حقوق الأطفال وتربيتهم في المجتمعات الغربية.. يعلمون أن الصراخ لا يجدي

أسامة أمين*
كان الأطفال حتى مطلع القرن التاسع عشر لا يتمتعون في أوروبا بحقوق تزيد على الدواب، ولم يكن من حقهم الاستفادة من القوانين بأكثر مما تستفيد منها الأبقار أو الجياد أو الخنازير. وغالبًا ما كان الآباء يرون فيهم جزءًا من ممتلكاتهم، يفعلون بهم ما يشاؤون، ولا يستطيع أحد أن يتدخل في ذلك. ولكن التغيير بدأ خطوة وراء خطوة، وأصبحت هيمنة الآباء غير مطلقة، وأصبحت هناك قوانين للأطفال توفر لهم الحماية من استغلال الكبار لهم.

ولعل من أكثر الجمل بساطة، وبلاغة في الوقت نفسه حول هذا الأمر، ما قاله يانوس كورتسكاك في عبارته الشهيرة: «الطفل لا يصبح بمرور الوقت إنسانًا، بل هو إنسان من البداية». والغريب في الأمر أن هذه العبارة، مازالت تعكس حتى اليوم الفكر السائد في بعض المجتمعات، التي غالباً لا ترى في الطفل كائناً فرداً مستقلاً، بل يجري النظر إليه غالبًا باعتباره تابعًا لشخص كبير.

ولا ينعكس هذا التصور الجاحد في مفاهيم المجتمع وحده، بل نجده متفشياً في القوانين أيضاً، وهو الأمر الذي ينبغي ألا يثير العجب، لأن واضعي القوانين هم من السياسيين الذين يحتاجون إلى أصوات الناخبين، ومادام الصغار لا يملكون بطاقة انتخابية فليس لهم (لوبي) يمثل مصالحهم بصورة فاعلة، وبالرغم من حرص كل سياسي على أن يداعب طفلاً، أو يحمل رضيعاً عن أمه، أمام كاميرات التلفزيون، ومصوري الصحف، فإنه لا يخطر بباله، عند التصويت على مشروع قانون ما، مراعاة مدى توفر احتياجات الأطفال من عدمه.

أفنعجب بعد ذلك أن نجد طرقاً وميادين وكباري، تخفف عن سائقي السيارات الزحام الذي يمكن أن يتعرضوا له، لكننا لن نجد من يحرص على تخصيص مساحات للحدائق والملاعب، يجد فيها الأطفال متنفساً للعب والشعور بالسعادة والفرح، عندما يتخلصون من الأماكن المغلقة داخل البيوت.

حقوق الأطفال بين الإعلانات والاتفاقيات

كل ذلك دفع الجمعية العامة للأمم المتحدة لإقرار (إعلان حقوق الطفل)، وذلك في عام 1959م، والذي بقي مجرد إعلان غير ملزم للدول. ولذلك جرى التوصل في عام 1989م إلى (إتفاقية حقوق الطفل)، والتي بدأ العمل بها من 2 سبتمبر 1990م، وأصبح العمل بها ملزماً للدول الموقعة على الاتفاقية. وتتضمن هذه الاتفاقية العديد من الحقوق للطفل، منها:

- حق الطفل الأصيل في الحياة.
- حق الطفل في الحصول على اسم منذ ولادته.
- حق الطفل في اكتساب جنسية.
- حق الطفل في معرفة والديه، وتلقي رعايتهما، وما يقتضيه ذلك من عمل الدول على جمع شمل الأسرة.
- حق الطفل في تكوين آرائه الخاصة، والتعبير عن تلك الآراء في المسائل التي تمسه.
- حق الطفل في الحصول على المعلومات، ونقلها بالكتابة أو بالرسم، أو بأي صورة أخرى مناسبة.
- حق الطفل في حرية التفكير والوجدان والدين.
- حق الطفل في عدم المساس بشرفه أو بسمعته.
- حق الطفل في إعلام مناسب لسنه وعقله.
- حق الطفل في السلامة البدنية والعقلية والنفسية.
- حق الطفل في السلامة من الاستغلال الجنسي له.
- حق الطفل المعوّق في حياة كريمة، في ظروف تكفل له كرامته، وتعزز اعتماده على النفس.
- حق الطفل في أفضل مستوى من الرعاية الصحية.
- حق الطفل في التعليم المجاني.
- حق الطفل في الراحة ووقت الفراغ، ومزاولة الألعاب.
- حق الطفل في الحماية من الاستغلال الاقتصادي، بتشغيله في أحد الأعمال الربحية.
- حق الطفل في عدم التجنيد.

تطبيق حقوق الطفل في الحياة اليومية

من يأتي إلى الغرب لأول مرة، ويدقق البصر فيما يراه، فستلفت نظره ظاهرة عجيبة، هي أن الأطفال هنا لا يصرخون كأطفالنا طوال الوقت، ففي المتجر لا ترى الطفل يضرب أمه، ويركل ويصرخ بتشنج، لأنها لا تريد شراء الحلوى له، من ثم لا ترى الصفعات تهوي على وجهه بمناسبة وبدون مناسبة. السبب في ذلك أن الأمهات والآباء هنا، يعتبرون هذا الكائن الذي لا يزيد طوله على نصف متر إنساناً كاملاً، يناقشونه في كل شيء، ويستمعون إليه باهتمام بالغ، ويتبادلون معه الحجج، حتى يقنع أحدهما برأي الآخر.

في مترو الأنفاق

رأيت طفلاً لا يتعدى الخامسة من عمره يجلس في مترو الأنفاق إلى جانب أمه، وقبل أن يتحرك المترو من المحطة يقول الطفل لأمه اسم المحطة التالية، وفي كل مرة يقول اسماً خاطئاً، فتصحح له الأم اسم المحطة بهدوء، وتبدأ في استعراض المبررات لقدوم المحطة التي ذكرت اسمها، وليست التي ذكرها الطفل، ويطول النقاش حتى تأتي المحطة التالية. واستمر الحال على ذلك مدة ثماني محطات، وهما في حوار مستمر، أصابني بالصداع، ولكنني تعلمت في النهاية أن الطفل قد تعلم الكثير جداً، ليس أهمها أسماء محطات المترو.

تعلم الطفل أن من حوله يصغون إليه، ويحرصون على فهم آرائه، وعليه أن يقول كلاماً جاداً، ومقنعاً، فكر فيه كثيرًا قبل أن ينطق به. تعلم أن يستمع إذا تحدثت الأم، وألا يقاطعها، لأنها ستعطيه فرصة كافية للكلام، تعلم ألا يرفع صوته مادام كلامه يصل بالصوت المنخفض أيضاً، تعلم أن الأفكار تصل باللسان، ولذلك لا داعي للجوء إلى اليد أوالرجل، للتعبير عن أي مشاعر تخالجه. تعلم أنه إنسان له مكانته التي يحترمها الكبار.

في محل الملابس

لا يخطر على بال الكثيرين في الغرب أن يشتروا للطفل هدية عبارة عن ملابس يرتديها، لأن الملابس يعتبرونها شيئاً يعبر عن شخصية كل فرد، ومادام الطفل له حق التمتع بالفردية فلا يجوز أن تفرض عليه، ما لا يتفق مع تفرده هذا. ولذلك ففي أقسام ملابس الأطفال ربما تجد أماكن للعب الأطفال، ولكن ليس الهدف منها أن تترك الطفل يلعب، لتعود بعد الانتهاء من شراء ملابسه بمفردك، بل للتفتيش عن الملابس التي ستعرضها عليه، في إطار المبلغ الذي لا تريد أن تتجاوزه، ثم تعود إليه ليختار، ويلبس هذه الملابس للتجربة، والنظر في المرآة، وعندها وبعد أن يصدر منه الحكم بالموافقة أو بالرفض، يمكنك فقط الشراء. بل إن هناك كثيرين من الآباء والأمهات ممن لا يتورعون عن ترك الأطفال من البداية لينتقوا ما يريدون دون تدخل منهم.

في الروضة

يلتحق الكثير من الأطفال بالروضة في سن الثالثة بسبب عمل الوالدين، ويبدأ الطفل منذ نعومة أظفاره، في تعلم كيفية التعامل مع مختلف الشخصيات، كيف يرد على الطفل العدواني، وكيف يكسب ود الآخرين، وكيف يتنازل عن لعبة تعجبه ليقدمها لآخر انتظره حتى ينتهي من اللعب بها من تلقاء نفسه، ودون شجار أو سباب.

يخصص لكل طفل مكان مستقل في الروضة يضع فيه أعماله الفنية، التي يتعلم من خلالها يوماً بعد يوم، كيفية التعبير عن نفسه. ويخصص مكان ثان للجاكيت الذي يرتديه في الخارج فقط، بسبب برودة الجو.

وهناك لا تهتم المربيات بأن يكتسب الطفل الكثير من المعلومات في الروضة، بل يتعلم كيفية التعلم، كيف يستمع إلى المعلمة دون أن يشغل نفسه باللعب، وكيف يحافظ على دفاتره، وكيف يمسك القلم، وكيفية التلوين بدقة، وقبل ذلك كله، يتعلم أن يقول لا أو نعم، بعد أن يفكر، ويجد في نفسه ميلاً لأمر ما، أو يجد في عقله مبررات ترفض ذلك.

في البيت

يحتل الطفل في البيت الغربي مكانة لا تقل عن الأب أو الأم، فرأيه موضع ترحيب واحترام، له أن يشارك في اختيار المنزل، والأثاث، وتصبح غرفته مملكة خاصة به، له أن يفعل فيها ما يشاء، بشرط مراعاة بعض الأساسيات التي يحددها الأهل.

ولكن حب الأهل للطفل لا يصل أبدًا إلى حد التدليل المفرط، فإذا لم يبدأ الطفل جملته الطلبية بكلمة (من فضلك) لا يجد من يرد عليه، وطبعاً لا وجود لخادمة فلبينية أو سيرلانكية تحضر له كوب الماء، وترتب له فراشه بعد النوم، وتساعده في لبس الحذاء، وتفتش له عن دفاتر المدرسة، ما يتسبب في فساد طباعه، بل يتعلم الطفل منذ صغره تحمل المسؤولية، يرتب دفاتره وكتبه بنفسه، حتى يعثر عليها، يقوم ليحضر لنفسه العصير، حتى لا يبحث في زواج المستقبل عن الخادمة، التي وفرها له الأهل في صغره.

ظاهرة ركض الأم وراء الطفل بطبق الأكل لحشوه بالطعام، لا وجود لها، بل من المستحيل أن يأكل الطفل وهو يلعب، فللطعام آداب لابد من اتباعها، ولا يترك الطفل طاولة الطعام حتى ينتهي الآخرون. كما يتعلم الطفل منذ شهوره الأولى أن ينام بمفرده، له فراشه المستقل في غرفته، ولا يكون الانتقال للنوم مع الأهل، إلا في حالة المرض، والحاجة إلى الرعاية.

لكن أهم ما يتعلمه الطفل في صغره، هو أن البكاء والصراخ لا يجديان مطلقاً، ومهما طالت مدة الصراخ، ومهما ارتفع الصوت، لا يأبه له أحد، وإلا اعتاد هذا الأسلوب في ابتزاز الأهل، كما لا يتدخل أحد الوالدين بأسلوب مخالف لأسلوب الآخر، فإذا رأى الوالد مثلاً حرمان الطفل من نزهة، بسبب تصرف خاطئ ارتكبه، لا يطلب الآخر الصفح عنه. ولا يسعى الجد أو الجدة للضغط على الوالدين لإلغاء عقوبة ما، طلباً في الحصول على حب الطفل، لأنهما يعرفان عواقب ذلك.

بين الإفراط والتفريط

وعلى ما في مراعاة مصلحة الطفل من إيجابيات عديدة، فإن هناك تصرفات وقوانين، يرى الكثيرون أنها مفرطة في مصلحة الطفل، على حساب كل من حوله. فإذا قال الطفل في الروضة إن والديه يضربانه، وثبت ذلك من خلال تقرير طبي، فإن الأمر قد يصل إلى حد نزع الحضانة من الأهل، وتولي دوائر رعاية الأطفال والشباب الإشراف على ذلك.

وإذا تعرفت الابنة المسلمة على شاب غربي، وأقامت علاقة معه، فلا يحق للأب أن يمنعها من مقابلته، وإلا تعرض للملاحقة القانونية. ويكفي أن يتهم الطفل شخصاً بالغاً بأنه قام باستغلاله جنسياً، لتدمير سمعة الشخص البالغ، وتقديمه للمحاكمة، بناء على رسومات للطفل، جرى تفسيرها على أنها تشير إلى حدوث مثل هذا السلوك الشائن.

ومن هذه المبالغات أن طفلاً في الروضة قام بالاعتداء الجنسي على أكثر من طفلة، وفي كل مرة كان أهل الطفلة يكتشفون ذلك، تفرض عليهم الروضة عدم تحذير الآخرين، ولا الحديث عن هذا الأمر خارج الروضة، حفاظاً على خصوصية الطفل، وسمعته، باعتباره غير مسؤول عن تصرفاته.

والخلاصة

أن الطفل إنسان منذ ولادته، ينبغي ألا يؤدي ضعف قدراته البدنية والعقلية، إلى قلة حقوقه، بل لا بد من معاملته باحترام، وإشعاره بفرديته، وبحقه في التعبير عن رأيه، وتوفير أفضل الظروف الصحية والاجتماعية والتعليمية، حتى ينشأ جيل جديد واثق بنفسه، قادر على التفكير المستقل، والإبداع دون كبت لقدراته، وحط من مكانته، على طريقة (إذا تكلم الكبار، سكت الصغار)، أو (ادخل عند أمك).

وفي المقابل لا يجوز أن نصبح أسرى للطفل العنيد، الذي نتحمل نحن مسؤولية سوء تربيته، ولا أن نعطيه من الحقوق، ما يجعل كل من حوله أسرى لمزاجه، وأهوائه.

يمكن أن نجد في المواثيق الدولية ما نستفيد منه في وضع تصور لمستقبل أفضل، ويمكن أن نكتسب من المهارات التي جرى تجربتها في الغرب ما نعزز به تجاربنا