خطبة جمعة بعنوان فضل يوم عرفة


الحمدُ للهِ الذِي تفضَّلَ علينَا بِمواسمِ الخيراتِ, وأكرمَنَا بيومِ عرفاتٍ فجعلَ صيامَهُ مكفرًا للسيئاتِ، وأشهدُ أنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لاَ شريكَ لهُ، القائلُ جلَّ شأنُهُ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ) وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ القائلُ -صلى الله عليه وسلم- : ”افْعَلُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ ، فَإِنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ“. اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَى سيدِنَا محمدٍ وعلَى آلِهِ وأصحابِهِ ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدينِ.

أمَّا بعدُ : فيَا عبادَ اللهِ اتقُوا اللهَ حقَّ التقوَى ، وراقبُوهُ فِي السرِّ والنجوَى، قالَ سبحانَهُ وتعالَى وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ).

أيهَا المسلمونَ : إنَّ يومَ عرفةَ من أيام الإسلام المشهودة وهُوَ من خيرِ أيامِ السَّنةِ كلِّهَا، إنَّهُ فِي شهرٍ حرامٍ وفِي أيامٍ عظامٍ ، وقدْ جعلَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الوقوفَ فيه بعرفةَ الركنَ الأعظمَ فِي الحجِّ، فقالَ: ”الْحَجُّ عَرَفَةُ“.وفيهِ تُقضَى حوائجُ الحجيج، وتُغفرُ زلاتُهُمْ وتُقبلُ دعواتُهُمْ ، وليسَ فضلُ عرفةَ مقصورًا علَى أهلِ الموقفِ بلْ إنَّهُ يشملُ غيرَ الحاجِّ إذَا تعرَّضَ لنفحاتِ اللهِ تعالَى بالدعاءِ أوِ الصيامِ ، فهُوَ يومٌ تعُمُّ بركتُهُ كلَّ مؤمنٍ وتشملُ خيراتُهُ كلَّ مُحسنٍ، قَالَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :”مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْداً مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِى بِهِمُ الْمَلاَئِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلاَءِ“.

وعَنْ أَبِى قَتَادَةَ الأَنْصَارِىِّ رضىَ اللهُ عنهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ ، فَقَالَ :”يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ“. فالحديثُ الأولُ يُبَيِّنُ عطاءَ اللهِ تعالَى للحاجِّ ، والحديثُ الثاني يُبينُ عطاءَ اللهِ لغيرِ الحاجِّ، إذْ إنَّ صومَ يومِ عرفةَ مشروعٌ لغيرِ الحاجِّ .

ومِنْ فضائلِ يومِ عرفةَ علَى الحاجِّ وغيرِهِ أنَّ الدعاءَ فيهِ خيرُ الدعاءِ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :”أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ“.

ومِنْ فضائلِهِ أنَّ اللهَ تعالَى أكْمَلَ فيهِ الدينَ وأتَمَّ فيهِ النعمةَ، فعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ رضيَ اللهُ عنهُمَا: أنهُ قرأَ هَذِهِ الآيَةَ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) وقَالَ : نَزَلَتْ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ.

وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ”يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلاَمِ ، وَهِىَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ“.

أيهَا المسلمونَ : قدْ أخذَ اللهُ تعالَى الميثاقَ علَى بنِي آدمَ يومَ عرفةَ بالإيمانِ بهِ وحدَهُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :”أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِنَعْمَانَ - يَعْنِى عَرَفَةَ - فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا ، فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلاً ، قَالَ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ )“.

والوقوفُ بعرفاتٍ قديمٌ ، فقدْ وقفَ آدمُ عليهِ السلامُ بعرفاتٍ وتوالتِ الأنبياءُ عليهمُ السلامُ بعدَهُ إلَى خاتمِهِمْ سيدِنَا محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- فقدْ وقفَ وَلَمْ يَزَلْ وَاقِفاً حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلاً حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ ألاَ فتعرضُوا لنفحاتِ اللهِ تعالَى واغتنمُوا الأوقاتَ الفاضلةَ بالطاعةِ والإنابةِ ، وشمرُوا ليومِ عرفةَ قبلَ مجيئِهِ، فمَنْ كانَ حاجًّا فعليهِ بالدعاءِ والتضرعِ وحُسنِ الاعتذارِ إلَى اللهِ عزَّ وجلَّ ، ومنْ كانَ مقيمًا فِي أهلِهِ فعليهِ بالصيامِ والدعاءِ والإكثارِ مِنَ العملِ الصالِحِ ، وأبشرُوا فإنَّ اللهَ تعالَى عندَ ظنِّ عبدِهِ بهِ ، وإنهُ أكرمُ مِنْ أنْ يحرِمَ عبدًا دعاهُ أوْ يردَّ مَنْ سألَهُ .

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وأَستغفرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.


الخُطْبَةُ الثَّانية


الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورسولُهُ، فاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أما بَعْدُ: فاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، واعلمُوا أنَّ يومَ عرفةَ يومٌ عظيمُ الفضلِ جليلُ القدرِ، يتجَلَّى اللهُ تعالَى فيهِ بأعظمِ مظاهرِ التجلِّي عَلَى حُجاجِ بيتِهِ الحرامِ، فيجيبُ دعاءَهُمْ، ويُحقِّقُ رجاءَهُمْ، ويغفرُ ذنوبَهُمْ، ويعتِقُ رقابَهُمْ مِنَ النارِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :”مَا رُئِىَ الشَّيْطَانُ يَوْماً هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلاَ أَدْحَرُ وَلاَ أَحْقَرُ وَلاَ أَغْيَظُ مِنْهُ فِى يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَمَا ذَاكَ إِلاَّ لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ“.

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَىإِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) ويَقُولُ الرسولُ -صلى الله عليه وسلم- :”مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً“ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَاجْمَعِ اللَّهُمَّ أُمَّتَنَا عَلَى الْخَيْرِ وَالسَّدَادِ، اللَّهُمَّ أصلحْ لنا دينَنَا الذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا وأصلحْ لنا دُنيانَا الَّتِي فيهَا معاشُنَا وأصلحْ لنا آخِرَتَنَا التي فيها معادُنَا، وَاجْعَلِ الحياةَ زيادةً لنا في كُلِّ خَيْرٍ، اللَّهُمَّ لاَ تَدَعْ لَنَا ذَنْبًا إِلاَّ غَفَرْتَهُ، وَلاَ دَيْنًا إِلاَّ قَضَيْتَهُ، وَلاَ مَرِيضًا إِلاَّ شَفَيْتَهُ وَعَافَيْتَهُ، وَلاَ حَاجَةً مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا إِلاَّ قَضَيْتَهَا وَيَسَّرْتَهَا لَنَا يَا أَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ، وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللَّهُ ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ ، أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ إِلَيْكَ ، اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَهُ خَيْرًا ، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلاَ تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُكَ الْمَغْفِرَةَ والثَّوَابَ لِمَنْ بَنَى هَذَا الْمَسْجِدَ وَلِوَالِدَيْهِ، وَلِكُلِّ مَنْ عَمِلَ فِيهِ صَالِحًا وَإِحْسَانًا، وَاغْفِرِ اللَّهُمَّ لِكُلِّ مَنْ بَنَى لَكَ مَسْجِدًا يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ وَقْفَ الْمُحْسِنِينَ لَهُمْ إِحْسَاناً، وَتَبَرُّعَهُمْ بِهِ عَفْوًا وَغُفْرَانًا، وَاجْعَلْهُ فِي قُبُورِهِمْ ذُخْرًا وَنُورًا، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ نَعِيمًا وَسَلاَمًا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِكُلِّ مَنْ وَقَفَ لَكَ وَقْفًا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى عِبَادِكَ، وَاحْفَظْهُ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا رَزَقْتَهُ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْ الشَّيْخَ زَايِدَ والشَّيْخَ مَكْتُومَ وإخوانَهما شيوخَ الإماراتِ الذينَ انتقلُوا إلى رحمتِكَ، اللَّهُمَّ أَنْزِلْهُم مُنْزَلاً مُبَارَكًا، وأَفِضْ عَلَيْهِم مِنْ رَحَمَاتِكَ وَبَرَكَاتِكَ، وَاجْعَلْ مَا قَدَّموا فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِهِم يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا الشَّيْخَ خليفةَ بنَ زايدٍ وَنَائِبَهُ إِلَى مَا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ، وَأَيِّدْ إِخْوَانَهُ حُكَّامَ الإِمَارَاتِ أجمعين، اللَّهُمَّ اجْعَلْ بَلَدَنَا هَذَا آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ، وَوَفِّقْنَا جَمِيعًا لِلسَّيْرِ عَلَى مَا يُحَقِّقُ الْخَيْرَ وَالرِّفْعَةَ لِهَذِهِ الْبِلاَدِ وَأَهْلِهَا أَجْمَعِينَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ صَلاَتَنَا وَقِيَامَنَا، وَاجْعَلْ جَمِيعَ أَعْمَالِنَا خَالِصَةً لِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ.

اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلاَةَ.


وهذا كله نقلا عن موقع دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي