كتب الدكتور جواد علي في الجزء الثاني من مؤلفه "تاريخ العرب قبل الإسلام" فصلا خاصاً عن حضارة دلمون ".. وورد في النصوص الاكدية والسومرية اسم موضع آخر له علاقة على رأي غالبية العلماء ببلاد العرب هو موضع (Ni-Tuk-Ki) (Ni-Kuk) وهو دلمون Dilmun أو تلمون Tilmun وقد نذكر في النصوص الآشورية كذلك. ويظن الباحثون انه (البحرين) أو البحرين والسواحل المقابلة لها. وقد اشتهر موضع دلمون بتمره ومعادنه مثل النحاس والبرنز وبأخشابه. وكانت به مملكة يحكمها ملك. وقد ذهب كرامر إلى أن دلمون هي الأراضي التي تقع في جنوب غربي إيران وتمتد من جنوب مملكة عيلام إلى ما يقابل مضيق هرمز، ودليله على ذلك ما ورد في نص سومري، من وقوع دلمون في المشرق حيث تشرق الشمس ولهذا وجب أن تكون هذه الأرض في شرق سومر، لا في الجنوب كما هي الحال بالنسبة إلى موقع (البحرين) أو السواحل المقابلة لها. وإذا اقترن اسم دلمون باسم "مجان" و "ملوخا" وورد في النصوص الآشورية أن هذه الأرضيين تقع جنوب بيت يكين Matu Bit-ia-Kim التي تقع جنوب سومر على ساحل الأنهر المالحة أي مياه البحر وهو الخليج فان هذا الوصف يحملنا على حد قوله إلى التفكير في وقوع دلمون في جنوب غربي إيران أي في السواحل الشرقية للخليج المقابلة للبحرين والعروض.

غير أن أكثرية الباحثين ترى- كما قلت- إن دلمون هي البحرين للإشارات الواردة في النصوص الآشورية التي تدل علي أنها كانت جزيرة تحيط بها المياه، وان ملكها كان يعيش كالسمكة في وسط البحر على بعد 30 بيرو وقد ذكرها سرجون 732- 705 ق. م وآشور بانيبال. ويفهم من أقوالهما أنها جزيرة في البحر. والمسافة التي ذكرها سرجون تكاد تساوي بعد البحرين عن فم نهر الفرات. وهذا ما يحمل على الظن أن المراد ب "دلمون" البحرين - وقد ورد في أخبار سرجون الاكدي انه غزى دلمون أضاف الأرضيين المتاخمة لها إلى مملكته. وان "جوديا" حصل على الخشب. فبعد أن تمكن سنحاريب من بابل ودكها دكاً عزم على ضم دلمون إلى مملكته، أرسل وفداً إلى ملكها يخبره أمرين: إما الخضوع ل "آشور" وإما الخراب والدمار. فوافق ملك الجزيرة على الاعتراف بسيادة سنحاريب عليه، أرسل له بجزية ثمينة. كذلك كانت هذه الجزيرة في عداد الأرضيين التي كانت خاضعة لآشور بانيبال.

ثم استمر الدكتور جواد علي في ذكر أسطورة "ارض الحياة" وكيف أن هذه الجزيرة تعتبر مدفناً لما جاورها من بلدان خاصة للمنطقة المقابلة لها والمسماة جرها Garrha وهي الأحشاء في الوقت الحاضر. ثم كرر الدكتور جواد علي الرأي القائل بان مقابر (البحرين) فينيقية، ولكنه لا يرجح صحة هذا الرأي وذلك لعدم وجود القرائن والمبررات الكافية لإثبات وجهة النظر هذه.

وبهذا يلخص العلامة جواد عقب أهم ما كتب في التاريخ القديم عن جزر البحرين. ومع انه يرجح وجود حضارة خاصة بالبحرين إلا انه لم يعين بالتحديد وجوه التشابه والفروق بين (البحرين) وجزر البحرين في الجزء الثاني من مؤلفه الذي نشره سنة 1953 ويتضح كذلك أن الدكتور جواد علي فيما كتبه عن دلمون لم يحاول أن يبرز العلاقة بين دلمون وبين كل من مجان (يرجح انه عمان حالياً) وملوخا الهند. وربما تكشف التنقيبات الجارية للبعثة الدانمركية في البحرين منذ عام 1953 وبلدان الخليج عن بعض الحقائق حول هذه التسميات ومواضعها الأصلية.

ولقد ورد في الجزء الثاني من مؤلف الدكتور جواد علي أيضا ما ملخصه أن: مجان هو القسم الشرقي من الجزيرة (جزيرة العرب) من ارض بابل إلى الجنوب وفي رأي "هومل" كذلك أن مجان كانت في المنطقة المسماة كا 22 كاحل وملوخا هو القسم الغربي من جزيرة العرب أو في القسم الشمالي الغربي منها ولكن نفس المصدر يذكر أن ملوخا تقع في المنطقة الواقعة إلى الجنوب من (البحرين) إلى عمان وقد اشتهرت ملوخا بوجود الذهب فيها وبالخشب الثمين. وبين هذه وتلك يرى "موسل" انه من الصعب جدا الاتفاق على موقعي (مجان) و (ملوخا) (1) لان مدلول الاسمين قد تغير مراراً. فالذي يفهم من النصوص التي تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد انهما موضعان يقعان في جزيرة العرب(2) على سواحل الخليج وعلى سواحل البحر الهندي.

ويتبين مما تقدم أنه حتى منتصف القرن العشرين كانت مجان في منطقة (البحرين) وان ملوخا في أمكنة مختلفة من جزيرة العرب وبدون تحديد غير أن تنقيبات البعثة الدانمركية للآثار قد استطاعت في السنوات القليلة الماضية أن تعين حدود دلمون التي كانت حاضرتها البحرين، وبذلك بدأت تكشف النقاب عن إمكانية علاقة (البحرين) بكل من مجان Magan و ملوخا Malukha.

وقد كتبت مجلة التايمز الأميركية في عددها الصادر في 18 أبريل 1960 تحت عنوان "المدينة.. موطن السوماريين" ما ترجمته: انه عندما ينظر المؤرخون إلى التاريخ القديم ليحددوا أول شعب متحضر فانهم يذكرون السوماريين الذين شيدوا مدينة ابراهام (في العراق قديما) حوالي 3000 ق. م، غير أن السوماريين حسب أساطيرهم يعودون بنسبهم إلى موطنهم دلمون التي منها نزحوا إلى العراق بعد "الفيضان" وقد قامت البعثة الدنمركية للآثار بتنقيبات في مقابر جزيرة البحرين أثبتت أن دلمون كانت بالبحرين. ودلمون كانت مدينة منيعة بحصونها، كما كانت منذ القديم الوسط التجاري بين حضارة وادي الرافدين وحضارة الاندوس. وفي المدة الأخيرة وجدت البعثة ختماً دائرياً بين بقايا حانوت نقاش قديم.

وهذا الختم الدائري هو المفتاح الذي استعانت به البعثة الدانمركية في التعرف على معالم تاريخ دلمون أي جزر البحرين. بل أن البعثة الدانمركية بمساعدة جوفري بيبي Geofry Bibby قد كشفت النقاب عن حلقات مفقودة من تأريخ البحرين، فأثبتت بصورة قاطعة أن تاريخ حضارة دلمون يرجع إلى عام 2300 ق. م كما بينت الحفريات الأخيرة في جزر البحرين وما جاورها من مناطق في الخليج حدود حضارة دلمون التي كانت تشمل الساحل الشرقي من شبه جزيرة العرب (وقد عرف هذا الساحل فيما بعد بالجرها Garrha والخط والعروض وهجر الممتد من جزيرة فيلكه(1) بالكويت إلى جنوب جزيرة البحرين. وهذا يعني أن مجان عمان حالياً لا تدخل ضمن حدود دلمون وكذلك فان ملوخا تكون خارج تلك الحدود).

واعتماداً على مذكرات هنري رولنسن H. Rawlinsun عن القبور الملكية في اور Ur من نتائج تنقيبات الكابتن ديوراند في جزيرة البحرين، هذا بالإضافة إلى تقارير البعثة الدانمركية في مجموعة Kuml يتبين انه في الألف الثالث قبل الميلاد كانت هناك حضارة خاصة بدلمون البحرين ومتميزة عن حضارة كل من وادي الرافدين بالعراق والاندوس بالهند. والحفريات التي تمت بجزر البحرين خلال الخمسينات الأخيرة تؤكد وجود تلك الحضارة بدليل قرائن رئيسية نذكر منها على وجه الخصوص

1- المقابر المقببة:
من المعروف لدى علماء الآثار أن المقابر الخاصة بحضارة وادي الاندوس توجد عادة في الحقول والمزارع خارج المدن حيث يدفن أو يحرق الناس موتاهم، وأما سكان وادي الرافدين بالعراق فانهم كانوا يدفنون موتاهم داخل البيوت حيث كانت توجد مقابرهم. ولكن سكان حضارة دلمون ومقابر جزر البحرين خاصة اتخذوا مقابرهم تحت التلال المقببة أماكن لموتاهم في غرف حجرية ذات نمط مميز كما سبق وصفه. ولعل آلاف المقابر المقببة التي مازالت قائمة اليوم عند قرية عالي هي ما تختص به دلمون عما جاورها من حضارات كانت الاتصالات بها وثيقة.
2- نوعية الفخار:
من العينات التي حصلت عليها البعثة الدانمركية للآثار بجزر البحرين تبين أن شكل القلل والأواني الفخارية تختلف في نقوشها وأشكالها عن نظيراتها في حضارتي الاندوس ووادي الرافدين. وهذا دليل على أصالة صناعة الفخار في البحرين. ومن الجدير بالذكر أن هذه الصناعة لم تزل من الصناعات التقليدية المحلية في منطقة عالي أيضا وحيث تتمركز اكثر المقابر الأثرية.
3-الأختام الدائرية:
يصف علماء الآثار أختام وادي الاندوس أنها ذات أشكال مربعة بينما أختام وادي الرافدين ذات أشكال أسطوانية. ولكن الأختام الفريدة التي وجدت بقلعة البحرين عند مدينة دلمون الأثرية وبأعداد كثيرة هي ذات شكل دائري خاص. انظر صورة هذا بالإضافة إلى ما عليها من رسوم ورموز مميزة لبيئة البحرين وأهمها نخلة التمر والغزال.

وخلاصة المطاف أن تاريخ البحرين يتأرجح خلال مختلف العصور في حلقات غير متصلة بين أسطورة "ارض حياة الفردوس " وبين بعض أختام دلمونية يرجع تاريخها إلى عهد باربار -المعبد الأول- حوالي 3400 سنة ق. م مصنوعة من حجر الأستيت ترمز إلى تجارة دلمون البحرية بالنحاس، وهى عبارة عن دعاء أو صلاة للآلهة (انان) آلهة الأرض عند سكان دلمون لحماية تجارتهم البحرية والعودة إلى الأرض.

ويرمز الختم الأوسط إلى نخلة وشخصين دلمونيين وهما ممسكان النخلة بيديهما والنخلة رمز (أنان) آلهة الأرض وشجرتها المفضلة. وممسكان النحاس باليد الأخرى وشخصان واقفان على قطعة من النحاس المصقول. وتبدو طريقة الرسم السومرية. كما يبدو الغزال وهو حيوان انان المفضل. والدعاء: أيها الآلهة انان -آلهة الأرض- باركي تجارتنا بالنحاس حتى نرجع إليك.

الختم مصنوع من الطين ومحفوظ في المتحف الوطني بالبحرين برقم 358 ويرجع تاريخه إلى المعبد الثالث والختم يرمز إلى تطور الحياة الموسيقية لدى حضارة دلمون حيث أن الموسيقار الدلموني يلعب على آلة القيثارة ذات الصندوق الموسيقي الكبير مع وجود صور عن الحياة الطبيعية الثور والغزال ويرمز الختم إلى مدى تطور الحياة الاجتماعية وخاصة فكرة الأمن والصداقة والمحبة لديهم انظر بحث. علي حبيب بوشهري 1980

الموجودات الأثرية التي عثر عليها ضمن حفريات البعثة الدانمركية بجزيرة البحرين، وبين تلك الأساطير وهذه النتف المتبقية من قطع العصر الحجري وأدوات العصر البرونزي يمكن القول بان ساكني منطقة البحرين كانوا من الصيادين ثم اصبحوا كذلك مزارعين(1). ومن الزراعة اشتهرت هذه المنطقة وخاصة في عهد الجرها بالتجارة ومقايضة مختلف البضائع مثل الأخشاب والذهب والنحاس، كما كانت تصدر اللؤلؤ إلى ما جاورها من أمصار.

وان البحرين كانت أرضا مقدسة ذات حضارة مستقلة في مقوماتها وخصائصها وأثارها. ومن الطبيعي أن يتمازج ساكنو البحرين قديماً مع غيرهم من شعوب الخليج شماله وجنوبه، وكان من نتيجة ذلك الاختلاط أن وردت إلى البحرين عدة طوائف وشعوب من الأمم التي خلفت وراءها آثاراً متباينة غمر التاريخ بين طياته العديد منها، والقليل الذي بقي طمسته الأتربة والتغيرات التي حدثت في منطقة الخليج. ولقد حاول أعضاء البعثة الدانمركية أن يعينوا معالم تلك الموجات البشرية من حاول ما درسوه من طبقات أرضية في قلعة البحرين الأثرية وما جاورها من قرى.

واستناداً إلى ما وجد من نوعية الفخار في كل طبقة أرضية وضع ترتيب زمني تقريبي يحدد بعض عصور تاريخ البحرين التي نوجز أهم تواريخها قبل الميلاد كالتالي:

1- من 2459 إلى 2304 قبل الميلاد عصر الطبقة الأولى وتمثلها قلل الفخار ذات الأطراف التي على شكل سلاسل.
2- من 2303 إلى 08 31 قبل الميلاد عصر الاكاديين ويمثله فخار قرية باربار ذو الخطوط البارزة حول محيط الجرة.
3- من 1894 إلى 1165 قبل الميلاد العصر البابلي الأول والكيانيين (1) Kassite ويتمثل عصرهم بالقلل المصنوعة من الفخار العادي المحروق.
4- من 500 قبل الميلاد إلى بداية الميلاد وهو عصر الاخمينيين والسلوقيين ويمثله الفخار المصقول ذو الأشكال المختلفة.

ويلي تلك العصور حلقة بل حلقات أخرى مفقودة من تاريخ البحرين قبل الإسلام خاصة وهى الفترة التي كانت تشمل بضعة قرون من الزمان والتي لم يكن نصيب تاريخ البحرين خلالها أوفر مما سبق تحصيله.

ومسألة التمييز بين البحرين وجزر البحرين كما هي اليوم تكررت في كتابات المؤرخين الإخباريين والذين يشير بعضهم إلى تسمية جزر البحرين بأوال خلال القرن الثاني عشر الميلادي.

ومن مطالعاتنا لروايات الإخباريين ومقارنتها برحلات الجغرافيين العرب نستطيع أن نرجح بأن تسمية البحرين بجزرها الحالية قد بدأت قبيل منتصف القرن الثالث عشر الميلادي و كانت جزيرة البحرين بعد ذلك التاريخ تذكر كجزء منفصل عن البحرين الأم(2).






منقول