معجزة القران فى البلاغة
اخي القاريء الكريم حول موضوع العلم في القرأن الذي اطرحه هنا في حلقات متعددة لكي تعم الفائدة لكل القراء، سوف ابدء بتقديم الموضوع الاول . معجزة القرأن في البلاغة ، راجيا من الاخوة الاعزاء عدم مواخذتي على اطالة المواضيع وعدم الرغبة في اختصارها
**********
الاعجاز هو اثبات عدم القدرة , او القصور عن فعل الشىء . وهو امر خارق للعادة , مقرون بالتحدى سالم عن المعارضة , غير مااعتاد عليه الناس من سنن الكون والظواهر الطبيعية . فلا يمكن لاحد ان يعارض هذا الامر ولايستطيع ان بأتى بمثله . لقد نزل القران الكريم باللغة العربية لاثبات عظمة هذه اللغة وبلاغتها وقد اهتم المسلمون بوجه من اوجه اعجاز القران وهو لبلاغته حيث نزل بلسان ولغة العرب فى وقت كانوا فيه اصحاب الكلام وارباب القلم فوجدوا فيه مالا يستطيعون مجاراته . قال الدكتور اندرى رومان استاذ اللغويات العربية بكلية الاداب بجامعة اكس سان برفانس ( بحكم تخصصى فى اللغة العربية ومعرفتى الطويلة بها ومعاشرتى لها وتعمقى فى دراستها وتدريسها والاتصال بأهم مصادرها ومتابعتها ومعرفتى للغات الاخرى فان الانصاف العلمى يفرض على ان اقول فى بداية محاضرتى ان اللغة العربية هى اعظم لغة فى العالم لما امتازت به من ثراء واسع وتنوع رائع ومرونة كبيرة ومبادىء تطورية عظيمة وقاعدة علمية متقنة الى غير ذلك من الخصائص والمميزات التى تجعل اللغة العربية فى مقدمة اللغات العلمية بل انها اعظمها على الاطلاق ولا اقول لكم هذا بدافع المجاملة وانما هى الحقيقة العلمية المجردة وقد كتب لهذه اللغة الخلود والانتشار اذ اصبحت لغة الدين فحينما حل الدين حلت معه اللغة العربية )

انزل الله على نبيه القران الكريم , وهو نبى امى لايقرأ ولايكتب , فسمعه كل من قرأ وكتب , ومن قال الشعر اصحاب المعلقات والفصاحة والبلاغة , وادرك ان هذا الكلام ليس من صنع البشر , وليس بمقدور احد ان يأتى بمثله مهما اوتى من قوة الكلم . وقد دارت افتراضات كثيرة من مشركى العرب حول القران الكريم , افترضوا ان يكون احد من الناس علم النبى , فقالوا لقد علمه غلام رومى اعجمى يشتغل فى مكة (قينا ) يعنى حدادا , فرد عليهم القران ففند اقوالهم . قال تعالى (لسان الذى يلحدون اليه اعجمى وهذا لسان عربى مبين ) النحل 3-1 وهكذا فأنت ترى ان معجزة كل نبى كانت من جنس مابرع فيه قومه , فقد اشتهر موسى بالسحر وهو ليس بساحر , وكذلك اشتهر المسيح بالطب وشفاء المرضى واحياء الموتى , ولم يكن طبيبا , وكذلك كان النبى محمد اميا يتحدى كل متعلم وبارع فى الكلام , والشعراء , جاءهم بالقران واذهلوا , وعلموا ان مايقوله ليس من كلام البشر . قال محمد بن جرير الطبرى . ان الامى عند العرب هو الذى لايكتب نسبه امه , لان الكتاب كان من الرجال دون النساء , فنسب من لايكتب ولايخط من الرجال الى امه فى جهله بالكتابة دون ابيه , فقد قال النبى عن نفسه (انا امية لاتكتب ولاتحسب ). ويقول الرافعى (مااشبه القران الكريم فى تركيب اعجازه واعجاز تركيبه بصورة كلامية , من نظام هذا الكون الذى اكتنفه العلماء من كل جهة , وتعاوره من كل ناحية , واخلقوا جوانبه بحثا وتفتيشا , ثم هو بعد لايزال عندهم على كل ذلك خلقا جديدا وامرا بعيدا )ومن اهم اعجاز القران ذكرها العلماء بالتفصيل

1- ايجازه . بحيث ترد المعانى الكثيرة فى كلمات قليلة ، مثل قوله تعالى (وقل يارض ابلعى ماءك وياسماء اقلعى وغيض الماء وقضى الامر واستوت على الجودى وقيل بعدا للقوم الظالمين ) هود 44

2- ومن اعجازه احتوائه على شتى العلوم لايحيط بها بشر فى ذلك العصر , وكان اثباتا ودليلا قويا على انه من عند الله المحيط بكل شىء علما .

3- ومن اعجازه ماتضمنه من علم الغيب بأخبار المستقبل ومايكون ، كقوله لقريش (فأن لم تفعلوا ولن تفعلوا ) البقرة 24 , او كقوله (سيهزم الجمع ويولون الدبر )القمر 45 , وكان ذلك فى يوم بدر , وكقوله تعالى (ان الى فرض عليك القران لرادك الى معاد ) القصص 85 . فأعاده الله الى مكة عام الفتح .

4- ومن اعجازه كما ذكرنا سابق هو بلاغته التى وصلت الى مرتبة لم يعهد لها مثيل , والمخالف لما عهد عليه العرب فى كلامهم وبلاغتهم المعهودة .

5- ومن اعجازه عجز الامم جميعا عن معارضته . فقد ذهب البعض الى ان الله صرف العرب عن معارضة القران مع قدرتهم عليها , فكان هذا الصرف او المنع خارقا للعادة .
وقد اتفق البحاث من العرب والمستشرقين على ان القران فى درجة من البلاغة لم يعهد مثلها فى تركيب اللغة وتقصر عنها درجات البلاغة حتى انه حير عقول بلغاء العرب وفطاحل اللغة واثبت لهم ان القران كلام الله تأليفه العجيب واسلوبه الغريب وكمال ربط الايات كما ادهشهم سلامة التركيب وسلامة الترتيب فلا هو بالشعر ولا هو بالنثر وليس من جنس خطب الخطباء او شعر الشعراء ولا هو سحر ساحر وقد اهدى القران الى اللغة العربية لونا طريفا من الابداع لم يكن معروفا قبله الا وهو تكرار بعض الايات ومن ادلة اعجاز القران البلاغى انه فى اغلب المواضع يأتى بلفظ يسير يعبر عن معنى كبير فمثلا (ولكم فى القصاص حياة ) الفاظ يسيرة ذات معان كثيرة ببلاغة غير منتهية الحد. اثبت البحاث من المشتغلين با للغة العربية ان فى القران موسيقا يحس بها المستمع هذه الموسيقا تتمثل فى مقاطعة وفواصله ويقول المختصون ان زيادة حرف او حذف حرف فى بعض الفاظ القران انما يهدف الى المحافظة على الموسيقا ويحرص على النغم الصوتى. والقران معجزة الالهية كلما مر عليها الزمن ظهر للعالم مدى روعة مااشتمله عليه من الاعجاز وكما قلنا فهو فى الدرجة العالية من البلاغة التى لم يعهد مثلها عند العرب ، وتقاصرت عنها درجات بلاغتهم حتى تحيرت فيه عقول العرب ، وهم ارباب الفصاحة. ومن اعجازه ان قارئه لايسأمه وسامعه لايمجه بل تكراره يوجب زيادة محبته ، وانه سهل الحفظ على متعلميه . فقد يسره الله للحفظ ، ويحوى القران اصول الدين والدنيا ، وفيه علوم ظلت خافية حتى اوضح معناها العلم الحديث . وقد تنبأ بأخبار وحوادث كثيرة تحققت بعده . كما اتى بأخبار فى العصر الحديث صحة مااتى به.

ويكفى ان نورد بعض اراء علماء الغرب ومفكريه فى القران الكريم . يقول الدكتور الفرنسى موريس بوكاى ( ان القران افضل كتاب اخرجته العناية الازلية لبنى البشر ، وانه كتاب لاريب فيه ) ويقول هنرى دى كاسترى ( ان القران يستولى على الافكار ويخذ بمجامع القلوب ، ولقد نزل على محمد دليلا على صدق رسالته ) ويقول واشنطن ايروينج ( يحوى القران اسمى المبادىء واكثرها فائدة واخلاصا )ويقول جوتة ( ان تعاليم القران عملية ومطابقة للحاجات الفكرية ) ويستمر قائلا ( ان اسلوب القران فى فحواه وهدفه قوى كبير خصب ومتسامى فى كثير من الاحوال فهكذا فلا عجب ان يكون محل دهشة واعجاب الكثيرين . وان هذا الكتاب كلما قرأناه كلما انجذبنا اليه واثار دهشتنا وفى النهاية خلق فينا احتراما وتقديرا ) . ويقول ليون (حب القران جلالة ومجدا ان الاربعة عشرا قرنا التى مرت عليه لم تستطع ان تخفف ولو بعض الشىء من اسلوبه الذى لايزال غضا كأن عهده با لوجود امس )ويقول الكس لوازون ( خلف محمد للعالم كتابا هو اية البلاغة وسجل الاخلاق وهو كتاب مقدس وليس بين المسائل العلمية المكتشفة حديثا او المكتشفات الحديثة مسألة تتعارض مع الاسس الاسلامية فالانسجام تام بين تعاليم القران والقوانين الطبيعية )ويقول جيمس متشنر ( لعل القران هو اكثر الكتب التى تقرأ فى العالم وهو بكل تأكيد ايسرها حفظا واشدها اثرا فى الحياة اليومية لمن يؤمن به فليس طويلا كالعهد القديم وهو مكتوب بأسلوب رفيع اقرب الى الشعر منه الى النثر ومن مزاياه ان القلوب تخشع عند سماعه وتزداد ايمانا وسمووا واوزانه ومقاطعه كثيرا ماقورنت بدقات الطبول واصداء الطبيعة والاغانى المعروفة فى الجماعات القديمة.
ومن الملاحظ ان القران يتسم بطابع عملى فيما يتعلق با لمعاملات بين الناس وهذا التوفيق بين عبادة الاله الواحد وبين التعاليم العملية جعل القران كتابا فريدا ووحدة متماسكة ) . لقد حقق القران معجزة لاتستطيع اعظم المجاميع العلمية ان تقوم بها ذلك انه مكن للغة العربية فى الارض بحيث لوعاد احد اصحاب رسول الله الينا اليوم لكان ميسورا له ان يتفاهم تمام التفاهم مع المتعلمين من اهل اللغة العربية بل لما وجد صعوبة تذكر بالتخاطب مع الشعوب الناطقة بالضاد. وهذا عكس مايجده مثلا احد معاصرى رابيليه من اهل القرن الخامس عشر الذى هو اقرب الينا من عصر القران من الصعوبة فى مخاطبة العديد الاكبر من فرنسيين اليوم. وان لغة القران وان كانت تمت فى اصولها الى عصور بعيدة قديمة فهى مرنة طيعة تسع التعبير عن كل مايجد من المستكشفات والمخترعات الحديثة دون ان تفقد شيئا من رونقها وسلامتها. هذا ماذكره ايته دينيه فى كتابه (اشعة خاصة بنور الاسلام ) .لانريد هنا ان نطيل الكلام فى اقوال المفكرين والمستشريقن لان محاولة كهذا تحتاج الى مجلدات كثيرة والبحث عن مصادر متنوعة ليس من السهل الحصول عليها ودراستها واقتباس مانحتاجه منها.

ان القران بما اشتمل عليه من هذه المعجزات الكثيرة قد كتب له الخلود فلم يذهب بذهاب الايام ولم يمت بموت الرسول ومن هذا يظهر الفرق جليا بين معجزات محمد فى القران الكريم ومعجزات اخوانه الانبياء فمعجزات محمد فى القران فانها خالدة منذ نزول القران على محمد والى المستقبل حتى تتحقق باقى وعوده وتنباته اما معجزات سائر الرسل والانبياء فمحدودة العدد وقصيرة الامد ذهبت بذهاب زمانهم وماتت بموتهم ولكى نعلم حكمة الله البالغة فى نزول القران على محمد وباللغة العربية لكى يكون هو خاتمة الاديان والشرائع. وكان من اسرار الاعجاز فيه بلوغه من الفصاحة والبيان مبلغا يعجز الخلق اجمعين الاتيان بمثله . وكانت اللغة العربية دون غيرها من اللغات هى التى صيغت بها هذه المعجزة لان اللغة العربية حين مبعث الرسول كانت قد بلغت لدى العرب اوج عظمتها من الاعتناء بها والاعتزاز بها وبالنابغين بها فلما نزل القران لم يسع العربى المتمهر فى لغته الا ان يلقى السلاح من يده ويخضع لسلطان هذا التنزيل وبلاغته ويدين له ويؤمن به عن ادراك ووجدان بعد ان ذاق حلاوته ولمس اعجازه وما فيه من انسجام ووحدة ترابط واعترف العرب ان هذا الذكر الحكيم لايمكن ان يكون كلام مخلوق من البشر انما هو تنزيل من الله تعالى.ولقد نزل القران على امه العرب وهم مطبوعون على اللغة الفصحى منقطعون لاحيائها وترقيتها وكان العرب يقدسون لغتهم العربية وكانوا يقيمون المعارض العامة للتفاخر والتفاضل بفصح الكلام والشعر.. وكانت الفصاحة والبلاغة هى التى تسيطر على عقول خاصتهم وعامتهم فعلمهم وثقافتهم هى الشعر والخطابة حتى كهنتهم كانوا يستقطبون الناس بسجعهم الفصيح. فكانت ايته لهؤلاء القوم هى فصاحة القران الذى عجز عن الاتيان بمثله خطباؤهم وشعراؤهم وكهنتهم .

لقد كان العربى يصاب بذهول عندما يسمع القران ، ويشعر ان اسلوبه فوق امكانات البشر. وقد جاءت الايات القرانية مبسطة لعقول الناس فى ذلك العصر فامنوا بالقران الكريم انه من عند الله. وتقول الدكتورة لورا فاجليرى الاستاذة بمعهد الدراسات الشرقية بميلانو ( ومعجزة الاسلام الاولى هى القران الذى ينقل لنا اخبارا مقطوعا بصحتها فهو كتاب لايمكن تقليده ويعتبر جامعا شاملا واسلوبه اصلى ليس له مثال فى تاريخ الادب العربى كله فى الفترة السابقة على الاسلام ، ونرى اياته وقد تساوت فى بلاغتها حتى عندما نتحدث فى موضوعات كالاوامر والنواهى التى تؤثر عادة فى نغمة الصياغة اللغوية ) وثم تستمر قائلة ( ان العمق وحلاوة الاسلوب قيم لاتلتقى فى العادة ولكنها التقت فى القران الذى وجدت فيه كل الصيغ البلاغية مجالا لتطبيقها تطبيقا سليما. فكيف كان يمكن لهذا الكتاب الرائع ان يكون من عمل محمد العربى الامى )

هناك بعض العلمانيين والملحدين فى العصر الحاضر يقولون ان اعجاز القران للعرب لايدل على ان القران كلام الله بل هو كلام محمد نسبه الى ربه ليستمد قدسيته من هذا النسبة واعجازه جاء من ناحية ان محمدا كان الفرد الكامل فى بيانه بين قومه لذلك جاء قرانه الفرد الكامل ايضا بين ماجاء به قومه ولم يستطيعوا لهذا الاعتبار وحده ان يأتوا بمثله شأن الرجل الفذ بين اقرانه فى كل عصر ويقول الكاتب حسن حنفى فى كتابه (الاسلام والحداثة ) يظن الكثيرون ان كلام الله وكلام البشر نقيضان هذا وحى يوحى وهذا صنع بشرى والحقيقة غير ذلك فقد تداخل كلام البشر فى اصل الوحى (القران ) وهل الايمان يتحدد بقدر اثبات هذا التناقض ؟ نفى البشرية عن كلام الله ونفى الالهية عن كلام الانسان. ونحن نرد عليه قائلين: ان كل من اوتى حظا من حس البيان وذوق البلاغة وصناعة الكلام يفرق بين اسلوب القران واسلوب الحديث النبوى فرقا كبيرا يمثل الفرق بين مقدور الخالق ومقدور المخلوق.

فقد زعم المستشرق مايور ان اهل البدو كانوا كثيرين الاهتمام بتعلم البلاغة وطلاقة اللسان فلا يبعد ان النبى محمد (ص) مارس هذا الفن حتى نبغ فيه. فهذا يعطينا صورة عن موازين البحث عند هؤلاء المستشرقين فالمسألة عنده تقوم وببساطة على استنتاج وهمى وبدون وقائع علمية ثابتة من امر لم يقع فلا العرب كانوا يتعلمون البلاغة ولاكانت لها مدارس واساتذة يضعون قواعدها ولا النبى عرف عنه قبل النبوة فعل ذلك وليس هناك نص واحد يثبت صدق دعواه الظالة بل ان المؤكد ان الرسول لم ينقل عنه نثر او شعر قبل النبوة ونزول القران عليه. ولو كان لهذه الشبهة شىء من الوجاهه لكان اولى الناس ان يرفعوا اتهامهم بها هم اولئك العرب الخلصاء الذين خاطبهم القران فى عصرهم لانهم كانوا احرص على تعجيز محمد واسكاته لكنهم لم يفعلوا ذلك بسبب ادراكهم ويقينهم بظهور المميزات الفائقة بكلام الربوبية عن كلام النبوة لان القران الكريم دخل عليهم من اوسع الابواب وهو طريق الفصاحة والبلاغة العربية وتحداهم من الناحية التى نبغوا فيها العرب وهى صناعة الكلام. ومع ان هؤلاء الذين كانت لديهم القدرة على التعبير ببلاغة كبيرة كانوا كثيرين بين العرب فلم يستطع اى منهم انتاج شىء تمكن مقارنته بالقران لقد حاربوا الرسول بسواعدهم ولكنهم فشلوا تماما فى مبارعة روعة القران.

ولهذه الاسباب كلها لايمكن ان يكون القران من عمل رجل امى قضى كل حياته وسط مجتمع جاهلى.لنقرأ قصة الغرانيق التى تتهم النبى محمد انه ساير المشركين وزاد فى القران من عنده الى غير ذلك من الادعات . ولو كان القران مصدره محمد كما يدعى هؤلاء الملاحدة لامكن هؤلاء العرب البارزين فى البيان ان يعرفوا انه كلامه وهم فرسان ذلك الميدان وائمة الفصاحة والبيان وثم لو كان مصدره نفس محمد لكان من الفخر له ان ينسبه الى نفسه ولاْمكن ان يدعى به الالوهية فضلا عن النبوة ولكان مقدسا فى نظر الناس وهو اله اكثر من قداسته فى نظرهم وهو نبى. وثم ان مضامين القران ومعجزاته العلمية وانبائه الغيبية تبعد هذه الشبهه حول محمد فمن اين له هذا العلم الكامل وهو الرجل الامى الذى عاش فى اظلم عهود الجاهلية؟ هل اخذه من الراهب بحيرا ؟؟ ويقولون ايضا ان محمدا كان له ضربان من الكلام احدهما يعتنى به كل العناية بتهذيبه وتنميقه وتحضيره وذلك هو ماسماه بالقران ونسبه الى الله وثانيهما يرسله ارسالا غير منمق وغير معنى بتحضيره وتحريره وهو المسمى بالحديث النبوى. فهل كان محمد كاذبا على قومه وهو الذى اشتهر بينهم بانه الصادق الامين؟ لقد كان العرب انذاك اميين لايعرفون القراءة ولايحذقون الخط وترجع هذه الامية السائدة فيهم الى غلبة البداوة عليهم وبعدهم عن اسباب الحضارة وعدم اتصالهم بالمتحضرين انذاك الفرس والروم.

وقد نزل القران الكريم على الرسول والعرب فى حالة جهالة مطلقة . ففى تاريخ اليعقوبى (دخل الاسلام وليس فى قريش سوى سبعة عشر رجلا يكتبون وكان منهم جلة الصحابة وبضع نساء . وليس فى جميع اليمن من يقرأ ويكتب واهم علومهم الشعر كانوا يقيمونه مقام الحكمة وكثير العلم ) هكذا كانت حالة العرب قبل الاسلام ونزول القران وكانت الامية منتشرة بينهم جعلت المرء منهم لايعول الا على حافظته وذاكرته فيما يهمه حفظه وذكره فىالصدور. والعرب كانوا امة يضرب بها المثل فى الذكاء وقوة الحفظ وصفاء الطبع حتى كان الرجل منهم يحفظ مايسمعه لاول مرة مهما طال وكثر وان رؤوسهم كانت دواوين شعرهم وصدورهم كانت سجل انسابهم وكتاب وقائعهم وايامهم كل ذلك كان قبل الاسلام بعيدين عن الترف ولاانفاق جهد او وقت فى الكماليات وعندما نزل القران ببلاغته التى فاقت كل بيان واسكت كل معارض ومكابر وهذه البلاغة هى المعجزة من الله لنبيه محمد وتأيدا له.

وقد اخرس القران فى اشراقه وبراعته وجزالة الفاظه وسمو معانيه وهدايته كل متكبر فهذا القران كتاب الله ينطق علينا بالحق ويتحدى بأعجازه كافة الخلق. ان بوسع اى باحث موضوعى متحرر من العصبية وتيارات التقاليد والبيئة ان يرجع فيدرس حياة محمد قبل النبوة وبعدها وان يتعرف على القران من حيث صياغته اللفظية والمعانى التى تضمنها ليدرك بشكل قاطع ان القران ليس من تأليف محمد وكلامه لامن حيث الصياغة اللفظية ولامن حيث المضمون والمعانى ان نظرة سريعة الى ايات العتاب بل ايات التأنيب الشديدة الوجهه الى محمد فى القران تجعل افتراض كون القران من تاليف محمد ووضعه اضحوكة عابثة لايقبلها عقل فكيف اذا وقفت على تلك الايات الاخرى التى تخطىء محمد فى بعض اجتهاداته وترشده الى الصواب المخالف لرايه او التى تتحدث عن انباء تتعلق بماض سحيق ماكان يعلمها لاهو ولا قومه من قبل او التى تتناول قوانين علمية لم يكن الانسان العربى انذاك فى حالة تمكنه من معرفتها والاطلاع عليها.
الفرق بين اسلوب القران والحديث

فى الاسلام مصدران اساسيان هما القران الكريم ، والسنة النبوية يمثلان معا الالهام والخبرة والفكرة والحياة والتفكير والممارسة. والاسلام طريقة حياة اكثر منه طريقة تفكير وتشير جميع التفاسير القرانية الى انه بدون السنة النبوية اى بدون حياة النبى وسيرته واعماله يتعسر فهم القران فهما صحيحا. انه فقط من خلال فهمنا لحياة الرسول يعرض الاسلام نفسه كفلسفة عملية او خطة شاملة للحياة كلها.
فالقران الكريم هو التشريع الاول والدستور الجامع لخير الدنيا والاخرة والقانون المنظم لعلاقة الانسان بالله وعلاقته بالمجتمع الذى يعيش فيه ، ثم السنة هى الاصل الثانى للتشريع وهى شارحة للقران الكريم مفصلة لمجمله مبينة لمبهمه مظهر لاسراره ، حيث ارتبط كثير من كلام الله ورسوله فيها وحديثها عنها واجابتهما عليها ، وبذلك يتمكن الوحى الالهى والكلام النبوى فى شرح امور الدين ، حيث ان القران فى كثير من الاحيان يساير الحوادث والطوارىء فى حال وقوعها ، ويجيب السائلين على اسئلتهم او يفصل فى مشكلة قامت ويقضى على فتنة وقعت ، او يلفت القران انظار المسلمين الى تصحيح اغلاطهم التى وقعوا فيها . وقد اقترن القران بالاعجاز ، واقترنت بعض الاحاديث النبوية بأمور الدين وشرح معانيها ، واقترن بعضها بمعجزات خارقة ، وهناك احاديث كثيرة حول معجزات الرسول وتنبؤاته حول بعض الوقائع التى سوف تحدث بالمستقبل . كثير من الاحاديث النبوية الشريفة حيث يختلف اسلوبها من حيث البلاغة وجودته وروعته عن اسلوب القران الكريم ، وكل من له المام وذوق فى البيان العربى سيجد المدى البعيد بين اسلوبى القران والحديث ، وليؤمن عن صدق ووجدان بان اسلوب التنزيل اعلى واجل من اسلوب الاحاديث النبوية علوا خارقا للعادة ، خارجا عن محيط الطاقة البشرية

ولقد كان هؤلاء العرب يعرفون نبى الاسلام ، ويعرفون مقدرته الكلامية من قبل ان يوحى اليه ، لم يخطر ببال منصف منهم ان يقول ان هذا القران كلام محمد ، وذلك لما يرى من المفارقات الواضحة بين لغه القران ولغة الرسول . وان محمد لم يعرف فى نشأته بينهم بالخطابة ولا بالكتابة ولا بالشعر ، ولم يؤثر انه شاركهم فى معارضهم واسواقهم العامة التى كانوا يقيمونها للتسابق فى البيان والشعر ، بل كان زاهدا فى الظهور ميالا الى العزلة وكل ما اشتهر به قبل النبوة انه كان صادقا ولم يكذب امينا ولم يخن عالى الاخلاق كثير الحياء ومتواضع. فهل يعقل ان هذا الانسان الكامل يتورع عن الكذب على الناس فى حياه وشبابه ثم يجىء فى سن الشيخوخة فيكذب افظع الكذب على الله ؟..

وثم وجود هذه الحقائق العلمية الموجودة فى القران من المستحيل على الانسان ان يتوصل الى معرفتها الا بالاستعانة بالوسائل العلمية الحديثة ، مع معرفة مسبقة لركام من الحقائق الاولية التى يستحيل معرفتها بدونها. وعندما ياتى انسان امى من امة امية ، وقبل اربعة عشر قرنا وهم لايملكون من الوسائل العلمية اى شىء ، ولايعرفون الحقائق الاولية التى يجب الاستناد عليها لادراك المواضيع التى جاء بها. عندما ياتى هذا الانسان ويورد هذه الحقائق فان اى عاقل فى الوجود لايستطيع ان يفرد هذا الامر الا الى قوى خارقة تعلو على الامكانيات البشرية ولن نجد لها اى تفسير الا انها وحى من لدن عليم خبير.

وان هذا الايات انما هى معجزات اعطاها الله رسوله لتكون برهانا على ان ماجاء به هو الحق. اذا لو كانت من عنده لاتى بما يتفق مع معتقدات الناس من حوله او لاتى بشىء لايخرج عن الاطار الفكرى لذلك العصر فهل كان فى زمن الرسول وقبله وبعده احد عنده ذلك العلم؟ كلا انهم كانوا يجهلون كل هذه الاشياء الا بعض فرضيات يشوبها الكثير من الخرافة. والبيئة التى كان يعيش فيها العرب قبل الاسلام صحراء جرداء قليلة المياة وان مثل هذه البيئة تجعل الشعوب التى تعيش فيها بمعزل عن ركب الحضارة فهل يمكن ان ينتشر العلم فى بيئة هذه ظروفها الطبيعية فكيف يستوعبون العرب العلم وقد غلبت عليهم البداوة والتنقل من مكان الى اخر. وهكذا لم يكن للعرب فى الجاهلية اى اثر للعلم عندهم بل كان الجهل فاشيا فيهم والامية منتشرة وكانت الخرافات والاساطير منتشرة بينهم واكثر كتب التاريخ تروى لنا هذه الاساطير التى كانت منتشرة بين العرب. ويقول البلاذرى فى كتابه فتوح البلدان فيقول ( ان الاسلام دخل وفى قريش سبعة عشر رجلا كلهم يكتب ) فكيف اذن ينتشر العلم فى مثل هذه البيئة؟ فكيف يكون للعرب فى الجاهلية نهضة علمية وهم لايعرفون القراءة ولا الكتابة ؟ قال الله فى محكم كتابه (هو الذى بعث فى الاميين رسولا منهم يتلو عليهم ايته ويزكيهم ويعلمهم الكتب والحكمة وان كانوا من قبل لفى ضلل مبين )

لقد امتزج القران بالبلاغة والفصاحة والعلوم الكونية وقد فسر القران وبسط المعارف الكونية لمسايرة افكار الناس البسيطة تفسيرا بسيطا يشبع حاجاتهم من الثقافة العلمية فى ذلك العصر الذى انزل فيه القران الكريم. وقد ادرك الناس فى مايحتويه القران من اعجاز علمى لم يكن مكشوفا لهم سابقا من ناحية مايحويه او يرمز اليه من علوم الكون والاجتماع وهذه العلوم الكونية التى جاء بها القران كشف للناس بأن ليس هناك عداوة بين العلم والدين منذ ان انزل القران على النبى وكان هدف القران مستقبلا هو استمالة غير المسلمين الى الاسلام من هذا الطريق العلمى الذى يخضعون له دون سواه فى هذه الايام.

وهذه الايات العلمية التى تكتشف الان فى القران وتتحقق على ارض الواقع تثبت على انه كلام الله سبحانه وتعالى والايمان به لانه كتاب الساعة ودستور الناس القيم الى يوم القيامة يصلح لكل زمان ومكان وانه كتاب غنى بكل مايحتاجه اليه البشر من الوان السعادة نعود ونقول مرة اخرى ان العرب فى عهد نزول القران كانوا يجهلون جهلا تاما المشاكل الكونية لان الرسول لم يركز عليها وثم ان الانسانية وحضارتها فى ذلك العصر يجهلونها جهلا تاما وكذلك لم يتفرغ العلماء المسلمين لبحثها فتكون الايات العلمية قد اعطيت لاناس هذا العصر الذين سيطرت المفاهيم العلمية على افكارهم فتكون الايات التى اعطيت معجزة لهم هى ايات علمية من فلكية وجيولوجية وفيزيائية الخ . فالقران الكريم يحثنا عن البحث بسنن الكون الذى خلقه الله بمن فيه ومافيه وهو الذى طلب الى العقل البشرى ان ينظر ويفكر فى كل شىء خلقه الله ( ان فى خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس وماانزل الله من السماء من ماء فأحيا به الارض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والارض لايات لقوم يعقلون ) فمن هم القوم الذين يعقلون؟ انهم الذين ينظرون فى اسبابها ويدركون حكمها واسرارها ويستدلون بما فيها من الاتقان والاحكام والقوانين والسنن التى قام عليها هذا النظام على قدرة مبدعها وخالقها والعلوم الطبيعية هى الكاشفة لنا عن اسرار هذا الكون وعن سنن الله فى خلقه. ان القران يحثنا على النظر فى الكون لنصل الى الوقوف على الحقائق العلمية والسنن الكونية وان النظر فى الكون ينتهى بنا الى الحقائق العلمية التى ذكرها القران .

ان ماوصلنا اليه اليوم من حقائق علمية فى الميادين المختلفة للحياة قد زاد من وعينا بقدرة الله وعلمه وحكمته وبديع نظامه واتقانه لكل شىء خلقه وانه من هنا تكون العلوم الطبيعية داخلة فى دراسة المفاهيم القرانية. ( سنريهم اياتنا فى الافاق وفى انفسهم حتى يتبين لهم انه الحق ) فماهى هذه الايات التى سيريها الله للناس فى الافاق وفى انفسهم حتى يتبين لهم ان القران حق من عند الله؟ ماهى هذه الايات ان لم تكن هى الايات العلمية والتى هى حقائق هذا الكون والتى من المستحيل ان يكون قائلها انسانا وجد قبل اربعة عشر قرنا؟ وهل كان باستطاعة محمد او غيره من الذين كانت الانسانية فى عصرهم تجهل كل شىء حول هذه المواضيع العلمية هل كان باستطاعتهم ان يعرفوا شيئا منها بهذه الدقة وهذا الوضوح؟ والتى جاءت بحقائق لايستطيع العلم الا قبولها اللهم انى امنت بك