أقدر لك اهتمامك وشكرا".
    انتقل الاحمرار إلى وجه وليد الذي قال:
    "لماذا تخاطبينني هكذا؟".
    فصمت برهة ثم قلت:
    "بأي طرقة تريدني أن أخاطبك؟ وجهني فأنا لم أعد أفهمك".
    رماني بنظرة قوية وسأل:
    "ماذا تعنين؟؟"
    قلت متخلية عن حذري:
    "أنت تغيرت علي.. وضح لي الطريقة التي تريد أن أتعامل بها معك من الآن فصاعدا.. فأنا أخشى أن أقدم على تصرف لا يعجبك فتغضب وتعاقبني بإرسالي إلى خالتي وحرماني من الدراسة".
    وإذا بوجه وليد يتحول من الاحمرار إلى السواد... وكأنه احترق.. وإذا بأوداجه تنتفخ حتى خشيت أن تتمزق...
    شعرت بالفزع وتراجعت للوراء... وهممت بأن أستدير وأولج الغرفة مبتعدة عنه...
    فإذا به يمد يده ويقبض على ذراعي ويقول:
    "إلى أين؟"
    فنظرت إليه نظرات خوف ممزوج برجاء... فقال:
    "كل هذا لأنني رفضت اصطحابك إلى المعرض؟"
    باغتني سؤاله وأربكني... ولم يعطني فرصة للإجابة بل واصل:
    "قلت لك إن لدي عمل مهم جدا أقوم به الآن".
    فنطقت بخوف:
    "انس الأمر... غيرت رأيي..."
    ولا بد أنه رأى الخوف في عيني... سحب يده ومرر أصابعه في شعره ثم إذا به يقول:
    "لتجدي الفرصة لإخبارهم بأن وليد... وصي صارم وفظ وجاف... لا يحسن معاملتك... ألست من أراد السفر معي؟؟"
    ذهلت من قوله أردت التكلم غير أنه قاطعني:
    "اذهبي حيثما تريدين... حتى لا تنعتوني بما هو أبشع... هيا يمكنك الذهاب الآن".
    واستدار خارجا من الغرفة... وأنا لا أزال في حالة الذهول... وعندما اختفى عن مآي... سرت بسرعة وأنا لأتبعه وأنا أقول:
    "لم أعد أرغب في ذلك".
    توقف وليد برهة موليا ظهره إلي... ثم استدار ونظر إلي بحدة ثم قال:
    "بل اذهبي... الصداع ونشب... والجدال حصل... فلا تزيدي الأمر إضراما على صفر النتيجة".
    واستدار وولى...

    *************************

    عدت إلى مكتبي وانخرطت في عملي بأقصى تركيز ممكن, محاولا طرد رغد من رأسي تلك الساعة... وبعد قليل سمعتها تقبل إلى الغرفة وهي تقول:
    "أنا جاهزة".
    وكان وجهها مسترخيا... غير الوجه الذي فارقتني عليه قبل قليل... أرخيت عضلات وجهي وقلت بهدوء:
    "حسنا. انتبهي لنفسك".
    وانكببت على حاسوبي وأوراقي أواصل العمل, وأحسست بها لا تزال واقفة عند الباب...
    رفعت إليها رأسي فرأيتها تنظر إلي...
    قلت:
    "خيرا؟"
    قالت بتردد:
    "هل سترافقني؟؟"
    استغربت وحدقت فيها متعجبا...! ألم تقل إنها ستذهب مع صديقتها؟؟
    قلت:
    "أرافقك..؟"
    وردت بإيماءة من رأسها...
    لكن...!
    آه فهمت... لا بد أنها تقصد أن أرافقها إلى البوابة, لأفتح الأبواب في طريقها... وأساعدها في الصعود وهبوط العتبات...
    وقفت وأشرت إليها بيدي:
    "تفضلي".
    غير أنها لم تتزحزح عن موضعها... أطرقت برأسي تعجبا... فقالت متمة سؤالها:
    "أعني إلى المعرض؟"
    أصابتني الدهشة ووقفت أنظر إليها ثم قلت بحيرة:
    "إلى المعرض!؟"
    فأخفضت بصرها... فسألتها مستغربا:
    "هل قلت إنني سآخذك بنفسي إلى المعرض؟؟"
    أجابت وهي لا تزال مطأطئة برأسها نحو الأرض وعيناها بين صعود وهبوط:
    "ولكن... أنا... لا أريد الذهاب وحدي".
    مرت لحظة صامتة جدا... تلتها لحظة تبادل النظرات... تلتها لحظة تبادل الكلمات.
    قلت:
    "أليست صديقتك معك؟"
    قالت:
    "بلى... إنما..."
    قلت:
    "ماذا؟"
    أجابت وصوتها يتحول إلى الهمس الحزين:
    "لا أستطيع الذهاب... بدونك".
    تنفست الصعداء بعمق شديد... متفهما موقف رغد... وخوفها غير الطبيعي من زيارة الأماكن الغريبة بدون أهلها... وهذه عقدة نفسية خاجة عن سيطرتها...
    ورغد أحست بأنني أقرأ ما بداخلها فبقيت صامتة لحظة... ثم نظرت إلي وطلبت برجاء:
    "هل ترافقني؟"
    رجاؤها صفع قلبي... ولكن ما باليد حيلة... وخروجي صعب جدا ولدي أعمال ملحة وضيف مرتقب...
    قلت بصوت جعلته حنونا قدر الإمكان:
    "لا أستطيع. أنا آسف... أخبرتك بأنني أنتظر ضيفا... سيأتي بعد قليل".
    ثم قلت مشجعا:
    "صديقاتك هناك... لن تشعري بالغربة... اذهبي في رعاية الله".
    التردد تفاقم بسرعة على وجه رغد... يصحبه الحزن والخيبة... ورن هاتفها المحمول... فألقت نظرة على الشاشة ثم نظرت إلي وقالت:
    "مرح وصلت".
    وظلت تنتظر مني ردا لبضع ثوان, ثم اتخذت قرارها فجأة:
    "سأعتذر لها... لن أذهب".
    فوجئت... قلت بسرعة قبل أن تجيب:
    "انتظري!"
    أنا أستسلم...
    إنني لا أستطيع أن يكون لي موقف غير هذا.. رغد أنت دائما تنتصرين..
    "سأرافقك... لكن لنص ساعة فقط... لا أكثر".

    ****************************

    وذهبنا إلى المعرض... بالطبع أقلني وليد بسيارته... وسرنا خلف سيارة شقيق مرح.
    في القاعة التقيت بمجموعة من زميلاتي اللواتي رحبن بي بحرارة وعبرن عن شوقهن إلي وتمنين لي الشفاء العاجل...
    قضيت برفقتهن ورفقت مرح وقتا أقل ما يمكن وصفي له بأنه مذهل... وإن كان قصير جدا!
    اللوحات التي كانت تحمل توقيع الأستاذ سامر, شقيق مرح... الفنان المعروف... كانت مبهرة جدا... وقفت عند إحداها مأسورة بروعتها...
    الفتيات سبقنني إلى اللوحات التالية وبقيت مرح إلى جواري...
    "أعجبتك كثيرا أليس كذلك؟؟"
    سألتني فأجبت وعيناي محملقتان في تناسق الألوان البديع في اللوحة:
    "ولا أجمل! تحفة!"
    سمعت مرح تقول:
    "أسمعتَ؟؟ تحفة!"
    والتفت إليها فإذا بي أراها توجه الخطاب إلى أحدهم, فيرد:
    "شهادة أعتز بها".
    نظرت إلى الشخص المتحدث في استغراب... ثم إلى مرح... فابتسمت الأخيرة وقالت:
    "المبدع الفنان الأستاذ عارف... شقيقي بكل فخر!"
    شعرت بالخجل... وطأطأت برأسي فأنا صغيرة جدا لأبدي شهادة في حق رسام فنان كبير ومعروف... ومرح أمسكت بذراعي وقالت بمرح:
    "وهذه رغد آل شاكر... منافستي الأولى في الجامعة! ابنة الملياردير السيد وليد شاكر... مدير مصنع وشركة آل بحري..."
    الأستاذ عارف قال:
    "تشرفنا... هل السيد وليد شاكر هنا؟؟"
    رفعت رأسي عن الأرض والتفت للخلف أفتش عن وليد. كان يتبعنا على بعد عدة أمتار... ويتفرج على اللوحات...
    حانت منه التفاتة نحونا ولما رآني أنظر إليه فهم أن في الأمر شيء ما... فسار مقتربا...
    مرح أومأت مشيرة إليه مخاطبة شقيقها:
    "هذا الشاب... هناك!"
    وشقيق مرح سار مبتعدا باتجاه وليد...
    التفت إلى مرح فإذا بها تراقب الاثنين وهما يلتقيان ويحيي كل منهما الآخر ويتعرفان على بعضهما البعض...
    قلت:
    "يبدو أن وليد لم يقابل شقيقك من ذي قبل".
    فأجابت:
    "أجل. وقد كان يتوق للتعرف إليه ولم تسنح له الفرصة بمرافقتنا ليلة العشاء في منزلكم".
    ثم وضعت إحدى يديها على خصرها ورفعت أحد حاجبيها وأخفضت الآخر وقالت:
    "أطول منه بعشرين سنتيمترا وفقا لتقديري!"
    هنا أقبلت زميلاتنا نحونا وسألن مازحات:
    "لم توقفتما هنا؟؟ تعالا واسمعا تعليقاتنا حول لوحات الفنانة المعجزة مرح أسامة!"
    وأخذنا نضحك بسرور... ثم إذا بمرح تقول:
    "بنات... انظرن... هذا هو أبو رغد".
    وهي تومىء نحو وليد!
    إحداهن سألت:
    "أين؟"
    فردت مرح:
    "الذي يتحدث مع أخي!"
    واتجهت أنظارهن إلى وليد! بعضهن أطلقن تعليقات عدم التصديق, وبعضهن لم يكترثن, والبعض الآخر لسعنه بأعينهن فيما أخريات مبهورات بالفنان عارف أكثر من لوحاته...!
    أما مرح فقد قربت فمها من أذني وهمست:
    "أكثر وسامة وجاذبية من أخي! لكن عارف ذو شعبية كبيرة وكلهن مأسورات بفنه!"
    ثم ضحكت وأمسكت بذراعي وتابعنا التقدم نحو لوحاتها...
    وبعد قليل وفيما كنا منشغلات بتأمل لوحات مرح والتعليق عليها سمعت صوت وليد مقبلا من الخلف يتنحنح ويقول:
    "معذرة".
    التفتنا جميعا للوراء... ورأيته يقف على مقربة وينظر إلي ويشير إلى ساعة يده...
    نظرت إلى ساعة يدي فإذا بها الخامسة والنصف... لقد مر الوقت سريعا جدا وأنا لم أنهِ بعد جولتي على بقية اللوحات!
    ابتعد وليد عدة خطوات, ووجهت خطابي إلى زميلاتي:
    "يؤسفني أنني مضطرة للمغادرة الآن!"
    أبدين احتجاجهن ودعونني للمكوث فترة أطول... وكنت أرغب في ذلكولكن...
    أخيرا شكرت زميلاتي وودعتهن وسرت نحو وليد...
    ونحن نغادر مررنا بالأستاذ عارف الذي ودعنا وشكرنا بشكل شخصي على زيارة المعرض...
    عندما عدنا إلى المنزل أردت أن أسهب في شكر وليد وأعتذر على إزعاجه غير أنه كان على عجل من أمره ودخل مكتبه وما هي دقائق إلا حتى أتاه الضيف...

    يتبـــــــــــع




  18. #518
    الوسام الماسي سكون الثلج will become famous soon enough الصورة الرمزية سكون الثلج
    تاريخ التسجيل
    17-02-2009
    المشاركات
    8,868
    ‎تقييم المستوى 40

    افتراضي رد: رواية انت لي... اكثر من رائعه

    الحلقة الثامنـــة والأربعون


    طريــــق الهـــلاك


    رتبت للسفر إلى الشمال من جديد في يوم الغد, الخميس على أن أعود ليلة السبت.
    كان لا بد من العودة إلى أروى وحل المشاكل العظمى معها.. وقد كنت مداوما على الاتصال بالمزرعة غير أنها تهربت من مكالماتي ولم يصف لي عمي إلياس عنها حالا مطمئنة.
    وصلت الخادمة إلى منزلنا هذا الصباح وسأكون مطمئنا للسفر وتركها للعناية برغد, مع أخي.
    الانسجام التام يسود علاقتهما والمسافة بينهما تصغر... وأجد نفسي مضطرا لتقبل الوضع إذ لا خيار أفضل عندي...
    "أخيرا انتهينا".
    قلت وأنا أغلق آخر الملفات خاتما عمل هذا اليوم, والذي كان طويلا مرهقا...
    ابتسم السيد أسامة وقال:
    "أعطاك الله العافية".
    "عفاك الله, شكرا على جهودك".
    شد السيد أسامة ابتسامته وقال:
    "لا شكر على واجب".
    ثم قال:
    "بهذا نكون قد انتهينا من هذا المشروع على خير ولله الحمد. هل بقي شيء؟"
    فأجبت:
    "لا. ولا أريد أن نبدأ عملا جديدا قبل أسبوعين على الأقل. أريد أن أسترخي قليلا".
    فقال:
    "أراحك الله. إذن.. ليس لديك عمل شاغر هذا المساء".
    قلت:
    "سأنعم بنوم طويل وهانيء يريحني قبل السفر".
    فقد كنت خلال الأسبوع الماضي أعمل ليلا ونهارا... وأسهر حتى ساعة متأخرة على حاسوبي وبين وثائقي. كان أسبوعا حافلا جدا.
    قال السيد أسامة:
    "هل يناسبك أن أزورك الليلة؟"
    فنظرت إليه.. وابتسمت وقلت:
    "مرحبا بك في كل وقت.. تشرفنا أنّى حللت".
    فقال:
    "الشرف لنا يا سيد وليد. شكرا لك. إذن سنزورك أنا وأخي".
    قلت:
    "على الرحب والسعة".
    وعندما عدت إلى المنزل أخبرت شقيقي عن الضيوف وطلبت منه العودة باكرا ليستضيفهم معي.
    وفي العصر اصطحبت رغد إلى الطبيب الذي كان يشرف على علاجها قبل سفرها إلى الشمال.. فأعطانا موعدا لنزع الجبيرة بعد نحو أسبوع.
    وفي المساء حضر السيد أسامة مع السيد يونس, يرافقهما الأستاذ عارف,ابن أسامة الأكبر, والذي تعرفت إليه في المعرض الفني يوم أمس.
    قضينا مع الضيوف وقتا طيبا تجاذبنا فيه الأحاديث الممتعة وتبادلنا التعارف أكثر وأكثر.. وقد سر الأستاذ عارف كثيرا عندما اكتشف معرفته المسبقة بسامر ولم يكن قد ميزه مباشرة لأن أخي قد أجر عملية تجميل في عينه اليمنى, والتي كانت مشوهة منذ الطفولة.
    وجيء بذكر المعرض الفني الذي انتهى يوم أمس وعلق سامر بأنه سمع لأن لوحات الأستاذ عارف كانت مذهلة. واتخذ الحديث مجراه حول المعرض ومهارة الرسام عارف وكيف يعلم طلبته في المدرسة وكيف هي علاقته بهم وبزملائه المدرسين والفنانين وبأصدقائه ومعارفه وما إلى ذلك..
    حتى خشيت أن يكون الأستاذ مصابا بداء الغرور أو أن أباه وعمه مولعان به لأقصى حد!
    دار الحديث عن عارف وك
    أنه نجم السهرة! لم أجد تفسيرا لهذا الاستعراض الغريب إلى أن فوجئت بالسيد أسامة يقول:
    "سيكون من دواعي سرورنا وتشرفنا أن نناسبكم".
    دقت نواقيس الخطر في رأسي فجأة... حملقت في السيد أسامة بذهول... ثم التفت إلى شقيقي فرأيته لا يقل ذهولا عني... ارتبكت ولم أعرف إلى أين أرسل نظراتي... وإذا بي أسمع السيد يونس يقول:
    "يشرفنا أن نطلب يد كريمتكم لابننا الغالي عارف... عسى الله أن يوحد النصيب ويجعل البركة فيه".
    صعقت... ذهلت... شللت فجأة... غاب دماغي عن الوعي... وغشيت عيني سحابة سوداء داكنة حجبت عني رؤية أي شيء...
    مرت لحظة وأنا في حالة الذهول الشديد... لا أشعر بما يدور حولي... وسمعت صوت السيد أسامة بعدها يقول:
    "يبدو أن الموضوع فاجأك!"
    فاجأني فقط؟؟
    أتريد أن تفقدني صوابي؟؟
    كيف تجرؤ!! تخطب فتاتي مني؟؟ هل أنت مجنون؟؟ هل كلكم مجانين؟؟ ألا ترون؟؟ ألا تسمعون هؤلاء؟؟
    شددت على يدي وتمالكت أعصابي لئلا أنكب على الضيوف صفعا... عضضت على أسناني وجررت بضع كلمات من لساني أخرجتها عنوة:
    "أأ... فاجأتني جدا..."
    ثم سألت, في محاولة غبية لتفسير الموضوع على غير ما هو واضح:
    "مــــ... من تعني؟؟"
    تبادل السيدان أسامة ويونس النظرات ثم أجاب أولهنا:
    "كريمتكم.. ابنة عمك.. ليس لديكم غير ابنة عم واحدة على ما أعرف".
    التفت إلى أخي فوجدت الاحمرار يلطخ وجهه... كان صامتا متسمرا في مكانه, كتمثال شمعي يوشك على الذوبان...
    ما بك؟؟ ألا تسمع؟؟ ألا تعي؟؟ يريدون خطبة رغد مني!! هل أضحك؟؟ هل أصرخ؟؟
    قل شيئا... افعل شيئا...
    قال أسامة:
    "يبدو أن الفتاة لم تخبركما".
    وأضاف:
    "فابنتي قد حدثتها حسب علمي".
    وتابع:
    "وكنا نرغب في فتح الموضوع منذ زمن ولكن كريمتكم أصيبت وسافرت لفترة... أم عارف كانت ستزوركم لو كانت حرمكم هنا".
    وتكلم المحامي يونس قائلا:
    "أردنا أن نؤجل لحين حضورها بالسلامة لكن".
    ونظر إلى الأستاذ عارف وهو يبتسم متمما:
    "عارف ألح علينا الحضور الليلة!"
    فعقب عارف في خجل:
    "خير البر عاجله".
    كل هذا وأنا جامد في مكاني.. كالجبل...
    أحسست بالاختناق... ففتحت ربطة عنقي بعض الشيء وتحسست نحري... كان حار يسبح في العرق... زفرت آخر نفس جبته مع شهقة المفاجأة.. فخرج بخارا ساخنا من فرط اشتعالي..
    اهدأ يا وليد.. تمالك نفسك يا وليد.. هؤلاء.. المجانين.. لا يعرفون شيئا.. سايرهم على قدر فهمهم... واحترم كونهم ضيوفك.. اصبر إلى أن يغادروا.. ثم انسف المنزل بمن فيه..
    قال السيد أسامة مستدركا ردي:
    "نقول على بركة الله".
    أي مبروك يا هذا؟ أمسك لسانك وإلا...
    وأمسكت أنا بلساني وقلت:
    "على رسلك.. الموضوع مفاجىءو... لم أستوعب بعد".
    فقال المحامي يونس:
    "خذوا وقتكم... الشاب كتاب مفتوح واسألوا عنه من تشاءون. وسنكون غاية في السرور إذا ما توافق النصيب وارتبطت العائلتان بهذا النسب المشرف".
    ثم تمتم هو وأخوه وابنه بكلام لم يجد في ذاكرتي متسع لتخزينه فضلا عن سماعه أصلا... وأخيرا شكرونا على حسن الضيافة, واستأذنو منصرفين...
    غادر الضيوف.. مخلفين خلفهم صمتا موحشا...
    مرت الدقيقة تلو الأخرى.. ونحن.. أنا وشقيقي في حالة تيه وتشتت... كان أحدنا يلقي بنظره على الآخر بين الفنية والفنية.. منتظرا منه أي تعليق, ولا تعليق...
    أخيرا سمعنا صوت حركة في المنزل.. تحديدا... كان صوت اصطفاق عكاز رغد بالأرضية الرخامية.. وكان الصوت يقترب منا.. حتى توقف.. عند الباب.
    التفتنا إلى الباب مترقبين ظهور وجه رغد... فسمعنا صوتها يقول:
    "هل أدخل؟"
    ولم يجب أيّنا... ثم سمعناها تنادي باسمينا.. ولا من مجيب, فقد أكلت الصدمة لسانينا...
    ربما شكت رغد في وجود أحد في الغرفة فأطلت برأسها بحذر واندهشت حين رأتنا نحن الاثنين جالسين في الداخل, واجمين وكأن على رؤوسنا الطير...
    قالت:
    "ماذا هناك؟؟"
    تبادلنا النظرات أنا وأخي, ثم تجرأ لساني ونطق:
    "لا شيء..."
    لكن رغد وهي تحملق فينا أحست بأن في الأمر شيئا...
    أو ربما كانت تعرف أصلا ماذا هناك, وتتظاهر بالجهل...
    ألم يقل أسامة أن ابنته أخبرتها؟؟
    قلت:
    "تفضلي رغد".
    فسارت بتردد حتى جلست على أحد المقاعد.. ونقلت بصرها بيننا ثم سألت:
    "هل حصل شيء؟؟ لا تبدوان طبيعيين؟!"
    وهل تتوقعين مني أن أبدو طبيعيا.. وقد غادر المنزل خاطب لك قبل قليل؟؟ لماذا يارغد؟؟ لماذا تفعلين هذا بي؟؟ لماذا أنت مصرة على الخيانة؟؟ يئست من حسام ففتشت عن غيره؟؟ إنني سأقتله قبل أن يتمكن أي رجل من الوصول إليك... سأقتلهم جميعا...
    عادت رغد تسأل:
    "ماذا؟؟"
    فنطقت أخيرا وعيناي ملؤها الغضب:
    "رغد.. هل تعرفين من الضيوف الذين زارونا الليلة؟؟"
    وقبل أن تجيب نطق أخي رادعا:
    "ليس وقته وليد".
    تجاهلت كلام أخي, أما رغد فقد ألقت عليه نظرة حائرة ثم عادت إلي وقالت:
    "كلا... ما أدراني؟؟"
    فقلت وأنا أعض على لساني:
    "إنه السيد أسامة المنذر... والد صديقتك".
    وتفحصت عينيها لأرصد تعبير يظهر منهما دالا على أي شيء... ولم أجد غير الحيرة والتساؤل...
    قلت بذات الحدة والشرر المتطاير من عيني:
    "أتعرفين من جاء برفقته؟؟"
    فهتف أخي بانفعال:
    "ليس وقته يا وليد دعنا نناقش الأمر فيما بيننا أولا".
    فالتفتنا إلى شقيقي.. هي تعلوها الحيرة وأنا يجتاحني الغضب...
    سامر نظر إلى رغد وقال:
    "رغد عودي إلى غرفتك رجاء".
    تأملته رغد بقلق ثم نظرت إلي وعلائم التعجب تحيط برأسها من كل جانب...
    سألت:
    "ماذا هناك؟؟"
    فتولى أخي الإجابة قائلا:
    "لا شيء يا رغد. من فضلك اذهبي إلى غرفتك الآن".
    وأنا صامت لا أعلق... فتفاقم القاق والحيرة على وجهها ووجهت إلي السؤال:
    "ما الخطب وليد؟؟"
    فابتلعت غيضي وحبسته في جوفي وقلت محاولا أن يظهر صوتي لطيفا قدر الإمكان:
    "عودي إلى غرفتك".
    وأرادت أن تجادلني ولكنها رأت الإصرار في عيني والشرر المتطاير منهما.. فتراجعت... وقامت وغادرت الغرفة.
    بعدد ذهابها قام سامر وأغلق الباب ليضمن عدم تسرب صوتينا إليها ثم قال:
    "والآن... ما موقفك؟"
    رفعت رأسي إلى أخي وقلت:
    "أي موقف بعد؟"
    فقال:
    "أعني فيم تفكر؟"
    فأطلقت زفرة ضيق من صدري ومررت أصابعي بين خصلات شعري مشتتا... ثم أجبت:
    "الأمر..خلف حدود التفكير أصلا... إنما أنا متفاجىء..لم يذكر لي السيد أسامة شيئا.. ولا حتى بالتلميح أو الإشارة.. أنهم يفكرون بهذا..مع أن.. خالتي متوفاة مؤخرا.."
    قال أخي:
    "ورغد؟؟"
    نظرت إليه نظرة مطولة.. شاعرا بأن في صدري خنجرا يغرس وينزع ويغرس مرارا وتكرار... من رغد...
    سأل:
    "أتظنها تعرف؟ كما قال أسامة؟؟"
    زممت شفتي غيظا ثم قلت وأنا أضغط على أسناني أخرج الحروف من بينها:
    "لا أستبعد.. وارد جدا..."
    قال أخي:
    "لا... لا أظن".
    فرميته بنظرة اعتراض فقال:
    "رغد لن تفكر في هذا".
    فقلت وأنا أحاول السيطرة على نفسي قدر الإمكان:
    "بل تفكر.. والله الأعلم بما يدور في رأسها وما الذي تخطط له.. إنه ليس العرض الأول..."
    وانتبهت إلى أنني تهورت في الافصاح عما في نفسي.. فسألني أخي:
    "ماذا تعني.. بأنه ليس الرعض الأول؟؟"
    وكان الهلع والتعجب يغمران وجهه.. فقلت منسحبا:
    "لا يهم. الفتاة ليست للزواج على أية حال. والموضوع مستبعدا تماما إلى أن تنهي دراستها الجامعية".
    وصمتنا برهة ثم سأل أخي وشيء من التردد يلحظ على نبرة صوته:
    "وبعد ذلك؟"
    بعد لك؟؟ بعد ذلك ماذا؟؟ لم أجد جوابا لكن نظرات أخي ظلت تطاردني فاضطررت لقول:
    "لن نفكر الآن فيما بعد ذلك. نترك الموضوع برمته إلى أوانه. الآن.. هي ستدرس فقط وفقط".
    لم يبدو أن شقيقي اقتنع بالتوقف هنا, كان واضحا في عينيه المزيد من الكلام...
    وإذا به يقول:
    "وستنتهي الدراسة ذات يوم.. وربما يقبل عريس الغفلة هذا بالانتظار أو ربما... ربما يزورك عرسان آخرون... هكذا هي الطبيعة..."
    هببت واقفا من تأثير الكلمة علي... أي عرسان وأي آخرين؟؟ هذا ما كان ينقصني...
    تابع أخي:
    "أجل.. فهي فتاة رائعة... ابنة عائلة راقية وعالية الأخلاق وطيبة السمعة.. ولها مواصفات مرغوبة ولن تخطئها العين الباحثة عن عروس مثالية".
    فرددت بعصبية:
    "ماا تعني؟؟"
    فوقف أخي وقال:
    "أعني أنه سيأتي اليوم المناسب والظروف المناسبة لتوافق على زواج رغد.. مهما طال الأمد فهذه سنة الحياة".
    رددت بانفعال:
    "قلت إن الموضوع سابق جدا لأوانه.. لماذا أشغل دماغي في التفكير به أو الحديث عنه؟؟ لم لا ننهي الحوار العقيم هذا؟؟"
    قال أخي:
    "أريد أن أعرف فقط... ما هو موقفك من زواج رغد مستقبلا؟"
    قلت بضيق:
    "ولم أنت مهتم هكذا؟"
    فأجاب أخي وقد تبدلت تعبيرات وجهه إلى المرارة.. وفضحت خوالجه قبل أن يفصح عنها لسانه:
    "لأنني أنا.. أولى بها من أي شخص آخر.. وإن كنت ستزوّجها ذات يوم.. فيجب أن تعيدها إلي".
    واجتاحت قلبي زوبعة مجنونة.. لفت به مئة مره حول المنزل في ثواني.. بعثرت دماءه على أسواره وجدرانه.. وعادت إلي.. خالية اليدين...
    كان أخي يحدق بي.. ينتظر ردة فعلي والتي أكاد أعبر عنها بقبضتي...
    كيف تجرؤ يا سامر..؟؟ ألم تكف الضربة المدمرة التي تلقيتها قبل قليل؟؟ أنت أيضا تتحدث عن أخها مني؟؟
    هل خلت الدنيا من النساء.. إلا رغد؟؟ لماذا يريد الجميع سرقتها مني؟؟ هل يستكثرون علي أن أحظى في هه الدنيا بها؟؟ أنا لا أريد من الدنيا شيئا غيرها... إنها خلقت لي أنا... كيف يتجرأون على التفكير في شيء يخصني أنا؟؟ رغد هي فتاتي أنا.. هي جزء مني أنا.. حبيبتي أنا.. حلمي وواقعي أنا.. وستكون وتظل لي أنا... أتسمعون؟؟ لي أنا.. أنا وأنا فقط...
    كان سامر لا يزال ينتظر ردي.. وإن هو تأمل التغيرات التي اجتاحت قسمات وجهي لأدركَ مدى خطورة جريمته..لكنني أوليته ظهري وخطوت نحو الباب, محاولا الابتعاد قبل أن أفقد السيطرة على يدي..
    سامر ناداني:
    "وليد إلى أين؟"
    فقلت دون أن استدير إليه:
    "النقاش منته. ولا تعد لفتح الموضوع ثانية أبدا".
    لكن أخي لم يستمع لكلامي بل قال متابعا:
    "أريدك أن تجيبني فقط على هذا السؤال.. هل ستعيدها إلي؟"
    ثار بركاني لأقصى حد.. ولا بد أنكم ترون الدخان الأسود يتطاير من جسدي...
    رددت وأنا لا أزال موليا إيّاه ظهري:
    "سامر قلت لك وأكرر وللمرة الأخيرة... لا تتحدث في الموضوع ثانية, والتزم الصمت أسلم لك".
    فقال سامر بعصبية:
    "لن يدوم صمتي طويلا.. لقد تعبت من ها يا وليد.. إما أن تعطيني أملا في أن تعيدها إلي كما فرقتها عني.. وإلا فأنني لن أستمر في العيش معكما وتمثيل دور البليد.. أنت لا تشعر بمقدار ما أعانيه".
    هنا... انطلقت شياطين رأسي أخيرا وباندفاع جنوني... لا أستطيع السيطرة على نفسي... لا أستطيع... التفت إلى أخي ورشقته بسهام حادة.. ثم سرت نحوه.. وانقضت يداي على ذراعه بعنف... وصرخت في وجهه:
    "حذرتك من الاستمرار يا سامر... لم أعد السيطرة على غضبي... أنت المسؤول".
    حاول أخي إبعاد يدي عنه وهو يقول:
    "أبعد يديك يا وليد... ما الذي يغضبك الآن..؟ كأنك لا تعرف أنني أحبها وأنها كانت عروسي قبل أن تظهر أنت وتفسد كل شيء... أنا لم أتوقف عن التفكير بها".
    صرخت وأنا أجر أخي ثم أدفع به نحو الباب مستسلما لثورتي:
    "سأكسر جمجمتك... وأخرجها من رأسك عنوة... وأريحك... أيها المسكين".
    وبدأ العراك بالأيدي...
    كلانا استسلم للغضب.. وسلم قبضته لشياطين الجنون..
    تبادلنا اللكمات والركلات.. الضرب واللطم والصفع.. وحتى الدوس وشد الشعر والخنق.. كانت ساعة مجنونة.. مجنونة جدا.. أجن من أن نملك السيطرة عليها...
    مشاعرنا كانت هائجة كأمواج البحر الثائرة في ليلة إعصار عنيف مدمر...
    أنا سأحطم جماجم كل رجل... يفكر في رغد...
    كنت أمسك بذراع أخي وألويها بشدة بينما ألصق رأسه بالجدار بقوة وأصرخ:
    "إن فكرت بها ثانية فسأسوى رأسك بهذا الجدار.. هل فهمت؟؟"
    ثم شددته ودفعت به نحو المقعد.. وأخذنا نلهث من التعب.. ونتأوه من الألم..
    بعد قليل... سمعت نشيج أخي.. ورأيت دمعا يسيل من عينيه فشعرت بها دماء تقطر من قلبي...
    ذهبت إليه وجثوت إلى جانبه وأمسكت برأسه وقلت بعطف:
    "أخي.. أنا لا أريد أن أفعل بك هذا.. ليت ذراعي تقطع قبل أن أؤذيك.. سامحني..لكن.. لماذا استفززتني؟؟"
    وتأملت وجهه المتألم... وقلت:
    "يجب أن تنساها.. إنها لا تريك ياسامر... لو كانت ترغب بك بالفعل لما أوقفت زواجكما في آخر الأيام.. لما عرضتك لكل ما حصل... رغد لا تحبك.. إنها لا تحبك يا أخي فلا تتعب قلبك".
    وكان رد أخي أن لكم وجهي لكمة قوية أوقعتني أرضا.. وأدمت أنفي... ثم نهض ومسح وجهه براحتيه وقال:
    "أنت السبب يا وليد.. ليتك لم تخرج من السجن إلا بعد عشرين سنة من الآن.. ليتك تعود إليه من جديد وتخلصنا من وجودك.. أفسدت حياتي.. حطمت حلمي.. ضيعت مستقبلي يا وليد.. انعم بالحياة من بعدي إذن..."
    واستدار وسار نحو الباب وفتحه وصفعه بالجدار بقوة... وغادر المنزل...

    ********************
    غرفتي الحالية بعيده بعض الشيء عن مجلس الضيوف الذي استقبل فيه ابنا عمي ضيوفهما. ولكني سمعت صوت جلبة فخرجت من غرفتي ووقفت في الممر.. فتناهى إلى سمعي صوت شجار بين ابني عمي وربما عراك أيضا...
    داهمني القلق وسرت في اتجاه مجلس الضيوف ولما سمعت صوت ارتطام شيء بالباب.. ذعرت.. وتراجعت للوراء.. ثم عدت إلى غرفتي خائفة...
    وقفت عند باب الغرفة مضطربة تنقصني الشجاعة للذهاب إلى مجلس الضيوف واستكشاف ما الأمر.. إلى أن سمعت صوت ارتطام باب بجدار.. كان صوتا قويا انتقلت ذبذباته إلى باب غرفتي فاهتز ذعرا... وزادني فوق قلقي قلقا...
    أصغيت جيدا فسمعت وقع خطوات قوية وسريعة تعلو ثم تنخفض مبتعدة.. ثم صوت الباب الرئيسي ينفتح ثم ينغلق... ثم يخيم الهدوء في المكان..
    أحدهما قد خرج.. ومن وقع أقدامه على الأرض.. يظهر أنه كان غاضبا..
    وليد!؟؟
    خرجت من غرفتي هلعة.. وسرت بعكازي إلى أن بلغت مجلس الضيوف.. كان الباب مفتوحا.. أطللت برأسي من خلال فتحته فوقعت عيناي على وليد.. يجلس على الأرض بجانب المقعد.. ويسند رأسه إليه...
    هوى قلبي إلى قدمي وخارت قوتي فجأة لدى رؤيته على هذا الوضع فاستندت إلى الجدار وشهقت ثم قلت مفزوعة:
    "وليد ما بك؟"
    انتفض وليد فجأة وأدار وجهه إلي بسرعة.. فإذا بي أرى سيلا من الدماء يتدفق من أنفه..
    حملقت عيناي فيه أوسعهما.. وانحبس نفسي في صدري وكاد العكاز أن ينزلق مني ويوقني أرضا..
    وليد وقف وتلفت يمينا ويسارا حتى لمح علبة المناديل فسار إليها وتناول بعضها وجعل يمسح الدماء...
    انطلق نفسي السجين من صدري مصدرا صوتا يشبه الأنين.. تلاه صوت حنجرتي تحاول القول:
    "ماذا حصل؟"
    وكان واضحا أنه تعارك مع سامر...
    كانت ربطة عنقه مفتوحة كليا.. وملوثة ببقع الدماء الهاطلة من أنفه.. شعره مبعثر وهندامه غير مرتب.. ووجهه شديد الاحمرار والتعرق..
    لم يجب وليد على سؤالي, بل تهالك على المقعد وهو يرفع برأسه للأعلى ويضغط بالمناديل على أنفه ليوقف نزف الدماء... فخطوت نحو الداخل يسوقني الفزع والقلق..
    وحين صرت بمحاذاته خاطبته:
    "وليد.. ماذا حدث؟؟ أخبرني أرجوك".
    أبعد وليد المناديل الغرقة بالدم عن وجهه ووجه بصره إلي.. وحدق بي طويلا.. ولم يتكلم..
    كانت عيناه تتكلمان.. كأنهما تتهماني.. أو تعاتباني.. أو تتشاجران معي..
    ولكن ما الذي فعلته أنا...؟؟
    "وليد.."
    ناديته مجددا فما كان منه إلا أن قال:
    "عودي إلى غرفتك".
    ماذا؟؟ أعود إلى غرفتي وأنا أراك بهذا الشكل؟؟
    "لكن... أخبرني أرجوك ماذا حدث؟"
    فكرر وليد:
    "عودي يا رغد".
    قلت:
    "لا أستطيع.. طمئني أولا ما الذي يحدث؟؟ لماذا تعاركتما وإلى أين ذهب سامر؟؟"
    فأشاح وليد بوجهه عني.. لم أستطع إلا الانصياع لقلقي.. كيف أنصرف وأنا أراك هكذا وليد لا أقدر...
    جلست على المقعد بجواره.. تركت العكاز جانبا ومددت يدي وأمسكت بذراعه بحنان...
    التفت وليد إلي.. نظر إلي نظرة قصيرة ثم أغمض عينيه وأسند رأسه إلى مسند المقعد وتنفس بعمق...
    بقيت ممسكة بذراعه أكاد أحضنها.. وأكاد أفقد صوابي وأمد يدي وأمسح على رأسه وأطبطب على كتفيه.. رغم جهلي بحقيقة ما يحصل أشعر بأن وليد قلبي يتألم.. وأنا لا أتحمل هذا...
    "وليد...رد علي".
    توسلت إليه.. ففتح عينيه ونظر إلي ثم قال:
    "أرجوك يا رغد.. اذهبي إلى غرفتك الآن ولازميها.. لا تتعبيني أكثر".
    أنا أتعبك؟؟ أنا من يتعب لتعبك.. لكن إذا وجودي الآن يتعبك فأنا ذاهبة..
    قلت:
    "حاضر".
    وسحبت يدي من حول ذراعه وأمسكت بعكازي, ثم انصرفت دون أن أنطق بحرف واحد...
    في صباح اليوم التالي استيقضت متأخرة...
    ذهبت إلى المطبخ كالعادة لأعد شاي.
    كانت الخادمة منهمكة في أعمل التنظيف والساعة التاسعة والنصف صباحا. وكان المنزل خاليا من أي صوت أو حركة عدا ما تصدره هي. تركت الإبريق على الموقد وخرجت أتفقد ابني عمي. اليوم خميس وهو عطلة لدى المصنع... وقبيل الظهيرة سيسافر وليد إلى المزرعة من جديد... وقد يعود بالشقراء... ذهبت وتفقدت أولا غرفة المعيشة, المجاورة لغرفة نومي. طرقت الباب ولم يرد أحد.. ففتحتها ببطء وأرسلت نظراتي للداخل ولم أجد أحدا. كان سامر ينام هنا على الكنبة الكبيرة في الليالي الماضية وقد طلبت منه أن يبقى كذلك إلى أن تزال الجبيرة عني الأسبوع المقبل وأعود إلى غرفتي العلوية, حتى مع حضور الخادمة وبياتها على مقربة من غرفتي الحالية, لم أكن لأشعر بالطمئنان في هذا المنزل الكبير الموحش..
    سرت بعد ذلك في أرجاء المنزل.. هنا وهناك, ولم أعثر لأي من ابني عمي على أثر.
    عدت إلى المطبخ وسألت الخادمة عما إذا كانت قد رأت أيا منهما هذا الصباح فأجابت بالنفي.
    ساورني بعض القلق.. فطلبت منها أن تصعد للطابق العلوي وتتفقدهما. وعادت بعد قليل يتبعها وليد.
    كان وجه وليد ممتقعا وعلى خده كدمةمبهمة اللون.. كان يهبط الدرجات ببطء ونظره مركز على موضع قدميه.. كنت أقف أسفل الدرج في انتظار ظهور أي من وليد وسامر..
    ابتعدت الخادمة عائدة إلى المطبخ وبقيت أراقب وليد وهو يهبط الدرج درحة درجة..
    إلى أن توقف أخيرا بجانبي.
    بادرت بإلقاء التحية:
    "صباح الخير".
    فرد وهو لا يرفع بصره إلي:
    "صباح الخير".
    ثم سار وتخطاني وتوجه نحو المطبخ.
    لحقت به فوجدته يفتح الثلاجة ويستخرج علبة حليب بارد ويهم بفتحها.
    قلت:
    "ألا ترغب في بعض الشاي؟؟"
    فقال وهو يفتح الععلبة ويسكب شيئا منها في أحد الكؤوس:
    "كلا شكرا... الجو حار".
    وجلس على أحد المقاعد الموزعة حول الطاولة وأخذ يشرب الحليب البارد دفعة واحدة حتى أتى على آخره...
    يحب ابن عمي هذا الحليب.. ألا تلاحظون ذلك؟؟
    حضرت كوب الشاي الخاص بي ووضعته على الطاولة وجلست على المقعد المقابل لمقعده..
    بدأت بطرف الحديث:
    "هل أعد لك فطورا؟"
    أجاب:
    "لا, شكرا".
    قلت:
    "ولو وجبة بسيطة؟"
    فأكد:
    "شكرا يا رغد. لا أرغب بشيء الآن".
    احتسيت من قدح الشاي ثم قلت:
    "هل سامر في الأعلى؟"
    فنظر إلي باهتمام أخيرا.. ثم أجاب:
    "لا".
    فتعجبت وسألت:
    "أليس في المنزل؟؟"
    فأجاب:
    "كلا.."
    فازداد قلقي.. أيمكن أنه لم يبت هنا البارحة؟؟
    قلت:
    "أين هو؟"
    فرد:
    "خرج باكرا.. لم يحدد وجهته".
    وظهر الانزعاج على وجه وليد.. لم أقو على إطالة المقدمات.. أنا متلهفة لأعرف ما حصل البارحة.. قلت مباشرة:
    "لماذا تشاجرتما؟"
    فرماني بنظرة ثاقبة.. ثم زاح بصره عني وتجاهل سؤالي. قلت:
    "أرجوك أخبرني.. أنا أعيش معكما في هذا المنزل وأشارككما في كل شيء".
    فأرجع بصره إلي.. ثم قال:
    "نعم.. في كل شيء".
    ولا أعرف أن قالها جادا أم ساخرا.. لأن تعبيرات وجهه غامضة جدا.. استأت من تهربه وقلت:
    "أرجوك وليد.. أخبرني وأرحني.. أنا لم أنم جيدا البارحة من شدة القلق ولم أجرؤ على مغادرة غرفتي حتى لا تغضب مني.. أرجوك قل لي ماذا هناك؟"
    ظل وليد ينظر إلي بتركيز.. ثم سأل:
    "أحقا لا تعرفين؟؟ ألم تخبرك صديقتك بشيء؟؟"
    أصابتني الدهشة.. صديقتي؟؟ تعني مرح؟؟ ما دخل مرح بالأمر؟؟
    سألته فيما الفضول يكاد يلتهمني:
    "تخبرني بماذا؟؟ مرح؟؟"
    فألقى وليد نظرة سريعة على الخادمة ثم عاد ينظر إلي. خاطبت الخادمة وطلبت منها الذهاب لتنظيف غرفتي... ولما انصرفت سألت وليد:
    "ما علاقة صديقتي بما حصل البارحة.. وليد أرجوك أوضح لي فأنا لا أفهم شيئا".
    وليد مد يده وأمسك بيدي وضغط عليها بشدة وتحولت تعبيرات وجهه إلى الجد المفاجىء والممزوج بالتهديد وقال:
    "اسمعي يا رغد.. إياك أن تفتحي الموضوع أمام سامر.. لا تسأليه عن أي شيء ولا تأتي بذكر شيء عن ليلة أمس لا تصريحا ولا تلميحا أمامه.. هل تفهمين؟؟"
    القلق بلغ ذروته عندي.. يبدو أن الموضوع أخطر مما كنت أعتقد.. قلت:
    "لا.. لم أفهم شيئا".
    فأغضب ردي وليد.. فشد الضغط على يدي واحتد صوته أكثر وهو يكرر:
    "بل تفهمين.. اسمعيني جيدا.. لا أريدك ولا بحال من الأحوال أن تشيري لليلة البارحة أمامه. تصرفي بشكل عادي وكأن البارحة لم تكن أساسا".
    سألت:
    "لماذا".
    فهتف بعصبية:
    "نفذي ما أقوله لك فقط.. فأنا سأسافر اليوم ولن أكون موجودا للتدخل وتحويل المواقف. أريد أن يمر اليومان بسلام إلى أن أعود وأجد مخرجا للمأزق الجديد الذي أقحمتنا فيه".
    هتفت:
    "أنا..!!"
    ووجهي يملؤه التعجب وعدم الفهم.. فأبعد وليد يده عني.. ثم نهض واقفا وأراد مغادرة المطبخ. قلت محتجة:
    "وليد انتظر أنت لم توضح لي شيئا".
    فأشار بيده لي أن أصمت.. ثم قال:
    "لاحقا يا رغد.. ليس وقته الآن.. افعلي فقط ما طلبته منك".
    وانصرف.
    لم أطق صبرا مع كل هذا الغموض.. توجهت إلى غرفتي وطلبت من الخادمة المغادرة, وتناولت هاتفي المحمول واتصلت بصديقتي مرح..
    لكم أن تتصوروا الدهشة التي اجتاحتني عندما علمت من مرح..أن.. أن... إه.. أن والدها وعمها.. تقدما بطلب يدي للزواج من... من شقيقها الرسام.. الأستاذ عارف.. الذي حضرت معه معرضه الفني أمس الأول.. ورآني صدفة هناك!!!!
    "لا يارغد.. كنا سنتقدم لخطبتك حتى قبل أن يراك فأمي وأختاي أعجبن بك عندما زرناكم بعد خروجك من المستشفى.. وأيدتا ترشيحي في الحال".
    وعادت بي الذكرى بسرعة إلى تلك الليلة.. حيث دعونا آل منذر للعشاء عندنا وحضرت أم مرح وأختاها.. أذكر أنني ليلتها كنت منزعجة لأنهن سلطن اهتمامن على الشقراء التي سرقت الأضواء مني.. ولم أكن لألحظ أن عيونا خفية كانت تراقبني أنا....!
    انتبهت من لحظة الذكرى على صوت مرح تقول:
    "وكنا نريد زيارتكم لو لا أنكم سافرتم... أما عارف فهو يثق في اختيارنا.. وعندما قلت أن ستحضرين المعرض خطرت ببالي فكرة أن أريكما بعضكما البعض وعارف ألح بأن يزوركم البارحة.. وأخي شخص مهذب وراغب في الزواج بكل جدية".
    وكانت نبرتها تمزج بين الضيق والعتب... فقلت مهدئة إياها:
    "ليس قصدي عكس ذلك لا سمح الله.. إنما.. آه.. لماذا لم تخبريني عن هذا سابقا؟"
    فأجابت بذات النبرة.. وهي نبرة لم أعتد سماعها من مرح التي لطالما غلب المزح والمرح على أسلوبها:
    "لمحت لك تلميحا خفيفا... لم أستطع التحدث معك مباشرة.. أنت خجولة جدا وخشيت أن أحرجك أو أن تغيري رأيك في حضور المعرض.. ولم تسنح الفرصة قبل ذلك بسبب سفرك".
    قلت:
    "لكن يا مرح".
    فقاطعتني مرح قائلة:
    "لكن ماذا يا رغد؟؟ أنتم تشعروننا بأننا ارتكبنا خطيئة بعرض الزواج هذا!"
    فاجأني رد مرح فقلت:
    "لم تقولين هذا؟"
    فقالت:
    "أنت تحققين معي الآن وكأنني متهمة.. وأبوك وأخوه لسعا أخي بنظراتهما البارحة
    ولم يتفوها بكلمة واحدة ولو من باب المجاملة تشير إلى أنهما يرحبان بالعرض أو يقدران أصحابه.. لقد أخبرني عارف بأنهم غادروا ولديهم الانطباع بأن العرض مرفوض قبل دراسته.. وكأن عائلتكم لا تتشرف بالرتباط بعائلتنا".
    قلت بسرعة نافية:
    "ما الذي تقولينه يا مرح الأمر ليس كلك إطلاقا".
    فسألت:
    "إذن ماذا؟؟"
    فقلت:
    "إنه أكبر بكثير مما تظنين..."
    بعد حديثي معها جلست أفكر طويلا... لم أكن أتوقع أن يكون الأمر هكذا... ما الذي سأفعله وكيف سأتصرف؟؟
    بعد حوالي الأربعين دقيقة خرجت من غرفتي قاصدة الذهاب إلى غرفة المعيشة ورأيت وليد هناك يجلس على طرف أحد المقاعد ويبدو عليه الاضطراب ولما رآني سأل:
    "ألم يعد سامر؟"
    فأجبت:
    "لا أعرف. لا أظن فأنا لم أسمع صوت الباب".
    وهنا سمعت صوت الباب الخارجي, فوقف وليد ثم قال بصوت هامس:
    "لا تنسي ما قلته لك".
    فأومأت برأسي.. وخطوت إلى الداخل.
    وافانا سامر مباشرة ولم يلق التحية بل ألقى علينا نظرة سريعة ثم هم بالانصراف.
    ناداه وليد وقال:
    "تأخرت يا سامر.. ألا تعلم أن لدي رحلة هذه الظهيرة؟؟ بالكاد يتسع الوقت للوصول للمطار".
    فالتفت سامر إليه ثم ألقى نظرة على ساعة يده ثم قال:
    "لا يزال الوقت كافيا".
    ثم استدار إلى الباب ثم توقف واستدار نحو وليد وقال:
    "على فكرة وليد.. لقد حجزت مقعدا على نفس الطائرة".
    واستدار وولى منصرفا نحو الدرج!
    لم يعط وليد الذهول فرصة لتملكه, بل أسرع عقب أخيه وهو يناديه إلى أن أدركه عند أسفل السلم.. ولحقت بهما في اندهاش شديد..
    قال وليد:
    "ماا تقصد؟؟"
    فأجاب سامر وهو يرفع قدمه إلى الدرجة الأولى:
    "أقصد أنني سأسافر أيضا إلى الشمال الآن".
    وتابع خطواته فهتف وليد:
    "سامر قف هنا وكلمني..."
    فتوقف سامر بعد بضع درجات وأرسل نظراته إلى وليد... وتسللت إحداها إلي فقرصتني...
    قال وليد:
    "ماذا تعني بتصرفك هذا؟؟"
    أجاب سامر وصوته يعلو ويحتد:
    "لا أعني شيئا. لدي أشياء ضرورية لأحضرها وأمور مهمة لأنجزها في المدينة التجارية.. تعرف أن سفري كان مفاجئا وعاجلا جدا".
    فقال وليد بصبر نافذ:
    "ولكنني سأسافر الآن.. فهل تريد أن نسافر كلانا ونترك المنزل ومن فيه هكذا؟؟"
    وأصابتني الفكرة بالرعب... فقال سامر:
    "عد ليلا فهناك رحلة مناسبة هذا المساء".
    ثم تابع صعود الدرجات حتى اختفى عن أنظارنا.. وقف وليد برهة كمن يحاول استيعاب ما سمع, ثم صعد الدرجات ليلحق بسامر..
    استوقفته وقلت مرعوبة من الفكرة:
    "أنا لا أستطيع البقاء وحدي".
    فالتفت إلي وقال:
    "وهل ترينني بهذا الجنون لأفعل هذا؟؟"
    وواصل صعوده حتى اختفى هو الآخر عن ناظري...


    لحقت به إلى غرفته.. نفس الغرفة التي كان يقيم فيها في الماضي والتي نظفتها الخادمة يوم أمس.. ووضع فيها حقائبه وبات على سريره القديم فيها البارحة.
    كان يستخرج شيئا من إحدى حقائبه.. سألته:
    "ألست تمزح يا سامر؟؟"
    فالتفت إلي وقال:
    "وهل تراني بمزاج جيد ومناسب للمزاح؟ ها هي التذكرة على المنضدة أمامك".
    ولمحت التذكرة بالفعل على المنضدة...
    قلت:
    "سامر لماذا تفعل ذلك؟؟"
    أجاب:
    "قلت لك أن لدي حاجيات ضرورية سأحضرها ومهام سأنجزها".
    قلت:
    "وهذه لم تظهر إلا الآن؟؟ أجل سفرك للأسبوع المقبل أو على الأقل لحين عودتي"
    قال:
    "مستحيل سفري ضروري وملح الآن".
    وأخذ بضع أشياء معينة في حقيبة يد صغيرة ثم يأتي باتجاه الباب.. قاصدا المغادرة حاصرت عينيه بنظراتي.. كانتا كوردتين ذبلتا فجأة بعد انقطاع المطر.. شعرت بألم فظيع في صدري وفي معدتي.. استوقفته وقلت بصوت حنون:
    "تمهل يا سامر.. حسنا.. دعنا نناقش الأمر بعد عودتي من السفر.. أعد حقيبتك إلى مكانها".
    توقف سامر عن الحركة وصمت قليلا ثم قال:
    "نناقش ماذا؟"اجترعت المرارة وقلت:
    "ما كنا نناقشه البارحة نبين مواقفنا ووجهات نظرنا... وحقائق الأمور".
    قال سامر والحزم جلي على وجهه:
    "بالنسبة لي هناك حقيقة واحدة لا جدوى من محاولة اللف والدوران بعيدا عن محورها إما أن تعطيني وعدا بإعادتها إلي, أو سأخرج من حياتكما نهائيا".
    قلت:
    "هل أنت مجنون؟"
    فتجاهل سامر تعقيبي وسار مغادرا الغرفة. لحقت به وناديته مرارا ولكنه واصل طريقه, عند أعلى الدرج التفت إلي وأشار بسبابته نحوي وقال:
    "أنت السبب يا وليد.. تذكر هذا".
    وهبط الدرجات واختفى من المنزل
    قرب أسفل العتبات, كانت تقف الفتاة التي تعاركنا بسببها.. سامر خرج مسرعا ولم يلتفت إليها.. استندت إلى السياج وسبحت في بحر من الضياع..
    لماذا وقع شقيقي الوحيد.. في حب الفتاة التي هي حبيبتي أنا.. فتاتي أنا..التي لن أتنازل عنها لأجل أي مخلوق.. حتى وإن.. كنت أنت يا سامر..
    وبسبب سفره اضطررت لأن ألغي رحلتي وأبقى مع رغد.. فيما النار مشتعلة في المزرعة.. تنتظر عودتي كي أخمدها..
    مع بداية أسبوع جديد.. عادت رغد إلى جامعتها كانت لاتزال بالجبيرة والعكاز.. ولكن ذهابها إلى جامعتها كان الحل الأمثل للوضع الحالي المضطرب..
    ولأنها لاتزال بحاجة للمساعدة, فقد وجدنا الحل في أن ترافقها صديقتها المقربة ذهابا وعودة في الفترة الراهنة, على أن أتولى بنفسي إيصالهما.
    وفي إحدى المرات, وفيما كنت في اجتماع مهم في مكتبي في مبنى إدارة المصنع, وردتني مكالمة من رغد. كانت الساعة الثانية عشر والنصف ظهرا, ورغد لم تكن تتصل إلا للضرورة ولما أجبتها أخبرتني بأنها أنهت محاضراتها لهذا اليوم وتريد العودة إلى المنزل.
    لم يكن التوقيت مناسبا فطلبت منها أن تنتظر اتصالي لاحقا.
    وبعد نحو أربعين دقيقة, اتصلت بها كي أخبرها بأنني مشغول ولن أوافيها قبل ساعة, ففوجئت بها تخبرنب بأنها وصديقتها الآن في طريق العودة إلى المنزل, في سيارة شقيقها.
    هذا الشقيق لم يكن إلا... الأستاذ عارف.
    تمالكت نفسي, وأنهيت المكالمة بهدوء ظاهري, وتابعت عملي دون تركيز حقيقي...
    وعندما عدت إلى المنزل, حاملا طعام الغداء كالعادة, كانت الساعة تقترب من الرابعة عصرا...
    توجهت إلى غرفة رغد, لا أطيق صبرا... ولما اقتربت من الباب سمعت صوت ضحكات.. كانت ضحكات رغد ممزوجة مع ضحكات فتاة أخرى...
    ذهبت إلى المطبخ وسألت الخادمة, فأخبرتني أن لدى رغد ضيفة تناولت معها غداء أحضرتاه معهما ظهرا... وهما تجلسان في الغرفة منذ فترة.
    انزويت على نفسي في غرفة المعيشة.. بعد ساعة ونصف الساعة, سمعت صوت حركة في الممر... ومعها صوت الفتاتين تودعان بعضهما البعض, ثم صوت الباب الرئيسي يغلق.
    هببت واقفا وسرت نحو الباب وأنا أتنحنح لألفت الانتباه... وفي الممر رأيت رغد تسير باتجاه غرفتها فناديت:
    "رغد".
    التفت إلي, وسرعان ما لمحت البهجة على وجهها... كان واضح أنها مسرورة..
    سألتني:
    "أنت هنا؟ متى عدت؟"
    سرت نحوها وأنا أجيب:
    "قبل ساعة ونصف تقريبا".
    وأضفت:
    "آسف. لقد كنت في اجتماع مهم".
    قالت:
    "لا بأس".
    ثم استدارت تريد متابعة السير إلى غرفتها.
    انتظري! إلى أين تذهبين...؟؟ قلت:
    "إذن... عدتما مع... الأستاذ عارف؟"
    فالتفتت إلي ولاتزال تعبيرات السرور بادية على وجهها وقالت:
    "أجل...فقد أنهينا محاضرات اليوم باكرا ولم نشأ تضييع الوقت في الانتظار... عدنا ودعوت مرح للغداء والمذاكرة معي".
    كتمت ما في نفسي وتركتها تعود إلى غرفتها بسلام.
    وعدت إلى غرفة المعيشة.. وكررت الاتصال بشقيقي عدة مرات بلا جدوى.. إنني لم أتمكن من محادثته منذ سافر.
    اتصلت بالمزرعة وكالعادة رفضت أروى التحدث معي.. وأعاد العم إلياس تأكيده بأن الوضع حرج وأن علي الحضور فورا...
    وككل يوم... دخلت مكتبي وبقيت فيه, وبقيت رغد في غرفتها... في الواقع لم نكن نلتقي إلا على مائدة العشاء التي نتناول طعامنا حولها شبه أخرسين...
    شعرت بملل شديد وأنا في المكتب... ولم يفلح حاسوبي في شغل تفكيري... لدي أمور أعمق وأهم لأفكر بها...
    غادرت مكتبي طالبا بعض الاسترخاء... وفي الواقع... بحثا عن رغد.كانت في غرفتها...
    "هل كنت تدرسين؟"
    أجابت وهي تفتح الباب وتشير إلى مجموعة من كراسات الرسم الموضوعة على سريرها:
    "كنت أتصفح رسماتي".
    قلت محاولا إذابة بعض الجليد من حولنا:
    "ألديك الجديد؟ أيمكنني التفرج؟؟"
    ظهر على رغد وجه رغد تعبير لم أفهمه... ثم توهج قليلا...وقالت:
    "نعم,بالطبع... تفضل".
    آذنة لي بدخول الغرفة, فقلت مفضلا:
    "دعينا نذهب إلى المطبخ... سأعد بعض الشاي".
    وسبقتها إلى المطبخ وبدأت بالتحضير للشاي.وافتني بعد قليل تحمل إحدى كراستها. وضعتها على الطاولة وجلست وهي تقول:
    "لا أظنك شاهدت هذه".
    وقد كنت فيما مضى أتفرج على لوحاتها الجديدة من حين لآخر... وكانت صغيرتي تسر بذلك... أقبلت نحوها وجلست على المقعد المجاور لها, وتناولت الكراسة وشرعت في تصفحها...
    سمعنا صوت فقعات الماء المغلي... فوقفت رغد قائلة:
    "سأعده أنا".
    وأمسكت بعكازها. قلت وأنا انظر إلى العكاز وأتذكر موعد الطبيب:
    "غدا نذهب إلى الطبيب وينزع جبيرتك وتستغنين عن هذا أخيرا".
    فابتسمت ابتسامة مشرقة وواصلت طريقها.
    كنا جالسين على مقعدين متجاورين, كما لم نفعل منذ زمن... نحتسي الشاي الدافىء... أنا أقلب صفحات الكراسة, وهي تلقي بتعليق على الصفحات من حين لآخر... لا شيء غير ذلك... لا شيء أقرب من ذلك... أخفي ما يدور في رأسي خلف صفحات الكراسة... أخاول أن أتحدث عن شيء خارج حدود الصفحة, ولا أجرؤ...
    يا ترى... ما الذي تفكرين به الآن أنت يا رغد؟؟
    على الورقة التالية, وجدت ورقة ملاحظات صغيرة, ملصقة على الصفحة المقابلة للرسمة... وكان كتوب عليها وبخط صغير ومرتب كلمات مختصرة فهمت منها أنها تعليق على الرسمة المقابلة..
    كانت الرسمة بالفعل خلابة... تفوق ما سبقها روعة... أخذت أتأملها مطولا... ورغم أنني لا أفهم في فن الرسم شيئا.. إلا أنني انبهرت بها تماما...
    قلت:
    "بالفعل رائعة! ما شاء الله".
    ابتسمت رغد وتودر خداها قليلا ثم قالت:
    "هذه الأجمل بين المجموعة... حسب شهادة الخبراء".
    التفت إليها وسألت:
    "الخبراء؟"
    فقالت وهي تشير إلى ورقة الملاحظات الملصقة على الصفحة المقابلة:
    "هل قرأت هذا؟"
    قلت:
    "نعم. أهي إحدى مدرساتك في الجامعة؟"
    ابتسمت رغد وقالت:
    "لا! إنه الرسام عارف... فقد اطلع على رسومي في هذه الكراسة وأبدى ملاحظاته".
    كدت أوقع قدح الشاي من يدي وأسكبه على هذه الصفحة بالذات... فوجئت... وتسمرت عيناي على ورقة الملاحظات... وعبثا حاولت إبعادهما عنها...
    ماذا تعنين يا رغد؟؟ تعنين أن عارف... عارف هو الذي كتب هذا؟؟ عارف أمسك بكراستك هذه... وتأمل رسماتك؟؟ كيف تجرأت على اقتراف هذا يا رغد؟؟
    التفت إليها أخيرا... وبدأ الشرر يتطاير من عيني... لكن عينيها كانتا تحملقان في ورقة الملاحظات... والبهجة مشعة على وجهها...
    وضعت كوب الشاي جانبا... وشددت على قبضتي غيظا... ثم سألت:
    "و... وكيف شاهد الأستاذ كراستك؟؟"
    فأجابت:
    "أعطيتها لمرح قبل يومين وأعادتها إلي اليوم".
    ازدرت ريقي وابتلعت حنقي معه وتظاهرت بالتماسك وقلت:
    "لكن... لماذا؟؟ أهي فكرتك؟"
    أجابت رغد:
    "فكرة مرح! إنها كانت تصر علي بأن تعرض لوحاتي على شقيقها الفنان منذ مدة... تقول أنها واثقة من أنها ستعجبه وسيرحب بعرضها في أحد معارضه ذات يوم... وأخذت كراستي كعينة".
    عضضت على شفتي وقلت:
    "و... ما رأيك أنت؟؟"
    فقالت بسرور واضح:
    "إذا رسمت لوحة مميزة فلا أحب إلي من أن تعرض ضمن مجموعة لفنان مبدع! سيكون هذا نجاحا كبيرا لي!"
    وكانت عيناها تبرقان سرورا...
    قلت غير قادر على تحمل المزيد:
    "يبدو... يبدو... أنك... مبهورة بالفنان عارف المنذر... ألست كذلك؟؟"
    وانتظرت إجابتها وأعصابي تحترق من الغيظ... رغد رفعت بصرها من الكراسة ونظرت إلي... ثم طأطأت رأسها وتوهجت وجنتاها واضطربت تعبيراتها...
    ماذا تعنين بربك يا رغد؟؟ كيف تجرئين؟؟
    تبا! أي مصيبة ألقت بك علينا أيها العارف؟؟ ومن أين خرجت؟؟
    أنا لا أسمح لك بهذا يارغد...
    أغلقت الكراسة لأنني لم أستطع تحمل شيء بعد... وبدا الاضطراب على أصابع يدي... لم أقو على كبت مشاعري أكثر... كيف... وأنا أقرأ الإعجاب في عين فتاتي برجل ما... أيا كان؟؟
    مددت يدي حتى أمسكت بيدها... وشددت عليها... رغد حملقت بي... وكسا الجد وجهها... رمقتها بنظرات مزجت الغيظ والعتاب والرفض والتوسل... لا أدري إن كانت رغد فهمت أيا منها... تجرأت أخيرا وقلت:
    "رغد... لا بد... وأنك... تعرفين أنه... طلب يدك مني".
    وتفحصت تعبيراتها بالتفصيل... هربت بناظرها عني... وعلاها الارتباك... وحاولت سحب يدها مني... فشددت عليها أكثر... وقلت:
    "إذن...؟؟"
    وتأملتها بتركيز شديد... لم تقل شيئا... ولم تحرك ساكنا... غير أن توهج وجهها تفاقم... ما أشعرني بالأم أكثر فأكثر... فشددت على يدها بقوة أكبر... علها تحس بما أعانيه... هذه الحبيبة الخائنة...
    قلت:
    "ما هو موقفك يا رغد... أخبريني؟؟"
    لكنها لم تتفوه بشيء ولم تنظر إلي... أجيبيني يا رغد أرجوك... قولي أنك لا تفكرين في شيء كهذا... وأنك ترين في العالم رجلا غيري أنا... أريحيني أرجوك!.
    ولما لم تجب... أرسلتني الأفكار إلى الجنون...
    قلت بنيرة عنيفة وقد تفجر الغضب في صوتي:
    "تكلمي يا رغد... أطلعيني على ما تفكرين به الآن".
    نبرتي القوية أخافت رغد.. فألقت نظرة وجلة ثم حاولت تحرير يدها من قبضتي وقالت بتوسل:
    "أرجوك... اتركني".
    وأرادت الوقوف والهرب بعيدا... غير أنني لم أطلق سراح يدها ووقفنا معا... هي تحاول الابتعاد وأنا أعيق تحركها...
    "أرجوك وليد.."
    قلت مباشرة:
    "أرجوك أنت... أطلعيني على ما يدور في رأسك".
    قفزت دمعة فجأة من عين الصغيرة واجتاحها الحزن...
    حرت في تفسير موقفها... قلت:
    "أنا من لم يعد يفهمك... ماذا تريدين؟ بمن تفكرين؟"
    صاحت رغد ووجهها ينكمش:
    "لا أحد...لا شيء... أنا لا أريد أن أتزوج أصلا... أبدا... أنت لن تفهمي.."
    وسحبت يدها... وسارعت بالتقاط عكازها ومغادرة المطبخ...
    رميت بثقل جسمي على الكرسي... وأسندت رأسي إلى الطاولة... وزفرت زفرة طويلة...
    وهذا الموقف العصيب... لم يزد العلاقة بيننا إلا برودا وتباعدا ... وبعد أن كنا نلتقي على الأقل على مائدة الطعام, صرنا لا نلتقي إلا في السيارة... وأنا أقلها ذهابا وعودة إلى ومن الجامعة.
    أما الأحاديث التي بيننا فقد تضاءلت لحد التلاشي... ولم نعد نكلم بعضنا البعض غير كلمة أو اثنتين في اليوم الواحد.
    كان مأزقا شديدا جدا... أثقل كاهلي وأحنى ظهري... إلا أن الورطة التي تلته... تخطت كل شدة وتجاوزت كل حدة... إنها الكارثة التي قصمت ظهري نهائيا...
    كانت ليلة أربعاء... وكنت مستلق في غرفة المعيشة, على وشك النوم, حين وردتني مكالمة هاتفية هيجت كل خلايا اليقضة في دماغي, وغيرت مجرى حياتي مائة وثمانين درجة... على الفور...
    كان المتصل أبا حسام... وهو لم يتصل بي منذ فترة.
    في البداية تجاهلت الاتصال.. فقد كنت أريد الاسترخاء بعيدا عن أي مؤثر خارجي... غير أن إلحاح المتصل... أثار فضولي.
    "مرحبا.."
    أجبت فتحدث أبو حسام مباشرة:
    "مرحبا يا وليد. كيف حالك؟ أين أنت".
    أقلقتني نبرته وسؤاله... فقلت:
    "خيرا؟؟"
    وفوجئت به يقول:
    "هل أنت في المنزل الآن؟؟ أنا عند الباب".
    ماذا؟؟!!
    "عند الباب؟؟"
    سألت مندهشا فأجاب:
    "نعم. فإذا كنت موجودا فافتح لي فهناك ما جئت أخبرك عنه".
    هببت جالسا بهلع... وسألت:
    "ما الأمر؟؟"
    فقال:
    "دعني أدخل أولا".
    وبسرعة ذهبت إلى الفناء وفتحت الباب فوجدت أبا حسام يقف أمام مرآي...
    انتابنب الهلع... فوجوده وفي كثل هذا الوقت وبهذه الحال ينذر بالخطر...
    قدت الرجل إلى الداخل...وكان يسير بحذر... وذهبنا إلى المجلس الرئيسي وأنا بالكاد أسيطر على ذهولي...
    بمجرد أن جلس على المقعد وقبل أي كلام آخر سألته:
    "ماذا هناك؟؟"
    أبو حسام تلفت يمنة ويسرة... وكأنه يريد أن يستوثق من أن أحدا لا يسمعنا... وكان الجد مجتاحا قسمات وجهه بشكل مخيف...
    لطفك يا رب...
    تحدث أخيرا وقال:
    "هناك أمر خطير يجب أن تعرفه وتتصرف حياله فورا يا وليد".
    أفزعتني الجماة, فحملقت به بأوسع عيني... وقلت:
    "أي أمر؟؟"
    قال وهو يخفت صوته:
    "المصادر التي حصلت منها على المعلومات موثوقة مائة في المائة. وأنا أخاطر بإفشائها لك... وقد أتيت سرا لأبلاغك... يجب أن تعيها جيدا وتتصرف حيالها بمنتهى الحذر... وبمنتهى السرعة".
    قلت مضطربا:
    "جففت حلقي يا عم... أخبرني ماذا هناك؟؟"
    وهنا قرب أبو حسام رأسه مني وقال بصوت حذر:
    "يتعلق الأمر... بشقيقك".
    توقف قلبي عن النبض فجأة... وصدري عن التنفس... واجتاحني فزع مهول... رفعت يدي إلى صدري وقلت بفزع:
    "ما به شقيقي؟؟"
    أبو حسام ركز أنظاره على وجهي وكأنه يقيس مدى الفزع فيه... ثم سأل:
    "أهو هنا؟؟"
    فقلت باضطراب:
    "لا... لكن مابه شقيقي؟ أرجوك أفصح؟؟ هل أصابه شيء؟؟"
    هز أبو حسام رأسه بنفي ممزوج بالأسف... ثم قال:
    "ليس بعد... لكنه على حافة الخطر..."
    ثم استنشق نفسا قويا من فمه وزفره أسفا ثم قال:
    "هل تابعت خبر محاولة اغتيال الوزير... الذي نفذته المنظمة المتمردة قبل أيام؟؟"
    أجبت بنظرة من عيني... تابع بعدها أبو حسام قائلا:
    "أخوك... متورط مع هذه المنظمة... وشارك في العملية بكل تأكيد".
    جفلت... تسمرت في وضعي... تصلبت أطرافي وتيبست عضلاتي... حتى كلمة (ماذا؟؟) لم أقو على النطق بها... أنا ربما... لا أسمع جيدا... ربما أنا نائم؟؟... ماذا... ماذا قلت؟؟
    حملقت في أبي حسام... غير مصدق... مذهولا لأبعد حد... فرأيت الجد ينبثق بقوة من عينيه... ثم إذا بي أحس بيده تمسك بكتفي... وصوته يطن في أذني:
    "الخبر أكيد تماما... طرت إليك من فوري لأبلغك... أحد الأعضاء وقع في أيدي السلطات وانتزعت منه اعترافات خطيرة... وهي في طريقها للقبض على العناصر جميعا..."
    وصمت لحظة... يراقب ردة فعلي وانفعالاتي المذهولة غير المصدقة, ثم أضاف:
    "سامر أحد العناصر... متى ما وقع في قبضتهم, فسيعدمونه لا محالة".
    أخيرا استطاع فمي النطق متلعثما هاتفا:
    "مستحيل!! م... ما... ما الذي... تقوله؟؟"
    شد أبو حسام الضغط على كتفي وقال:
    "أنا واثق من معلوماتي تماما..."
    شهقت ونطقت:
    "ما الذي تقوله؟؟ سامر أخي... عضو في... آه... ماذا؟؟ ما هذا الهراء؟؟"
    شد أبو حسام على كتفي بحزم أكبر وقال:
    "أعرف أنها صدمة... لكن... هذا ليس وقت المفاجأة يا وليد. شقيقك في خطر.. يجب أن تعمل فورا وفي الحال على إخراجه من البلد... الآن يا وليد.. قبل فوات الآوان".
    زفرت ونظرت من حولي... علي أجد ما يؤكد لي أنني لست في حلم... كنت رافضا تماما القبول بفكرة أن أخي... أخي أنا... آه كلا... مستحيل...
    قلت رافضا ومشككا:
    "ربما... ربما".
    لكن أبا حسام قال بحزم وجدية بالغين:
    "أنا لم أحضر من الشمال إلى الجنوب وبهذه السرعة وهذا الشكل وهذا الوقت لمجرد ( ربما ). وليد... أرجوك أن تستوعب الحقائق بسرعة. حياة شقيقك في خطر حقيقي... إنه متورط مع المنظمة منذ شهور... بعض العناصر هم زملاؤه في العمل في المدينة الصناعية... والعضو المعتقل وتحت وطأة التعذيب أفشى عن خطتهم التالية ومن سينفذها... سينفذونها هنا في المدينة الساحلية قريبا. السلطات ستنصب كمينا وتبتاغهم وترسلهم جميعا إلى الجحيم... لن ينجو إذا ما وقع في قبضتهم... لا مخرج أبدا".
    أمسكت برأسي الذي أحسست به يتأرجح على عنقي... وأغمضت عيني لأحول دون رؤية الأشياء بدأت تتراقص من حولي...
    أبو حسام وهو يراني هكذا قال حازما:
    "يجب أن تتماسك ياوليد... لا وقت للانهيار... يجب أن تنقذه قبل أن يقبض عليه وحينها... لا أمل في إنقاذه".
    حركت رأسي تأييدا وأنا لا أزال في مرحلة الصدمة, أجبر نفسي على تخطيها وسباق الزمن...
    قلت:
    "ماذا أفعل؟؟ كيف أتصرف؟؟"
    فقال:
    "يجب أن نخرج الشاب من البلد بأسرع أسرع ما يمكن... استخدم كل نفوذك وافعل المستحيل لترحيله إلى الخارج. لا أحد يقع في أيدي السلطات ويعود سالما. وخصوصا في قضية بهذه الخطورة... لا تدخر وسيلة مهما كانت".
    مسحت العرق الذي تصبب على وجهي كشلال مياه مالحة... وأخذت أفتح أزرار قميصي العلوية وكأن ذلك يساعد في إزاحة الكتم عن صدري... ثم قلت:
    "أنا... لا أعرف أين هو الآن".
    فنظر إلي أبو حسام بانزعاج فأوضحت:
    "سافر إلى الشمال الجمعة الماضي, ولم يجب على اتصالاتي".
    ثم قلت مستنتجا بذعر:
    "أخشى أنه..."
    فقاطعني:
    "لا يزال طليقا... وسيشارك في العملية التالية. لا بد وأنه في الجوار الآن.."
    في تلك الليلة... انحرفت الكرة الأرضية عن محور دورانها... وتخبطت واصطدمت في جميع الأجرام السماوية... ولم تبق لا نجما ولا قمرا... إلا وصفعته في رأسي...
    غادر أبو حسام المنزل... مخلفا إياي وسط كومة ضخمة هائلة... من حطام الكواكب...
    بقيت على ذات المقعد... أتلقى الصفعة تلو الأخرى... فاقدا الحواس الخمس... يحسبني الناظر إلي... جثة متصلبة تنتظر من يواريها...
    بعد حقبة من الزمن... الله الأعلم بمداها... عادت الروح إلى جسدي واستطعت التحرك...
    وقفت وأنا مفلوق الهامة... يأمرني الشقي الأيمن بالسير يمينا ويأمرني الأيسر بالسير يسارا... حتى إذا ما سرت... ترنحت وكدت أختتم صدماتي بارتطام بالجدار...
    صعدت السلم وقادتني قدماي إلى غرفة سامر, في الطابق العلوي.
    ربما خيل إلي... أنني سأستيقظ من الكابوس وأرى أخي ينام بسلام على سريره...
    لكنه لم يكن على سريره! أشعلت المصابيح غير أن النور لم يكتشف شيئا مستترا....
    ولا شعوريا أخذت أفتش بين أغراضه...
    مسكين وليد! هل خيل لك دماغك المفلوق... أنك ستجد شقيقك الغائب... مختبئا في أحد الأدراج؟؟
    ما وجدته في أحد الأدراج... كان صندوقا... إنه ذات الصندوق الذي رأيته في شقة أخي في المدينة التجارية... والذي تغلبت على فضولي ولم أفتحه...!
    ولكن لماذا تتحرك يدي لفتحه الآن؟؟ أي من شقي دماغي يأمرها بذلك؟؟
    فتحته... أخيرا فتحته ووقع بصري مباشرة على ما فيه!
    اشرأب عنقي... جحظت عيناي... تصادمت قطرات دمي وهي تتدفق بتهور وعشوائية من قلبي...
    أتعرفون ماذا رأيت؟؟
    لا لن تحزروا...!
    لقد كان... مسدسا!!!




  19. #519
    الوسام الماسي سكون الثلج will become famous soon enough الصورة الرمزية سكون الثلج
    تاريخ التسجيل
    17-02-2009
    المشاركات
    8,868
    ‎تقييم المستوى 40

    افتراضي رد: رواية انت لي... اكثر من رائعه

    الجزء التاسع والأربعون


    يا شقيقي الوحيد



    تقترب الساعة من السابعة والنصف ووليد لم يظهر بعد! سأتأخر عن الجامعة... ألا يزال نائما حتى هذه الساعة؟؟
    كان لا بد لي من الذهاب إلى غرفة المعشية – حيث ينام – وطرُقِ الباب...
    نحن لا نكلم بعضنا منذ أيام... في الواقع العلاقة بيننا شبه منقطعة منذ زمن... وبعد موضوع الفنان عارف هذا الأخير... لم نعد نتبادل غير التحية...
    لكن أنا أرضى من وليد بأي شيء... حتى لو قرر أن يتجاهلني تماما... سأقبل... أريد فقط أن يبقيني تحت جناحه... وأن يسمح لي بأن أراه ولو مرة واحدة كل يوم...
    واليوم سيأخذني إلى الطبيب حتى تنزع جبيرة رجلي أخيرا... وأستعيد كامل حركتي... أخيرا...
    طرقت الباب مرارا ولم يجبني. كان الوقت يداهمني لذلك لم أتردد كثيرا قبل فتح الباب... والمفاجأة كانت أنه لم يكن في الداخل!
    بحثت عنه في المطبخ والغرف المجاورة ولم أجده. شعرت بالقلق... ورجحت أن يكون في الطابق العلوي. لم تكن الخادمة قد استيقظت بعد... اتصلت بغرفته العلوية عبر الهاتف الداخلي وما من مجيب... ازداد قلقي... فاتصلت بهاتفه المحمول... وأخيرا تلقيت ردا:
    "نعم رغد"
    قالها بسرعة وكأنه على عجلة من أمره أو مشغول... سألته مستغربة:
    "أين أنت؟؟"
    فأجاب:
    "في الجوار... سأصل بعد قليل"
    ولكن! إلى أين ذهبت في هذا الصباح الباكر؟؟ وكيف غادرت وتركتني!؟؟
    قلت:
    "حسنا"
    وأنهيت المكالمة وجلست أنتظره في المطبخ. جاء بعد قليل وكان يحمل معه كيسا يحوي أقراص الخبز وفطائر وأطعمة أخرى, فاستنتجت أنه كان في المخبز.
    قاد وليد السيارة بسرعة كبيرة نحو الجامعة, على غير العادة... وتلقى ثلاثة اتصالات هاتفيه أثناء الطريق... وكان ظاهرا من كلامه... أن هناك ما يقلقه...
    لم أجرؤ على سؤاله... فالتواصل بيننا مؤخرا كان مجمدا... ذهبت إلى جامعتي وقضيت نهاري بين زميلاتي بشكل اعتيادي... دون أن يخطر ببالي... أنه سيكون النهار الأخير...
    بعد انتهاء المحاضرات, جلسنا أنا ومرح عند المواقف ننتظر وصول سيارة وليد كالعادة... فهو من كان يوصلنا يوميا ذهابا وإيابا إلى ومن الجامعة. مرت بضع دقائق ولم تظهر السيارة... ووجدت مرح في الانتظار فرصة لتطرح علي السؤال التالي:
    "هل من جديد... عن موضوعنا؟؟"
    تعني موضوع عرض الزواج!
    آه يا مرح! وهل هذا وقته؟؟
    لم أشأ أن أكون فظة... وأخبرها مباشرة بأن تنسى الموضوع نهائيا... خصوصا وأن هناك طلب رسمي من عائلتها مقدم رسميا إلى وليد... ولي أمري.. والذي يجب أن يتولى بنفسه الرد الرسمي على الطلب, لم أشأ أن أحرجها وأحرج نفسي لذا قلت متظاهرة بالمرح:
    "انتظروا رد أبي!"
    لكنني لم أتخلص منها إذ سألت من جديد:
    "ماذا عن رأيك أنت؟؟ هل توافقين على الفكرة مبدئيا؟؟"
    واحترت بم أجيب؟!
    ربما فسرت مرح حيرتي بأنها قبول وخجل... فها هي تبتسم بسرور!
    أظهرت الجد على ملامح وجهي وقلت:
    "مرح... هناك شيء لم أطلعك عليه من قبل"
    فاتسعت ابتسامتها وقالت بفضول مندفع ممزوج بالمزح:
    "ما هو؟؟ أخبريني!سرك في بئر!"
    آه! يبدو أنه من الصعب أن تأخذ مرح الأمور بجد حقيقي!
    قلت وأنا مستمرة في نبرة الجد:
    "لقد... كنت مخطوبة في السابق"
    اتسعت حدقتا مرح بشدة... وحملقت بي غير مصدقة, فقلت مؤكدة:
    "نعم... ولعدة سنوات!"
    قالت بعد ذلك وفمها مفغور:
    "أحقا!! لا أصدق! كيف!؟؟ متى؟؟ أين؟؟ من؟؟"
    انتظرت حتى تستفيق من أثر المفاجأة ثم قلت:
    "بلى صدقي"
    فقالت مباشرة:
    "متى رغد!؟"
    أجبت:
    "منذ سنين... كنت صغيرة...و... لقد انفصلت عنه... قبل شهور"
    لم تخف مرح دهشتها الشديدة...
    أستغرب من نفسي!!
    كيف أذكر هذا الموضوع وكأنه موقف عابر وانتهى... بينما كان في الواقع حدثا استمر لأربع سنين؟؟!!
    أربع سنين عشتها مخطوبة لسامر... وأنا لا أعرف ما هي حقيقة مشاعري نحوه... أصلا... لم أكن أعرف أن هناك أنواع من الشعور... لم أذق منها سوى طعما واحدا... إلى أن ظهر وليد في حياتي من جديد... وأذاقني أصنافا أخرى...
    سألت مرح:
    "من كان؟؟"
    فنظرت إليها نظرة قوية... ثم أبعدت بصري عنها وطأطأت رأسي... وبعد تردد قصير أجبت:
    "ابن عمي"
    حينها هتفت مرح بدهشة وهي ترفع يدها إلى فمها:
    "المليونير!!! وليد شاكر!!؟؟"
    التفت إليها بسرعة وقد لسعني تعليقها بقوة فأجبت بتوتر:
    "لا... لا..."
    ثم زممت شفتي وأضفت:
    "شقيقه الأصغر"
    فقالت مرح وقد بدا وكأنها آخذة في الاستيعاب:
    "هكذا... إذن!"
    ثم صمتت قليلا... وعادت تسأل:
    "و... لماذا انفصلتما؟؟"
    وعند هذا الحد كان يجب أن نتوقف... قلت وأنا أفتح حقيبتي وأستخرج هاتفي وأتظاهر بعدم الاكتراث:
    "لا نصيب"
    واتصلت مباشرة بوليد... أسأله عن سبب تأخره...
    وأدهشني وحيرني حين أجاب:
    "أنا آسف يا رغد. لا أستطيع الحضور الآن. مشغول جدا. عودي مع صديقتك"

    **********

    كنت ساعتها أبذل كل الجهود الممكنة والمستحيلة من أجل تسهيل أمر ترحيل أخي إلى الخارج في أي لحظة تصل يدي إليه... اتخذت عشرات التدابير... ووضعت عدة خطط وبدائل خطط... استعدادا للعملية...
    لم يعد لدي شك في أن أخي بالفعل متورط مع تلك المنظمة... ولم أعد بحاجة إلى دليل إضافي بعد ما وجدت في الصندوق...
    لا وقت لدي كي أستوعب وأحلل... أنا هنا فقط لأعمل وأعمل... بشتى الطرق... لأعثر عليه وأخرجه من البلد قبل أن تسبقني السلطات إليه...
    ولشخص مثلي... عاش في السجن ثمانية أعوام... ورافق مجرمي أمن البلد... وعاصر مصارعهم أمام عينيه, لا أحد بحاجة لأن يشرح لي... ما الذي يمكن أن يلاقيه أخي... لو تم اعتقاله...
    عدت إلى المنزل عند الخامسة... في أشد أشد حالات الإعياء والتعب...
    عند وصولي استقبلتني رغد بوجه قلق... وسألتني مباشرة:
    "تأخرت وليد..."
    وسرعان ما لاحظت أثر الإعياء صارخا على وجهي... فقالت هلعة:
    "ماذا هناك..."
    فركت عيني اللتين لم تذوقا للنوم طعما منذ البارحة ثم قلت:
    "متعب من العمل... سأخلد للنوم"
    وخطوت خطوة باتجاه غرفة المعيشة, فاستوقفتني رغد قائلة:
    "موعدي مع الطبيب"
    فتذكرت... أن اليوم... هو موعد نزع جبيرة رغد... وهو أمر ألغاه من ذاكرتي ما حل مكانه بكل قوة...
    التفت إليها وقلت:
    "لا وقت لدينا"
    فنظرت إلي بحيرة واستغراب وحزن... عندها اقتربت منها خطوة وقلت:
    "رغد... اجمعي أهم أشياءك في حقيبة... جهزيها في أسرع وقت اليوم"
    بدا الذعر على وجه صغيرتي ورفعت يدها نحو عنقها وقالت متوجسة خيفة:
    "ستعيدني إلى خالتي؟؟... كلا أرجوك"
    فحملقت فيها قارئا مخاوفها وتوسلاتها ثم قلت:
    "ليس هذا... قد نضطر إلى سفر طارئ وحرج في أية لحظة... استعدي"
    وتابعت سيري إلى غرفة المعيشة تاركا إياها في حيرتها... واستلقيت على الكنبة وغرقت في النوم بسرعة...
    "وليد... سامر هنا"
    فتحت عيني... واستفقت لأكتشف أنني لا زلت نائما على الكنبة... وأرى رغد تقف أمامي...
    لكن... مهلا... ماذا كانت تقول؟؟ ماذا كنت أحلم؟؟ ماذا سمعت؟؟ ماذا هيئ لي؟؟
    استويت جالسا وأنا لا أزال بين النوم والصحوة... ونظرت إلى ساعة يدي... فرأيتها تشير إلى الثامنة مساء...
    أوه... الصلاة...
    قلت:
    "لماذا لم توقظيني عند المغرب؟"
    كان شيئا من القلق علو وجهها... وسمعتها تقول:
    "لم أكن أعلم أنك لا تزال نائما... أحسست بحركة في المنزل فبحثت عنك... ووجدتك نائما هنا... سألت الخادمة فأخبرتني بأنها رأت السيد الأصغر يصعد السلم... أتيت لأوقظك وأخبرك بهذا"
    لخمس ثوان بقيت محملقا فيها أستوعب ما قالته... ثم... وبسرعة البرق... قفزت من مكاني وركضت طائرا نحو الطابق العلوي...
    أقبلت باندفاع نحو غرفة شقيقي وكان الباب مغلقا... ففتحته بسرعة واقتحمت الغرفة...
    وكم كاد قلبي أن ينفجر من البهجة... حين رأيت شقيقي سامر... يقف أمام عيني...
    "الحمد لله"
    انسكبت الجملة من لساني وطرت نحو شقيقي وطوقته بذراعي وضممته إلى صدري...
    "حمدا لك يا رب... حمدا لك يا رب"
    ألف حمد لك يا رب... فقد رددت إلي شقيقي سالما... حيا... معافى... الآن أستطيع أن أخبئه... أن أحميه بحفظك... وأبعده عن الخطر...
    أزحت ذراعي عن أخي ونظرت إلى عينيه... فرأيت الشك... والاتهام ينبعثان منهما... وانتبهت حينها إلى الصندوق الذي كان سامر يخبئ فيه السلاح... موضوعا ومفتوحا على السرير...
    كلانا نظر إلى الصندوق... ثم إلى بعضنا البعض... ونظرتنا تبلغ إحداها الأخرى... بما استنتجت...
    أخيرا نطق سامر قائلا:
    "أين هو؟؟"
    يقصد المسدس.. والذي أخذته أنا من صندوقه ذلك اليوم, وأخفيته...
    لم أجب... فكرر سامر وبنبرة أغلظ وأشد:
    "أين هو؟؟"
    حدقت به برهة ثم قلت:
    "تخلصت منه"


    بدأ وجه شقيقي يضطرب... تغيرت ألوانه وتبدلت سحنته... وزفر بنفاذ صبر وعاد يكرر:
    "وليد... أخبرني أين وضعته؟؟ ولماذا سمحت لنفسك باقتحام غرفتي والعبث بأشيائي؟؟"
    قلت محاولا امتصاص غضبه وأنا أمسك بذراعه:
    "دعنا نجلس ونتحدث"
    غير أن أخي سحب ذراعه من يدي وهتف بعصبية:
    "أعده إلي يا وليد الآن... لا وقت عندي"
    فنظرت إليه بعطف وقلت:
    "لا وقت... لماذا؟؟ ما أنت فاعل؟؟"
    فرد باقتضاب:
    "ليس من شأنك... ولا تقحم نفسك في ما لا يخصك"
    فرددت مباشرة معترضا:
    "لا يخصني؟؟ أنت شقيقي يا سامر... شقيقي الوحيد وكل ما يتعلق بك يخصني ويعنيني"
    قال سامر بعصبية وصبر نافذ:
    "وليد لو سمحت... لا داعي لتضييع الوقت في الكلام... أعد السلاح إلي في الحال ودعني أذهب"
    وكلمة (أذهب) هذه هزت جسدي من شعر رأسه إلى أظافر قدميه... ثم هززت رأسي بــ (كلا) فما كان من أخي إلا أن تجاوزني وسار مندفعا نحو الباب وهو يقول:
    "سأفتش عنه بنفسي"
    وانطلق نحو غرفة نومي... دخلها وباشر بتقليب الأشياء وبعثرة كل ما تقع يده عليه, بحثا عن المسدس...
    وقفت عند الباب أراقبه... وأنا لا أصدق أنها الحقيقة... أخي أنا... عضو في منظمة للمتمردين... يشارك في تنفيذ عمليات إجرامية؟؟ أخي أنا... يملك سلاحا... ويغتال البشر...؟؟
    "أين أخفيته يا وليد تبا لك!"
    قال ذلك بعد أن اشتط به الغضب ويأس من العثور على ضالته... فقلت: "لا تتعب نفسك... إنه ليس هنا"
    التفت إلي والشرر يتطاير من عينيه وزمجر:
    "إذن... لن تدلني على مكانه؟؟"
    فأجبت بحزم مع مرارة:
    "أبدا"
    وما كان من شقيقي إلا أن ألقي ما كان في يده وسار منطلقا إلى خارج الغرفة وباتجاه السلم...
    تبعته وأنا أقول:
    "إلى أين ستذهب؟؟ إنه ليس في المنزل"
    فسمعته يرد:
    "إذن... سأترك لك أنت المنزل"
    انفجرت القنابل في رأسي... ركضت خلفه وأنا أهتف:
    "انتظر... انتظر"
    قفزت الدرجات قفزا حتى أدركته عند أواخرها وأطبقت بيدي على ذراعه... قلت:
    "لن أدعك تخرج"
    سامر حاول تحرير ذراعه من قبضتي فشددت أكثر... فصرخ في وجهي:
    "اتركني"
    غير أنني شددته أكثر وأعقته عن التقدم...
    حينها سدد ركلة بركبته إلى معدتي مباشرة... وفرط الألم أصابني بشلل مفاجئ... فتمكن من الإفلات من قبضتي وهرول مبتعدا...
    لحقت به بسرعة وأدركته عند الممر فأمسكت به وجذبته وأنا أهتف:
    "لن أدعك تذهب يا سامر... لن ادعك"
    ودارت بيننا معركة عنيفة... أشد شراسة وضراوة من تلك التي أشعلناها ليلة زيارة (عارف المنذر) لنا...
    كنت أضربه وأنا أتألم... أمزق ملابسه وأنا أتمزق... أدميه وأنا أنزف... يستحيل أن أتركك تخرج يا سامر... وإن اضطررت لكسر ساقيك فسأفعل... لكنني لن أدعك تقع في أيدي السلطات... لن أدعهم يلمسوا منك ولا شعرة واحدة...

    *********

    وقفت أشاهد عراك ابني عمي الجنوني مذعورة... ألصق جسدي بالجدار خشية أن تنالني صفعة طائشة من أي من قبضتيهما!
    كلما ضرب أحدهما الآخر أطلقت صيحة ذعر وأخفيت عيني خلف راحة يدي.. وانتفض جسمي. كان سامر يحاول التوجه إلى المدخل.. إلى الباب.. لكن وليد كان يجره في الاتجاه المعاكس وهو يصرخ:
    "لن أسمح لك بالذهاب... لن أدعهم يمسكون بك... لن أسلمك للموت بهذا الشكل أبدا"
    وسامر يحاول التحرر من يده وهو يصرخ:
    "اتركني... لا شأن لك بي..."
    فيرد وليد:
    "سيقبضون عليك ألا تفهم؟؟ سيلقون بك في السجن إلى أن يعدموك بأبشع وسيلة.. أنا لن أسمح لهم بالوصول إليك"
    ويحتدم العراك بين الشقيقين وأرى اللون الأحمر يشق جداول وبركا على جسديهما...
    يضرب سامر ساق وليد بقوة فيجثو أرضا... ويحاول سامر الفرار فتقبض يدا وليد على رجله ويشده بعنف فيفقد توازنه ويقع أرضا... يطبق وليد على رجلي سامر ويجره في الممر عنوة... يحاول سامر النهوض ويفشل.. يصرخ:
    "اتركني... ابتعد"
    ويوجه ركلة بقدمه نحو وليد فتصيب أنفه مباشرة... لكن وليد لم يطلق سراح سامر من قبضته بل جره وهو يحك جسده بالأرض... ويحاول سامر غرس أظافره في الرخام الأملس دون جدوى... فيصرخ بصوت أقوى وأعنف:
    "اتركني أيها الوحش"
    ووليد مستمر في جر أخيه إلى أن أدخله مجلس الضيوف... لم أعد من مكاني أستطيع رؤيتهما لكن صراخهما كان يدوي في كل المنزل... وسمعت أيضا صوت المزيد من الركلات والضربات والآهات المتوجعة القوية... والتي جعلتني أرجح أن كسرا ما قد أصاب عظام منهما...
    لم أشعر إلا ودموع الرعب تنسكب فائضة من عيني...
    لقد... سبق وأن عاصرت عراكا بينهما,ولكن ما يحدث الآن... يفوق حد الجنون...
    "رغد"
    فجأة انتفض جسمي على صرخة أحد يهتف مناد باسمي...
    "رغد... تعالي بسرعة"
    حتى أنني لقوة الزمجرة لم أعرف صاحبها...
    "رغد أسرعي"
    أمسكت بعكازي وهرولت نحو المجلس تاركة قلبي معلقا على الجدار الذي كنت أستند إليه... فور وصولي إلى فتحة الباب وقع بصري على وليد يلوي ذراع سامر وهو يلصقه بالجدار بينما يحاول سامر التملص ويسدد رفسات عشوائية نحو رجلي وليد...
    "أغلقي الباب بالمفتاح"
    قال ذلك وليد, فنظرت إليه غير مستوعبة... ماذا يقول..؟؟
    فصرخ:
    "هيا بسرعة.."
    ارتجفت من صرخته ونظرت إلى الباب ورأيت المفتاح مغروسا في ثقبه...
    صرخ وليد:
    "أقفليه بسرعة هيا"
    وفي نفس الوقت صرخ سامر:
    "إياك يا رغد"
    فصرخ وليد صرخة مجلجلة:
    "تحركي"
    انصعت بعدها لأمره بلا إدراك, وأغلقت الباب وأقفلته...
    وقفت خلف الباب المقفل واضعة يدي على صدري... وأنا أحملق في المفتاح... ولم يعطني العراك الذي هز الباب أمام مرآي, أي فرصة للتفكير واستيعاب ما يجري...
    ابتعدت عن الباب وأنا أتوقع أن يقلع في أية لحظة... كان جسد أيا منهما يرتطم به المرة بعد الأخرى... ثم أخذت قبضتا أحدهما تدكه دكا...
    "افتحي يا رغد"
    لقد كان سامر...
    "إياك أن تفتحي... ابقي مكانك"
    صوت وليد...
    وتداخلت الأصوات الصارخة الثائرة المجنونة... افتحي لا تفتحي... حتى شعرت بالدوار وخررت على الأرض...
    انطلق البكاء المكبوت من صدري أخيرا وأخذت أصرخ:
    "ماذا يحدث... ما الذي تفعلانه؟؟ ماذا حل بكما؟؟"
    وأنا لا أفهم شيئا...
    ثم سمعت ضربات قوية على الباب أوشكت على اختراقه من شدتها... وصراخ سامر يهتف:
    "افتحي الباب يا رغد"
    يليه صوت وليد:
    "لا تستمعي إليه يا رغد... إذا خرج فسوف يقتلونه... إياك يا رغد..."
    التفت إلى الباب وهتفت:
    "من يقتلون من؟؟"
    فجاءني رد وليد:
    "الشرطة تطلبه... سيجدونه حتما... أنا سأنقذه قبل أن يصلوا إليه..."
    أنا... لا أفهم شيئا... لا أفهم شيئا...
    "رغد"
    ناداني وليد:
    "رغد أتسمعين؟؟"
    أجبت:
    "نعم"
    قال:
    "أحضري هاتفي المحمول بسرعة"
    لم أعقب... فقال:
    "هل تسمعينني يا رغد؟؟"
    قلت:
    "ما الذي يجري؟؟ أنا لا أفهم؟؟"
    فقال:
    "أحضري هاتفي... ولا تفتحي الباب إلا حين أطلب أنا ذلك... بسرعة يا رغد"
    ونهضت, وامتثلت لأمر وليد وجلبت هاتفه من غرفة المعيشة. وقفت عند الباب وقلت:
    "الهاتف"
    فسمعته يخاطب سامر:
    "دعني أنقذك يا سامر... أنا أعرف سبيلا لذلك... لا تعترضني أرجوك"
    لكن الظاهر أن سامر انكب مجددا على وليد وتعاركا ثانيا...
    "ما الذي تريده مني؟؟ لماذا لا تتركني وشأني؟؟"
    قال سامر, فأجاب وليد:
    "لن أتركك وشأنك يا سامر... إنهم سيقبضون عليك ويقتلونك ألا تفهم؟؟"
    فقال سامر:
    "وما الذي يهمك أنت؟؟ هذه حياتي أنا"
    فيرد وليد بصوت شجي متألم:
    "كيف تقول ذلك؟؟ إنك أخي الوحيد... كل من تبقى لي من عائلتي... أنا لا أقبل أن يصيبك أي ضرر"
    فرد سامر:
    "منافق"
    فجاء صوت وليد يرد بألم أشد:
    "أنا يا سامر؟؟"
    فيقول سامر:
    "أنت أصلا لم تكترث لي ولمشاعري... أي أخوة وأي نفاق"
    وحل صمت مفاجئ... بعد طول جلبة وضجيج... ثم سمعت وليد يقول:
    "أكترث لك ولكل ما يعنيك يا سامر... ألا ترى ما أنا فيه؟؟ ألا ترى؟؟ ألا تعرف ما حل بي منذ عرفت؟؟"
    ثم أضاف:
    "دعني أجري اتصالاتي وأتصرف بسرعة قبل فوات الأوان"
    فقال سامر:


    "وفر جهودك... لقد فات الأوان... أنا لا يهمني أي شيء... لا الحياة ولا الموت"
    فرد وليد:
    "لم يفت الأوان... سأعمل على إخراجك من البلد ومن كل بد"
    ثم تغيرت نبرته إلى الرجاء وقال:
    "ابق مكانك... أرجوك أنا مرهق... لا طاقة لي بالمزيد"
    ثم اقترب صوته... صار عند الباب مباشرة... خاطبني أنا قائلا:
    "رغد افتحي الباب"
    وبقيت لثوان مترددة... وسألت:
    "هل أفتح؟؟"
    فأجاب:
    "نعم افتحي"
    بحذر أدرت المفتاح في ثقبه... ثم رأيت قبضة الباب تدور... والباب ينفتح ويظهر منه وليد... بمظهر فظيع ومرعب...
    تحرك وليد بسرعة إلى الخارج وصد محاولة سامر للحاق به وأغلق الباب وأقفله فورا...
    أخذ سامر يضرب على الباب بيديه ورجليه وهو يصرخ طالبا منا فتحه ووليد واقف على الناحية الأخرى يقول:
    "لن أفتحه يا سامر... أرجوك لا تعقد علي الأمر... انتظر حتى أؤمن فرارك... أرجوك ثق بي"
    صرخ سامر:
    "جبان... ستدفع ثمن هذا..."
    ولم يجب وليد...
    رأيته يطأطئ رأسه... ثم يمسح براحته على وجهه ثم يرفه رأسه متأوها ويمسد على ذراعه... ثم يستدير إلي...
    هل أصف لكم كيف كان؟؟
    يفوق الوصف...
    الملابس... ممزقة... ملطخة بالدماء... العنق... مخطط بالخدوش الدامية... الشعر مبعثر في كل الاتجاهات... كعش هجره عصفوره قبل أن يكمله... الوجه متورم شديد الاحمرار... متغير الملامح... يحملق الناظر فيه بضع دقائق... ليعرف صاحبه... وشارعان متوازيان من الرواسب المالحة... يمتدان من المقلتين شاقين الوجنتين... ينتهي أحدهما إلى غابة من الشعر الأسود... والآخر يصب كنهر ناضب في بركة من الدماء الغزيرة...تنبع من أنفه...
    وليد... قلبي!!!
    مد وليد يده باتجاهي... ومن فرط ذهولي بفظاعة منظره... لم أفهم ما يعني...
    هل... هل يريد أن... أشد على يده وأربت عليه؟؟
    أم... يريد أن... أنظف جراحه وأضمدها؟؟
    أم... يريد أن يستند إلي... نعم... فهو في حالة فظيعة... وربما لا يستطيع السير بمفرده...
    لما أحس وليد ضياعي, قال:
    "الهاتف"
    هنا ضرب سامر الباب وصرخ:
    "افتحوا الباب... دعوني أخرج من هنا"
    تناول وليد الهاتف من يدي, ثم نزع المفتاح من ثقبه, ونظر إلي وقال:
    "إياك يا رغد... أن تفتحي له... إياك"
    وربما لاحظ تيهي... وعدم استيعابي لشيء... فقال مؤكدا ومحذرا:
    "حياته بين أيدينا... إياك وفتح الباب مهما حصل... أتفهمين؟؟"
    أفهم؟؟ أفهم ماذا يا وليد؟؟
    هززت رأسي كيفما اتفق... وحاولت أن أنطق بسؤال, غير أن وليد كان قد باشر بالاتصال الهاتفي... وابتعد عني... واختفى...
    بعد ذلك بأربعين دقيقة وفيما كنت أجلس في غرفتي في حيرتي وهلعي أتاني وظاهر عليه أنه استحم ونظف جروحه وبدل ملابسه وأخبرني بأنه سيخرج في مشاوير مهمة وسيعيد الخادمة إلى مكتب التخديم... وسألني إن كنت قد جهزت حقيبة السفر وانزعج عندما أجبته بالنفي...
    "لا وقت أمامنا يا رغد... اجمعي أهم أشياءك واستعدي للسفر الطارئ خلال يومين أو ثلاثة"
    تفاقم القلق على وجهي وسألت:
    "ألن توضح لي ما يحصل؟؟"
    فأجاب إجابة مقتضبة وهو يستدير ويغادر:
    "تورط في عمليات شغب خطيرة... السلطات ستقبض عليه... أريد أن أفر به من البلد وبعدها نوضح الأمور"
    توقف وليد واستدار إلي ونظر إلي نظرة جد وتحذير:
    "لا تفتحي الباب يا رغد... إياك"
    أطال النظرة إلي, ثم غادر... تاركا إياي في ذهول ما بعده ذهول...
    بعد ذلك بفترة قصيرة... خرجت من غرفتي وتسللت بحذر نحو غرفة المجلس... اقتربت من الباب, وألصقت أذني به مسترقة السمع لأي حركة أو صوت يصدران من الداخل... كان الهدوء التام يغمر الغرفة بحيث لا تصدق أنها كانت تعج بالصراخ كالبركان قبل فترة...
    همست بصوت خفيف:
    "سامر"
    ولم أجد جوابا, فطرقت الباب طرقا خفيفا وأنا أنادي:
    "سامر... هل تسمعني؟؟"
    جاء صوت سامر يجيب:
    "رغد"
    ثم أحسست بحركة... سمعت سامر بعدها يقول وقد اقترب صوته من الباب:
    "أين وليد يا رغد؟؟"
    أجبت:
    "خرج من المنزل"
    فسأل:
    "إلى أين ذهب؟؟"
    قلت:
    "قال أن لديه مشاوير ضرورية ليقطعها"
    صمت سامر... فقلت:
    "كيف إصاباتك؟؟"
    فأنا لا أستبعد أن يكون عظم منه قد كسر... بعد العراك الوحشي مع وليد. لم يجب سامر فالتزمت الصمت قليلا ثم سألت:
    "ماذا يحدث يا سامر؟؟ أخبرني"
    ولكنه لم يجب. فواصلت:
    "أرجوك قل لي... ما الذي فعلته ويعرض حياتك للخطر؟؟ ولماذا؟؟ أنا لا أصدق..."
    قال سامر فجأة:
    "رغد افتحي الباب"
    ابتعدت عن الباب, وكأنني أخشى أن أنصاع للأمر بمجرد قربي منه... ولم أعقب... فقال سامر بنبرة رجاء شديد:
    "أرجوك يا رغد... افتحي الباب... هناك من ينتظرني... الأمر مهم جدا"
    فتشجعت وسألت:
    "أي أمر؟؟"
    فسكت سامر برهة ثم أجاب:
    "لا أستطيع أخبارك... افتحي الباب ودعيني أخرج قبل عودة وليد... إنه لا يعرف شيئا ولا يفهم الحقيقة"
    أعدت ذات السؤال:
    "أي حقيقة؟؟"
    فقال بنفاذ صبر:
    "لا أستطيع أن أشرح لك الآن... يجب أن أخرج وإلا فإن كارثة ستحل بأصدقائي... أرجوك يا رغد... افتحيه ودعيني ألحق بالأوان قبل فواته"
    تراجعت للوراء خطوة وأنا أهز رأسي رفضا... وكأنني أحذر نفسي وأنذرها من مغبة الانصياع...
    سمعت سامر يطرق على الباب وهو يقول:
    "أين أنت يا رغد... أرجوك... افتحيه"
    فقلت:
    "لا أستطيع"
    قال:
    "لماذا؟؟"
    فأجبت:
    "وليد..."
    وقبل أن أتم الجملة قاطعني قائلا بحنق:
    "وليد لا يعرف الحقيقة... إنه سيندم كثيرا حينما يكتشفها... لا وقت لأوضح لك يا رغد... أرجوك افتحيه وخلصيني"
    قلت:
    "انتظر حتى يأتي وليد وبين له الحقيقة... ثم... ثم إن المفتاح معه هو"
    فقال:
    "ستجدين مجموعة المفاتيح الاحتياطية في درج مكتبه كما يتركها عادة... هاتي المجموعة وفتشي عن المفتاح المناسب. بسرعة يا رغد... أرجوك"
    قلت وأنا أبعد يدي خلف ظهري:
    "لا أستطيع يا سامر... وليد حذرني"
    فإذا به يقول فجأة:
    "طبعا ستطيعينه هو"
    فوجئت من كلامه, وسحبت يدي نحو صدري ثم قلت مبررة:
    "لأنه... قال... إن هذا خطر على حياتك"
    فرد سامر بعصبية:
    "غير صحيح... إنه مخطئ... بقائي هنا خطر على حياتي وحياة أصدقائي"
    ثم أضاف:
    "أنت تشاركين في تعريض حياتنا للخطر... هل هذا يرضيك؟؟"
    قلت:
    "لا"
    فقال:
    "إذن افتحي الباب... وأنا أضمن لك بأننا سنكون بخير وممتنين لك على إنقاذنا"
    "أحقا؟؟"
    "أجل يا رغد... هيا الآن افتحيه... وأنا سأتصل بوليد وأشرح له كل شيء... عجلي أرجوك"
    احترت في أمري... فسامر يبدو صادقا جدا فيما يقول... وكان يقنعني بأنني أعرض حياته للخطر بإبقائه حبيسا... لكن نظرات وليد المهددة... وهو يخاطبني قبل خروجه مباشرة تجعلني أتردد... وأبتعد عن الباب...
    "رغد... الآن"
    قال سامر... غير أنني أجبت حاسمة الأمر:
    "لا أستطيع يا سامر... سامحني"
    وسمعت على أثرها ضربة قوية تصدع الباب لها...
    عدت إلى غرفتي وبدأت أحاول جمع أهم حاجياتي في حقيبة صغيرة... وبعد نصف ساعة سمعت ضربا على باب غرفة المجلس, وصوت سامر يناديني...
    توجهت إليه مسرعة وقلت:
    "نعم سامر أنا هنا"
    فقال:
    "رغد هل لي ببعض الماء من فضلك؟؟"
    ولما لاحظ صمتي قال بنبرة رجاء:
    "أكاد أموت عطشا... اجلبي لي قارورة كبيرة رجاء"
    قلت بتردد:
    "لكن..."
    فقال بنبرة أشد رجاء... تذوب لها الصخور الصلبة:
    "لكن ماذا يا رغد؟؟ سألتك بالله... حلقي تجرّح من شدة الجفاف... تكاد دمائي تتخثر في عروقها... أرجوك ولو كأسا واحدا"
    انفطر قلبي لكلامه... لم أتحمل... ألقيت بثقل جسدي على الباب وقلت بنبرة توشك على البكاء:
    "لا تخدعني يا سامر... أرجوك"
    فقال:
    "أخدعك؟؟ أقول لك إنني أكاد أموت عطشا... تبخرت سوائل جسمي في العراك مع ابن عمك... ألا ترحمين بحالي؟؟"
    وللألم المرير الذي أحسسته, عزمت على أن أقدم له الماء... ولكنني ما كدت أبتعد بضع خطوات حتى سمعت صوت جرس المنزل يقرع...
    كان قرعا متواصلا مربكا... شعرت بالخوف, وعدت أدراجي إلى الباب أخاطب سامر:

    "جرس الباب يقرع"
    قال:
    "أسمعه"
    قلت:
    "من يكون؟؟ ولماذا يقرع بهذا الشكل؟؟"
    فقال سامر:
    "تجاهليه... إياك وأن تجيبيه"
    وزادت الجملة فزعي... فقلت:
    "من هذا؟؟ لا أشعر بالطمأنينة... أنا خائفة"
    فقال:
    "اسمعي يا رغد... اتصلي بوليد وأخبريه عن هذا وقولي له أن يتوخى الحذر"
    فقلت وقلقي يتفاقم:
    "هل تعرف من يكون؟؟"
    فأجاب:
    "لا ولكن الحذر واجب"
    توقف القرع وأنا أتصل بوليد...
    أخبرته فحذرني من الإجابة على أي طارق وأمرني بأن أبقى ساكنة لحين عودته.
    سألني عن سامر فأخبرته بأنه يشعر بالعطش ويطلب الماء فنهاني عن تصديقه وأكد علي بألا أقترب من الباب نهائيا, وأخبرني بأنه سيعود بعد قليل...
    وهذا القليل استمر قرابة الساعة... ولم تكن كأي ساعة...
    جلست قرب عتبات متصلة بالممر المؤدي إلى غرفة المجلس... في منتصف المسافة ما بين باب المدخل الرئيسي للمنزل وباب المجلس... وألصقت أذنا على كلا البابين...
    الأذن اليمنى كانت تسمع سامر وهو يسأل بمرارة:
    "أين الماء يا رغد؟؟"
    والأذن اليسرى تترقب عودة وليد... وأخيرا التقطت هذه الأذن صوت باب المدخل يفتح...
    هببت واقفة ويممت أنظاري شطر المدخل... متلهفة لرؤية وليد يدخل... فيسكن قلبي...
    إن مجرد الإحساس بوجوده فيما حولي... يشعرني بالطمأنينة والأمان... "لم تقفين هنا؟؟"
    سألني بقلق وهو ربما يلحظ التعبيرات المتلهفة على وجهي, قلت:
    "تأخرت"
    فقال:
    "توخيت المزيد من الحذر..."
    فقلت بشيء من الاندفاع:
    "سامر عطشان... عجل إليه بالماء أرجوك"
    ورأيت عضلات فكه تنقبض ثم عقب:
    "لعن الله الظالمين"
    وسار مباشرة إلى المطبخ, وحمل قارورة ماء وكأسا فارغا واتجه بهما إلى غرفة المجلس...
    "سامر... جلبت لك الماء"
    قال وليد بعد أن طرق الباب واستخرج المفتاح من جيبه... ثم أضاف:
    "أرجوك... لنتصرف كراشدين"
    وبعد تردد قصير, فتح الباب ودخل...

    **********

    رأيت شقيقي جالسا على أحد المقاعد... مبعثر الشعر والملابس, وعليه إمارات الإعياء... وتصبغ ألوان الطيف وجهه المجروح... اقتربت منه وأنا أحمل القارورة الماء وكأسا... ملأته بالماء ثم قربته إليه وقلت:
    "تفضل"
    رمقني أخي بنظرة حادة... وبدا كأنه متردد... ثم حرك يده باتجاه الكأس.
    تناول الكأس مني, وألقى علي نظرة, ثم... إذا به يسكب محتواه فجأة نحو وجهي...
    وقف بسرعة وألقى بالكأس وهرول نحو الباب. وضعت القارورة جانبا وركضت خلفه مسرعا وأمسكت به وجررته إلى الداخل, ثم دفعت به بقوة نحو المقعد وجريت نحو الباب وخرجت وأقفلته على الفور.
    سمعت صوت أخي يصرخ:
    "افتح يا وليد... أنا لست حيوانا لتحبسني هكذا"
    فرددت بانفعال:
    "ستبقى حبيسا هنا يا سامر إلى حين موعد السفر. لن أسمح لأي مخلوق بأن يصل إليك. أتسمعني؟؟ سأخرجك من البلد بعد الغد"
    فصرخ سامر:
    "ومن قال لك أنني أريد أن أخرج؟؟"
    فقلت بعصبية:
    "ستخرج يا سامر. ستفعل ما أطلبه منك حرفيا.. أفهمت؟؟ أنا دبرت كل شيء... لا فكرة لديك عما فعلته وما بذلته لأجل ترحيلك... مهما صرخت ومهما قاومت ومهما تعاركت.. ستفعل ما أريده أنا... شئت أم أبيت ستنفذ خطتي"
    هاج سامر من جديد, وأخذ يضرب الباب حتى خشيت أن ينجح في اقتلاعه... التفت إلى رغد فرأيتها تنظر إلي نظرات ذعر واتهام...
    لا أنقصك الآن يا رغد... أرجوك...
    ابتعدت عن الممر وقلبي يعتصر لحالة شقيقي... ذهبت إلى مكتبي لأخذ بعض الأشياء ثم صعدت إلى الطابق العلوي لأعد حقيبة سفري...
    كانت الأشياء مبعثرة في غرفة نومي... فقد قلبها أخي رأسا على عقب وهو يفتش عن السلاح...
    استخرجت حقيبة سفر صغيرة وبدأت أجمع فيها أهم الحاجيات... وفي ذات الوقت أحاول إعادة النظام إلى الغرفة ولو قليلا...
    فجأة... رأيت شيئا لم أكن أتمنى أن أراه آنذاك... شيئا أسطواني الشكل... مرميا مع مجموعة من الأشياء المبعثرة على الأرض...
    صندوق أماني رغد!
    وصدقوني... لم أنتبه ليدي وهي تضعه في الحقيبة خطأ... كنت شاردا... ولم أكتشف ذلك إلا لاحقا...
    بعد أن انتهيت من إعداد تلك الحقيبة, أقفلت باب غرفتي ثم ذهبت لتفقد غرفة سامر... وأخذت منها هاتفه وحقيبته اليدوية والتي كانت تحتوي وثائق مهمة, وأشياء أخرى... ثم أقفلتها وبقية الغرف, وحملت الحقيبتين إلى الطابق السفلي, ثم ذهبت إلى رغد واستلمت منها حقيبتها, ونقلت الحقائب الثلاث إلى السيارة المركونة في المرآب... عندما عدت للداخل وجدت رغد تقف في انتظاري, وطبعا ألف علامة استفهام تدور حولها... لكنها لم تسألني عن شيء... ربما من هول الموقف... ألقت علي نظرة... وعادت أدراجها إلى غرفتها.
    يدرك كلانا أن المأزق خطير وأنه ليس بالوقت المناسب للكلام...
    اقتربت من باب غرفة المجلس, تحسسته... وداهمني ألم فظيع في معدتي... فانسحبت إلى غرفة المعيشة وابتلعت قرصين من دوائي لم يأتيا بمفعول يذكر وبقيت أتلوى على المقعد لوقت طويل...
    الساعة الرابعة فجرا يرن منبه هاتفي المحمول, يوقظني لتأدية الصلاة...
    أنهيت صلاتي وتلاوتي لآيات الذكر الحكيم ودعائي للرب الرحيم... ثم ذهبت إلى المطبخ ولا شيء يشغل تفكيري غير أخي...
    وضعت بعض الطعام والماء على صينية, وتوجهت بها إلى غرفة المجلس...
    كان نائما بكل هدوء على الأرض, وقد توسد إحدى الوسائد التابعة للمقعد... وتلحف بأخرى... رق قلبي له... أردت أن أربت عليه بحنان... لكني ربت بقوة أشد قليلا لأوقظه للصلاة...
    استيقظ سامر وأخذ ينظر إلى ما حوله بهلع... يبدو أن تربيتي كان أقوى مما تصورت... قلت مطمئنا إياه:
    "بسم الله... لا تفزع... إنه وقت الصلاة"
    نظر إلي أخي ولم يكلمني... ثم نهض وجعل يمدد أطرافه بإعياء... وتوجه إلى دورة المياه التابعة للغرفة. أسرعت وجلبت سجادتي وفرشتها على الأرض... خرج أخي بعد قليل وقال:
    "أريد أن أستحم"
    ترددت قليلا... ثم خرجت وأقفلت الباب وعدت مجددا أحمل إليه ملابس نظيفة... وبقيت في الغرفة إلى أن أنهى حمامه وأدى صلاته... وعيني ترقبه من كل الزوايا...
    قلت:
    "تقبل الله"
    فأجاب دون أن ينظر إلي:
    "منا ومنكم"
    ثم رأيته يضطجع على المقعد... قلت:
    "جلبت لك بعض الطعام... أرجوك تناول شيئا"
    ولم يلتفت أخي إلي...
    قلت:
    "سننطلق قبل طلوع فجر الغد... أخبرني إن كنت تحتاج شيئا لنأخذه معنا"
    ولم يرد...
    اقتربت منه وتحدثت إليه بكل عطف... بقلب يحمل كل الحب والقلق... إذ قلت:
    "أخي... يا نور عيني... أنا لن أسألك لماذا فعلت هذا... ولا يهمني أن أعرف أي تفاصيل... إنني أريد فقط أن تنجو بحياتك وتبتعد عن الخطر بأسرع ما يمكن"
    وتابعت:
    "إنني عشت تجربة السجن... وقد كان معي في زنزانتي مجرمو سياسة وأمن بلد... ورأيت كيف عاملتهم السلطات وكيف عذبتهم أشد التعذيب وقتلتهم أمام ناظري"
    قال أخي أخيرا:
    "نحن لسنا مجرمين"
    تفحصت رده ثم قلت:
    "السلطات تعتبركم مجرمين. تصف كل من يعارضها علنا ويثير الشغب والفوضى بأي شكل من الأشكال تحت اسم مجرمي أمن"
    التفت إلي أخي وكأنه يبدي إلي شيئا من الاهتمام لكلامي أخيرا... فتابعت:
    "كانوا يعذبوننا أشد التعذيب... حتى أنا ورغم أنني لا أنتمي لتلك المجموعة, نلت نصيبي من الضرب المبرح المتوحش... لحبسي في الزنزانة الخطأ"
    وأضفت وأنا أكشف عن صدري وظهري:
    "انظر... كل هذا... وأكثر..."
    مشيرا إلى الندب التي خلفتها يد التعذيب على جسدي... ثم أشرت إلى أنفي وتابعت:
    "حتى أنفي كسروه كما ترى..."
    وتابعت:
    "وصديقي... والد أروى... عذبوه شر تعذيب حتى قضى نحبه وهو على ذراعي..."
    وتخيلت صورة نديم... في آخر لقطة له قبل أن يسلم الروح... وانتفض جسدي وامتقع وجهي وعصرت عيني لأمحو الصورة الفظيعة...
    قلت:
    "بعد كل هذا... كيف تظن بأنني سأسمح لهم بأن يقبضوا عليك؟؟ أبدا... أبدا"
    هنا جلس أخي ورد منفعلا:
    "أنا لا يهمني الموت ولا التعذيب..."
    ارتعدت من رده... وسألت:
    "ما الذي يهمك إذن؟؟"
    فقال:
    "لا شيء... لاشيء يهمني في هذه الدنيا التعيسة... لا شيء"
    وصمت قليلا ثم أضاف:
    "لا شيء... بعد كل من فقدت... انتهى كل معنى للحياة في نظري... فأهلا بالموت..."
    وجذب نفسا ثم تابع:
    "لكنني لن أموت قبل أن أنتقم منهم"
    تضاعف هلعي وسألت:
    "ممن؟؟"
    فأجاب بعصبية:
    "من الأوغاد الخونة الغدارين... الذين قتلوا والديّ..."
    فحملقت به مندهشا, فإذا به يقول:
    "هل تظن أنهما قتلا برصاص العدو؟؟"
    تفاقم تحديقي به, وأضاف:
    "بل هي السلطات الخائنة... التي لم تبذل جهدا لتحمي مواطنيها... وسمحت للمعركة أن تنشب عند الحدود وبالتحديد عند الشارع الذي كانت تعبره حوافل المدنيين الأبرياء العُزّل..."
    ووقف أخي من شدة انفعاله وهتف وهو يضغط على قبضته:
    "جعلوا من الحجيج الآمنين مسرحا لجرائمهم النكراء... لن أسامحهم أبدا وسأجعلهم يدفعون الثمن"
    ثم رأيته يحني رأسه ويخفي عينيه خلف يده... ويصمت برهة... ثم يبكي...
    "سامر"
    ناديته بنبرة ضعيفة حانية... فأزاح يده عن عينيه وقال يخاطبني وسط الدموع:
    "أنت لم تر كيف كان جسداهما... لم تر شيئا... الجبين الذي كنت أعكف عليه تقبيلا وإجلال... مثقوب برصاصة اخترقت رأس أبي... والصدر الذي لطالما احتضننا... وفيه تربينا ومنه تغذينا... صدر أمي... منبع العواطف والمحبة والأمان... ممزق إلى أشلاء... حتى قلبها كان يتدلى خارجا منه... آآآآآآآآآه.... كيف لي أن أنسى هذا آآآآآآآآه"
    وجثا أخي على الأرض وهوى بجبينه عليها وراح يبكي بصوت عال منفلت متألم... ويضرب الأرض بقبضته منهارا...
    لم أقو على تحمل ما سمعت... أطلقت آهة ألم من صدري وسالت دموعي أنا الآخر...
    كان سامر يضرب الأرض وهو يهتف:
    "يا أبي... يا أمي"
    ومع هتافه يتشقق قلبي وينطحن...
    كنت ألاحظ منذ وفاتهما رحمهما الله, أن سامر كان أطولنا حزنا... وأكثرنا تذكرا لهما وتألما على الذكرى... لقد كانا أقرب إليه مني وكان أقرب إليهما مني... بحكم الفترة الزمنية الطويلة التي قضيتها في السجن بعيدا عنهما ومحروما منهما...
    مددت يدي إلى كتفي أخي وشددت عليهما... إلى أن توقف عن البكاء والتفت إلي... ثم بدأ الشرر يتطاير من عينيه وقال:
    "أو تظن أنني سأهرب... دون أن أنتقم؟؟"
    قلت:
    "تنتقم ممن؟؟"
    قال:
    "من أي شيء يتعلق بالسلطات... إنهم هم المسؤولون عن مقتل والديّ... وبهذه الطريقة البشعة"
    وهب واقفا فشددت عليه أكثر فقال:
    "دعني أطفئ النار المتأججة في صدري"
    فقلت:
    "وهل سيعيدهما للحياة... أن ترتكب أي عمل جنوني؟؟"
    فقال:
    "لكنّ غليلي سيشفى قليلا"
    فقلت:
    "وتدفع حياتك أو حريتك ثمنا؟؟ سامر إنهم لن يعتقوك"
    فقال:
    "لا أهاب الموت.. لا يهمني... وليس في حياتي ما يستحق العيش من أجله"
    شعرت بالمرارة من جملته... فقلت مستدرا عطفه:
    "كيف تقول هذا؟؟ سامر أنت لا تزال شابا صغيرا... لديك شبابك وصحتك... وعملك ومستقبلك... وعائلتك... كيف تضحي بكل هذا؟؟"
    فأجاب وهو يرمقني بنظرة حادة...
    "أي عائلة؟؟ الوالدان... قتلا... الشقيقة... رحلت بعيدا... الخطيبة... هجرتني... والشقيق..."
    وأمال زاوية فمه بسخرية وأضاف:
    "منافق.. متبلد.. لا يشعر.. لا يفهم... ولا يكترث..."
    وأضاف:
    "من بعد؟"
    جرحني ما قاله عني... أبعدت يدي عنه ونظرت إلى الأرض برهة... ثم أعدت بصري إليه وقلت:
    "بل أنا أحس يا سامر... أنت أخي... دماؤك هي دمائي... أكترث لك كثيرا... وإلا لما حبستك هنا وفعلت المستحيل من أجل سفرك"
    قال سامر:
    "ثم ماذا؟؟"
    فقلت:
    "ثم ماذا؟؟؟"
    وأجبت على السؤال:
    "ثم تبدأ حياتك من جديد في الخارج... المهم أن تخرج من الخطر الآن... وبعدها سأفعل من أجلك أي شيء"
    فنظر إلي نظرة تشكك... ثم إذا به يسأل:
    "هل ستعيد إلي والديّ؟؟"
    وانتظر ردة فعلي التي لم تكن أكثر من النظرات الحائرة... ثم تابع:
    "أم... هل ستعيد إلي خطيبتي؟؟"
    هنا تصلب جسمي... وتجمدت نظراتي وفقدت القدرة على تحريكها...
    ظل أخي يحملق بي وكأنه ينتظر الجواب... وطال الانتظار...
    ابتسم أخي ابتسامة ساخرة واهية بالكاد لامست طرف شفتيه... ثم أولاني ظهره وجلس على المقعد معلنا نهاية الحوار...
    انسحبت من الغرفة وأقفلت الباب... واستندت عليه وأغمضت عيني بمرارة...
    فهمت.. أن موضوع عارف المنذر... هو الشرارة التي فجرت برميل الوقود...
    هي رغد...
    هل هذا هو الثمن الذي تطلبه لقاء حياتك يا سامر...؟؟
    أتريد أن تخطف قلبي مني من جديد؟؟
    أتريد أن أتنازل لك عن... أول وأكبر وأهم وأعظم حلم في حياتي؟؟
    المخلوقة التي هي جزء لا يتجزأ مني... التي هي أنا... بروحي بقلبي بتفكيري بمشاعري بكياني بماضيّ بحاضري بكل معاني الأنا فيّ...
    إنها ذاتي... كيف أكون... بدون ذات؟؟!!
    آه... يا رب...
    عندما فتحت عيني... خيل إلي أنني رأيت شبح رغد يقف في نهاية الممر... هل الإضاءة ليست كافية... أم أن غشاوة علت عينيّ من هول ما أنا فيه؟؟ أم... أم أنها خرجت من شريط أحلامي وظهرت أمامي كالطيف العابر..؟؟
    أغمضت عيني مجددا... محاولا ابتلاع جرعة الشبح القوية هذه... التي ظهرت لي في أتعس لحظات حياتي... وعندما فتحت عيني من جديد... لم أر شيئا...
    الحادية عشرة صباحا... استيقظت على رنين هاتفي المحمول الموضوع على المنضدة إلى جانبي... في غرفة المعيشة...
    مددت يدي والتقطت الهاتف وأجبت مباشرة:
    "نعم؟"
    فسمعت صوت الطرف الآخر... والذي لم يكن سوى أبي حسام, والذي كنت على اتصال به أولا بأول أبلغه ويبلغني بكل جديد... وكنت قد أبلغته عن عودة أخي وحبسي له في المنزل...
    "مرحبا وليد... اسمعني جيدا..."
    وبدا من نبرة صوته أهمية وخطورة ما سيقوله, وسرعان ما أفصح:
    "الشرطة في طريقها لتفتيش منزلكم... تصرف بسرعة"
    نهضت فجأة... فتبعثرت قصاصات صورة رغد التي كانت نائمة على صدري منذ الفجر.. سألت وقد اجتاحني الفزع والقلق فجأة:
    "ماذا؟؟"
    فكرر أبو حسام:
    "الآن يا وليد... أنا أراهم أمامي في الطريق المؤدي إلى منزلكم. اخف الأمانة بسرعة داخل المنزل... في الحال... في الحال"
    قفزت بسرعة من مقعدي وركضت نحو غرفة المجلس... فتحت الباب وولجتها باندفاع وأنا أهتف:
    "سامر بسرعة... الشرطة قادمة"
    كان أخي نائما ولكنه سرعان ما انتبه على صوتي... أمسكت بذراعه وأنا أشده وأقول:
    "تعال... يجب أن تختبئ في مكان آخر"
    سامر سحب ذراعه من بين يدي وهو يقول:
    "حُلّ عني"
    فهتفت بعصبية:
    "أقول لك الشرطة قادمة... ألا تفهم؟؟"
    فأجاب ببرود:
    "لا يهمني ذلك. سأسلم نفسي وننتهي من هذه المهزلة"
    قلت صارخا:
    "يبدو أنك لا تريد أن تفهم"
    ثم أطبقت على ذراعه وجررته معي إلى خارج الغرفة أسير متخبطا لا أعرف أين أخبئه... ظهرت رغد في الصورة أمام باب المطبخ ورأت المنظر فهلعت وسألت:
    "ماذا هناك؟؟"
    فقلت وأنا أجر أخي رغما عنه نحو المطبخ:
    "الشرطة... يجب أن نخبئه... لن أسمح لهم بأخذه ولو اضطررت لقتلهم جميعا"
    سرت على غير هدى... مرسلا نظراتي لكل ما حولي... مفتشا عن مخبأ...
    خرجت من الباب الخلفي للمطبخ... وسحبت أخي رغم مقاومته إلى الحديقة الخلفية المهجورة...
    نظرت يمنة ويسرة... ولم أجد أمامي سوى قطع من الأثاث القديم الذي أخرجناه للفناء عندما أتينا للعيش في المنزل, أنا ورغد وأروى والخالة, رحمها الله...
    وهناك... على مقربة من أدوات الشواء القديمة... التي أحرقت أخي ذات مرة... كانت مجموعة من قطع السجاد الملفوفة والمكومة على بعضها... كنا قد سحبناها إلى هذا المكان في ذلك الوقت...
    لم تخطر إي فكرة في بالي... أصلا كان دماغي مشلولا عن التفكير... أريد فقط أن أخفي هذا الشقيق عن أعين الشرطة إلى أن أسفره للخارج...
    دفعته حتى وقع أرضا... وجلست عليه حتى لأعيقه عن الحركة ومددت يدي إلى إحدى قطع السجاد الملفوفة ودفعتها لتنفتح...
    سحبت أخي إلى طرف السجادة وجعلت ألفه بها كما تلف الحشوة بالورق... وهو يصرخ:
    "ما الذي تفعله يا مجنون؟؟"
    إلى أن أخفيته تماما في جوف اللفافة. سحبتها بعد ذلك بكل طاقات عضلات جسمي... وركنتها إلى جانب كومة اللفائف الأخرى... ثم أهلت عليها التراب لتبدو وكأنها مركونة هنا منذ سنين...
    "إياك أن تصدر أي صوت يا سامر... لا تضع جهودي هباء... وإذا حاولت شيئا فسأستخدم سلاحك وأقتلهم جميعا... هل تسمع؟؟ لن أسمح لهم بأن يصلوا إليك أبدا"
    وعمدت إلى الرمال أخفي أثار أقدامنا عنهم... ثم قربت وجهي من فتحة اللفافة وقلت:
    "تحمل قليلا... سأخرجك فور ذهابهم... أرجوك اصمد وأنا سأحقق كل ما تتمناه... دعنا نسافر وافعل بعدها ما تريد... أرجوك يا سامر... أنا أرجوك"
    وقمت مهرولا إلى الداخل...
    كانت رغد واقفة عند باب المطبخ الخارجي تراقبنا مفزوعة, وكان جرس المنزل يقرع قرعا متواصلا.
    سحبت الفتاة إلى الداخل وأقفلت باب المطبخ وقلت:
    "إياك وفعل أي شيء يكشفنا يا رغد... أرجوك... حياة أخي رهن تصرفنا"
    أسرعت إلى غرفة مكتبي... والتقطت سلاح أخي الذي كنت أخبئه هناك, وأخفيته في ملابسي...
    جذبت نفسا عميقا ثم توجهت إلى باب المنزل الرئيسي ثم إلى الفناء الخارجي ثم إلى البوابة الرئيسية وفتحتها...




  20. #520
    الوسام الماسي سكون الثلج will become famous soon enough الصورة الرمزية سكون الثلج
    تاريخ التسجيل
    17-02-2009
    المشاركات
    8,868
    ‎تقييم المستوى 40

    افتراضي رد: رواية انت لي... اكثر من رائعه

    تتمــــــــــــــــــه


    ////////////

    كنت في المطبخ أتناول فطوري بهدوء... إلى أن سمعت صوت باب يفتح ووقع خطوات تجري بارتباك على الأرض... قفز إلى ذهني الظن بأن
    سامر قد خرج من الغرفة بطريقة ما ويحاول الفرار... وسمعت صوت وليد بعدها يهتف:
    "سامر بسرعة... الشرطة قادمة"
    انتفضت ذعرا ووقف متكئة كليا على عكازي كعجوز طاعنة في السن... ثم جررت رجلي جرا نحو الباب... ورأيت وليد يقبل باتجاهي وهو يجر سامر قسرا... فسألت بفزع:
    "ماذا هناك؟؟"
    فرد باضطراب شديد:
    "الشرطة... يجب أن نخبئه... لن أسمح لهم بأخذه ولو اضطررت لقتلهم جميعا"
    أخرج وليد سامر إلى الفناء الخلفي ودفنه في جوف قطعة سجاد ملفوفة... مغمورة بالرمال والغبار...
    إنه سيختنق إن بقي هكذا لبضع دقائق... بدون أدنى شك...
    كانت عيناي معلقتين على لفافة السجاد وفوهي مفغور من الخوف والفزع... ولم أشعر إلا ويد وليد تسحبني إلى داخل المطبخ... ثم إذا به يختفي... لبضع ثوان... ثم يعود ومعه رفقة...
    رأيت وليد يقبل نحو فتحة باب المطبخ ويطرقه بيده ويتحدث إلي بينما عيناه تراقبان شخصا آخر:
    "بعد إذنك يا ابنة عمي... لدينا زوار"
    ثم يدخل إلى المطبخ ويتبعه شرطي يرتدي الزي العسكري... شعرت بالقشعريرة تهز بدني ورأيت نظرة خاطفة أرسلها وليد إلي مليئة بالتحذير...
    عبر الشرطي في المطبخ وهو يدوس بحذائه على الأرضية... وسار نحو المخزن وتفقده... ثم اتجه نحو الباب الخارجي وأمسك بقبضته وأدارها...
    كنت حينها أتصبب عرقا وأكتم أنفاسي... وأقف مختبئة خلف وليد...
    سمعت الشرطي يسأل:
    "أين المفتاح؟؟"
    فأجاب وليد:
    "مفقود منذ زمن"
    فسأل الشرطي:
    "ماذا يوجد خلف الباب؟"
    فأجاب وليد:
    "الفناء الخلفي للمنزل"
    فسار الشرطي متراجعا نحو باب المطبخ الداخلي... وغادره...
    استدار وليد إلي ولم ينبس ببنت شفة... وبقينا نركز سمعنا على حركة رجال الشرطة وهم يفتشون في أرجاء المنزل...
    أقبل أحدهم بعد ذلك إلينا وسأل:
    "الغرف في الطابق العلوي مقفلة... أين المفاتيح؟؟"
    فرد وليد:
    "أجل... إننا لا نستخدم معظمها لذلك نبقيها مقفلة"
    فكرر الشرطي:
    "أين المفاتيح؟؟"
    فقال وليد:
    "سأجلبها لكم"
    ثم التفت إلي وقال:
    "تعالي معي"
    وسرنا جنبا إلى جنب إلى غرفة مكتب وليد... حيث استخرج المفاتيح وسلمها للشرطي فقال الأخير:
    "رافقنا للأعلى"
    فقال وليد:
    "الفتاة مصابة كما ترى..."
    مشيرا إلى عكازي. فسلم الشرطي المفاتيح لرفقائه وأمرهم بتفتيش جميع الغرف... وبقي هو واثنان من أتباعه معنا في المكتب...
    قال الشرطي:
    "إذن... هل تقيمان بمفردكما هنا؟؟"
    فأجاب وليد:
    "تقيم معنا خادمة بشكل متقطع. وزوجتي مسافرة للحداد على والدتها المتوفاة مؤخرا"
    سأل الشرطي:
    "لمن ملكية هذا المنزل؟؟"
    فقال وليد:
    "ملكية مشتركة بيني وبين أخوتي وابنة عمي"
    فقال الشرطي:
    "والسيد سامر آل شاكر... ألا يقيم هنا؟؟"
    فأجاب وليد:
    "كلا.. إنه يقطن الشمال منذ سنين"
    واستمر الشرطي بطرح عدة أسئلة, أجاب عنها وليد بتماسك مصطنع... إلى أن أقبل رجال الشرطة وقالوا:
    "لا أحد في الطابق العلوي"
    فقال الشرطي القائد:
    "فتشوا الفناء"
    وهنا أحسست بيد وليد تنتفض... ولو لم يكن الشرطي ينظر نحو أتباعه لحظتها للاحظ ما لاحظت... واكتشف سرنا...
    أخذت أبتهل إلى الله في أعماقي أن يعمي أبصارهم عن مكان سامر... دعوته بكل جوارحي وأنا متأكدة من أن وليد يلهج بالدعاء مثلي...
    يا رب إننا لا نملك إلا قلوبنا لتتضرع إليك... لا تخيّب رجائنا المتعلق بوجهك الكريم...
    غادر الشرطي القائد المكتب لاحقا بأتباعه... التفتُ إلى وليد والذعر يملأ وجهي فنظر إلي نظرة حمراء مرعبة... وقد تحول بياض عينيه إلى بحر من الدماء المغلية... ثم رأيت يده تتحرك نحو أحد جيوبه... ويخرج منه... مسدسا!!!
    شهقت فزعا فوضع وليد يده الأخرى على فمي يكتم شهقتي... وقال:
    "سأقتلهم إن لمسوه يا رغد"
    حاولت أن أتنفس ولم أستطع... احتقنت الدماء في وجهي واحتبس الهواء في صدري... كدت أقع مغشية من الذهول والفزع... سمعنا وقع أقدام تقترب... فخبأ وليد المسدس خلف ظهره واقترب من باب المكتب... ووقف على أهبة الاستعداد لأن يصوب المسدس نحو رجال الشرطة...
    أقبل الشرطي القائد وخلفه بعض من أتباعه, ووقف إزاء وليد ثم قال:
    "إذا جاء إلى هنا أو عرفتم له طريقا فمن الخير له ولكم أن تبلغونا. إنه مجرد مشتبه به وليس متهم. سنطلق سراحه بعد استجواب دقيق وينتهي كل شيء"
    ثم أشار إلى جنوده بالانصراف, وغادروا الجميع المنزل...

    ********

    التفت إلى رغد غير مصدق بأن الشرطة قد غادرت بالفعل... دون أخي... كنت أريد أن أسمع منها تأكيدا للأمر حتى أصدقه... غير أني رأيتها فجأة تنحني على المقعد وتتنفس بقوة وتئن...
    أعدت المسدس إلى جيبي وأسرعت إليها وانحنيت إلى جانبها بقلق شديد وقلت:
    "رغد أأنت بخير؟؟"
    فقال وهي تلتهم الهواء التهاما:
    "سأختنق... أكاد أختنق"
    وكان جسدها يرتعش من الذعر ووجها يسبح في بحيرة من العرق...
    شددت على يديها وأنا أقول:
    "أرجوك تشجعي... بسم الله عليك... تماسكي صغيرتي"
    وإذا بيديها تطبقان على ذراعي ووجها يندفن في ثنايا كم قميصي وهي تصيح منهارة:
    "أنا لا أتحمل هذا... سأموت من الخوف..."
    حاولت أن أهدئها قليلا ثم نهضت واقفا وابتعدت فصرخت:
    "إلى أين تذهب؟؟"
    فأجبت:
    "إلى سامر"
    وهرولت مسرعا تتبعني نداءاتها:
    "لا تتركني وحدي...!"
    من بين كومة السجاد... حركت اللفافة التي تغلف شقيقي... فتحتها بسرعة واستخرجت أخي من جوفها... أمسكت بكتفيه... ثم جعلت أنفض التراب عن وجهه وشعره وأنا أخاطبه:
    "نجونا يا عزيزي... لقد رحلوا"
    نظر إلي سامر نظرة حزينة موجعة... فقلت:
    "سامحني يا عزيزي... لم أكن أريد أن أفعل بك هذا... سامحني"
    ثم طوقته بذراعي وجذبته إلى صدري وعانقته عناقا حميما...
    بعد ذلك أخذته إلى داخل المطبخ وقدمت إليه الماء فشرب كمية كبيرة... لا تقل عن الكمية التي أفرغتها في جوفي بسرعة...
    قلت بعدها:
    "لم يعد البيت آمنا لك... سآخذك إلى مكان آخر حتى يحين موعد الرحيل"
    جلس أخي على أحد المقاعد الموزعة على الطاولة, ووضع رأسه على الطاولة باستسلام وتأوه...
    قلت وأنا أتحرك نحو الباب الداخلي للمطبخ:
    "سأرى كيف يمكنني إخراجك الآن وإلى أين آخذك"
    وقبل أن أخرج من المطبخ سمعته ينادي:
    "وليد"
    التفت إليه فرأيته ينظر إلي وقد علت قسمات وجهه شتى التعبيرات...
    "لماذا... تفعل هذا لي؟؟"
    سألني وعيناه تكاد تنزفان دمعا من فرط ما هو فيه... فقلت:
    "كيف تسأل يا سامر؟؟ إنك أخي الوحيد... أنا ليس لي في الدنيا شقيق وقريب غيرك..."
    فقال سامر:
    "لكنني..."
    ولم تسعفه الكلمات... فقلت:
    "أنا... لن أرى شقيقي الوحيد... ما تبقى لي من أبوي... ومن الدنيا... يتعرض للخطر وأقف متفرجا... مهما كان حجم ما اقترفته... أنا لن أسمح لمخلوق بإيذائك يا سامر... أرجوك... دعني أنفذ خطتي... ثق بي..."
    وذهبت مسرعا إلى غرفة المعيشة, حيث كنت قد تركت هاتفي المحمول...
    اتصلت بأبي حسام, فأخبرني بأنه كان لا يزال يحوم على مقربة من المنزل, وأن الشرطة قد غادرت ولا شيء يثير الشبهات حول المنزل... فطلبت منه المجيء وفور وصوله أدخلته إلى المنزل فسألني:
    "أين سامر؟؟"
    فأخذته إلى المطبخ, حيث كان سامر يجلس, وكذلك كانت رغد...
    الدهشة علت وجهيّ سامر ورغد لدى رؤية أبي حسام... والأخير توجه مباشرة نحو سامر وشدّ على كتفه وهو يقول:
    "الحمد لله... انك لا تزال بخير"
    سامر نظر إلي بحيرة وقلق, فقلت:
    "إنه يعرف كل شيء... وهو هنا لمساعدتنا"
    وأبو حسام للعلم يعمل في إحدى الدوائر العسكرية, عملا مكتبيا.
    التفتُ إليه وقلت:
    "سآخذ سامر إلى مكان آخر... أرجوك أبق مع رغد حتى أعود... ولا تفتح الباب لأي طارق... سأعود بأقصى سرعة"
    "ماذا؟؟"
    كان هذا صوت رغد تهتف بفزع وهي تهب واقفة وأمارات الخوف جاثمة على وجهها, ثم تقول:
    "لن تتركني وحدي هنا"
    فقلت:
    "أبو حسام سيكون معك"
    فهتفت:
    "لن تتركني وحدي في هذا المكان... لا يمكنني البقاء هنا أكاد أموت ذعرا... أرجوك وليد خذني معك"
    قلت محاولا طمأنتها وتهدئتها قدر الإمكان:
    "يا رغد... المشوار الذي سنقطعه أكثر خطورة... أنت هنا بأمان أكثر... قد يداهمنا رجال الشرطة أو قد يحصل أي شيء في طريقنا, كيف تريدين مني أن أصطحبك؟"
    تحدث أبو حسام موجها الخطاب لرغد:

    "لا وقت لنضيعه في الكلام, يجب أن نخرج سامر من هنا فورا"
    ثم التفت إلي وقال:
    "هيا يا وليد... عجّل..."
    تبادلت النظرات مع أخي وأبي حسام ثم عدت إلى رغد... وحال منظرها الفظيع دون نطقي بأي تعليق. فقال أبو حسام مستعجلا:
    "الآن يا وليد"
    مسحت قطيرات العرق المتجمعة على وجهي وعنقي ثم قلت موجها خطابي إلى رغد:
    "ابقي لحين عودتي... لن أتأخر"
    أغمضت رغد عينيها ذعرا... لكنني لم أستطع غير المضي قدما...
    التفتُ إلى شقيقي الجالس على المقعد وقلت:
    "هيا بنا... توكلنا على الله"
    لم يتحرك سامر بادئ ذي بدء... ظهر هادئا مستسلما يائسا... وكأن الأمر لا يعنيه أو أنه فاقد الأمل في النجاة...
    نظر أبو حسام إلى سامر وقال محثا إياه على النهوض:
    "هيا يا بني"
    وهو يشد على كتفيه. وقف سامر وعيناه تدوران فيما بيننا وأعيننا معلقة عليه... ثم نطق أخيرا:
    "إلى أين؟؟"
    يسأل عن المخبأ الذي خططت لنقله إليه, فأجبت:
    "مصنع والدي"
    حملق الجميع بي لبرهة... تعلوهم الدهشة.
    مصنع والدي, دمر أثناء غزو العدو على المدينة قبل سنوات... وهو الآن مهجور وخرب ولا تتنازل حتى وحوش البرية للإقامة فيه. يقع المصنع عند أطراف المدينة في مكان ناء... يستغرق الوصول إليها زمنا... خصوصا وأن الشوارع بقيت على حالها مدمرة ومتقطعة...
    أخيرا التفت أبو حسام إلى سامر وقال:
    "توكلا على الله"
    وسار أخي وهو يقترب مني... حيث كنت الأقرب إلى الباب. وعندما صار أمامي... مددت يدي إلى ذراعه وقلت:
    "سامر... ثق بي... اعتمد علي... أعدك بأن تغادر البلد سالما بإذن الله... لقد رتبت لكل شيء... النقود تسهل كل صعب..."
    نظر إلي أخي والهم يعشش على عينيه... نظرة هزتني من الأعماق... فشددت على ذرعه بقوة وقلت:
    "أرجوك... تشجع... وعدني بأنك لن تضيع جهودي عبثا... عدني بأن تلتزم بما أقوله لك... ولا تحاول شيئا آخر... أرجوك عدني"
    أحس أخي الرجاء الشديد في نبرة صوتي, وأخيرا نطق:
    "أعدك... وليد"
    فابتسمت مشجعا... وشددت على ذراعه أكثر... ثم استخرجت من أحد جيوبي السلاح الذي كنت أخفيه...
    قدمته نحو أخي, وهو ينظر إلي مندهشا... فقلت:
    "استخدمه إذا اضطررت..."
    أخذ سامر مسدسه من يدي... وهو يحملق بي غير مصدق... ثم خبأه في أحد جيوبه, ثم عانقني عناقا أخويا حميما...
    حملنا معنا هاتفي وهاتف سامر, والذي كنت قد احتفظت به عندي, وقبل المغادرة التفت إلى رغد... والعم أبي حسام, وقلت:
    "أمانتك لحين عودتي..."
    وأشحت بوجهي قبل أن يحدث منظر رغد في قلبي ثقبا جديدا...
    أخيرا دخلنا أحد المباني... المبنى الذي كان يحوي مقصفا للعمال وغرفة استراحة... كان المبنى الأقل تضررا والذي لا يزال سقفه يقف على جدرانه.
    المكان كان موحشا جدا... لا يثير في النفس إلا الذعر...
    لم تكن هناك أي إنارة عدا بصيص بسيط يتسلل عبر نافذة صغيرة قرب السقف...
    "سيكون هذا جيدا"
    قلت ذلك وأنا أنفض الغبار والأتربة عن أريكة مجاورة وأدعو أخي للجلوس, فرد:
    "ما هو الجيد؟؟"
    وقد غمره الاستياء والنفور الشديدين من المكان... بقي أخي واقفا ينظر إلى ما حوله بازدراء... جلت ببصري في الغرفة ولم أستطع إقناع نفسي بغير شعور أخي... الازدراء...
    قلت مشجعا:
    "لبضع ساعات... تُحتمل"
    وأشرت إليه أن يجلس, لكنه لم يفعل...
    أخي منذ صغره, اعتاد العيش في النعيم. منزلنا الكبير في الجنوب... ومنزلنا الراقي في الشمال... وشقته الفاخرة... أذكر أنه عندما زارني في المزرعة ورأى الغرفة المتواضعة التي كنت أقيم فيها والمنزل البسيط, شعر بالنفور والازدراء...
    قلت:
    "هذا لا شيء... مقارنة بالزنزانة"
    وأنا أتذكر الزنزانة الفظيعة التي أضعت بين جدرانها القذرة ثمان سنوات من عمري...
    نظر سامر إلي باستسلام, ثم جلس على الأريكة كارها. لو لم يكن لدي ما أنجزه للضرورة القصوى, لكنت بقيت برفقته... كيف لي أن أترك أخي في مكان مهجور ومرعب وقذر كهذا؟؟
    قلت وأنا أستعد للمغادرة:
    "سأنهي ما لدي وأعود إليك..."
    وأضفت:
    "كن حذرا... ابق عينيك وأذنيك يقظتين و هاتفني إن حصل شيء على الفور"
    أرسل أخي إلي نظرة قرأت فيها توسلا... بألا أغيب عنه... فرددت على رسالته بنظرة تقول: (انتظرني...)
    وهكذا, غادرت مصنع أبي المهجور... تاركا في قلبه شقيقي الوحيد... وحيدا...
    اتصلت بعد ذلك بالمنزل أطمئن على رغد وأبي حسام وأطمئنها علينا... وتوجهت بعدها لاستلام الوثائق الضرورية التي تلزمنا للسفر... وأنجزت مهاما أخرى...
    لن تصدقوا ما اضطررت لفعله من أجل إنقاذ أخي... لم أكن لأتصور نفسي سألجأ إلى هذا... يوما من الأيام...
    عدت بعد ذلك إلى المنزل... بمجرد دخولي للداخل, وقع بصري على رغد...
    كانت تجلس في الممر... على الأرضية الرخامية... مستندة إلى الجدار... ومادّة رجليها إلى الأمام... وعكازها مرمي إلى جانبها الأيسر وهاتفها إلى جانبها الأيمن... ووجها مغمور في سحابة داكنة من الهلع والاضطراب... حينما رأتني مدت يدها نحوي ونادتني بلهفة:
    "و... ليد"
    كان صوتها ضعيفا واهنا... سلبه الخوف والفزع المقدرة على التماسك... تقدمت نحوها وجلست إلى جانبها... أسندت رأسي إلى الجدار... ومددت رجلي إلى الأمام... مثل وضعها... وأغمضت عيني...
    كنت أريد أن ألتقط بعض الأنفاس... أحسست بيدها تتشبث بذراعي... التفت إليها... وغاصت عيناي في بحر خوفها...
    قلت:
    "قبل بزوغ الفجر...تبدأ رحلتنا يا رغد"
    رغد تحدت ببقايا صوتها قائلة:
    "إلى... أين؟؟"
    فأجبت:
    "برا إلى البلدة المجاورة... ثم جوا إلى الخارج... إلى دانة"
    وشعرت بيدها ترتجف... فقلت:
    "فقط... لنعبر الحدود بسلام... ادعي يا رغد..."
    أغمضت رغد عينيها وكأنها تلح بدعواتها القلبية... إلى الله... فأعدت رأسي إلى الجدار وأغمضت عينيّ ولهج قلبي بالدعاء...
    بعد قليل تحدثت رغد قائلة:
    "لا أكاد أصدق شيئا يا وليد... لا أستطيع أن أستوعب ما يجري... أهو كابوس..؟؟ أرجوك قل لي بأنه كابوس"
    فتحت عينيّ... والتفت إليها... ثم قلت:
    "أتمنى لو أنه كان كابوسا يا رغد... ليته كان كابوسا... آه"
    سألت وهي غير مصدقة:
    "لماذا...؟؟ سامر!! أنا لا أصدق... إنه لا يمكن أن يفعل شيئا... إنه هادئ ومسالم جدا... ماذا فعل؟؟ ولماذا؟؟"
    حملقتُ في رغد... وتأوهت بمرارة... وكان صدري على وشك أن ينفث أدخنة كثيفة من الآهات المتألمة... لا بداية لها ولا نهاية, غير أن أبا حسام أقبل نحونا قادما من مجلس الضيوف... ثم سألني:
    "كيف سارت الأمور؟؟"
    فالتفت إليه وأجبته:
    "كما ينبغي حتى الآن... المهم الحدود.."
    سمعت رغد تقول بقلق:
    "ماذا إن أمسكت بنا الشرطة؟؟ ماذا سيفعلون بنا؟؟"
    عضضت على أسناني توترا... ونظرت إليها وأنا لا أجد جوابا... إلا أن أقول:
    "لا سمح الله... سنكون في مأزق كبير جدا..."
    وجوابي زاد من ارتجاف يدها حتى انتقلت خلجاتها إلى ذراعي وهزتني...
    تقدم أبو حسام, وجلس على عتبات السلم المجاورة لنا... ثم قال:
    "هل يجب أن... تأخذها معكما؟؟"
    فجأة انفلتت أصابع رغد وانفتحت قبضتها عن ذراعي... وما كدت ألتفت إليها حتى انطلقت قائلة بانفعال:
    "طبعا سأذهب معكما"
    وكأنها تخشى أنني سأقول غير ذلك.
    أبو حسام قال:
    "تعرف يا وليد أن في الأمر مخاطرة... أخرجه أولا... ثم عد وخذها أو أفعل ما تشاء"
    كنت لا أزال أحدق في رغد... والتي ما كاد أبو حسام ينهي جملته حتى هتفت وعينها تكادان تقفزان من محجريها من شدة تحديقها بي:
    "سأذهب معكما"
    فقلت مطمئنا وأنا أرى الهلع يجتاح وجه الفتاة:
    "لا تقلقي. فأنا لا أفكر في تركك والسفر إلى خارج البلد"
    وسمعت أبا حسام يقول:
    "ولكن يا وليد... أليس من الآمن لها أن تبقى عند خالتها؟؟ فقط اضمن خروج سامر بالسلامة واطمئن على نجاته ثم تعال وفكر فيما ستفعله"
    قلت:
    "لا أستطيع السفر وترك صغيرتي هنا. لن يرتاح لي بال... لا ينقصني هم آخر..."
    والتفت إلى رغد.. فإذا ببعض الارتياح يمحو آثار الهلع الأخيرة... لكنه كان ارتياحا قصيرا سرعان ما أربكه كما أربكني رنين هاتفي...
    حبست أنفاسي ونظرت إلى شاشة الهاتف بهلع... متوقعا أن يكون هذا سامر... أو أحد الأشخاص الذين أتعامل معهم لتهريبه... أو حتى الشرطة... وعندما رأيت اسم (المزرعة) يظهر على الشاشة أطلقت نفسي المحبوس بقوة...
    "نعم مرحبا"
    "مرحبا يا وليد يا بني... كيف حالك؟"
    لقد كان عمي إلياس. أجبت بعجل دون أن ألقي بالا عليه:
    "بخير"
    فسألني عن أحوال ابنة عمي وأحوال العمل وحتى أحوال الطقس, فرددت مقتضبا:
    "بخير, أهناك شيء؟؟"
    وأحس عمي من ردي ونبرتي أن لدي مشكلة. فسألني:
    "ما الأمر يا بني؟؟"
    فأجبت بضيق:
    "آسف. أنا مشغول الآن"
    فقال:
    "حسنا. هلا اتصلت بي بعدها؟؟"
    فجذبت نفسا ورددت:
    "أنا مشغول جدا يا عم"
    امتزج القلق بنبرة عمي وهو يسأل:
    "أأنت على ما يرام؟؟"
    فأجبت:
    "أجل ولكن لدي مشاكل حرجة"
    فقال:
    "إذن... لن تأتي اليوم أيضا؟؟"
    لقد كان يوم الخميس.. وكان يفترض بي السفر للمزرعة لحل مشكلتي مع أروى الأسبوع الماضي, وأجّلت السفر بسبب سفر أخي المفاجئ, واضطراري للبقاء مع رغد... والآن أرجئه إلى أجل غير مسمى بسبب الورطة الحرجة التي نمر بها...
    قلت:
    "لا يمكن..."
    وأضفت:
    "عمي... سأغيب لفترة غير محددة"
    صمت عمي برهة,لا بد وانه تضايق من ردي... في حين أنه ما فتئ يتصل بي ويطلب حضوري من أجل أروى...
    سمعته بعد البرهة يقول:
    "ولكن أروى..."
    ولم أسمع ما قاله بعدها... إذ أن هاتفي قد استقبل اتصال آخر... وفور إلقائي بنظرة سريعة على الشاشة أجبت المكالمة الثانية بلهفة:
    "نعم سامر هل أنت بخير؟؟"
    وقلبي ينزلق من صدري كما تنزلق قطرات العرق من جبيني...
    رد سامر قائلا:
    "نعم وليد... ألن تأتي؟ المكان موحش هنا جدا"
    ازدردت ريقي ثم قلت:
    "هل سمعت شيئا؟؟ هل حدث شيء؟؟"
    فقال:
    "رأيت أفعى من حولي... الشمس توشك على المغيب ولن أستطيع رؤية حتى يدي بعد قليل... اجلب لي مصباحا"
    علقت:
    "تقول أفعى؟؟"
    فقال:
    "نعم. ومن يدري؟ ربما يوجد عقارب أو ما شابه... والجو حار وخانق"
    قلت:
    "إذن الزم الطابق العلوي. ولو فوق السطح... أنا قادم إليك الآن"
    فرد:
    "نعم أرجوك"
    قلت:
    "توخ الحذر... يحفظك الله"
    وأنهيت المكالمة وهببت واقفا فهبت رغد مستندة إلى عكازها ووقف أبو حسام تباعا... قلت:
    "سأعود إليه"
    فهتفت رغد:
    "لا تتركني مجددا أرجوك"
    فقلت مخاطبا إياها:
    "سآخذ إليه بعض الطعام والماء ومصباحا يدويا... وأبقى لمؤانسته بعض الوقت فالمكان هناك شديد الوحشة"
    قالت رغد:
    "وأنا؟؟"
    نقلت بصري بين رغد وأبي حسام وكدت أنطق بجملتي التالية إلا أن أبا حسام سبقني قائلا:
    "دعني أذهب أنا هذه المرة... وابق أنت مع ابنة عمك"
    وركزت نظري عليه يعلوني التردد... فقال:
    "هات ما يحتاجه... سأبقى برفقته حتى تأتيان فجرا"
    فقلت:
    "و... لكن... يا عم..."
    ولم أكن أعرف ما أريد قوله... وتولّى أبو حسام دفة الكلام وقال:
    "قضاء ليلة كاملة وحيدا في مكان مهجور ومنقطع عن العالم فيما الشرطة تبحث عنك هو ليس بالأمر المتحمل... لا يجب أن نتركه بلا رفيق. سأبقى معه في انتظار مجيئكما صباحا"
    وهكذا اتفقنا على أن يذهب أبو حسام حاملا الحاجيات إلى سامر ويبقى برفقته تلك الليلة...
    كنت أعرف حتى الآن... أنها لن تكون مجرد ليلة عادية... بل ستكون... ليلة رعب وقلق وأرق متواصل... وأنني وإن كنت سأقضيها في منزلي جسديا, فسأقضيها مع سامر روحيا وقلبيا... وأنني لن أعرف للنوم طعما ولا للبال راحة وسأبقى أترقب ساعة بعد ساعة... أذان الفجر... الذي ستعقبه رحلة الفرار...
    هكذا كنت أتوقع لتلك الليلة أن تكون... من أسوأ ليالي عمري... لكنني, ورغم كل توقعاتي وتوجساتي... وجدتها قد اجتاحت كل الحدود... وأتت أشد وأقسى من أن تخطر لي على بال... على الإطلاق...
    ليلة الرعب الأعظم في حياتي تلك... الأفظع والأبشع والأشنع على الإطلاق... قضيتها... مع... وفقط مع... صغيرتي البريئة... شريكة المواقف الفظيعة... والحوادث المريعة...فتاتي الحبيبة رغد...




المواضيع المتشابهه

  1. الفقيره : يوجين مصطفى
    بواسطة ra7aaal في المنتدى منتدى القصص والروايات
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 15 -10 -2007, 02:02 PM
  2. تعيش لأجلك.. تفرح لفرحك وتحزن لحزنك هل عرفتها؟
    بواسطة JLOVEL في المنتدى الموضوعات المتكررة
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 06 -10 -2007, 10:10 AM
  3. أرجوا التثبيت تكريما لأستاذنا الكبير نجيب محفوظ " السيرة الذاتية " خيارات
    بواسطة احمد شوقى في المنتدى النثر والخواطر ونبض المشاعر
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 23 -09 -2006, 11:58 PM
  4. اسير في بحورك واكتب كلماتي خيارات
    بواسطة احمد شوقى في المنتدى النثر والخواطر ونبض المشاعر
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 20 -09 -2006, 05:12 PM
  5. بيانات المجاهدين ليوم السبت
    بواسطة أبو الأبطال في المنتدى منتدى الأخبار
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 20 -03 -2006, 02:24 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك