في المجتمعات التي يكون فيها للدين، والاسلام على وجه الخصوص، وللافراد والجماعات الذين يرتدون لبوسه، دور فاعل في تشكيل دوافع السلوك لشريحة كبيرة من الافراد والجماعات، يكون من المفيد توظيف القيم الاسلامية في عملية نشر الديمقراطية في المجتمع. وهذا ينطبق على المجتمع العراقي الذي يدين اغلب افراده بالاسلام، ويتأثرون سلوكيا بالكثير من قيمه وافكاره واحكامه التي يحملها اليهم في كثير من الاحيان اشخاص متخصصون بالمعرفة الدينية، ضمن تراتبية معينة ومتفاوتة، وبغض النظر عن مدى فهم الافراد والجماعات واستيعابهم لهذه القيم الاسلامية، بالدرجة التي يمكن معها القول ان الاسلام يشكل مفردة مهمة في تشكيل الذات المجتمعية العراقية. والمجتمعات لا تتخلى عن ذواتها، كما يقول الين تورين، بل قد ترتد اليها، برغم ما قد يبدو من تغييرات فوقية، اذا واجهت غزوا فكريا او سياسيا مضادا او وضعا اجتماعيا او اقتصاديا ضاغطا.وقد اشار الامام محمد باقر الصدر الى دور "المبدأ" في نهضة المجتمعات، واشار الى ان الاسلام هو المبدأ الذي يمكن ان يلعب دورا ملموسا في احداث النهضة، مؤشرا الى مفارقة في غاية الاهمية، وهي ان عموم المسلمين يؤمنون بالاسلام، لكنهم لا يتوفرون على فهم صحيح له في الاعم الاغلب. وهذا يفتح بطبيعة الحال المجال لاساءة استخدام الاسلام وتطبيقه من قبل الافراد والجماعات. لكن الاساءة هنا لا تبرر اقصاء هذه القيم عن الحياة المجتمعية، انما قد تدعو الى ما هو عكس ذلك واقصد به تطوير فهم وتطبيق هذه القيم، واعادة تشكيل علاقة الافراد والجماعات بها، بالشكل الذي يسمح بتوظيفها في حركة النهضة.
تمثل الديمقراطية احدى اهم معالم النهضة التي يسعى المفكرون وقادة الرأي الى تحويلها الى واقع ملموس في اطار المشروع الحضاري الاكبر الهادف الى اقامة الدولة المدنية الحديثة التي تتماهى مع القيم الديمقراطية، الاساسية والرديفة، وفي مقدمتها المواطنة، وسيادة القانون، والتبادل السلمي للسلطة، والشفافية، وحقوق الانسان بما فيها الحرية والعدالة وغير ذلك.
في هذا المسعى الحضاري يواجه المعنيون سؤالا مصيريا وهو الموقف من القيم الاسلامية العليا المنتشرة في ثنايا القران وخاصة تلك المتعلقة بكرامة الانسان وحقوقه وحريته وموقعه في الكون والارض والتي تؤثر بهذا الشكل او ذات في سلوك الافراد وعلاقاتهم.
ربما مال البعض، استصحابا لمبدأ فصل الدين عن السلطة، الى العمل على فصل الدين عن منظومة الدوافع السلوكية للافراد والجماعات في مجتمع موصوف تاريخا وثقافيا بانه مجتمع اسلامي، كالمجتمع العراقي، وقد جربت الدعوات العلمانية والقومية والاشتراكية هذا المنحى، لكنها لم تحقق نتائج ايجابية، لأسباب كثيرة، منها ان هذا الفصل عن منظومة الدوافع ادى الى اصابة مشروعاتها الحضارية والنهضوية بالغربة عن الذات المجتمعية المستهدفة، ما ادى في نهايةالمطاف الى نهايتين ليستا في صالح هذه الدعوات، وهما: سلبية المجتمعات ازاء مشروعات النهضة المذكورة، من جهة، وارتداد هذه المجتمعات الى ذواتها التاريخية التي يحتل فيها الانتماء الى الاسلام موقعا مهما، ان لم نقل مركزيا، من جهة ثانية. وهذا يفسر، جزئيا، سبب صعود الحركات الاسلامية بعد فشل الدعوات القومية والاشتراكية والعلمانية بصورة عامة.
هذه النتيجة تطرح على طاولة البحث الموقف الاخر، وهو التفكير بتوظيف القيم الاسلامية، بما فيها من اخلاقيات وتصورات لصالح الانسان، في مشروع اشاعة الديمقراطية وتجذيرها في المجتمع والدولة. ولا انكر ان هذه الدعوة قد تنطوي، في مرحلة النظر الاولي، او القراءة الاولى، على بعض الاشكاليات المفهومية و المنهجية، والتي قد يلخصها البعض بان الديمقراطية، والقيم الاسلامية ينتميان الى نظامين فكريين ومعرفيين وقيميين مختلفين، ويصعب بالتالي المزج بينهما. وفي ردي الاولى على هذه الاحتجاج اقول ان الدعوة الى توظيف القيم الاسلامية في عملية اشاعة الديمقراطية، لا تعني بالضرورة الدمج بينهما، بل قد لا تعني ذلك ابدا. ولهذا فاني اصررت منذ اوائل ايام الدعوة الى الديمقراطية في مجتمع اسلامي الى القول ان هذه الدعوة لا تعني الدمج بين نظامين، ولا تعني اقحام الديمقراطية او الاسلام في بعضهما البعض، كما لا تعني الادعاء بديمقراطية اسلامية او اسلام ديمقراطي.
اشاعة الديمقراطية تعني ايجاد حوافز سلوكية او مصلحية في شخصية الانسان والجماعات نحو الالتزام بالاليات والقيم الديمقراطية، التي اشرت الى بعضها في السطور السابقة. وهذه العملية سوف تستند الى الكثير من العوامل والمبررات والمسوغات. وليس من الممتنع عقليا ولا منهجيا ان نجد في القيم الاسلامية ما يشجع على التحرك نحو هذه الاليات والقيم والالتزام بها بشكل يصبح فيه ممكنا في وعي الفرد وضميره، الايمان بان احترام حرية الانسان المقابل، مثلا، وهو امر داخل في المنظومة الديمقراطية، ينسجم مع ايمانه الاسلامي الذي يدعو ايضا الى احترام حرية المقابل. هذا مع ملاحظة ضرورة رسم مساحة و اضحة وحدود بينة لهذا التوظيف.