بسم الله الرحمن الرحيم

الآيات التي وجهت إلى فرعون وقومه كانت تسع آيات، غير تلك الآيات الأخرى التي حدثت بعيدًا عنهم، أو ما كان فيها هلاكهم ، وكان الهدف منها أن يهتدي بها آل فرعون، ويعودوا إلى الله تعالى ربهم وخالقهم .....وجاء تحديد عددها بتسع آيات في سورة الإسراء؛
قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (101) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا (102) الإسراء.
أما اجتماع تفصيل هذه الآيات التسع فجاء في سورة الأعراف؛
قال تعالى: (فَأَلْقَى عَصَاهُ[1] فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ[2] فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ (108) الأعراف.
وقال تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ[3]وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ[4] لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) الأعراف.
وقال تعالى: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ[5]وَالْجَرَادَ[6]وَالْقُمَّلَ[7]وَالضَّفَادِعَ[8]وَالدَّمَ[9] آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ (133) الأعراف.
وكانت آية العصا إرهابًا لفرعون وملئه، ليمتد الصراع مع موسى عليه السلام إلى السحرة، الذين يستنجد بهم فرعون، على مشهد من كل الناس، ونتج عن ذلك تطهير مصر من سطوة السحر وأهله على أرض مصر، بالاستدراج الذي حدث لهم لمواجهة موسى وأخيه عليهما السلام.
أما آية اليد فكانت حفظًا لموسى عليه السلام، من القتل أو السجن، فإن كانت العصا يمكن سحبها وإبعادها بالاحتيال عن موسى عليه السلام، فإن يده لا يمكن نزعها بعيدًا عنه عليه السلام ... فكانت هذه الآية تحذيرًا لهم من الاقتراب من موسى عليه السلام... وهو الوحيد الذي يواجه جبروت جبار، وليس من ورائه قوم يحمونه أو يحسب لهم أي حساب.
وأما الآية الثالثة فهي السنين؛ وهي أخذهم بالقحط، وهم أمة تعتمد على الزراعة، وهلاكهم وضيق عيشهم هو في استمرار القحط عليهم سنين طويلة.
وأما الآية الرابعة فهي نقص الثمرات وهي عدم اكتمال الثمر ووصلة إلى تمام كماله ونضجه، أو تسلط عليه ما يقضي عليه؛ من مرض ودواب وقلة ماء فتقل كمية الثمرات المتوقع الحصول عليها في غير هذه الظروف.
والسنين ونقص الثمرات مرتبطان ببعض فذكرا في آية واحدة.
أما الآيات الخمس الأخيرة من التسع؛ فجاءت في آية واحدة، وارتبط بعضها ببعض؛
فبعد سنين القحط جاءت الآية الخامسةوهي الطوفان؛ والطوفان حادث يتكرر في أرض مصر، وفيه خير كبير، فكثرة المياه تعنى كثرة الطمي، وبهما يزداد الخصب، ويعظم المحصول من الأرض، لكن إذا كان زائدًا عن حده، وطال الزمن قبل انحساره، أصبح نقمة بدلا من أن يكون نعمة، حتى ينحسر ويتراجع.
فجاءت الآية السادسة وهي الجراد؛ الذي ينزع الفرحة بإتلافه الزرع من بين أيديهم، ذاهبًا بأحلامهم بجني الخير الوفير منه، وكثرة الخير يزيد الجراد كثرة وانتشارًا.
وإذا تأتيهم الآية السابعة وهي القراد؛ الذي يكثر ويزاد في الأرض الرطبة وقد ذكر الطوفان من قبل، وليس من سبب هناك يسبب الرطوبة في هذه الأرض غير الطوفان، أما الأمطار فنادرة النزول.
وأما الآية الثامنة فهي الضفادع؛ وهي تأتي من ترجع الطوفان، وتكون الترع والبرك، حيث تتكاثر الضفادع في المياه الراكدة، فزاحمتهم في مياه شربهم، وفي أماكن عيشهم، وعكرت صفو لياليهم بنقيقها.
وكانت الآية التاسعة "الدم" هي آخر هذه الآيات؛ فمما ابتليت به أرض مصر هو انتشار مرض البلهارسيا بسبب قواقع تعيش في المياه الراكدة في الترع والبرك، ومن آثارها نزف الدم مع البول، أما ما ذكر من الإسرائيليات أنه من أراد من بني إسرائيل أن يشرب الماء شربه صافيًا نقيًا، وإذا ناول الإسرائيلي الكوب أحدًا من قوم فرعون ليشرب منه، تحول ماؤه في الحال إلى دم أحمر .... فهذا من عجائب بني إسرائيل!!
وليست المصيبة ألا توجد المذكورات في أرض أو مجتمع، ولكن المصيبة والبلاء في كثرتها وانتشارها..... واجتماع الخمس الأخيرة في آية واحدة، وكلها من نتائج الطوفان الذي ذكر أولاً، ما يفسر وجود ما تلاه من الآيات، ويبعد التصور الخاطئ والخرافات.... والله تعالى أعلم.
وعلى كثرة هذه الآيات فلم تكن تؤثر بهم تأثيرًا يخرجهم من الشرك والكفر إلى الإيمان؛
قال تعالى: (وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48) وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (49) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ (50) الزخرف.
وقوم فرعون هم أول أمة لم يعمهم الهلاك، إنما الذي هلك منهم هم أهل الظلم والبطش فقط، ونجت الذرية والنساء، وأهل المهن والصنائع والعمل.... وكان في استبقائهم حكمة بالغة، فإن في بقائهم منفعة للناس، وإن كانوا هم لا يسألون الله تعالى أجرًا على أعمالهم، إنما يأخذون أجورهم في دنياهم، ممن ينتفع بعملهم، فكانوا ممن يسخرهم الله تعالى للمؤمنين والضعفاء وغيرهم، وما لهم في الآخرة من خلاق.

أبو مسلم/ عبد المجيد العرابلي